فلما فجاه ابن عباس برده المحرج: (فاردد
اليه ظلامته) اخذ
يلتمس لذلك عذرا، فقال: (ما اظنهم منعهم عنه، الا
انه
استصغره قومه) فهو مع اعتذاره، يلقى بتبعه ذلك على
جماعه
(ما اظنهم منعهم...).
فلما القاه ابن عباس بما هو اشد احراجا بقوله:
(واللّه ما
استصغره اللّه ورسوله حين امراه ان ياخذ براءه من
صاحبك)
اعرض عنه وتركه..((677)) وفى هذا ايضا اقرار بحق لا
مفر
منه، وبينه وبين المكابره واللجاجه بون شاسع!
ونحو هذا كثير مضى ذكره، كله ينطوى على اقرار مصحوب
باعتذار دائما((678))، ولا باس عليه بشىء من هذا
حين يامن
المنازعه الجاده على الخلافه.
وحين انشده ابن عباس ابياتا لزهير بن ابى سلمى
يمدح قوما
من غطفان:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
قوم باولهم او مجدهم قعدوا
قوم ابوهم سنان حين تنسبهم
طابوا وطاب من الاولاد ما ولدوا
انس اذا امنوا، جن اذا فزعوا
مرزءون بهاليل اذا حشدوا
محسدون على ما كان من نعم
لا ينزع اللّه منهم ماله حسدوا
قال عمر: واللّه لقد احسن، وما ارى هذا المدح يصلح
الا لهذا
البيت من هاشم، لفضل رسول اللّه(ص) وقرابتهم منه. ثم
شرع
منبسطا يقرر معرفته بحقهم فى الصداره، ويعتذر عن
(القوم)
فى تاخيرهم((679)).
-
وتقرب الى اهل البيت(ع) اكثر حين اصر على التزويج من
ام
كلثوم بنت الامام على وبنت فاطمه الزهراء، طمعا ان
يربطه
بهم نسب، وهو يكرر فى ذلك ما سمعه من النبى(ص) من
قوله
الشريف (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامه، الا سببى
ونسبى)
((680)).
-وحين قسم الناس على طبقات فى العطاء وجعل اعلاهم البدريين، الحق بالبدريين
اربعه لم يشهدوا بدرا، وهم:
الحسن، والحسين، وابو ذر، وسلمان((683)).
-
وهو القائل فى على(ع): (واللّه لولا سيفه لما قام
عمود
الاسلام.. وهو بعد اقضى الامه، وذو سابقتها، وذو
شرفها). فلما
جبهه احدهم بالقول المحرج: (فما منعكم عنه؟!) التمس
لذلك ما راه عذرا، ولم يجحد حقه((684)).
هذا رايناه من عمر ايام خلافته، ولم يظهر عمر شيئا
من هذا
القبيل ايام ابى بكر!
-وظهر من عمر ما لم يظهر من ابى بكر قبله ولا من
عثمان
بعده، اذ استعمل رجلين من اخص اصحاب على والداعين
الى
امامته جهره: عمار، وسلمان.. عمار على الكوفه،
وسلمان على
المدائن. ولا يخلو هذا من رغبه فى الاقتراب الى
على(ع)
وتقريبه اليه، رغبه لم يكن يكتمها، رغم انه كان
شاعرا على
الدوام ان عليا لم ينس حقه الاول، ولانسى استئثارهم
به.
-
فى هذه الفتره ظهر من على(ع) فى الفتيا والقضاء
والحديث
والتفسير ما لم يظهر مثله فى العهد السابق.. فلم يقف
عمر عند
استفتاء على واستشارته فى امور السياسه والحرب
والقضاء، بل
كان احيانا يامر اصحاب المسائل بالرجوع اليه، ففى
مصنف
عبدالرزاق ان رجلا سال عمر عن بيض النعام يصيبه
المحرم،
فقال له عمر: ارايت عليا؟ اساله، فانا امرنا ان
نشاوره((685)).
ومثل هذا كثير، يمكن ان يقال انه شكل ظاهره فى سياسه
عمر، راى فيها البعض سببا وحيدا فى اغتيال عمر،
بتدبير من
بنى اميه وتواطو المغيره وكعب الاحبار، اذ ظنوا انه
سوف ينقل
الخلافه الى على(ع)((686))! خصوصا وقد ازداد طمعهم
فيها
اثر ابعاد على عنها مرتين، واستقرار رجالهم فى
امصار مهمه
وكبيره كالشام ومصر، ولما سبق من ابى بكر فى تقديم
عثمان،
وفى ترشيحه للخلافه ايضا بقوله: (لو تركت عمر لما
عدوتك)((687)).
لكن ان لم يكن فزع بنى اميه لهذه الظاهره بمستبعد،
فاسناد
عمر الخلافه الى على هو المستبعد وفق الظروف التى
حافظ
عليها عمر حتى وفاته، مع اعتذاره المستمر عن توليته
رغم انه
الاحق و(الاولى ان وليهم ان يحملهم على المحجه
البيضاء
والصراط المستقيم) كما وصفه عمر.
ومساله اخرى لم يحسمها عمر مع بنى هاشم كما ينبغى،
وهى
حقهم فى الخمس، سئل ابن عباس عن سهم ذوى القربى،
فقال: (هو لنا، لقربى رسول اللّه(ص)، قسمه رسول
اللّه(ص) لنا،
وقد كان عمر عرض علينا شيئا رايناه دون حقنا فابينا
ان
نقبله)((688)).
وقد كان رسول اللّه(ص) قد اعطاه لبنى هاشم وبنى المطلب دون غيرهم من قريش، وقد ساله
جبير بن مطعم وعثمان بن عفان لم لم يعطهم شيئا مع قرابتهم كما اعطى بنى المطلب؟
فقال(ص): (انهم لم يفارقونى فى جاهليه ولا فى اسلام، انما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد) وشبك بين
اصابعه((689)).
وتحويل سهم بنى هاشم فى الخمس كان قد وقع فى مطلع
خلافه ابى بكر واستمر فى عهد عمر، اذ جعلوا سهم
الرسول
وسهم ذوى القربى فى الخيل وعده الحرب((690)).
فى عهد عثمان:
حين توفى عمر على خطه الشورى السداسيه، ادرك على
مبكرا انها تجرى لغير صالحه((691))، كما ادرك انه يودع
عهد
الانفراج النسبى ليقبل على عهد تشوبه فتن يصعب
الامساك
بعقالها، من هنا جاء ثناوه على عهد عمر((692)) فى
قوله: (للّه
بلاد فلان، فلقد قوم الاود، وداوى العمد، واقام
السنه، وخلف
الفتنه.. ذهب نقى الثوب، قليل العيب، اصاب خيرها،
وسبق
شرها.. ادى الى اللّه طاعته، واتقاه بحقه.. رحل
وتركهم فى
طرق متشعبه، لا يهتدى بها الضال، ولا يستيقن
المهتدى)!
