الدكتور محمد عماره ادرك هذا التحريف،
لكنه لا يريد ان
يفرط بذاك النص المحرف لانه كان عمدته فى ما اراد،
فلفق
بين النصين باعتماد الاصل المحرف اساسا للعهد،
فقال: كتب
الحسن فى العهد: (ليس لمعاويه ان يعهد لاحد من بعده -
اى
من بعد الحسن - وان يكون الامر شورى) ((572))!
فادخل عباره(اى من بعد الحسن) لكى لا يقع فى لائمه
ترك
النص الصحيح ..
وارتضى هذا النوع من تدليس الاخبار على ما فيه من
بعد
ونكاره لا ترتضيها لغه العرب!
والاكثر غرابه ان نرى هذا النص المحرف (ليس لمعاويه
ان
يعهد لاحد من بعده، بل يكون الامر بعده شورى) يتسرب
الى
مصادر شيعيه معاصره!
لقد تناقله كتاب جيدون لهم منازل مرموقه فى البحث
والمعرفه، لكنى لا اشك فى انهم نقلوه غفله، عن حسن
قصد
وحسن ظن حين راوا كثره من تناقله من كتاب معاصرين
خاصه، ومن هولاء الساده: الشيخ محمد جواد مغنيه،
والدكتور
حسن عباس حسن((573)).
كما وردت عند بعضهم زياده اخرى على النص لم نعثر لها
على
مصدر اسبق من النسابه ابن عنبه الحسنى (828ه) جعل
الشرط فيه: ان للحسن ولايه الامر بعد معاويه، فان
حدث به
حدث فللحسين
((574)).
وهذا ليس مما يستنكر، لكنه صح او لم يصح ليس فيه
مزيد اثر
على ما نحن فيه من نفى اشتراط الحسن(ع) للشورى من
جديد، بل فيه مزيد تاكيد على حفظ الخلافه فى اهل
البيت.
بعد هذه الجوله اليسيره جدا فى موضوع طويل كهذا
نستطيع
ان نشخص امهات المشاكل التى حجبت الحقيقه الواحده
عن
الناس جيلا بعد جيل..
راينا كيف ساهم: التاريخ السياسى، والروى
المذهبيه، والغفله
احيانا، فى اضفاء الغموض ومزيد من الغموض على قضيه
حاسمه فى معرفه الوجهه الاصح فى مسار الاسلام كله.
الباب الثالث
اجراء عملى، وآخر نظرى .. كان كل منهما كفيلا بقطع
طرق
النزاع، وتفويت الفرصه امام اى منازع..
-فحين اوشك ان يجيب داعى ربه، جهز النبى جيشا كبيرا
جمع فيه جل المهاجرين والانصار، وفيهم ابو بكر وعمر
وابو
عبيده((575))،
وامر عليهم الشاب الامير اسامه بن زيد، ابن
السابعه عشر او الثامنه عشر، وامره ان يسير بجيشه
صوب
فلسطين((576))،
وان يعجل المسير، وكلما ثقل عليه المرض
ودنا اجله قال: (انفذوا بعثه اسامه) يكررها((577))!
ويغلظ
القول فى المتباطئين عنها((578))!
انه تمهيد عملى لا شك فيه لخلافه على الذى ابقاه الى
جنبه،
وتهيئه المدينه لمبايعته بعد خلوها من المنافسين
الذين كانوا
يحولون ليس دون المبايعه لعلى، بل حتى دون ما
يحتمها من
امر النبى!
فلم تنفذ بعثه اسامه، رغم مرور نحو شهر ونصف على
الامر
بانفاذها عاجلا((579))، ورغم تكرر امر النبى
بانفاذها!!
واعتذروا لتاخرهم: بمرض النبى، وبانهم لا يريدون ان
يغيبوا
عنه ساعه وفاته((580))، ولا يريدون ان يسالوا عنه
الركبان.
لكن النبى(ص) كان يريد ذلك!! كان يريد ذلك بوضوح،
والا
لماذا هذا التاكيد على انفاذ البعثه ايام اشتداد
مرضه
بالخصوص؟!
لقد كان يوكد ذلك فى اثقل ساعات مرضه، وحين يصعب
عليه
الكلام كان يوكده بالاشاره((581))!
انه اوضح شىء باختلاف الارادتين، ارادته فى ان
يذهبوا والا
يشهدوا ساعه وفاته، وارادتهم ان يتاخروا حتى
يشهدوها!
واليوم فينا كثره كاثره هى اشد ما تكون تحمسا لهذه
الاراده
الاخيره وتجعلها عذرا لا شىء اقوى منه على تخلفهم
وعدم
استجابتهم لامر النبى!
وبين ذلك الجمع الكبير لم نجد من كان يثيره هذا
التباطو ازاء
التاكيد المستمر من قبل النبى، لم نجد من صرخ فيهم
وعاب
عليهم تباطاهم وحثهم على تلبيه امر النبى الذى هو
اعلم بما
يصلحهم، واحرص عليهم من انفسهم!
اما اجراوه النظرى الاخير، فكان قبيل وفاته وحين
كان يشتد
عليه المرض حينا بعد حين، وعلى الارجح انه كان قبل
وفاته
بنحو اربعه ايام، وتحديدا كان يوم الخميس، ذاك الذى
بكاه
حبر الامه ابن عباس بكاء عجبا، فصور رواه حديثه
بكاءه كما
صوروا حديثه: يتوجع ابن عباس ويقول: يوم الخميس، وما
يوم
الخميس!!ثم يبكى حتى يبل دمعه الحصى.. قيل له: يابن
عباس، وما يوم الخميس؟
فقال وكانه يترقب هذا السوال: اشتد برسول اللّه(ص)
وجعه،
فقال: (ائتونى اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدى).
فقال عمر: ان رسول اللّه قد غلب عليه الوجع، وعندكم
القرآن،
حسبنا كتاب اللّه!!
فكان ابن عباس يقول: ان الرزيه كل الرزيه ما حال بين
رسول
اللّه(ص) وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم
ولغطهم((582)).
فحالوا اذن دون ذلك ايضا..
ان مبدءا يفصل بين كتاب اللّه وبين رسول اللّه (ص)،
لم يكن
يعرفه الاسلام من قبل، ولا عرفه من بعد! فان كان
(حسبنا
كتاب اللّه) فكتاب اللّه يقول:(من يطع الرسول فقد
اطاع
اللّه)((583)).
ويقول: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا)((584)).
ويقول: (وما كان لمومن ولا مومنه اذا قضى اللّه
ورسوله امرا ان
يكون لهم الخيره من امرهم)((585)).
ويقول: (يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى
اللّه
ورسوله)
((586)).
ويقول: (يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق
صوت النبى
ولاتجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط
اعمالكم
وانتم لا تشعرون)((587)).
