وانما يكون حكم اللّه تعالى بيننا من خلال كتابه الكريم وما انزله فيه من احكام، وما يحكم به الكتاب فهو قضاء اللّه تعالى بيننا، والى هذا الامر الواضح يرجع قبول الامام على (ع) بتحكيم كتاب اللّه بينه وبين البغاه .. والامر هكذا مع السنه النبويه، وقد امرنا ان نرد اليها نزاعاتنا وخلافاتنا، فما حكمت به فهو قضاء رسول اللّه، والى هذا الفهم يرجع امر الامام على (ع) لعبد اللّه بن عباس حين بعثه للاحتجاج على الخوارج، حيث امره ان يحاكمهم الى سنه رسول اللّه(ص).. وكل ذلك، صغيره وكبيره، ماضيه وحاضره، رهن بحفظ السنه النبويه المطهره الشريفه.

امر النبى بحفظ السنه:

- قال(ص): (نضر اللّه امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه الى من هو افقه منه)((780)).

- وكان (ص) فى بعض خطبه التى شحنها بالاحكام، من امر ونهى وبيان، يكرر مرارا قوله: (الا فليبلغ الشاهد الغائب) كما هو ظاهر فى خطبته فى حجه الوداع، وفى خطبته بغدير خم.

وغير هذا كثير فى منزله السنه ولزوم حفظها، وهو بديهى ايضا فى شان ثانى مصادر التشريع، المصدر الذى كانت مهمته الاولى التبيين عن المصدر الاول - القرآن - وتفصيله، وترجمه احكامه وتعاليمه فى الواقع المعاش، الامر الذى لا يمكن ايكاله الى مصدر آخر غير النبى(ص) وسنته، فحفظ السنه شرط حفظ الدين كله اذن.

ثم عزز النبى(ص) ذلك بلزوم صيانتها من اى دخيل فى قول او عمل، فقال(ص):

(ان كذبا على ليس ككذب على غيرى، من يكذب على بنى له بيت فى النار).

- (من كذب على فليتبوء مقعده من النار)((781)).

- (من احدث فى امرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)((782)).

- (كل بدعه ضلاله، وكل ضلاله فى النار)((783)).

حصيله واحده:

من قراءه لتلك المقدمات، اى قراءه، وباى اتجاه، سوف نتوقع حصيله واحده، وهى ان تدوين السنه فى عهد النبى(ص) كان امرا مالوفا، يزاوله بعض من قدر عليه من الصحابه، وليس امرا محتملا وحسب.

فهل لهذه الحصيله ما يويدها من الواقع فى ذلك العهد، فتكون حقيقه ثابته، تستوى عندها قراءتنا لتلك المقدمات الصحيحه على قوائمها.. ام الواقع خلاف ذلك، فتبقى تلك المقدمات الصحيحه نظريات عائمه ليس لها قرار؟ هذا ما نقراه فى بحثنا الاساس الاتى، حيث تداخل الارقام، وتعانق الادله، ورجوع الى العهد النبوى، الاصل، بين فقره واخرى.

السنه والتدوين فى ربع قرن:

هنا ثلاث علامات فارقه، اجملها الذهبى، ونفصلها فى نقاط مع مزيد من التوثيق:

الفارقه الاولى-الاحتياط فى قبول الاخبار:

قال الذهبى: كان - ابو بكر - اول من احتاط فى قبول الاخبار ..

ان (الجده) جاءت الى ابى بكر تلتمس ان تورث، فقال: ما اجد لك فى كتاب اللّه شيئا، وما علمت ان رسول اللّه(ص) ذكر لك شيئا! ثم سال الناس، فقام المغيره فقال: حضرت رسول اللّه(ص) يعطيها - اى الجده - السدس. فقال له ابو بكر: هل معك احد؟ فشهد محمد بن مسلمه بمثل ذلك، فانفذه لها ابو بكر((784)). هذا الخبر تضمن فوائد جليله، كان (الاحتياط فى قبول الاخبار) اولها، وثم فائدتان لم يذكرهما الذهبى هما:

ا - فى عداله الصحابى: ان هذا الاحتياط كان ازاء روايه الصحابى عن رسول اللّه مباشره، فالمغيره، الصحابى، كان يروى عن مشاهده قد يصحبها سماع ايضا، يقول: (حضرت رسول اللّه (ص) يعطيها السدس) ومع ذلك كان ابو بكر يحتاط فى قبول روايته، حتى وجد لها شاهدا حضر ذلك او سمعه من رسول اللّه(ص).

وهذا مبدا متين، منسجم مع ما قرره النبى(ص) فى حفظ السنه وصيانتها، و هو مخالف تماما لمبدا (عداله الصحابى) وقبول روايته مطلقا، واعفائه من قواعد الجرح والتعديل.