ومن عبارته الاخيره تظهر دواعى المقارنه بين
عهدين، ويظهر
ايضا انه ليس ثمه تناقض بين هذا الثناء، وبين ما
ذكره من قدح
فى بعض سياسه عمر فى خطبته الشقشقيه، ويظهر ايضا
انه لا
تناقض بين هذا، وبين ما كان عليه على(ع) من خلاف مع
عمر
فى كثير من الفتاوى وفى السياسه الماليه والاداريه
ايضا.
اما اهم اوجه المقارنه التى تجعل عهد عمر حريا بهذا الذكر، فمنها:
اجتهاد عمر فى مشاوره علماء الصحابه، وعلى راسهم
على وابن
عباس وزيد بن ثابت، فى القضايا والنوازل.. فيما احاط
بعثمان
طائفه من بنى اميه لم يكن مع احدهم كثير دين وورع،
ولا
سابقه، ولا علم يعتمد، ولا معرفه بسنه، بل غلبت
عليهم روح
الاثره والتسلط وجمع الاموال بغير حق.
-
ومنها: شده عمر على الولاه والامراء، ومحاسبته
الدقيقه لهم
كل عام، محاسبه لم تقف دون التعزير بالضرب الموجع
مع
ادنى مبرر، كما صنع بابى هريره وبعامل له على مصر،
او اقامه
الحد اذا وجب، كما صنع مع قدامه بن مضعون، او
العزل،كما
صنع مع النعمان بن عدى بن نضله،او
مصادره الاموال او
مشاطرتها..((693)) فيما كان ولاه عثمان مطلوقى
الايدى، فلا
دين وازع، ولاسلطان رادع.
وحقيقه المقارنه هذه شاخصه فى اذهان الناس، حتى
المتحمسين منهم فى الدفاع عن عثمان، فالاستاذ محمد
قطب يقول: (اذا وصلنا الى عهد عثمان(رضى اللّه)
فستقابلنا
اول فتنه حقيقيه فى تاريخ الاسلام، اذا اسقطنا من
حسابنا
فتنه الرده.. فقد وقعت فى عهد عثمان(رضى اللّه)
هفوات فى
سياسه الحكم، ولكن ضمير عثمان يجب ان يظل فوق مستوى
الشبهات، فما كان الامر فى نفسه استهتارا بمصالح
المسلمين،
ولا تفريطا فى واجبات الاسلام.. انما كان فرط
السماحه فى
نفسه، وفرط الثقه فى قوم من قرابته اساءوا استخدام
هذه الثقه
وحادوا بها عن خط الالتزام الصارم الذى الزم ابو
بكر وعمر
نفسيهما به من قبل، والزما به من يولونهما من
الولاه.. ان
الهفوات التى حدثت بكل حسن النيه فى عهد
عثمان(رضى اللّه) تبدو لنا جسيمه لانها تجىء فى
الفتره
المثاليه للتطبيق بعد حكم الشيخين، والا فان اضعاف
هذه
الهفوات قد ارتكب فى ما بعد، ومع ذلك فنحن انفسنا
الذين
نستهول ما حدث فى عهد عثمان نمر بها فى سهوله، لا
تثير فى
نفوسنا الكثير).
فهذه الكلمه الاخيره حق ابلج،لكنها لا تبرر ما
حصل،فنحن
حين نستهول ما حصل فمعنا كل الحق فى ذلك، لكننا نحن
الذين نقع فى التناقض حين نمر على امثال تلك
الاخطاء فى
تاريخنا الماضى وواقعنا المعاصر، فلا توثر فى
نفوسنا، بل ربما
نسر ونجاهر بالولاء لاصحابها فى الوقت الذى ندين
عليها
اولئك!
وليس هذا تناقض فحسب، بل هو نفاق، نفاق جلى، غير
خفى،
لاصحاب العناوين، سواء كانت عناوين سياسيه او
دينيه او
طبقيه او غيرها، منتحله كانت ام واقعيه .. نفاق
لانها ليست
فقط لا توثر فى نفوسنا، ولسنا فقط نغض الطرف عنها
ونصفح،
بل لاننا اصبحنا ندافع عنها بكل حماس، مره بالتكذيب
بها
ونحن نعلم انها واقعه، ومره بتبريرها بالوان
التبرير والتى
سيبقى ابشعها على الاطلاق تبرير يضفى عليها صفه
الشرعيه!
وهذا ونحن نعنف، وبحماس ايضا، على مثلها حين حصلت
فى
ذلك العصر!
صحيح ان حصول هذا المدى من الانحراف فى عصر الصحابه
ولم يمض عن وفاه النبى عشرون عاما بعد، له وقعه
الخاص،
لكن البعد عن عصر النبى لم يكن بحال مبررا لظهور
الانحراف،
ولا مهونا من خطورته، اذ هو تعد على حقوق اللّه
وحقوق الامه،
كما وصفه الاستاذ نفسه حين قال: (ان تقويم هذه
الهفوات،
ومحاوله رد الامر الى نصابه، كان مطلوبا من الامه
المسلمه
دون شك،وقد كان على بن ابى طالب وغيره من الصحابه
رضوان اللّه عليهم يحاولونه، ولو قصروا فيه لكانوا
مقصرين فى
حق من حقوق اللّه، وحق من حقوق الامه)((694)).
الاضطرابات وبدايه النهايه:
لقد اقحم على نفسه اقحاما لتلافى ما يمكنه تلافيه،
فرد
فتاوى، وصحح احكاما،
ووقف على امضاء حدود
كادت ان
تعطل،وربما باشر اجراءها بنفسه((695)).
وصحابه اخرون وقفوا صراحه من اجل التصحيح، فكان لهم
اثرهم بلا شك فى عرقله عجله الانحراف، او تاخيرها
على
الاقل، لكن لما لم تكن لهم مثل منزله الامام على
الاجتماعيه
فقد نالهم من الاذى ما كان سببا حتى فى وفاه بعضهم:
-ابو ذر الغفارى، خامس الاسلام((696))، الاصدق لهجه،
استنكر بحزم تقديم كعب الاحبار على كبار الصحابه من
اهل
الفضل والعلم والسابقه، فلم يحتمل الخليفه ذلك
منه، وامره
ان يغيب وجهه عنه، فترك المدينه الى الشام، وهناك
استنكر
بحزمه المالوف وصرامته فى الحق ما راه من استئثار
امير
الشام، معاويه، وخاصته بالاموال، وتضييعهم
حقوق الناس،وشيوع تجاره الخمره برعايه الامير،
فضاق به امير
الشام وراى ان بقاءه فيها سوف يفسد عليه حكمه ويثير
عليه
شعبا مسلما سوف يتنبه حتما الى مصداقيه دعوى هذا
الصحابى المخلص، خصوصا.