لكن هذا النزاع الذى اجتمع فيه: تقديم بين يدى
الرسول،
ورفع الاصوات فوق صوته، ورد امره، وعصيانه، ثم
نسبته الى
الهجر والهذيان، هذا ايضا لم يعدم العذر والتبرير،
فما صنع عمر
ذلك الا حرصا على الاسلام((588))!!
فهل اوشك النبى ان يفرط فى الاسلام او يدمره، فهب
عمر
لاستنقاذه؟!
اى عذر هذا؟!
نتهم النبى مره بعد مره، لاجل ان نعتذر لصحابى!!
لكن الذى سموه (حرصا على الاسلام) هو الذى سماه حبر
الامه
(الرزيه كل الرزيه)!!
لقد ادرك عمر بحدسه الثاقب وحذره الشديد ما كان
النبى
يوشك ان يمليه على الصحابه وقد امرهم ان يكتبوه،
فلا يغير،
ولا ينسى، فحال دون ذلك بكل ما يستطيع (وخالف حتى
رفضها)((589)).
لقد وضع عمر بذلك اول دعامه سوف ينهض عليها المسار
الجديد، مهد لها ذلك التباطو الشديد فى انفاذ بعثه
اسامه، ثم
عما قريب سيجنى لها هذا التباطو ثمارها..
-تفرقوا عن النبى(ص)، وجاء يوم الاثنين ولم يزل
الجيش لم
يغادر المدينه، فدعا النبى اسامه وحثه على المسير،
فخرج
وخرج من معه الى عسكرهم يترقبون، فاتاهم النبا
بوفاه
الرسول، فاقبل اسامه ومعه ابو بكر وعمر وابو عبيده((590)).
هذا خبر منسجم مع ما سبقه وما يتلوه من احداث..
لكن خبرا آخر يقول: ان ابا بكر وعمر لم يخرجا مع
اسامه ذلك
اليوم، اما عمر فهو فىالمدينه وقد بلغته وفاه
الرسول قبلابى
بكر فاقبل يكذب الخبر ويصيح فى الناس: ان رجالا من
المنافقين يزعمون ان رسول اللّه توفى، وان رسول
اللّه ما مات
ولكنه ذهب الى ربه كما ذهب موسى فغاب عن قومه اربعين
ليله!
واما ابو بكر فكان فى بيته بالسنح، ولما بلغه خبر
الوفاه جاء
فوجد عمر فى مقالته تلك((591)).
واى الخبرين صح فما كان ليتم لو تمت بعثه اسامه!
وهكذا استقرت الدعامتان اللتان نهض عليهما المسار
الجديد
الى السقيفه، ليتخذ من هناك صورته النهائيه، وسط
خلاف
استمر على الواقع سته اشهر، ليكون فيما بعد نواه
لخلافات
متجدده.
وكان للخلاف وجوه متعدده ومسالك مختلفه،كان كثير
منها
ظاهره صحيه وحيويه لا بد من ظهورها، اما الذين
يفزعهم ذكر
ذلك الخلاف او الاشاره اليه فانما يذهبون مذهبا
سطحيا،
ناهيك عن كونه متهافتا مناقضا للوقائع الثابته.
ويتجلى عمق هذا الاختلاف فى التباعد الكبير بين
تصور عمر
وبين تصور ابن عباس للواقع الجديد. اذ راى فيه عمر
انه
المصلحه التى من اجلها حال دون كتابه وصيه النبى(ص)،
فيما صوره ابن عباس بانه (الرزيه، كل الرزيه)!
ومن كلمه ابن عباس المتفق عليها نرى انه ليس ثمه
ارضيه
لما ذهب اليه ابن تيميه من ان النبى(ص) حين كف عن
كتابه
ذلك الكتاب انما كان لعلمه بان اللّه سيجمعهم على
ما عزم
عليه!
وصدر مقوله ابن تيميه اصدق من ذيلها: (ان النبى لما
راى
الشك قد وقع، علم ان الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق
فيه
فائده! وعلم ان اللّه سيجمعهم على ما عزم عليه)((592))!
اذن قد وقع الشك بين الصحابه .. وفى حياه الرسول ..
وبين
يديه .. وازاء امره الاخير ووصيته الكبرى التى رسمت
مسار
الاسلام من بعده!
واذا وقع الشك وقع الاختلاف .. فهم بين شاك يقول: (غلب
عليه الوجع، حسبنا كتاب اللّه) وبين آخر يقول:
(قربوا يكتب
لكم رسول اللّه ما لا تضلوا بعده ابدا)..
ثم تفرقوا على ذلك الاختلاف..
وغدا يغمض النبى عينيه مفارقا الدنيا واهلها،
لينطلق الفريق
الذى غلب عليه الشك، ينطلق وحده الى السقيفه،
لينتخب
وحده الخليفه!
ومره اخرى: حين وقع الشك، واختلفوا بين يدى الرسول،
وازاء
امره الواجب السمع والطاعه، فليس كل الصحابه اذن
كانوا
دائما مصداق قوله تعالى: (اولئك هم الصادقون)! ولا كل
المهاجرين كانوا كذلك، فالذى نطق بشكه لاول مره،
ورفع نداء
الشك حتى نهايه المطاف، كان رجلا من المهاجرين!!
وبهذه البساطه تنهار الدعامه الكبرى، ان لم تكن
الوحيده،
التى يستند اليها اصحابنا فى حمايه اختيار الصحابه.
والمهاجر الكبير الذى رفع نداء الشك لاول مره،
واثار الشك فى
آخرين من حوله، هو الذى شك مره اخرى، بعد ثلاثه او
اربعه
ايام، شك بوفاه الرسول، ونادى بشكه باعلى صوت ايضا،
الا انه
زاد هذه المره تهديدا بالقتل لمن خالفه فى ما يرى!
ثم بعد
ساعه لا غير، من ذلك النهار، سيتولى لوحده اختيار
خليفه
رسولاللّه!
لقد ساعده على انجاز ذلك مبكرا الفرصه التى هياها
له الانصار
وهم لايشعرون، وبسرعه مذهله لم يخطط لمثلها، حين
اجتمع
اكابرهم فورا وفى اجواء الذهول التى خلفها زلزال
عنيف اصاب
قلوب اهل المدينه فجاه بوفاه الرسول، خاتم
النبيين، اجتمعوا
يسوقهم الى سقيفه بنى ساعده قلق ساورهم على مستقبل
الانصار فى دوله تتزعمها قريش بعد النبى، وكادت
كلمتهم
تجتمع على سعد بن عباده، سيد الخزرج..