وسوف نجد ان موقف ابى بكر هذا قد سلكه عمر، وسلكه عثمان، وسلكه على (ع)، سلكوه جميعا ازاء روايه الصحابى عن رسول اللّه(ص) مباشره، ليتضح من هذا كله بمالا شك فيه: ان مبدا (عداله الصحابى) قد ولد متاخرا، ولم يكن له اثر حتى نهايه خلافه على (ع)، بل وبعدها ايضا بزمن غير قليل! قال الخطيب البغدادى فى الرد على من زعم ان العداله هى اظهار الاسلام و عدم الفسق الظاهر: يدل على صحه ما ذكرناه ان عمر بن الخطاب رد خبر فاطمه بنت قيس، وقال: (ما كنا لندع كتاب ربنا وسنه نبينا لقول امراه لا ندرى احفظت ام لا).

قال: وهكذا اشتهر الحديث عن على بن ابى طالب انه قال: (ما حدثنى احد عن رسول اللّه (ص) الا استحلفته) ومعلوم انه كان يحدثه المسلمون((785)) ويستحلفهم مع ظهور اسلامهم، وانه لم يكن يستحلف فاسقا ويقبل خبره، بل لعله ما كان يقبل خبر كثير ممن يستحلفهم مع ظهور اسلامهم وبذلهم له اليمين! وكذلك غيره من الصحابه روى عنهم انهم ردوا اخبارا رويت لهم ورواتها ظاهرهم الاسلام، فلم يطعن عليهم فى ذلك الفعل، ولا خولفوا فيه، فدل على انه مذهب لجميعهم، اذ لو كان فيهم من يذهب الى خلافه لوجب بمستقر العاده نقل قوله الينا((786)).. اذن فمبدا (عداله الصحابى) ليس له عين ولا اثر فى عهد الصحابه، وسوف ياتى فى الفقرات اللاحقه مزيد من الشواهد الحيه على ذلك.

ب - فى علم الصحابى: تحدث المغيره هنا عن قضاء النبى فى سهم الجده، وكان قد شهده بنفسه، وتحدث محمد بن مسلمه عن شهوده ذلك القضاء ايضا، فى حين ما زال غائبا عن ابى بكر، ونحو هذا قد حصل مع عمر ايضا، فربما غابت عنه سنه مشهوره، كما فى قصته مع ابى موسى الاشعرى حين حدثه بحديث: (اذا سلم احدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع) فقال له عمر: لتاتينى على ذلك ببينه او لافعلن بك!! فانطلق الى مجلس من الانصار، فقالوا: لا يشهد الا اصاغرنا! فقام ابو سعيد الخدرى فشهد له عند عمر، فقال عمر: خفى على هذا من امر النبى(ص)، الهانى الصفق بالاسواق((787))! فهذه سنه مشهوره كان يتعلمها اصاغر القوم، وقد خفيت عليه..

وكذا غاب عنه حكم السقط، حتى اخبره المغيره ومحمد بن مسلمه بقضاء رسول اللّه(ص)،((788)) وغير ذلك ايضا.

فهذه نافذه مطله على حقيقه واقعه، وهى ان الصحابى ليس بوسعه ان يحيط بجميع السنه، اقوال النبى وافعاله وتقريراته، فمنها ما يغيب عنه فلا يشهده، ولا يسمع به بعد ذلك الا فى نازله كهذه.

وايضا فهم فى ما يشهدوه على تفاوت كبير فى الحفظ والوعى:

قال البراء بن عازب: ما كل الحديث سمعنا من رسول اللّه (ص)، كان يحدثنا اصحابنا، وكنا مشتغلين فى رعايه الابل((789)).

وقال مسروق - التابعى -: جالست اصحاب محمد(ص) فكانوا كالاخاذ((790))، الاخاذه تروى الراكب، والاخاذه تروى الراكبين، والاخاذه لو نزل بها اهل الارض لاصدرتهم، وان عبداللّه - يعنى ابن مسعود - من تلك الاخاذ((791)).

ومسروق ايضا قال: شاممت اصحاب محمد(ص) فوجدت علمهم انتهى الى سته: على، وعمر، وعبد اللّه، وزيد، وابى الدرداء، وابى .. ثم شاممت السته فوجدت علمهم انتهى الى على وعبداللّه((792))! وانهى غيره علم الصحابه الى سته ايضا، هم المتقدمون باعيانهم الا اباالدرداء فقد ابدله بابى موسى الاشعرى، ثم انهى علم السته الى على وعمر((793)).