-
وقد سبقه فى الشام صحابى اخر نادى بنداء ابى ذر
ذاته، وهو
العقبى((697))البدرى،
عباده بن الصامت! كان ذلك منه فى
عهد عمر اولا، ثم تكرر ثانيه فى هذا العهد((698)).
-وعبداللّه بن مسعود، المهاجر البدرى الشهير، وقف
بحزم امام
النهب الاموى، وكان امينا على بيت المال فى الكوفه،
فامتنع
عن وضع بيت المال بايديهم لياخذوا منه ما يشاءون،
وتحمل
لاجل ذلك كثيرا حتى ضربه الامويون وجروا برجليه
وضربوا به
الارض حتى كسر له ضلعان، فبقى طريح فراشه
حتى توفى،وقد
اوصى عمار بن ياسر ان يتولى الصلاه عليه ودفنه
ولا يخبر به
الخليفه((699))!
-وعمار بن ياسر، المهاجر القديم، الذى لا يفارق
الحق مهما
اختلف الناس، كان حليفا لاخوانه المتقدمين فى
مسيره
الاصلاح الواعيه والرشيده، حتى انتهى امره الى ان
يضرب،
بحكم من مروان، حتى فتق بطنه وغشى عليه((700))!
-وجندب بن كعب الازدى، الذى نهض بوجه والى الكوفه
الوليد
بن عقبه لشربه الخمر وتقريبه السحره، حتى سل سيفه
وضرب
عنق الساحر فى مجلس الوليد، فاراد الوليد قتله،
فقام رجال
فى المجلس فاعترضوه، وقالوا: تقتل صاحب رسول اللّه
بعلج
ساحر؟! فسجنه، فعلم السجان ان الوليد ينوى قتله فى
السجن،
فاتاه وفتح له السجن، وقال له: انج بنفسك.
فقال: تقتل بى! قال: ليس ذلك بكثير فى مرضاه اللّه
والدفع
عن ولى من اولياء اللّه!
فلما اصبح الوليد دعا بجندب فلم يجده، فقتل السجان
وصلبه
بالكناسه((701))!
-ونهض اهل الكوفه على واليها الاخر سعيد بن العاص
الاموى،
الذى كان يرى ان العراق كله بستان لقريش، والناس
اجراءهم
فيها! فذهب خيارهم الى الخليفه وشكوه اليه، فلم
يعزله
الخليفه، فعزلوه هم وارتضوا عليهم ابا موسى
الاشعرى فاقره
عثمان، وكان فى طليعه هولاء المصلحين: مالك الاشتر
،
وثابت ابن قيس الانصارى، وكميل بن زياد، وزيد بن
صوحان،
وصعصعه بن صوحان، والحارث الاعور، وجندب بن زهير
واخرون((702)).
اذن هناك حركه اصلاح واعيه يقودها الطليعه من
الصحابه
عليهم التحيه والرضوان..
فلا يمد خصوم الاسلام - من مستشرقين وغيرهم - انافهم
الى
هذه الثغره، فاذا كان ثمه انحراف ظاهر، فسببه رجال
حاربوا
الاسلام بكل ما يملكون حتى غلبهم ودخل عليهم مكه،
فلم
يجدوا منه مفرا، ووجدوا دينا سمحا لا يعاقب على ما
سلف، ولا
يفتش عن السرائر وما تخفى الصدور.. ثم وقف بوجههم
خيار
الصحابه الذين عاشوا حول النبى(ص) وعاصروا الاسلام
فى
ايامه الاولى، وخاضوا حروبه كلها، فهم احرى ان
تقصدهم
الانظار، خصوصا حين كانوا بنهضتهم الاصلاحيه
الواعيه روادا
لمسار الاسلام الاصيل.
وهناك دعوات اخرى واجهت هذا الانحراف الظاهر، لكنها جنحت الى التطرف فخرجت عن
كونها اصلاحيه، لكنها على اى حال كانت حركه رافضه لما يجرى، ومنها:
-
نداءات السيده عائشه، وهى تقول: اقتلوا نعثلا، فقد
كفر
((703))!!
-قول عبدالرحمن بن عوف لعثمان: لم فررت يوم احد،
وتخلفت عن بدر، وخالفت سنه عمر((706))؟!
فاذا كان فى كلمه عبدالرحمن الاخيره (وخالفت سنه
عمر) ما
يصلح ان يكون بحق تذكيرا لاجل الاصلاح، فالذى فى
اول
كلامه تجريح فى غير محله، بل قد يوخذ على عبدالرحمن
نفسه، فعلى يده كان اختيار عثمان للخلافه، فاذا كان
يرى
فيهما قدحا فليذكرهما انذاك، اما الان فقد تعدى
اوانهما.
اما موقف السيده عائشه وطلحه وعمرو، فهو موقف متطرف
بلا
شك، وسوف يتخذون لانفسهم بعد مقتله موقفا نقيضا،
وهو
الاخر فى غايه التطرف!
انه الرجل الذى ما غضب الا للحق، ولا اخرجه غضبه قط
عن
الحق، ولا ندرت منه كلمه تلجئه الى الاعتذار، او
تظهر الايام
قصورها.. بل ما اتخذ موقفا ولا قال كلمه الا صارت
ميزانا توزن
به المواقف والكلمات، وفرقانا يفصل بين الحق
والباطل،
والصواب والخطا، ويتمثل فيه الاعتدال، بين الافراط
والتفريط،
بين المهادنه على حساب الحق، وبين العدوان ومجاوز
الحق.
وعلى، هو الرجل الذى كان يرى منذ البدايه انه احق من
عثمان
بمجلسه، واولى به منه، وقد عرفنا كيف بايع له يوم
بايع
وهويقول (لاسلمن ما سلمت امور المسلمين، ولم يكن
جور الا
على خاصه) ولم يكن احد غيره يقول مثل هذا، واذا قد
تاخر
بعضهم عن ابى بكر، فان احدا لم يتاخر عن عثمان!
ومع كل ذلك فلم يجد عثمان ناصحا فى ايام شدته
ومحنته،
غير على، ولا وجد عاذرا غيره، لا من اصحاب الشورى،
ولا من
خاصته، ولا من غيرهم..
فهولاء صاروا ثلاث طوائف: طائفه تفتنه وتجر الشر
اليه،
وطائفه تولب عليه الجماهير الغاضبه، وطائفه نكصت
عنه
وخذلته.