وحين فزع عمر وابو بكر وابو عبيده لهذا النبا، ولما
يتم بعد ولم
ينفض اصحابه، لم يكن ذلك الفزع سوى المحفز الاهم
نحو
المبادره الاتيه فى اوانها.. ونفذ الثلاثه فى تجمع
الانصار اتم
نفوذ واتقنه، فاصغى الجميع لكلماتهم، ودار جدل
يسير لم يجد
فيه المهاجرون كبير مشقه فى عرض ما يريدون: (فهم اول
من
عبد اللّه فى الارض، وآمن باللّه وبالرسول، وهم
اولياوه
وعشيرته، واحق الناس بهذا الامر بعده، ولا ينازعهم
ذلك الا
ظالم.. وانتم يا معشر الانصار لا ينكر فضلكم فى
الدين، ولا
سابقتكم العظيمه فى الاسلام، رضيكم اللّه انصارا
لدينه
ورسوله.. فنحن الامراء، وانتم الوزراء)((593)).
(هيهات! لا يجتمع سيفان فى غمد واحد، انه واللّه لا
ترضى
العرب ان تومركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا
تمتنع ان
تولى امرها من كانت النبوه فيهم، وولى امورهم منهم،
ولنا
بذلك على من ابى من العرب الحجه الظاهره والسلطان
المبين.. من ذا ينازعنا سلطان محمد وامارته ونحن
اولياوه
وعشيرته، الا مدل بباطل، او متجانف لاثم او متورط
فى
هلكه)((594))؟!
لم يجدوا كثير عناء الا حيال تهديد الحباب بن
المنذر الذى
جعل السيف جوابه الوحيد على من يقف امام رغبه
الانصار: (يا
معشر الانصار، املكوا على ايديكم ولا تسمعوا مقاله
هذا
واصحابه.. فان ابوا عليكم ما سالتموه فاجلوهم عن هذه
البلاد..
فانتم واللّه احق بهذا الامر منهم، فانه باسيافكم
دان لهذا
الدينمن دان .. انا جذيلها المحكك، وعذيقها
المرجب.. اما واللّه
لئن شئتم لنعدينها جذعه((595))! واللّه لا يرد على احد ما
اقول الا حطمت انفه بالسيف)!
لا يذكر احد هنا لابى بكر كلاما، اما عمر فقد برر
سكوته بانه
كان بينه وبين الحباب منازعه ايام رسول اللّه(ص) وقد
نهاه
النبى ان ينازع الحباب!! فاقسم حينها ان لا يكلمه
كلمه تسووه
ابدا((596)).
لكن الطبرى ينقل ان عمر قد رد على الحباب
قائلا: اذن يقتلك اللّه!
فاجابه الحباب: بل اياك يقتل((597))!
وانقطع الجدل، عند نهايه كانت كفيله ان تعيد
المهاجرين بلا
شىء، لولا ان تداركابو عبيدهالامر بكلمه
هادئه حكيمه
خاطببها الانصار عامه،فطوت ذاك الوعيدوالتهديد،
وانسلت
لها الايدىخجله عن مقابضالسيوف، قالابو
عبيده: (يا معشر
الانصار، انتم اول من نصر وآوى، فلا تكونوا اول من
يبدل
ويغير)!
لحظات من الصمت احدثتها هذه الكلمه، فكان اول من
اغتنمها بشير بن سعد، السيد الخزرجى، اغتنمها
لصالح
المهاجرين هذه المره، اما حسدا لسعد بن عباده كما
قال
الحباب بن المنذر فى حينها، وارتضاها ابن قتيبه، او
معرفه
بحق قريش الذين هم (قومه واحق به واولى، ولا يرانى
اللّه
انازعهم هذا الامر ابدا، فاتقوا اللّه ولا
تخالفوهم ولا تنازعوهم)
كما قال هو.
فاغتنم المهاجرون الثلاثه ذلك ولم ينتظروا موافقه
الانصار او
ردهم، فطفقوا يقدم بعضهم بعضا، فظهر انهم لم يروا
ان واحدا
منهم بعينه يجب تقديمه بلا منازع لنص ورد فيه، او
مزيه
رشحته فعلا فرفعته فوق غيره..
قال ابو بكر: هذا عمر، وهذا ابو عبيده، فايهما شئتم
فبايعوا..((598))
وقال عمر: يا ابا عبيده، ابسط يدك ابايعك، فانت امين
هذه
الامه..قال ابو بكر: يا عمر، ابسط يدك نبايع لك. فقال
عمر: انت
افضل منى((599)).
قال ابو بكر: انت اقوى منى! قال عمر: قوتى لك مع
فضلك..((600))
فبويع ابو بكر، بايعه عمر وابو عبيده، وبشير بن سعد
الخزرجى،
ثم اقبل الاوس يبايعون لما راوا من اصحابهم الخزرج
ما راوا.
عندئذ ظهرت اهم معالم المسار الجديد :
واعتذر عنها بمباغته السقيفه: (وانا واللّه ما
وجدنا امرا هو اقوى
من مبايعه ابى بكر، خشينا ان فارقنا القوم ولم تكن
بيعه ان
يحدثوا بعدنا بيعه، فاما ان نتابعهم على ما لا
نرضى، او نخالفهم
فيكون فساد)((601))!
الا وانكم ان كلفتمونى ان اعمل فيكم بمثل عمل النبى
عليه
الصلاه والسلام لم اقم به..
كان النبى عليه الصلاه والسلام عبدا اكرمه اللّه
بالوحى وعصمه
به، الا وانما انا بشر، ولست بخير من احدكم،
فراعونى، فاذا
رايتمونى استقمت فاتبعونى، واذا رايتمونى زغت
فقومونى..
واعلموا ان لى شيطانا يعترينى، فاذا رايتمونى غضبت
فاجتنبونى لا اوثر فى اشعاركم وابشاركم)((602)).
المعلم الثالث :
انحاز هولاء فى بيت على وفاطمه، اذ ابوا ان يبايعوا
الا لعلى..
وكان الزبير يقول: لا اغمد سيفا حتى يبايع لعلى.
ليس هذا بالامر الذى يستهان به: بنو هاشم، ومعهم
طائفه من
وجهاء المهاجرين والانصار واهل السابقه والجهاد
والصلاح ..
وفى بيت محله فى اوسط بيوت النبى، وبابه شارعه على
المسجد النبوى حيث تقام الجماعه والجمعه ويجتمع
الصحابه..
فكيف سيعالج هذا الامر، ابالرجوع الى المشاوره
والحوار، واتباع
الحجه والبرهان، ام بماذا؟
كل الذى حفظه التاريخ الصحيح - بعيدا عن تحليل
المتاخرين
وآرائهم - كان وفق لغه اخرى لا تصغى الى الحجه
والبرهان.
لقد بعث اليهم عمر فى جماعه، فناداهم، فابوا ان
يخرجوا.. فدعا
بالحطب، وقال: والذى نفس عمر بيده، لتخرجن او
لاحرقنها
على من فيها((607))!