وخلاصه القول عند ابن خلدون: ان الصحابه كلهم لم يكونوا اهل فتيا، ولا كان الدين يوخذ عن جميعهم، وانما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه، ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالاته، بما تلقوه من النبى(ص) او ممن سمعه منهم وعن عليتهم، وكانوا يسمون لذلك: (القراء) لان العرب كانوا امه اميه((794)).

الفارقه الثانيه-المنع من التحديث:

قال الذهبى: ان الصديق جمع الناس بعد وفاه نبيهم، فقال انكم تحدثون عن رسول اللّه(ص) احاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم اشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سالكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه((795))! فهنا اكثر من مشكله ظاهره، منها:

ا - ما يعود الى (عداله الصحابى) فيعزز ما ذكرناه آنفا.

ب - ظهور الاختلاف بين الصحابه فى نقل السنه، الى القدر الذى دعا ابابكر الى منعهم من ذكر شىء من حديث رسول اللّه(ص).

لكن هناك من الاختلاف ما لا ضير فيه، كاختلاف اللفظ مع حفظ المعنى تاما، كحديث (من كذب على فليتبوء مقعده من النار) ويروى (من قال على ما لم اقل فقد تبوا مقعده من النار) فهما شىء واحد وان اختلف اللفظ، وليس فى هذا محذور بلا خلاف، والحديث كله قد يكون عرضه لهذا، اذ الغالب ان الصحابى انما يسمع الحديث من النبى(ص) مره، فاذا نقله من حفظه بعد زمن غير يسير، فهو عرضه لاختلاف اللفظ، وليس هذا مطردا فى كل الاحوال، فرب لفظ اذا تبدل باخر فقد بعض دلالته، او جاء اللفظ بدلاله زائده لم تكن من الحديث! وهناك اختلافات اخرى خطيره، مصدرها وهم الصحابى او نسيانه، او سماعه طرفا من الحديث فقط، ونحو ذلك، ولقد رد كثير من الصحابه اختلافات ظهرت من هذا النوع، فمن ذلك:

- حديث عمر وعبداللّه بن عمر: (ان الميت يعذب ببكاء اهله عليه) فردته عائشه، فقالت: انكم تحدثون عن غير كاذبين ولكن السمع يخط ىء، واللّه ما حدث رسول اللّه ان اللّه يعذب المومن ببكاء اهله عليه! حسبكم القرآن (ولاتزر وازره وزر اخرى) انما قال: (انه ليعذب، بخطيئته وذنبه، وان اهله ليبكون عليه).

وقد استدركت عائشه كثيرا على احاديث ابن عمر وابى هريره وانس بن مالك وغيرهم، جمعها الزركشى فى كتاب اسماه (الاجابه لايراد ما استدركته عائشه على الصحابه).

- ورد الزبير رجلا كان يحدث عن رسول اللّه(ص)، فقال له:

انت سمعت هذا من رسول اللّه؟ قال الرجل: نعم.

قال الزبير: هذا واشباهه مما يمنعانى ان اتحدث عن النبى! قد لعمرى سمعت هذا من رسول اللّه، وانا يومئذ حاضر، ولكن رسول اللّه ابتدا بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من اهل الكتاب، فجئت انت بعد انقضاء صدر الحديث، فظننت انه حديث رسول اللّه((796))! - ومن هذا الصنف ما تقدم فى اختلاط احاديث ابى هريره عن النبى(ص) باحاديثه عن كعب الاحبار.

- ومنه قول عمران بن حصين: (و اللّه ان كنت لارى انى لو شئت لحدثت عن رسول اللّه يومين متتابعين، ولكن بطانى عن ذلك ان رجالا من اصحاب رسول اللّه(ص) سمعوا كما سمعت، وشهدوا كما شهدت، ويحدثون احاديث ما هى كما يقولون! واخاف ان يشبه لى كما شبه لهم، فاعلمك انهم كانوا يغلطون - وفى روايه يخطئون - لا انهم كانوا يتعمدون)((797)).

هذه نبذه عن اختلاف الصحابه فى الحديث، الذى سيكون سببا فى اختلافات اكبر حين ينتقل الى المواضيع المستفاده من الحديث، فى العقيده والفقه والتفسير، وغيرها من نواحى المعرفه، وهذه كلها سوف تكون بلا شك محاور نزاع الاجيال اللاحقه، وهذا ما رآه ابو بكر، فلجا الى قراره الاخير فى المنع من الحديث والاكتفاء بالقرآن.