اما على(ع) فقد كان يرى ان لهذه الجماهير الغاضبه
حقا ينبغى
ان تعود به، فهى لم تغضب عبثا، ولا بلغ بها غضبها
هذا الحد
حتى بلغ تجاهل الولاه والمقربين من الخليفه لحقوق
اللّه
وحقوق الناس مبلغه.. كما كان يرى ان للخيفه حرمه
ينبغى ان
تصان، وكان يعلم من اخبار هذه الامه انه سوف يقتل
فيها
خليفه، يفتح قتله على المسلمين باب القتل وبحور
الدماء..
-فحين اجتمع اليه الناس وذكروا عنده ما نقموه على عثمان، نهض اليه فكلمه كلاما
طويلا راينا ان ننقله بطوله، لما فيه من غنى عن كل التفاصيل، ولما يعطيه من صوره
تامه عن تلك الاحداث الى ذلك الوقت، بما فيها موقفه الحكيم المتزن، اذ قال له:
(ان الناس ورائى وقد استسفرونى((707)) بينك وبينهم ..
وواللّه ما ادرى ما اقول لك! ما اعرف شيئا تجهله، ولا ادلك على امر لا تعرفه،
انك تعلم ما نعلم، ما سبقناك الى شىء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشىء فنبلغكه، وقد رايت كما
راينا، وسمعت كما
سمعنا، وصحبت رسول اللّه(ص) كما صحبنا..
وما ابن ابى قحافه ولا ابن الخطاب باولى بعمل الحق
منك..
وانت اقرب الى رسول اللّه(ص)((708)) وشيجه رحم منهما،
وقد نلت من صهره ما لم ينالا..
فاللّه اللّه فى نفسك، فانك واللّه ما تبصر من عمى،
ولا تعلم من
جهل، وان الطرق لواضحه، وان اعلام الدين لقائمه..
فاعلم ان افضل عباد اللّه عند اللّه امام عادل، هدى
وهدى، فاقام
سنه معلومه، وامات بدعه مجهوله.. وان السنن لنيره
لها اعلام،
وان البدع لظاهره لها اعلام. وان شر الناس عند اللّه
امام جائر،
ضل وضل به، فامات سنه ماخوذه واحيا بدعه متروكه ،
وانى
سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (يوتى يوم القيامه بالامام
الجائر
وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى فى نار جهنم فيدور
فيها كما
تدور الرحى، ثم يرتبط فى قعرها)..
وانى انشدك اللّه الا تكون امام هذه الامه المقتول!
فانه كان
يقال: (يقتل فى هذه الامه امام يفتح عليها القتل
والقتال الى
يوم القيامه، ويلبس امورها عليها، ويبث فيها
الفتن، فلا
يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرجون
فيها
مرجا((709))..
فلا تكونن لمروان سيقه يسوقك حيث شاء بعد
جلال السن وتقضى العمر)!
فقال له عثمان(رضى اللّه): (كلم الناس فى ان
يوجلونى حتى
اخرج اليهم من مظالمهم).
فقال(ع): (ما كان فى المدينه فلا اجل فيه، وما غاب
فاجله
وصول امرك اليه)((710)).
فطلب عثمان من على(ع) ان يخرج اليهم ويكلمهم ليرجعوا على ان يفى لهم بما طلبوا،
فكلمهم على، فرجع المصريون الى مصر، ولكن تاخر عثمان عن تنفيذ ما وعدهم به، وكان
الذى صرفه عن ذلك مروان بن الحكم، اذ قال لعثمان: تكلم واعلم الناس ان اهل مصر قد
رجعوا، وان ما بلغهم عن امامهم كان باطلا، قبل ان يجىء الناس اليك من امصارهم وياتيك
ما لا
تستطيع دفعه! ففعل عثمان ذلك((711))! فثارت الفتنه من
جديد، ورجع المصريون الى حصار عثمان، فذهب الى على(ع) فدخل عليه بيته فقال له: (يا
ابن عم، ان قرابتى قريبه، ولى عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هولاء القوم، وهم
مصبحى، ولك عند الناس قدر وهم يسمعون منك، واحب ان تركب اليهم فتردهم عنى) فقال
على: (على اى شىء اردهم عنك؟)
قال: (على ان اصير الى ما اشرت اليه ورايته لى).
فقال على: (انى قد كلمتك مره بعد اخرى، فكل ذلك نخرج
ونقول، ثم ترجع عنه، وهذا من فعل مروان وابن عامر
ومعاويه
وعبداللّه بن سعد، فانك اطعتهم وعصيتنى).
قال عثمان: (فانا اعصيهم واطيعك).
فامر الناس فركب معه من المهاجرين والانصار ثلاثون
رجلا،
فاتى المصريين فكلمهم، فذكر لهم ما وعد به عثمان من
ارضائهم((712)).
فلما رجع على من عندهم قال لعثمان: تكلم كلاما يسمعه الناس منك، ويشهدون عليك،
ويشهد اللّه على ما فى قلبك من النزوع والانابه، فان البلاد قد تمخضت عليك، فلا امن
ان يجىء ركب اخرين من الكوفه، فتقول: يا على اركب
اليهم، ولا
اقدر ان اركب اليهم ولا اسمع عذرا، ويقدم ركب من
البصره،
فتقول: يا على اركب اليهم، فان لم افعل رايتنى قد
قطعت
رحمك واستخففت بحقك.
فخرج عثمان فخطب الناس، فقال بعد الحمد والثناء:
اما بعد
ايها الناس، فواللّه ما عاب من عاب منكم شيئا
اجهله، وما جئت
شيئا الا وانا اعرفه، ولكنى فتنتنى نفسى وكذبتنى
وضل عنى
رشدى، ولقد سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (من زل فليتب،
ومن اخطا فليتب، ولا يتماد فى الهلكه، ان من تمادى
فى
الجور كان ابعد من الطريق) فانا اول من اتعظ، استغفر
اللّه مما
فعلت واتوب اليه، فمثلى نزع وتاب، فاذا نزلت
فلياتنى اشرافكم
فليرونى رايهم، فواللّه لئن ردنى الحق عبدا لاستن
بسنه العبد،
ولاذلن ذل العبد، ولاكونن كالمرقوق، ان ملك صبر،
وان عتق
شكر، وما عن اللّه مذهب الا اليه.
فلا يعجزن عنكم خياركم ان يدنوا الى، لئن ابت يمينى
لتتابعنى شمالى((713)).
فواللّه لاعطينكم الرضا، ولانحين مروان وذويه ولا
احتجب
عنكم((714)).
فرق الناس له، وبكوا، وبكى هو ايضا.
وكان الناس قبل هذا قد اصطلحوا مع عثمان حين بعث اليهم عليا فى واحده من
المرات، فاقبل معه وجوههم، فاصطلحوا على خمس:
1 - ان المنفى يقلب - اى يعاد الى بلده.
2 - المحروم يعطى.
3 - يوفر الفىء.