قيل: يا ابا حفص، ان فيها فاطمه! قال: وان((608))!
ابن ابى شيبه، واحد من اهم شيوخ البخارى ومسلم ينقل
ان
ذلك كان تهديدا من عمرانذر به فاطمه(عليهما
السلام)ان
اجتمع احد فى بيتها، وليس حبه لفاطمه وابيها بمانعه
من ان
يحرق عليهم بيتها((609))!!
لكن الرجال قد اقتحموا البيت على اى حال .. وقد ثبت
عن ابى
بكر قوله حين حضرته الوفاه: (وددت انى لم اكشف عن بيت
فاطمه، وتركته ولو اغلق على حرب)((610)).
اذن عهد جديد طرا على اهل هذا البيت :
لكنه امسى عشيه دفن جثمان النبى (ص) على غير ذلك ..
على غضب وهيجان، وتهديد ووعيد، وعيد بحريق، حريق
يلتهم
البيت ومن فيه، وان كان فيه فاطمه بضعه الرسول
وسيده نساء
اهل الجنه، والحسنان ريحانتاه! وسيدا شباب اهل
الجنه،
وكفيلهم اخو رسول اللّه! هولاء هم الذين باهل النبى
بهم وفود
النصارى، وقال: (اللهم هولاء اهلى)((612))! هم الذين ادار
عليهم كساءه فقال: (اللهم هولاء اهل بيتى...)((613))!
هنا تبرز جليه صوره (انقلاب) طارى ربما كان اكثر
عنفا مما
عرفته العصور الاخيره فى بعض (الثورات البيضاء)!
هكذا ظهر الامر فى ساعاته الاولى، وهكذا عاد الى
الظهور فى
ايام شتى من التاريخ..
فليس من جموح العاطفه ان نراه (انقلابا)! ولا من فرط
الخيال
ان نراه (مسارا جديدا) وليس عهدا جديدا وحسب..
ذلك لان النبى (ص) طالما قال لهولاء المحصورين
المهددين
بالحريق: (انا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم)((614))!
لكن البيعه الجديده استهلت بحرب عليهم وعلى من
سالمهم!
ومن سالمهم: طائفه من المومنين ما زالت تمتزج
ضمائرهم
بنداءات النبى منذ حجه الوداع، والعهد قريب جدا
قريب: (الا
ايها الناس، انما انا بشر، يوشك ان ادعى فاجيب،
وانى تارك
فيكم الثقلين - ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى -
كتاب
اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يفترقا حتى يردا
على
الحوض)((615)).
(من كنت مولاه، فعلى مولاه...).
(على مع القرآن، والقرآن مع على، لن يفترقا حتى يردا
على
الحوض).
لكن هذا، واكثر منه، لا محل له الان وكل شىء ينصب
بكل قوه
فى تثبيت العهد الجديد.. ولم تختف ملامح هذا الموقف
بدخول المعتصمين فى البيعه وتعاملهم مع العهد
الجديد بكل
صدق واخلاص، بل ما زال (اقصاء اهل البيت) عن منافذ
الوصول الى الحكم مبدءا ثابتا فى مبادى المسار
الجديد، مورس
باتقان على مدى خلافه ابى بكر وعمر وعثمان.
ذلك هو ثالث معالم المسار الجديد..
وعمر دائما كان اكثر صراحه فى التعبير قولا عن هذا
المبدا
المجسد عملا: (كرهت قريش ان تجتمع فيكم النبوه
والخلافه)
((616)).
ولم يول احد من بنى هاشم على ولايه، ولو صغيره
ونائيه،
طيله عهود الخلفاء الثلاثه..
وعمر ايضا هو الاكثر صراحه فى التعبير عن هذا
المبدا، فيوم
هلك والى حمص خطر بباله ان يستعمل عليها عبداللّه
بن
عباس، فذكر له ذلك، لكنه قال له فى الاثناء: فى نفسى
منك
شىء لم اره منك، انى خشيت ان ياتى على الذى هو آت
وانت
فى عملك، فتقول: هلم الينا..((617))!
وحتى التهديد بالحريق صار سنه!
كان عروه بن الزبير يعذر اخاه عبداللّه فى حصر بنى
هاشم فى
الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: انما اراد بذلك
الا
تنتشر الكلمه، ولا يختلف المسلمون، وان يدخلوا فى
الطاعه،
فتكون الكلمه واحده، كما فعل عمر بن الخطاب ببنى
هاشم
لما تاخروا عن بيعه ابى بكر، فانه احضر الحطب ليحرق
عليهم
الدار((622))!
فرغم منع ابى سفيان وبنيه نصيب المولفه قلوبهم بامر
عمر،
ورغم قوله: الحمد للّه الذى اذل ابا سفيان فى بطحاء
مكه..((623))
ورغم ثوره ابى سفيان على خلافه ابى بكر، وقوله
لعلى: لئن شئت لاملانها عليهم خيلا ورجالا((624)) ..
ورغممقوله عمر فى نبى اميه و هو يحدث المغيره بن
شعبه: يا
مغيره ، هل ابصرت بهذه عينك العوراء منذ اصيب؟ اما
واللّه
ليعورن بنو اميه الاسلام كما اعورت عينك هذه، ثم
ليعمينه
حتى لا يدرى اين يذهب ولا اين يجىء((625))!
ورغم عدائهم العتيق لصاحب الرساله ولرسالته .. رغم
ذلك كله
كان لهم الحظ الاوفر:
فاول لواء عقده ابو بكر كان ليزيد بن ابى سفيان،
وجعل له
دمشق! وذلك بعد حروب الرده.
وقصه هذا اللواء ناطقه بشىء.. كان ابو بكر قد عقد
هذا اللواء اولا
لخالد ابن سعيد بن العاص الاموى، ثم عزله قبل ان
يسير، ذلك
ان خالدا لم يبايع لابى بكر شهرين، وحرض بنى
عبدمناف،
ومال الى على والداعين اليه، فحملها عليه عمر، فلما
امره ابو
بكر جاءه عمر فقال: اتومره وقد صنع ما صنع وقال ما
قال؟! فلم
يزل به حتى عزله وولى يزيد بن ابى سفيان((626))!
هذه القصه التى اوردها ابن سعد والطبرى من طريقين
مختلفين، اعرض عنها ابن كثير الى روايه سيف بن عمر ،
وهو
اعرف بحال سيف! ذلك لان الاخيره الصق بالراى
(السلفى) فى
الصحابه، دون الاولى((627))!