لكن هل كان المنع من روايه الحديث النبوى ومن الرجوع اليه فى الفتيا هو الحل الامثل لهذه المشكله ؟هذا على فرض كونه من صلاحيات الخليفه،وان الخليفه مخول ان يوقف السنه النبويه متى شاء، روايه وفتيا، وتدوينا ايضا كما سياتى! اما اذا كان هذا كله فوق الخليفه وصلاحياته، فثمه ما ينبغى التوقف عنده طويلا اذن! وفى جميع الاحوال يتردد السوال: هل كان المنع من روايه الحديث النبوى واعتماده فى الفتيا، هو الحل الامثل لهذه المشكله؟

ج - والمشكله الثالثه التى يثيرها حديث ابى بكر، هى: ما سيعقب قرار المنع من ضياع لبعض السنن، كثيرا كان او قليلا! خصوصا حين يمضى الامر هكذا لعده سنين.

- فى عهد عمر:

استمر هذا المنع من الحديث زمن عمر كله، ولم يقتصر حكمه على ابى هريره وكعب الاحبار اللذين اتهمهما فى الحديث، وتوعدهما بالطرد الى ديارهما الاولى ان هما لم يكفا عن الحديث..

بل سرى الى رجال من خيار الصحابه، فيهم: عبداللّه بن مسعود، وابو الدرداء، وابو مسعود الانصارى، فقال لهم: قد اكثرتم الحديث عن رسول اللّه! فحبسهم فى المدينه((798)).

وسرى ايضا الى امرائه، فقد كان ياخذ عليهم العهد باجتناب الروايه عن رسول اللّه(ص)، وربما بالغ فى هذا فمشى مع عماله بعض الطريق يودعهم، ثم يذكر لهم انه انما خرج معهم لاجل هذه الوصيه: (انكم تاتون اهل قريه لهم دوى بالقرآن كدوى النحل، فلا تصدوهم بالاحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن، واقلوا الروايه عن رسول اللّه، وانا شريككم).

فلما قدم بعضهم العراق قالوا له حدثنا. قال: نهانا عمر((799)). حتى توفى عمر على هذه السيره آخر سنه 23 ه .

وهذه السيره ايضا جاءت على خلاف الحديث الذى رواه ابو موسى الغافقى عن رسول اللّه (ص) انه قال: (عليكم بكتاب اللّه وسترجعون الى قوم يحبون الحديث عنى - او كلمه تشبهها - فمن حفظ شيئا فليحدث به، ومن قال على مالم اقل فليتبوء مقعده من النار) وقال ابو موسى: هذا آخر ما عهد الينا رسول اللّه(ص)((800))!

- وفى عهد عثمان:

خطب الناس، فقال: (لا يحل لاحد يروى حديثا لم يسمع به فى عهد ابى بكر ولافى عهد عمر، فانه لم يمنعنى ان احدث عن رسول اللّه ان لااكون من اوعى اصحابه، الا انى سمعته يقول: من قال على ما لم اقل فقد تبوا مقعده من النار)((801)). لكن عثمان لم يتبع شده عمر وسيرته فى هذا الامر، فاطلق الصحابه الذين حبسهم عمر فى المدينه، وقد ذكر فيهم مع ابن مسعود وابى الدرداء وابى مسعود الانصارى، ثلاثه آخرون، هم:

صادق اللهجه ابو ذر، وعبداللّه بن حذيفه، وعقبه بن عامر، فكل هولاء لم يلتزموا امر عمر فى ترك الروايه عن رسول اللّه(ص)((802)).

لنعرف من ذلك ان قرار المنع لم يكن اجماعا، وانما كان رايا يراه الخليفه فيحمل الصحابه عليه، ثم لم يكن جميعهم ممن استجاب لهذا الامر وتقيد به، فكان تمردهم هذا سببا فى حفظ الكثير من السنن التى قد يطالها النسيان حين تاتى عليها السنون وهى فى ط ى الكتمان.

د - حديث المنع والنبوءه الصادقه: وآخر المشكلات وربما اخطرها دلاله، اننا نجد فى هذا النص المنقول عن ابى بكر، اول ظهور لتلك النبوءه الصادقه التى اخبر بها النبى الاعظم(ص) فى تحذيره الخطير وقوله الشهير: (يوشك الرجل متكئا على اريكته، يحدث بحديث من حديثى، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه! الا وان ما حرم رسول اللّه مثل ما حرم اللّه)((803)). انظر ثانيه فى نص حديث ابى بكر: (... فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا، فمن سالكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه)! انه ظهور مبكر جدا لتلك النبوءه، ولقد كان حديث النبى(ص) يشعر بقرب ظهورها، اذ استهل الحديث بقوله: (يوشك) ولم يقل: (ياتى على الناس زمان) كما فى اخباره عن الغيب البعيد((804)). الفارقه الثالثه

-منع تدوين الحديث:

قالت عائشه: جمع ابى الحديث عن رسول اللّه(ص)، وكانت خمسمائه حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا، فلما اصبح قال: اى بنيه، هلمى الاحاديث التى عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها! فقلت: لم احرقتها؟ قال: خشيت ان اموت وهى عندى فيكون فيها احاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثنى، فاكون قد نقلت ذاك((805))! لكن هذه الحيطه وهذه الدقه ينبغى ان لا تتجاوز احاديث سمعها من بعض الصحابه يحدثون بها عن رسول اللّه(ص)، كما هو صريح فى قوله: (فيكون فيها احاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم يكن كما حدثنى)((806)).