4 - يعدل فى القسم.
5 - يستعمل ذوو الامانه والقوه((715)).
فلما نزل عثمان من خطبته قصد بيته فوجد مروان ونفرا
من
بنى اميه، فاراد مروان ان يتكلم، فنهرته نائله زوجه
عثمان،
وكانت امراه صالحه تحث عثمان على الاصلاح وتحذره من
مروان وصحبه، فتنازعا الكلام، حتى تكلم مروان فعاب
على
عثمان اقراره بالخطا وما اعطاهم من الوعد بالتغيير
والاصلاح..
فركن عثمان الى كلامه وقال له: اخرج الى الناس
فكلمهم،
فانى استحى ان اكلمهم!
فخرج مروان الى الباب! والناس على الباب مثل
الجبال، فقال
لهم: ما شانكم قد اجتمعتم كانكم جئتم لنهب! شاهت
الوجوه!
جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا! اخرجوا عنا
.. ارجعوا
الى منازلكم فانا واللّه ما نحن مغلوبون على ما فى
ايدينا((716)).
هذه هى كل الحقيقه التى امن بها مروان وصحبه! انه
الملك
فى ايديهم، وليس لاحد ان يقف دون امانيهم ودون ما
يشتهون!
هذا المبدا الذى ظهر منذ الان سوف يكون فى المستقبل
القريب اس الدوله الامويه اللاحقه!
فلما بلغ عليا هذا الكلام، قال: اى عباد اللّه،
ياللمسلمين! انى
ان قعدت فى بيتى قال لى: تركتنى وقرابتى وحقى، وانى
ان
تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان ..
وقام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال له: اما رضيت من
مروان ولارضى منك الا بتحريفك عن دينك وعن عقلك..
واللّه ما مروان بذى راى فى دينه ولا نفسه، وايم
اللّه انى لاراه
يوردك ولا يصدرك! وما انا بعائد بعد مقامى هذا
لمعاتبتك،
اذهبت شرفك، وغلبت على رايك((717))!
هكذا يتحرق قلب هذا الناصح الكبير وهو يرى ضعف
الخليفه،
واستهتار مروان وصحبه (بالملك!) حتى فتحوا على هذه
الامه
ابواب فتن عظيمه، جرت وراءها فتنا لا تنتهى، نعيش
اثارها
ونتائجها حتى اليوم!
وندم عثمان(رضى اللّه)، وانبته زوجته الصالحه
نائله ودعته الى
ارضاء على فان فى ذلك صلاحه وصلاح الامه، فبعث الى
على
يستصلحه، فقال على: اخبرته انى غير عائد..
واشتد الامر على عثمان، اذ حصروه فى بيته، ومنعوا
عنه الماء..
فارسل على ولديه الحسن والحسين، يحملان سيفيهما،
فوقفا
عند باب عثمان يمنعان الناس عنه، فهما سبطا رسول
اللّه(ص)
ولهما فى قلوب الناس هيبه وجلال ومنزله لا يقتحمها
احد فى
ذلك العهد..
اما الماء فالذى منعه عنه طلحه ومن حوله جماعه!
فادرك على انه لا احد لهذا الامر غيره، فتناسى كل
معنى من
مخالفه عثمان لرايه التى جرت الى هذه الحال، وقصد
طلحه،
فقال له: يا طلحه، ما هذا الامر الذى وقعت فيه؟!
قال: يا ابا الحسن، بعد ما مس الحزام الطبيين((718))!
فتركه على وقصد بيت المال، فقال: افتحوه. فلم يجدوا المفاتيح، فكسر الباب واعطى الناس، فانصرفوا من
عند طلحه
حتى بقى وحده!
وسر بذلك عثمان، وقد دخلت عليه الروايا بالماء..
وجاء طلحه فدخل على عثمان، وقال له: يا امير
المومنين،
اردت امرا، فحال اللّه بينى وبينه!
فقال عثمان: واللّه ما جئت تائبا، ولكن جئت مغلوبا!
اللّه
حسيبك يا طلحه((719))!
لكن الامر كان اكثر تعقيدا من هذا...
فالمصريون الذين كلمهم على ومحمد ابن مسلمه
ورجعوا،
كانوا قد رجعوا ظافرين، اذ اشترطوا على عثمان ان
يعزل
عبداللّه بن سعد ويولى عليهم محمد بن ابى بكر،
فاعطاهم
ذلك فرجعوا ومعهم محمد بن ابى بكر، فبينما هم فى بعض
الطريق راوا راكبا امره مريب، فاخذوه وفتشوه، فاذا
هو غلام
عثمان يحمل كتابا بختم عثمان الى عبداللّه بن سعد
ان يفعل
بهم ويفعل! وكان مروان هو الذى زور هذا الكتاب((720))!
فرجعوا من هناك وشددوا الحصار على عثمان، وخيروه
بين
ثلاث: ان يخلع عماله الذين شكتهم الناس، او ان يخلع
نفسه،
او يقتلوه!
فلما كان عاجزا عن الخيار الاول، امتنع عن الخيار
الثانى بقوله: (ما كنت لاخلع سربالا سربلنيه اللّه عز وجل)! واسلم
نفسه
للخيار الاخير، ومنع من حوله من ان يقاتلوا دونه((721))!
وقد كان على بابه الحسن والحسين وقنبر مولى على
وطائفه
فيهم عبداللّه ابن الزبير ومحمد بن طلحه، وكان معهم
عبداللّه
بن العباس، فبعثه عثمان قبل ايام اميرا على الحاج
ذلك
الموسم، فلم يقتحم الناس الباب، ولكن تسوروا
الجدران
فقتلوه فى بيته .. قتلوه قتله تنم عن نقمه توغرت بها
صدورهم، فطعنوه مرارا والمصحف فى يده!
قال على(ع): (انا جامع لكم امره: استاثر فاساء
الاثره، وجزعتم
فاساتم الجزع، وللّه حكم واقع فى المستاثر والجازع)((722)).
كان ذلك فى 18 / ذى الحجه / 35 للهجره، بعد اكثر من 82
سنه من العمر، وبعد 12 سنه من الخلافه، و25 سنه (ربع
قرن)
من وفاه النبى الاكرم(ص)((723)).
الفصل الثانى- الثقافه ومصادرها فى ربع قرن
(11 - 35 ه )
وقد عرف اولئك الصحابه بكتاب الوحى، وكان ابرزهم:
على بن
ابى طالب، والارقم بن ابى الارقم، وعبداللّه بن
مسعود، ثم كثر
الكتاب فى العهد المدنى، فبرز فيهم: ابى بن كعب،
وزيد بن
ثابت، ومعاذ بن جبل، وابو الدرداء، واخرون((725)).