ولم يقف احد منهم على روايه الزبير بن بكار، وهو
البكرى
الشهير ببغضه عليا وبنى هاشم، ومع ذلك فهو يقول : ان
خالد
بن سعيد لم يبايع لابى بكر الا بعد سنه كامله، ثم مر
به ابو بكر
وخالد جالس على بابه، فناداه : يا ابا بكر، هل لكفى
البيعه؟
قال : نعم. قال : فادن! فدنا منه فبايعه خالد وهو قاعد
على
بابه((628))!
وفيما كان ابو سفيان ما زال يلج فى استنكار
الخلافه، اذ دخل
على قوم وهو يقول : ما لنا ولابى فصيل((629))!
انما هى بنو
عبدمناف!
قيل له : انه قد ولى ابنك.. قال : وصلته رحم!
-ثم كان لواء عمرو بن العاص على فلسطين.. وذلك بعد ان
سار
شرحبيل ابن حسنه على جنده، وابو عبيده على جنده الى
الشام ايضا كالمدد ليزيد((630)).
-ثم ارسل معاويه بن ابى سفيان مددا لاخيه يزيد((631)).
ولما مات يزيد بن ابى سفيان فى عهد عمر استخلف مكانه
اخاه
معاويه، فامضى له عمر ذلك واستقر معاويه على ولايه
دمشق((632)).
واستقر عمرو بن العاص على مصر، وعتبه بن
ابى سفيان على كنانه((633)).
واستعمل الوليد بن عقبه بن ابى معيط على ربيعه
بالجزيره((634)) .. والوليد هذا هو الذى ذمه
القران الكريم
وسماه فاسقا فى موضعين((635))! وربما كان الاخيران على
الصدقات دون الاماره.
فلما كان عهد عثمان بسط بنو اميه ايديهم على
الامصار.. فزاد
فى الولاه : عبداللّه بن عامر - ابن خال عثمان بن
عفان -،
والوليد بن عقبه، وعبداللّه بن سعد بن ابى سرح - وهو
الذى
اسلم قبل الفتح ثم ارتد فاباح النبى دمه يوم الفتح
ولو وجد
متعلقا باستار الكعبه - وسعيد بن العاص.
اما مروان - الذى كان طريدا مع ابيه، اخرجهما النبى
من
المدينه وما زالا طريدين مده ابى بكر وعمر - فقد صار
بعد
ذلك بمنزله الوزير لعثمان.
واذا كان هولاء الولاه يخشون عمر ومحاسبته وشدته،
فقد امنوا
بعده وحازوا كل ما يشتهون من اموال المسلمين بحق
وبغير
حق.. حتى ان عتبه بن ابى سفيان كان قد اخذ منه عمر
مالا
ووضعه فى بيت المال، فلما جاء عثمان قال لابى سفيان
: ان
طلبت ما اخذ عمر من عتبه رددته عليه((636))!
فكانت فى هذا العهد صوره اكثر وضوحا لمسار جديد
يستولى
فيه على شوون السياسه والمال رجال من بنى اميه
طالما
حاربوا الاسلام واهله، وكادوا له، وقلما خالط
الايمان والتقوى
قلوبهم، ولم يمنعهم استياء الناس وشكاواهم عن
المضى فى
استهتارهم بالحقوق والقيم، حتى كان ذلك السبب
المباشر فى
ثوره الناس على الخليفه، ومصرعه.
عذر الخلافه فى اقصاء على وبنى هاشم:
1 - كراهه قريش :
لقد تقدم غير مره : التصريح بكراهه قريش ان تجتمع
النبوه
والخلافه فى بيت، فيمضى هذا البيت فى علو لا يحتمله
كبرياء
قريش.
لكنها الكبرياء التى مقتها الاسلام، وكان ينبغى
لها ان تذوب فى
تعاليمه..
ثم ليس ثمه ابلغ من رد ابن عباس لهذه الحجه بقوله :
(لو ان
قريشا اختارت لانفسها حيث اختار اللّه لها لكان
الصواب بيدها
غير مردود ولامحسود.. وان اللّه وصف قوما
بالكراهيه، فقال :
(ذلك بانهم كرهوا ماانزل اللّه فاحبط اعمالهم)((637)).
وما كان لعلى واهل بيته ان يتعالوا على الناس
وقلوبهم من
قلب رسول اللّه، وهم الذين اذهب اللّه عنهم الرجس
وطهرهم
تطهيرا((638))!
غير ان عدم ارتياحهم لشموخ بنى هاشم كان اعمق من ان
تزحزحه حجه، وكل خيار صعب هو دون هذا، وحتى وضع بنى
اميه على منافذ الحكم، والقاء مفاتحه بايديهم، مع
اليقين الذى
اقسم عليه عمر، انهم ليعورن الاسلام، ثم ليعمينه
حتى لا
يدرى اين يذهب واين يجىء! حتى هذا الخيار الذى بدا
فى اول
امره تاليفا لقلب ابى سفيان، هو اهون بكثير من ان
ينظروا الى
شموخ بنى هاشم وقد اجتمعت فيهم النبوه والخلافه!
وان كان
فى هذا الاجتماع الضمان الاكيد لحفظ مسار الاسلام
مستقيما
كما اراد له اللّه ورسوله!
وكل محذور على الاسلام من بنى اميه لم يمنع عمر ان
يقول
لسعيد بن العاص الاموى : سيلى الامر بعدى من يصل
رحمك((639)).
ترى هل استقامت لغيره وهى بين مرتد عن الدين
بالكليه،
وبين متمرد على الخليفه البديل،ترجم تمرده
بالامتناع عن
اعطائه اموال الزكاه والصدقات، فقالوا : ناخذها من
اغنيائنا
ونعطيها لفقرائنا.. وقالوا :
فان قام بالدين المحوق قائم
اطعنا، وقلنا الدين دين محمد((641))
ومنهم من كان يقول : لا واللّه، لا نبايع ابا فصيل
ابدا((642))!
واعتزلت الانصار ابا بكر، فغضبت قريش لذلك، وكثر
بينهم
الكلام، حتى انتصر بنوهاشم للانصار، وافرد لهم ابو
بكر رايه
اعطاها ثابت بن قيس، فسكن الامر((643))!
وما كان الانصار ليعتزلوا عليا، وقد قال اكثرهم : لا
نبايع الا
عليا((644))!
ولا كانت قبائل العرب لتتمرد على على وهى لا تعرف فى
اعرافها احدا اولى منه بخلافه محمد(ص) ..
الم نقرا عند الالوسى وغيره فى تبرير رد ابى بكر
وانفاذ على
بسوره براءه، وقوله(ص) : (لا يبلغ عنى الا انا او رجل
منى) ان
ذلك جار على عاده العرب ان لا يتولى تقرير العهد
ونقضه الا
رجل من الاقارب لتنقطع الحجه بالكليه((645))؟!