اما الاحاديث التى سمعها هو مباشره من النبى(ص) فهى فى منجاه من ذلك، الا ان يقال انه لم يميز بين ما سمعه هو مباشره وبين ما نقل له، وهذا غير وارد، وحتى لو حصل مع بعضها فلا يمكن حصوله مع جميعها حتى لم يعد يعرف حديثا واحدا سمعه من فم النبى(ص)! فلماذا اوقع الحرق على الجميع؟! لعل هذا الاضطراب هو الذى حمل الذهبى على تكذيب الخبر، فقال: فهذا لا يصح، واللّه اعلم.

فاذا لم يصح هذا،فلم يثبت عن ابى بكر غيره فى شان تدوين الحديث النبوى الشريف، الا ما ورد فى كتابته بعض كتب النبى(ص)، والتى ضمنها جمله من السنن،ككتاب فرائض الصدقه - الزكاه - الذى كتبه ابو بكر الى عماله فجعل اوله: (ان هذه فرائض الصدقه التى فرض رسول اللّه(ص) على المسلمين،التى امر اللّه بها رسول اللّه(ص) فمن سئل من المسلمين على وجهها فليعطها...) الكتاب((807)).

فهذا يعنى ان تدوين الحديث على اصل الاباحه، وهى مستفاده حتى من الحديث الاول على فرض صحته، فمبادره ابى بكر بجمع الحديث وتدوينه فى كتاب دليل على انه لم يعرف فيه الا الاباحه، ثم لما حرقه لم يكن حرقه لورود النهى عن كتابه الحديث، وانما لخشيه تطرق الوهم اليه..

ومضى الامر على هذه الحال حتى جاء عمر، فاراد ان يكتب السنن، فاستفتى اصحاب النبى(ص) فى ذلك، فاشاروا عليه بان يكتبها، ثم بدا له ان لايكتبها .. ثم بعث الى الامصار: من كان عنده شىء فليمحه((808))! وحدث مالك بن انس: ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب هذه الاحاديث، او كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب اللّه((809))! هذه ايضا ادله كافيه على عدم ورود شىء فى النهى عن تدوين السنه، والا لما هم عمر بكتابتها، واستشار الصحابه فاجمعوا على كتابتها.

فما كان المنع اذن الا براى رآه عمر، ولم ينسبه الى النبى(ص).

وراح الصحابه من وراء الخليفه يكتبون الحديث والسنن، ما سمعوه من النبى(ص) وما حدثهم به اخوانهم عنه (ص)، حتى كثرت عندهم الكتب((810))، فبلغ خبرها عمر، فقام فيهم خطيبا، فقال: (انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب، فاحبها الى اللّه اعدلها واقومها، فلا يبقين احد عنده كتابا الا اتانى به، فارى فيه رايى). فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بها، فاحرقها بالنار((811))! كتابه السنه تصدعن القران !! تلك هى اهم الحجج التى تمسك بها المانعون من تدوين السنه، ومن روايه الحديث ايضا، خشيه ان يشغلهم ذلك عن القرآن، كما انشغل اهل الكتاب بكتب احبارهم عن كتاب ربهم((812))! لكن هل يصح ذلك، وما السنه، بالدرجه الاولى، الا تبيانا للقرآن وتفصيلا لاحكامه؟! نترك الجواب للصحابى الفقيه الذى بعثه عمر بن الخطاب الى البصره يفقه اهلها، عمران بن حصين((813)): كان عمران بن حصين جالسا ومعه اصحابه، فقال له رجل: لا تحدثونا الا بالقرآن.

فقال عمران: ادنه! فدنا منه((814))، فقال له: ارايت لو وكلت انت واصحابك الى القرآن اكنت تجد فيه صلاه الظهر اربعا، وصلاه العصر اربعا، والمغرب ثلاثا تقرا فى اثنتين؟! ارايت لو وكلت انت واصحابك الى القرآن اكنت تجد الطواف بالبيت سبعا،و الطواف بالصفا والمروه؟! ثم قال: اى قوم، خذوا عنا، فانكم واللّه ان لاتفعلوا لتضلن((815))! - والتابعى ايوب السختيانى كان يقول: (اذا حدثت الرجل بالسنه، فقال: دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن. فاعلم انه ضال مضل)((816))! - وقال مكحول والاوزاعى: (الكتاب احوج الى السنه، من السنه الى الكتاب)((817)).