وكان جبريل يعرض القران على النبى فى كل عام مره،
وفى
العام الذى توفى فيه عرضه عليه مرتين((726))..
وكان الاصحاب يعرضون القران احيانا على الرسول،
ويسمعون
منه قراءته السور الطوال وغيرها فى صلواته فى الليل
خاصه،
وكانوا هم ايضا يملوون بها لياليهم، وقد وصفهم
القران الكريم
فقال: (تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من اللّه
ورضوانا
سيماهم فى وجوههم من اثر السجود)((727))..
اذن فالقران كان مجموعا عندهم، وقد ترتبت ايات كل
سوره
منه ترتيبا توقيفيا لا خلاف فيه((728)).
× فلما توفى الرسول الاكرم(ص) كان جمع سور القران
الكريم
وضم بعضها الى بعض مهمه بالغه الاهميه، وقد ثبت
تاريخيا ان
عليا قد تفرغ لهذه المهمه مبكرا جدا، فلم يخرج من
بيته الا
للصلاه، حتى جمعه عنده. وهو اول مصحف، جمع فيه
القران
من قلبه.
والمشهور عن هذا الجمع انه مضى على ترتيب سور
القران
بحسب ترتيب نزولها، اقرا، المدثر، ن، المزمل، تبت،
التكوير ..
وهكذا الى اخر المكى فالمدنى، وكان قد كتب فى
حواشيه
اشياء فى الناسخ والمنسوخ واسباب النزول.
ذكره ابن سيرين (110 هـ
) وقال: طلبت ذلك الكتاب، وكتبت
فيه الى المدينه، فلم اقدر عليه((729)).
لقد اختص به على لنفسه، فمن الطبيعى ان يحفظه من
بعده
اولاده الساده الاشراف.
قال النديم: وكان المصحف عند اهل جعفر، ورايت انا
فى زماننا
عند ابى يعلى حمزه الحسنى(رحمه اللّه) مصحفا قد سقط
منه
اوراق، بخط على بن ابى طالب، يتوارثه بنو حسن على مر
الزمان((730)).
ومن الطبيعى ايضا ان لا ينسخ ثانيه بعد ان تم
الجمع الرسمى للقران الكريم .. وكل ما كتبه اهل
البيت(ع) من
المصاحف بعد ذلك بخط ايديهم كان وفق الترتيب
المتعارف،
وليس بحسب تاريخ النزول، كما تشهد بذلك النسخ
المحفوظه
بخطوطهم((731)).
× ثم كان الجمع الرسمى للقران الكريم، بامر من
الخليفه ابى
بكر (ايام خلافته) وباشرافه، وقد اسند ذلك الى
الصحابى زيد
بن ثابت الانصارى، وهو من اشهر كتاب الوحى، وحفاظ
القران..
لكن كيف جمعه زيد؟
ان الاصح الاثبت، والذى عليه المعول، ان زيدا قد
جمع القران
من (العسب، واللخاف((732))، وصدور الرجال). ولا يعنى
ذلك انه كان ياخذ بعضه من المكتوب على العسب
واللخاف،
وبعضه من صدور الرجال، بل المراد انه كان يشهد
الحفاظ على
هذا المكتوب انه قد كتب بين يدى رسول اللّه(ص)،
ويطلب ما
سمعه من الحفاظ ان يجده مكتوبا على تلك العسب
واللخاف
بين يدى رسول اللّه(ص).
هكذا ارخه ابن ابى داود فى (المصاحف) وشرحه ابن حجر
والسخاوى وابو شامه((733)).
اما ما ورد فى خلاف ذلك من اخبار فى اسلوب جمع
القران
وفى اختلاف بعض مصاحف الصحابه، فهى اخبار متعارضه
فى
كثير من دلالاتها، ومعارضه لما هو ثابت تواترا
واجماعا من ان
القران الكريم كان مكتوبا كله على عهد النبى(ص) على
الالواح
والرقاع والعسب واللخاف ونحوها((734)).
كما ان كثيرا منها معلول الاسانيد، كالمنسوب الى
ابن مسعود
من انكاره كون سوره الفاتحه والمعوذتين من القران
الكريم!
قال الرازى: هو امر فى غايه الصعوبه، لانا ان قلنا:
ان النقل
المتواتر كان حاصلا فى عصر الصحابه بكون ذلك من
القران،
فانكاره يوجب الكفر.. وان قلنا: لم يكن التواتر
حاصلا، فيلزم ان
القران ليس بمتواتر فى الاصل.. ثم رجح ان نقل هذا
المذهب
عن ابن مسعود نقل باطل، وكذا ابطله القاضى ابو بكر.
وقال النووى: اجمع المسلمون عن ان المعوذتين
والفاتحه من
القران، وان من جحد منها شيئا كفر، وما نقل عن ابن
مسعود
باطل ليس بصحيح.
وادق من ذلك كله ما اجاب به ابن حزم، قال: هذا كذب
على
ابن مسعود وموضوع، وانما صح عنه قراءه عاصم، عن زر،
عنه،
وفيها المعوذتين والفاتحه((735)).
ومثل هذا يقال حتى مع البسمله، حيث راى البعض انها ليست ايه من القران، وجعلها
البعض ايه من سوره الفاتحه فقط .. فقد اخرج السيوطى طائفه من الاحاديث قال فى اخرها:
فهذه الاحاديث تعطى التواتر المعنوى بكونها قرآنا
منزلا فى اوائل
السور((736)).
وهكذا وجدها الرازى بعد بحث مفصل، زاد فيه
ان النبى(ص) كان يامر بكتبها ايضا فى خط المصحف، وان
الخلاف حولها انما يدور فى احكام شرعيه هى من خواص
القرآن، مثل انه: هل يجب قراءتها فى الصلاه ام لا،
هل يجهر بها
ام لا، هل يجوز للمحدث مسها وللجنب قراءتها ام لا((737))؟
وقد كان توحيده للقراءات امرا مرضيا جدا عند
الصحابه، لكن
ظهر من البعض انتقاد لاجرائه فى حرق المصاحف التى
كانت
متداوله، حتى سموه حراق المصاحف((739)).
ويشهد لهذين الشطرين، الرضا والسخط، ما روى عن على
(ع)
من قوله: (لا تقولوا فى عثمان الا خيرا، فواللّه ما
فعل الذى فعل
فى المصاحف الا على ملا منا، قال: ما تقولون فى هذه
القراءه؟
فقد بلغنى ان بعضهم يقول: ان قراءتى خير من قراءتك،
وهذا
يكاد يكون كفرا. قلنا: فما ترى؟ قال: ارى ان يجمع
الناس على
مصحف واحد، فلا تكون فرقه ولا اختلاف. قلنا: نعم ما
رايت)((740)).
الاول: اختلاف القراءات، وليس لهذا الامر ادنى صله
بالتحريف
كما هو معروف عند العلماء.