هذا والالوسى ينقل نص النبى هكذا : (لا يبلغ عنى غيرى
او
رجل منى، سواء كان بوحى او لا)! فكيف اذن سوغنا هنا
ان
ترتضى العرب رجلا ليس منه، ولا تستقيم لعلى الذى هو
منه
كما تعرفه العرب، وكما نص عليه النبى مرارا؟!
وحتى ابى قحافه، والد ابى بكر، يندهش لنبا استخلاف
ابنه
وفى الناس بنو عبدمناف((646))!
الحق ان الذى لا يستقيم له ليس العرب او قريش، بل
هذا النفر
من المهاجرين لا غير، ولو استقام له هولاء وازروه
كما ازروا ابا
بكر او ادنى من ذلك بكثير، لما استقامت العرب لاحد
كما
تستقيم له، وحتى بنى اميه الذين جاء زعيمهم ابو
سفيان
يبايعه ويحرضه ويعده بنصرته برجاله (لان شئت
لاملانها
عليهم خيلا ورجالا)! كما جاء خيرهم واقدمهم اسلاما
خالد بن
سعيد بن العاص رافضا بيعه ابى بكر محرضا بنى هاشم
مناصرا
لهم، وتربص حتى ياس فبايع لابى بكر!
اما طلحه والزبير فقد كانا انذاك من اقوى انصاره،
والزبير هو
القائل : لااغمد سيفا حتى يبايع لعلى((647))!
فمن الذى لا يستقيم لعلى؟ انها لو تمت له البيعه لما
ظهر
شىء من العنف والاكراه الذى ظهر فى البيعه لابى
بكر،
ولحفظت كثير من الدماء التى قد سفكت تحت عنوان (حروب
الرده) وما كان كثير منها الا حروب بيعه! اللهم الا
المرتدين
حقا : مسيلمه وسجاح والاسود العنسى واصحابهم
واضرابهم.
يقول الخضرى : (لا مراء فى ان كون الخليفه من ال بيت
النبوه
احب الى قلوب الجمهور من الامم الاسلاميه، وهم لهم
اطوع،
لان الموثر الدينى يكون مستحكما، ولذلك صادفت
الدعوه الى
اهل البيت نجاحا عظيما فى صدر المئه الثانيه من
الهجره)((648)).
وليس ثمه ابلغ من جواب ابن عباس، حين اعتذر عمر بهذا
العذر، فقال : ما اظنهم منعهم عنه، الا انه استصغره
قومه. فقال
ابن عباس : واللّه ما استصغره اللّه حين امره ان
ياخذ براءه من
صاحبك((649))!
ثمه روايه تلقى بالتبعه على المغيره بن شعبه، تقول :
مر
المغيره بن شعبه بابى بكر وعمر وهما جالسان على باب
النبى
حين قبض، فقال : ما يقعدكما؟
قالا : ننتظر هذا الرجل يخرج فنبايعه - يعنيان عليا -
فقال :
اتريدون ان تنظروا حبل الحبله من اهل هذا البيت((650))!
وسعوها فى قريش تتسع! فقاما الى سقيفه بنى ساعده((651)).
فان صح هذا الخبر، فهو عذر فطنوا اليه هنالك، بعد ان
كانوا لا
يرون الا عليا، كالبديهه المسلمه لديهم! وايا كان،
فهو العذر
الذى كمن له ابن عباس.
4 - اللّه لم يرد ذلك :
(اراد رسول اللّه(ص) الامر له، فكان ماذا اذا لم يرد
اللّه تعالى
ذلك!
ان رسول اللّه(ص) اراد امرا، واراد اللّه غيره، فنفذ
مراد اللّه تعالى
ولم ينفذ مراد رسوله، او كلما اراد رسول اللّه(ص)
كان؟! انه
اراد اسلام عمه ولم يرده اللّه، فلم يسلم)((652))!
عذر فتح الباب امام (القدر)! (فالقضاء والقدر) هو
الذى اتى
بالخليفه، لا نص، ولا شورى، ولا حادثه السقيفه!
اللّه اراد ذلك فكان، ولا احد مسوول، وان كان بخلاف
ما اراد
النبى!!
فهذا العذر ماض اذن فى تبرير اى مخالفه لامر
النبى(ص)..
فالرماه الذين امرهم النبى الا يبرحوا اماكنهم،
غير مسوولين
عند تركهم ذلك الموضع حتى صار ثغره خلف جيش
المسلمين نفذت منه خيول المشركين فكان ما كان من
كارثه
قلبت ميزان المعركه، ليسوا مسوولين، وليس ثمه
تقصير وان
اراد منهم النبى امرا فخالفوه (فكان ماذا اذا لم يرد
اللّه تعالى
ذلك)؟!
وليس ثمه تقصير فى عدم انفاد بعثه اسامه، وان كان
النبى
يشدد الامر بتعجيل انفاذها ساعه بعد ساعه، فماذا
اذا كان اللّه
لم يرد ذلك؟!
لكن متى علموا ان هذا مراد اللّه، اقبل وقوعه، ام
بعد وقوعه؟!
ام كان النبى يصدر عن راى ورغبه شخصيه، فلا ينفذ
الصحابه
امره الا بوحى مباشر اليهم يعلمهم بمراد اللّه؟!
ان صح هذا القول عن عمر او لم يصح، فقد صار فيما بعد
شعارا
للامويين روجوا لاجله مذهب الجبريه. المعلم الرابع من معالم المسار الجديد : (حسبنا كتاب اللّه) :
ظهرت هذه المقوله لاول مره قبيل وفاه النبى(ص)، على
لسان عمر ايضا، حين امر النبى(ص) ان يحضروا لوحا
ودواه
ليكتبوا عنه مالا يضلوا بعده، فهتف عمر : (غلبه
الوجع - او انه
ليهجر - حسبنا كتاب اللّه)! لكن هل تعنى هذه المقوله
الضرب
على السنه النبويه بالكليه؟
لا، لان عمر نفسه لم يستطع، ولا يستطيع ان يستغنى عن
السنه فى شىء من عباداته، ولا فى قضائه.
لقد ثبت عن عمر حقا، لا خلاف فيه، انه منع من تدوين
السنه،
ومنع الصحابه من التحدث الى الناس باحاديث النبى(ص)
لراى راه((653))،
كما منع من ذلك ابوبكر قبله((654)).
لكن حتى فى قرارات المنع تلك كانت تستثنى (السنن) اى
الاحكام : (اقلوا الروايه عن رسول اللّه، الا فيما
يعمل
به)((655)).
وحين نرى ابا بكر يشدد فى النهى عن الحديث وعن
الفتيا
بالاحاديث حتى يقول : (فلا تحدثوا عن رسول اللّه
شيئا، فمن
سالكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا
حلاله وحرموا
حرامه)((656)).