ولعل هذا من الواضحات التى ينبغى الا ينازع فيها.

وبعد ذلك فان السنه انما تدعو الى القرآن: تلاوته، والتدبر فيه، وفهمه، والائتمام به باتباع امره وارشاده، وتحذر من تركه ومخالفته ومجافاته.

فليست اذن بشاغله عن القرآن، ولا لقارىء القرآن عنها غنى.

اذن ثمه فرق كبير بين موقع السنه من القرآن وبين موقع كتب الاحبار والرهبان من التوراه والانجيل! - ومما يثير الدهشه والاستفهام، انه فى الوقت الذى كان يشدد فيه على المنع من روايه الحديث بحجه شغل القلوب بالقرآن وحده، كانت تصدر فى الوقت ذاته وصايا بتعلم الشعر والاهتمام به! فقد كتب عمر الى ابى موسى الاشعرى - عامله على البصره - ان يامر اهلها بروايه الشعر (فانه يدل على معالى الاخلاق) وابلغ منه ما كتبه الى المغيره فى الكوفه، يامره بجمع كل ما انشده شعراوها فى الجاهليه والاسلام((818))! ترى والحديث النبوى، الا يدل على صواب فهم القرآن ومعرفه الاحكام والسنن ومعالى الاخلاق؟! وايما اشغل للناس عن القرآن ومعرفته، روايه الحديث، ام روايه الشعر؟! الا يثير هذا استفهاما لا تحمل له كل اخبار المنع من التدوين وما قيل فى تبريرها جوابا؟! اهو مجرد تناقض بين قولين، ام الامر كما وصفه بعض المحققين، حين راى ان السبب الحقيقى لمنع روايه الحديث هو صد الناس عن احاديث تذكر بحقوق اهل البيت عليهم السلام ومنزلتهم، لما فى تذاكرها وتداولها من آثار غير خافيه على الخليفه((819))! فلنقل اذن ان (مصلحه امن الدوله) هى التى اقتضت منع روايه احاديث النبى(ص)، وليس شيئا آخر تعود فيه التهمه الى الحديث النبوى نفسه، كما فى هذا العذر الذى راى الحديث يصد عن القرآن .. او تعود فيه التهم والطعون على القرآن الكريم نفسه، كما فى العذر الاخر، الاتى:

اختلاط السنه بالقرآن:

هو ثانى اهم الحجج التى فسر بها المنع من تدوين السنه ((820)). فاذا كان فى الصحابه من يقع فى مثل هذا الوهم، كالذى حصل فى دعاء الخلع، ودعاء الحفد، وسنه الرجم، وعدد الرضعات او غيرها((821)).. فان هذا كله قد حسمه جمع القرآن فى المصحف المرتب، وقد حصل هذا مبكرا جدا بعد وفاه الرسول(ص)، فلم يبق بعد ذلك ادنى قيمه لوهم يحصل من هذا النوع، فهذه الاوهام المنقوله فى الصحاح والسنن عن بعض الصحابه، لم توثر شيئا، ولا زادت فى القرآن ولا نقصت منه.

اما اذا حصل الوهم والخلط بعد جيل الصحابه، فهو اولى ان يهمل ولايعتنى به.

ان التمسك بمثل هذه الشبهه يوقع اصحابه باكثر من تناقض:

- فمره يناقضون ما سلموا به من انتهاء جمع القرآن فى مصحف على اتم صوره، وعلى شرط التواتر..

- ومره يناقضون ما سلموا به من اعجاز القرآن، وان الحديث النبوى ليس معجزا، بل ولا الحديث القدسى معجز.

- ومره يناقضون ما احتجوا به لسلامه القرآن من ادنى تغيير او تحريف، من قوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) فكيف يخشون اختلاط الحديث بالقرآن، وقد نزلت هذه الايه قبل هذا العهد، تقول لهم: اكتبوا احاديث نبيكم، واكتبوا العلم ولا تخشوا اختلاط ذلك بالقرآن، لانا (نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون)! ومهما كان فلا تنجو هذه الحجه من ان تمس سلامه القرآن الكريم، وهذا ما لا يريده اصحابها بحال، ولكن اوقعهم به من حيث لا يشعرون دفاعهم عن هذه السيره وما راوه من لزوم تبريرها، والحق انه ليس شىء من ذلك بلازم، فما كل راى يتخذه صحابى يلزمنا تبريره والدفاع عنه، ولا كل قرار يتخذه الخليفه كذلك.

خلاصه ونتائج:

من هذه القراءه السريعه لتاريخ السنه فى ربع قرن تحصل ان السنه فى هذا العهد كانت تواجه معركه حقيقيه متصله الحلقات:

- فالرجوع اليها فى الفتيا قد صدر فيه المنع مبكرا.