والثانى: الوهم، كدعاء كان يسمعه من النبى(ص) على
الدوام،
فظن انه قرآنا، كما فى ما اسماه بعضهم: (سوره الحفد)
و
(سوره الخلع)((741)).
وربما يكون حديثا سمعه او حكما رآه، فرسخ فى ذهنه
رسوخا
ما، حتى خيل اليه انه كان يجده فى القرآن، كالمروى
عن عمر
فى (الشيخ والشيخه) و(الرغبه عن الاباء)..((742))
وربما يكون
منه ما ورد فى ذكر سوره انزلت ثم نسخت فمحاها اللّه
تعالى
من قلوب حفاظها بما فيهم الرسول(ص)((743))!! فمثل هذه
المزاعم (لا يقبلها انسان يحترم نفسه ويقدر ما وهبه
اللّه تعالى
من نعمه العقل)((744))!
والثالث: الكذب والدس، كذابون يدسون اشياء يعرف
بعضها
على حقيقته، وبعضها ينسبوه زورا الى الثقات فياتى
باسانيد
صحيحه، وهو باطل، كالذى وجدناه فى المنقول عن ابن
مسعود فى الفاتحه والمعوذتين، وربما يكون من هذا
الباب ما
نقل عن طول سوره الاحزاب، عن عائشه((745)).
وربما يكون من هذا الباب ما نقل عن عبداللّه بن عمر،
او نسب
اليه، انه قال: (لا يقولن احدكم قد اخذت القرآن كله،
وما
يدريك ما كله؟! قد ذهب منه قرآن كثير! ولكن ليقل:قد
اخذت
منه ما ظهر)((746))!!
وربما يكون هذا كله من باب الوهم، وان حمله
المتاولون على
نسخ التلاوه! وربما يكون هذا كله، ان صح، من الوحى
الذى
ليس بقرآن، كالحديث القدسى، فتوهم بعضهم انه من
القرآن((747)).
ومن هذا الباب - الكذب والدس - ما ورد منسوبا الى
ائمه اهل
البيت عليهم السلام، قال الصدوق: اعتقادنا ان
القرآن الذى
انزله اللّه تعالى على نبيه محمد(ص) هو ما بين
الدفتين، وهو ما
فى ايدى الناس، ليس باكثر من ذلك .. ثم قال: (و من نسب
الينا انا نقول انه اكثر من ذلك، فهو كاذب)((748))!
وهذا كلام صريح بان كل ما وجد من روايات تفيد وقوع
التحريف باى نحو كان فهى كاذبه ومدسوسه، حتى لو
وجدت
باسناد صحيح.
ويويد هذا، ما ثبت عن الشريف المرتضى والشيخ
الطوسى،
والشيخ الطبرسى، من اتفاق تام مع ما اقره الصدوق،
مع مزيد
من البرهان عليه((749)).
اما ما ذكره بعض المتاخرين من دعوى وقوع التحريف
والنقيصه فى القرآن الكريم بعد جمعه، كما هو حال
الشيخ
النورى (1320 ه ) فى (فصل الخطاب) فهو باطل، وقد رده اهل
التحقيق، ويكفى فى رده القول المتقدم من الشيخ
الصدوق
فى تكذيب كل ما يفيد مثل هذه المعانى، لكن هناك ردود
مباشره على كلامه لعل اهمها قول الامام الخمينى:
(انما هو
ايراد روايات ضعاف اعرض عنها الاصحاب وتنزه عنها
اولوا
الالباب.. هذا حال كتب روايته غالبا، كالمستدرك،
ولا تسال
عن سائر كتبه المشحونه بالقصص والحكايات الغريبه
التى
غالبها بالهزل اشبه منه بالجد، وهو (رحمه اللّه)
شخص صالح
متتبع، الا ان اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب
والعجائب وما لا
يقبلها العقل السليم والراى المستقيم اكثر من
الكلام النافع!
والعجب من معاصريه من اهل اليقظه كيف ذهلوا وغفلوا
حتى
وقع ما وقع مما بكت عليه السماوات وكادت تتدكدك على
الارض؟!)((750)).
كما تناوله الشيخ معرفه فرده ردا حازما وحادا، وقد
تناول معه
نعمه اللّه الجزائرى (1112 ه )، وربما بالغ فى قدحهما
والنيل
منهما، وليس ذلك الا انتصارا للقرآن الكريم
والعقيده
السليمه((751)).
ا - السنه النبويه: فمهمه النبى(ص) لم تنته
بالتبليغ، بل
امتدت الى البيان ايضا: (وانزلنا اليك الذكر لتبين
للناس ما
نزل اليهم ولعلهم يتفكرون)((752)).
(وما انزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذى
اختلفوا فيه وهدى
ورحمه لقوم يومنون)((753)).
قال (ص): (الا وانى قد اوتيت الكتاب ومثله معه، الا
يوشك
رجل شبعان على اريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما
وجدتم
فيه من حرام فحرموه).
فقوله: (اوتيت الكتاب ومثله معه) قيل: فيه وجهان:
احدهما: انه اوتى من الوحى الباطن غير المتلو مثل
ما اوتى
من الظاهر المتلو.
والثانى: انه اوتى الكتاب وحيا يتلى، واوتى من
البيان
مثله
((754)).
فروى الصحابه ما صدر عنه (ص) من تفسير ومعانى
واحكام القرآن.. لكن الذى روى عنه ذلك عدد قليل من
الصحابه، وبقى آلاف منهم لم تحفظ لهم عنه روايه
لافى
التفسير ولا فى غيره، وهذا امر طبيعى راجع الى
اختلافهم فى
العلم والحفظ، ثم اختلافهم فى مدى ملازمتهم له (ص).
وهذا العدد القليل الذى روى تفسير النبى(ص) هو الاخر
مختلف فى الكم ايضا، وللاسباب نفسها.
فحين يقال اذن ان عليا اكثر من عرف عنه التفسير((755))،
فهذا امر مالوف يسبق اليه الظن، ويجليه الاستقراء،
فهو اكثر
الصحابه ملازمه للنبى واختصاصا به، نشا فى بيته، ثم
سكن الى
جواره، طريقهما الى بيوتهما واحد، هو المسجد
النبوى، ليس
لهما طريق غيره، هذا الى ما امتاز به على من سبق فى
العلم،
حتى وصفه النبى بانه (اكثرهم علما)((756)).
ثم عبداللّه بن عباس، ذاك وان كانت صحبته للنبى
قصيره، الا
ان حافظته النادره، ووعيه الثاقب، ودعاء النبى له
(اللهم فقهه
فى الدين وعلمه التاويل). وملازمته لعلى بن ابى طالب
مده
حياته وكثره اخذه عنه، ذلك كله جعله فى المرتبه
الاولى بين
علماء الصحابه ومفسريهم.