نراه فى اول مشكله تواجهه فى خلافته - مشكله فدك -
يلجا
الى الحديث، فيقول :
سمعت رسول اللّه(ص) يقول : (نحن معاشر الانبياء لا
نورث، ما
تركناه صدقه). وحين يحتج عليه خصمه - السيده
الزهراء(ع)
التى لم تسمع بهذا الحديث هى واهل بيتها على الاقل -
حين
تحتج عليه بالقران الكريم، وان هذا الحديث مخالف
لظواهر
القران فى ميراث الانبياء، لم يلتفت الى حجتها((657)).
ونراه فى اخر ايام حياته، وهو يذكر اشياء ندم
عليها، فيذكر ندمه
انه لم يسال رسول اللّه(ص) عن ميراث الجد والجده((658)).
وبين اليومين كان له رجوع الى السنن كثير، وبحث عمن
معه
حديث من رسولاللّه(ص) فى مساله نزلت به، وان كان
تحريقه
كتابا جمع فيه خمسمئه حديث((659)) يصادر كثيرا مما
يمكن ان يقال فى تلمس موقف ايجابى من السنه، اما
الممنوع
قطعا فهو تناقل الصحابه لاحاديث رسول اللّه(ص)
والتحدث بها
والرجوع اليها حتى فى الفتيا، وهذا هو الصريح فى
قرار ابى بكر
المذكور (فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن
يسالكم فقولوا :
بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله وحرموا
حرامه).
وهذا هو الممنوع قطعا فى عهد عمر الذى اظهر تشددا فى
تنفيذه، تجاوز مراقبه المنع من التحديث والتدوين
الى حبس
اى صحابى لم يطمئن من التزامه بهذا القرار، وحبسه
اياهم
كان بمنعهم من الخروج من المدينه، ليظلوا تحت
الرقابه((660))..
هذه سمه هامه ميزت هذا العهد بموقف جديد من السنه
النبويه المطهره، والتى حث النبى كثيرا على حفظها
وتبليغها،
بل وتدوينها ايضا، ولهذا الامر كلام اخر ياتى فى
بحث لاحق..
اما ما يناسب هذا الموضع، فالاستنتاج الموضوعى
المستفاد من
هذا الموقف الجديد، وهو : اذا كان من الصعب البرهان
على ان
الهدف من هذا الموقف هو الغاء السنه المحمديه
بالكامل، فمن
اليسير ان نرى ان مقوله (حسبنا كتاب اللّه) التى
عززها هذا
الموقف انما كانت لاجل الغاء الركن الثانى من اركان
الاعتصام
والهدايه والمرجعيه فى حديث (انى تارك فيكم الثقلين
: كتاب
اللّه، واهل بيتى) وهذا ما تحصل فى الواقع بيقين لا
نزاع فيه،
وقفنا على جمله من مصاديقه انفا.
بديل:
ذلك الواقع هو الذى مهد لظهور نص يقول : (انى تارك
فيكم
الثقلين :
كتاب اللّه، وسنتى) الذى اريد له ان يكون بديلا عن
الاول، وان
لم يكن فى الحق كذلك.. فلا نصه يفيد نسخ الاول، ولا
اسناده
يرقى الى اسناد الاول..
فهذا حديث لم يرو فى شىء من الكتب المعتمده سوى
موطا
مالك، مرسلا، وحين وصل ابن عبدالبر اسناده وجده
مبتلى
بوضاع افترى نسخه مكذوبه يرويها عن ابيه عن جده،
وليس
لها اصل((661))!
واما روايه ابن هشام لهذا الحديث، فعلتها فى عكرمه
الخارجى،
الذى اشتهر بكذبه على ابن عباس خاصه((662)).
وحين اورده
الطبرى باسناد اخر، كان عليلا ايضا برجلين متهمين
معا
بالكذب((663))!
وقد اخطا بعض المتحمسين((664)) فنسب هذا الحديث الى
الامام احمد والترمذى، ولم يخرجه احمد، فيما اخرج
الحديث
الاول (كتاب اللّه وعترتى اهل بيتى) من سته طرق .. ولا
رواه
الترمذى الذى روى الحديث الاول وحده((665))!
فنحن لا نقطع بان النص الثانى لم يصدر من النبى(ص)،
لكنه
لا يكون باى حال بديلا عن الاول وناسخا له، وقد راى
بعض
علماء اهل السنه ان الجمع بينهما من الواضحات،
فالحاصل
منهما (ان الحث قد وقع على التمسك بالكتاب والسنه
وبالعلماء بهما من اهل البيت)((666)).
وليس بغريب ان ينسب ابن حجر فى قوله هذا الى التشيع،
فهو
عين اليقين وان راى فيه الناسبون قدحا، لان الشيعه
وحدهم
الذين تمسكوا فى الحديث الاول واصروا على تطبيقه فى
الواقع، دون ان يجدوا حرجا فى قبول الحديث الثانى،
فاهل
البيت(ع) هم اهم من جمع السنه ووعاها، وطالما رجع
اليهم
فيها علماء الصحابه والتابعين، وان احدا من الناس
سوف لا
يفهم من حديث (كتاب اللّه وعترتى) ان اهل البيت
سياتون بامر
جديد غير سنه النبى(ص)، بل هو نص صريح بانهم(ع) هم
الحافظون للسنه والملازمون للكتاب، لايفارقونه فى
حكم ولا
فى فهم (وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض).. مع ما
فيه
من تصريح بلزوم الرجوع اليهم فى كل ما يتصل
بالهدايه
ويخشى فيه من الضلال.. وما فى هذا من اشاره غير خافيه
بضروره الرجوع اليهم فى الحكم والسياسه واداره
شوون
المسلمين على منهاج لا تخشى عواقبه (ما ان تمسكتم به
لن
تضلوا بعدى).
اذن ليس فى النص الجديد ما يكون بديلا عن النص الاول
الثابت، لكن لما كان الواقع الجديد هو الذى قد حل
بديلا، اريد
لهذا النص ان يعزز ذلك الواقع..
ولكن الحق انه لم يسعفه بشىء الا فى مخيله من اراد
ان يرضى
نفسه بمثل هذا التعليل .. فلا الحديث كان ناسخا
للاول معطلا
لحكمه، ولا صحبه السنه المطهره فى العهد الجديد
كانت على
احسن ما يرام((667)).
اول فرقه :
هكذا نشات اول فرقه فى الاسلام، وهكذا ارست
قواعدها..
وهكذا كان ابتداء نشوء الفرق فى الاسلام، وكل ما
قيل فى
خلاف ذلك فهو خطا نشا من تبرير الواقع الجديد
والنظر اليه
وكانه الامتداد الطبيعى والسليم لعهد الرسول.