- والتحدث بها ونشرها لمن لم يسمعها صدر فيه اكثر من قرار بالمنع.

- ومن عنى بالحديث ونشره صدر بحقه قرار الحبس فى المدينه مع الانذار والتهديد.

- وما كتب منها تعرض للحرق والاتلاف، دون تمييز بين الاحكام والفرائض وبين الاداب والمفاهيم والعقائد، فكان الحرق والاتلاف يقعان على الكتاب بمجرد العثور عليه، دون ادنى نظر فيه، كما مر عن عمر فى ما جمعه من كتب الحديث التى كتبها بعض الصحابه، وكما روى عن عبد اللّه بن مسعود فى كتاب جمع شيئا من احاديث النبى(ص) فى اهل البيت:

عبدالرحمن بن الاسود عن ابيه، قال: جاء علقمه بكتاب من مكه اواليمن، صحيفه فيها احاديث فى اهل البيت، بيت النبى(ص)، فاستاذنا على عبد اللّه فدخلنا عليه فدفعنا اليه الصحيفه، فدعا الجاريه ثم دعا بطست فيه ماء، فقلنا له: يا ابا عبد الرحمن، انظر، فان فيها احاديث حسانا.. فجعل يميثها فيها ويقول: (نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن) القلوب اوعيه فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه((822))!! لكن ثبت عن ابن مسعود موقف آخر من التدوين فى خلاف هذا، اذ اخرج ابنه عبدالرحمن كتابا وحلف انه خط ابيه بيده((823)). ويمكن حمل هذا التناقض بين الموقفين على اكثر من وجه، منها: انه قد عدل عن رايه، فاجاز الكتابه وكتب بنفسه بعد ان كان يمنع من ذلك.. ومنها: ان يكون قد كتب لنفسه خاصه لاجل ان يحفظ فلا ينسى .. ومنها: ان يكون واثقا بحفظه وصحه ما يكتبه، شاكا بضبط غيره، الى حد جعله كالمتيقن من تسرب الوهم والغلط اليهم، ذلك لشده اعتداده بضبطه، كما هو شانه المعروف فى القرآن الكريم اذ كان قد غضب غضبا شديدا على عثمان حين اسند مهمه جمع القرآن الى زيد بن ثابت ولم يسندها اليه، فكان يقول: ولقد قرات من فى رسول اللّه (ص) سبعين سوره وزيد له ذوابه يلعب مع الغلمان)((824))! .. ومنها: ان يكون موقفه من تلك الصحيفه التى اماثها عائدا الى موضوعها، فهى صحيفه خاصه باحاديث فى اهل البيت (ع)، فاماثها لاجل اختصاصها بهذا الموضوع وليس لكونها كتابا فى الحديث النبوى !! لكن هذا اضعف الوجوه حين ينسب الى عبداللّه بن مسعود الذى ورد عنه حديث كثير فى فضائل اهل البيت (ع)، بل اثبت فى مصحفه: (ياايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك - ان عليا مولى المومنين - وان لم تفعل فما بلغت رسالته)((825)).

ومنها: وهو الارجح والاظهر، ان يكون معتقدا جواز التدوين، فكتب بنفسه، وهو فى الوقت ذاته متحفظ من نشر كتب الحديث لعله كان يراها، وقد افصح عنها فى حديثه المتقدم بقوله: (القلوب اوعيه فاشغلوها بالقرآن ولاتشغلوها بما سواه) ولاجله اتلف الكتاب الذى رآه. وهذا ظاهر من نص كلام ابنه حين اخرج كتابا واقسم انه من خط ابيه بيده، فلو لم يكن المشهور عن ابيه المنع من الكتابه لما اضطر الى القسم، ولو لم يكن ابوه يجيز الكتابه لما كتب بنفسه واحتفظ بكتابه حتى صار الى ولده من بعده، ولما اقسم ولده على ذلك.

واى واحد من هذه الوجوه الخمسه تختار تجده كاشفا عن قناعه ابن مسعود بان الاصل فى السنه جواز التدوين، وانما كان المنع قد صدر منه لراى رآه، وليس بامر من النبى(ص).

اسئله تواجه الموقف من السنه:

ولو رضينا بكل ما قيل فى تبرير هذه السياسه والاعتذار عنها، فهل ستجيب تلك التبريرات على بضعه اسئله تطرحها هذه الحاله؟ ومن هذه الاسئله:

1 - لماذا السنه: هل ترك النبى سنته للحرق والاتلاف، ام تركها نورا وتبيانا وهدى ودستورا؟!

2 - منزله السنه: هل يحق للصحابه مجتمعين تطويق السنه النبويه ومحاصرتها بهذه الطريقه او بما هو ادنى منها؟!