قال ابن عطيه: فاما صدر المفسرين والمويد فيهم،
فعلى بن
ابى طالب(رضى اللّه)، ويتلوه عبداللّه بن عباس،
وهو تجرد للامر
وكمله، وقال ابن عباس: (مااخذت من تفسير القرآن فعن
على
بن ابى طالب)((757)).
ويتلو ابن عباس: عبداللّه بن مسعود، وابى بن كعب،
وزيد بن
ثابت، وعبداللّه بن عمرو بن العاص((758)).
كما روى التفسير عن عمر بن الخطاب وابى هريره،
وقليل نادر
عن آخرين.
ب - تاريخ النزول واسبابه: فهو المصدر الاهم فى
معرفه
المحاور التى تدور حولها الايات، والنقاط التى
تنطلق منها الى
ماوراءها، و فى معرفه الناسخ والمنسوخ، ومعرفه
التدرج فى
الاحكام القرآنيه، وغير ذلك مما لا غنى عنه فى فهم
القرآن
وتفسيره.
روى ان عليا (ع) كان يقول: سلونى، فواللّه لا تسالونى عن شىء
الا اخبرتكم، وسلونى عن كتاب اللّه، فواللّه ما من
آيه الا وانا اعلم
ابليل نزلت، ام بنهار، ام فى سهل، ام فى جبل((759)).
وروى البخارى نحوه عن عبداللّه بن مسعود، اذ قال: (و
اللّه ما
من آيه الا و انا اعلم فيم نزلت، وفى من نزلت)((760)).
ج - اللغه: فالقرآن نزل بلغه العرب، فهى اذن ديوان
معانيه،
وقد اشتهر عند الصحابه تفسير مفردات القرآن
بمرادفاتها من
لغه العرب، و موارد استعمالها، كما يظهر فى كتاب
التفسير فى
صحيح البخارى وغيره. وقد توسع فى ذلك ابن عباس
كثيرا
حتى صار تفسيره اوسع ديوان للتفسير باللغه فى عصر
الصحابه((761)).
ه - الراى والاجتهاد: فقد اجتهد بعض الصحابه بارائهم فى ما لم يحفظوا فيه نقلا
عن النبى(ص)، وربما ظهر القول بالراى والاجتهاد مع وجود السنه، كالمعروف عن عمر فى
آيه الفىء((764))،
ومتعه النساء ومتعه الحج((765)).
و - الاسرائيليات: آخر مصادر التفسير، اذ ظهر رجوع
الى بعض
من اسلم من اهل الكتاب، لا سيما فى اخبار الامم
الماضيه التى
اشار اليها القرآن الكريم اومر عليها مرورا دون
الغوص فى
تفاصيلها، ويكاد هذا الدور ينحصر فى ما رواه ابو
هريره عن
كعب الاحبار وعبد اللّه بن سلام.
واشد ما فى هذا الامر هو اختلاط روايه ابى هريره عن كعب بروايته عن رسول
اللّه(ص)، اذ حصل هنا اختلاطان:
- اختلط على ابى هريره نفسه، فيقول: قال رسول اللّه،
وياتى
بروايه كعب، و يقول: قال كعب، وياتى بحديث رسول
اللّه((766))!
- كما اختلط على تلامذته، فيحدثهم عن رسول اللّه وعن
كعب،
فيخرجون من عنده فيخلطون هذا بذاك((767))!
وربما رد ابو هريره على كعب وابن سلام وخطاهما، لكن
الحق
ان ذلك نادر جدا، لم يتجاوز الموردين او الثلاثه((768)).
ولم تكن مرويات كعب بالمرضيه عند الصحابه، ولا
بعدهم، فقد
جاء عن كثير من الصحابه تكذيبه واتهامه فى عقيدته:
فقد قال
له عمر: لتتركن الحديث، او لالحقنك بارض القرده((769)).
وقال ابن عباس فى بعض احاديث كعب: كذب كعب، اما ترك
يهوديته بعد((770))! ونحوه عن ابن مسعود، قال: كذب كعب،
ما ترك يهوديته! او قال:
ماتنكت اليهوديه فى قلب عبد فكادت ان تفارقه((771)).
وكذبه حذيفه بن اليمان ايضا فى بعض ما بلغه من
حديثه، فقال: كذب كعب((772)).
وقد علم المحققون ان كعبا قد (ادخل على المسلمين
شيئا
كثيرا من الاسرائيليات الباطله والمخترعه، وخفى
على كثير
من المحدثين كذبه ودجله لتعبده)((773)).
2 - السنه فى ربع قرن:
والسنه بعد ثبوت صدورها عنه (ص)، حجه، وحجيتها ضروره
من ضروريات الدين، من جحدها فقد كذب بالدين، وانكر
القرآن الكريم، اذ انا لم نعرف ان القرآن الكريم هو
كتاب اللّه
تعالى الا من قول النبى(ص)، فاذا لم يكن قوله حجه،
فلا اثر
للقرآن اذن!!
وان لم تكن السنه حجه، فلا معنى لجميع العبادات
والاحكام
التى جاء تفصيلها من طريق السنه فقط، كصوره الصلاه،
واحكام الزكاه والصوم وحدودهما، ومناسك الحج،
وغيرها من
الاحكام التى امر بها القرآن الكريم، ثم جاءت السنه
بتفصيلها
ووضع حدودها وشرائطها!!
فحجيه السنه النبويه اذن من اكبر ضروريات الدين،
بلا ادنى
نزاع فى ذلك بين المسلمين((774))، بل هى بديهيه لا تخفى
على غير المسلمين ايضا.
القران الكريم يثبت حجيه السنه و يلزم حفظها
واتباعها:
- قال تعالى: (قل ان كنتم تحبون اللّه فاتبعونى
يحببكم اللّه
ويغفر لكم)((775)).
- وقال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر
منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى
اللّه والى
الرسول)((776)).
فاتباع الرسول واطاعته تشمل اتباع سنته قطعا، مع
اتباع ما جاء
به من القرآن المنزل عليه من ربه، واتباع سنته
متوقف على
حفظها بداهه، والرد الى الرسول رد الى سنته، وهو
متوقف
بالكامل على حفظها بداهه.
- وقال تعالى: (وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه
فانتهوا).
- وقال تعالى: (وما كان لمومن ولا مومنه اذا قضى
اللّه ورسوله
امرا ان يكون لهم الخيره من امرهم ومن يعص اللّه
ورسوله فقد
ضل ضلالا مبينا)((778)).
- وقال تعالى: (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فى ما
شجر بينهم ثم لا يجدوا فى صدورهم حرجا مما قضيت
ويسلموا تسليما)((779)).
|
/