فيما ظل المسار الاصيل متمثلا بعتره الرسول وفقههم
الذى لا
يفترق مع كتاب اللّه فى شىء (ولن يفترقا حتى يردا
على
الحوض) ففقههم اذن هو فقه كتاب اللّه وسنه نبيه(ص)،
فما
قال قائلهم قط (حسبنا كتاب اللّه)! بل قالوا : ان ما
عندنا هو
(تعلم من ذى علم) و (حديثنا حديث رسول
اللّه(ص))((668)).
والذى كان ينبغى ان تصنعه الامه بعد النبى(ص) هو ما
تركته
واعتذرت عنه بتلك الاعذار السالفه، كان عليها ان
تبايع
عليا(ع)، بلا تنازع، الامر الذى سوف لا يلجئها بعد
الى الاعتذار،
اذ اصابت الحق، ووافقت امر النبى(ص) وارادته.
الامر الذى كان يرتقبه على بيقين، وينتظره جمهور
المهاجرين والانصار، وتسكن اليه احياء الاسلام
النائيه، فلا
تتردد فى اداء بيعه، ولا اداء زكاه.
النافذه المفتوحه على ال الرسول :
وهذا بالذات ما ذكره على(ع) فى تبرير بيعته لابى بكر
: (...
فامسكت يدى، حتى رايت راجعه الناس قد رجعت عن
الاسلام
يدعون الى محق دين محمد(ص)، فخشيت ان لم انصر
الاسلام
واهله، ان ارى فيه ثلما او هدما تكون المصيبه به على
اعظم
من فوت ولايتكم..)((669)).
وذكره ايضا فى تبرير بيعته لعثمان : (لقد علمتم انى
احق
الناس بها من غيرى، وواللّه لاسلمن ما سلمت امور
المسلمين
ولم يكن فيها جور الا على خاصه، التماسا لاجر ذلك
وفضله،
وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه)((670)).
فلم تعد تلك (الثوره الصغيره) التى فجرها الحسن
السبط، وهو
انذاك فى الثامنه من العمر، حين راى ابا بكر يرقى
منبر رسول
اللّه(ص) المره بعد المره، فيناديه بكل ما يمتلكه
ابن الثامنه من
صوت : (انزل عن منبر ابى، واذهب الى منبر ابيك)! لم
تعد
تشكل فى نظر ابى بكر تهديدا يمس امن الخلافه، بل لم
تكن
عنده مدعاه لاتهام على بها بعدما امن جانبه((671)).
وحين يكون الامر دون اجتماع النبوه والخلافه فى ال
النبى، لم
يتردد ابو بكر فى اظهار بعض ما يعرفه لهذا البيت من
منزله،
فيقول مره : (ارقبوا محمدا فى اهل بيته)((672)).
ويكشف مره عن اسفه الكبير عما بدر منه اول الامر من
اقتحام
هذا البيت لاكراه اهله وخاصه انصارهم على البيعه،
فيقول :
(وددت انى لم اكشف عن بيت فاطمه ولو اغلق على
حرب)((673)).
غير ان خلافه ابى بكر التى انقضى ثلثها الاول ولما
يبايعه على
وبنو هاشم، حتى اذا بايعه كان ابو بكر يدرك ان هذه
البيعه لم
تكن رجوعا من على عن رايه فى الخلافه، ولم يكن ابو
بكر
بالذى ينسى ما تركه فى قلوب الهاشميين من اثر
استدعى ان
يكتموا عليه نبا وفاه الزهراء(ع) بوصيه منها، فلم
يشهد الصلاه
عليها ودفنها غير على ونفر من خاصه اصحابه، الامر
الذى جدد
فى قلب ابى بكر اثرا، كما جدد فيه يقينا انه لم يعد
مرضيا عند
اهل هذا البيت..
لما كان كل ذلك، لم نشهد من ابى بكر انفتاحا على اهل
البيت
كالذى نشهده لاحقا فى عهد عمر..
بل لم نشهد من على ايضا شيئا من ذلك، لم نشهده راجع
ابا
بكر فى شىء من فتاويه واقضيته كالذى عرف منه مع
عمر
وعثمان.
والقصه التى يذكر فيها رجوع ابى بكر الى على فى
قضيه، هى
صريحه ايضا بانه لم يكن رجوعا مباشرا منه، بل بعد ان
استشار
جماعه من الصحابه ، فلما لم يكن عندهم فيها شىء
اشاروا
عليه ان يسال عليا، فاستدعاه لذلك، فكشف عنه
كربها((674)).
لكن اهم من هذه ما ذكره اليعقوبى فى مشاوره على فى
حرب
الروم : (ارادابو بكر ان يغزو الروم، فشاور جماعه من
اصحاب
رسول اللّه، فقدموا واخروا، فاستشار على بن ابى
طالب فاشار ان
يفعل، فقال : ان فعلت ظفرت.فقال : بشرت بخير. فقام فى
الناس خطيبا وامرهم ان يتجهزوا الى الروم)((675)).
ولعل هذين الحديثين اشهر مصاديق ما نقله ابن سعد من
ان ابا
بكر كان اذا نزل به امر يريد فيه مشاوره اهل الراى،
دعا رجالا
من المهاجرين والانصار : عمر وعثمان وعلى
وعبدالرحمن،
ومعاذ وابى وزيد بن ثابت، وكل هولاء كان يفتى فى
خلافه ابى
بكر((676)).
وهذا لا يعنى انه كان يجمع هولاء السبعه جميعا عند
كل امر،
بل غالبا ماكان يكتفى ببعضهم، ولو واحد، فان لم يكن
على
اقلهم حظا من هذه المشوره، فالذى لا شك فيه ان
اكثرهم
حظا فيها : عمر، ثم زيد، ثم معاذ، ثم ابى.. والذى لا
نعرفه ايضا،
لا نعرف ان ابا بكر استشار عليا فى شىء ثم ترك قوله
الى قول
غيره.
والحال فى عهد عمركان اكثرانفراجا:
-فربما كان عمر قادرا على ان يصور نفسه وكانه كان
يجرى فى
ظل ابى بكر، فما بدر منه تجاه اهل البيت فتبعته تقع
بالدرجه
الاولى على ابى بكر، لاعليه.
-وطالما حرص على صحبه عبداللّه بن عباس، ابن عم على
(ع)، وهو الصحابى الشاب الذى كان يتفتق ذكاء ونباهه،
كثير
التذكير بحق قومه وعلى خاصه كلما سنحت لذلك فرصه،
بذكاء وبحزم ليس فيه مساومه.
-وطالما انس عمر بابن عباس، فاباح له بما تنطوى عليه
سريرته من معرفه بحق اهل البيت، وسيدهم على خاصه :
فقوله مره لابن عباس : (ما ارى صاحبك الا مظلوما)
معرفه
بحق على، وليس هذا كالجحد بالحق..
|