3 - الامانه على السنه: هل وجد الصحابه الذين واجهوا السنه بهذه الطريقه، او الذين تحفظوا عن روايتها خشيه الوهم، هل وجدوا انفسهم مستامنين على السنه النبويه وحفظها وصيانتها ونشرها وتعليمها لمن لم يعلم، وتبليغها لمن يبلغه منها الا القليل فى عصرهم، ولمن لم يبلغه منها شىء من الاجيال اللاحقه؟!

4 - السنه لمن: هل الاجيال اللاحقه ملزمه بهذه السنه النبويه بكاملها، ام كانت السنه خاصه بجيل الصحابه ليحتفظوا بها لانفسهم، عن طريق التورع عن الحديث، او سدا لباب الاختلاف فى الروايه، او خشيه الانشغال عن القرآن، اوخشيه الهلاك كما هلك اهل الكتاب؟!

5 - حفظ السنه: اليس المرجح ان تنتهى هذه السياسه الى ضياع اشياء من السنه النبويه؟! لقد قيل فى تبرير قله الروايه عن بعض الصحابه: ان وفاتهم كانت مبكره، ولو عاشوا الى عصر نشاط التابعين واهتمامهم بجمع الحديث لظهر منهم حديث كثير.

وهذا بالنظره الاولى لعله يكون مقبولا، لكن حين نراه يقال فى رجال كانوا فى حياتهم يمنعون من روايه الحديث، ويمتنعون عن تدوينه وربما يمنعون عنه ايضا، عندئذ سنجده اعتذارا حاول ان يلقى باللائمه على القدر! دون ان يدفع من المشكله القائمه شيئا، بل هو تاكيد وتثبيت لها.

فالذى قيل فى ابى بكر - مثلا -: (انما لم يرو عنه من الاحاديث المسنده الاالقليل، لقصر مدته، وسرعه وفاته بعد النبى(ص)، والا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جدا...)!((826)) فهذا صريح بان احاديث كثيره جدا قد ضاعت بوفاه ابى بكر، وكذا مع غيره من الصحابه((827))، وربما يكون بعض هذا المضاع قد رواه غيره من الصحابه، لكن روايه ابى بكر - مثلا - له سترفعه من درجه الغريب الى درجه اعلى، وربما رفعته من مرتبه الاحاد الى مرتبه التواتر، من هنا كان ترك التدوين سببا فى ندره المتواتر من الحديث، حتى صرح بعضهم بعدمه! مع ما فى هذا الادعاء من مبالغه ظاهره((828)).

اما تعليل ذلك بسرعه الموت، ففيه امران:

الامر الاول: ان بوسع ابى بكر ان يكتب ما حفظه من الحديث ما دام حيا، ولقد باشر ذلك فعلا فدون خمسمئه حديث، لكنه لم يصبح حتى افناها حرقا! والامر الثانى: كان بوسعه ان يدعو الصحابه الى كتابه ما لديهم، ثم يشكل شورى واسعه من حفاظهم وعلمائهم ليضبطوا ذلك كله، لكنه ليس فقط لم يصنع هذا، بل حال دونه، كما حال دونه عمر، وبالغ جدا حين جمع ما كتبه بعض الصحابه فافناه بالنار! اذن لم يكن اولئك الصحابه رضى اللّه عنهم يشعرون بانهم كانوا امناء على السنه النبويه مستحفظين عليها، يلزمهم جمعها وحفظها وتبليغها لمن وراءهم، ذلك، وليس القدر وحده هو المسوول! واذا كان اللّه تعالى قد اخترم اعمارهم قبل تمام الانتفاع بعلمهم وادائهم ما يحملونه من السنن، فلم يكن اللّه تعالى بالذى يضيع دينه وسنه نبيه الذى لا ينطق عن الهوى، تلك السنه التى اوحاها الى نبيه تبيانا لشريعته وتفصيلا لاحكامها وآدابها، واذا كان ذلك كذلك فقد ضمن اللّه تعالى لسنه نبيه من يحفظها، ولم يكلها الى رجال لم يبذلوا فى حياتهم ما فى وسعهم لاجل حفظها مجموعه، ولا الى رجال وقفوا دون ذلك لعذر او لاخر وهذا اول ما ينبغى التسليم به، انسجاما مع الايمان بضروره حفظ هذه الرساله، خاتمه رسالات السماء! 6 - صيانه السنه: كان توقف تدوين الحديث فى عصر الصحابه سببا مباشرا فى مشكله اكبر خطرا، وهى مشكله الوضع فى الحديث، حيث وجد الوضاعون الابواب مشرعه امامهم ليدسوا ما يحلوا لهم من اكاذيب وينسبونها الى الصحابه الذين لم تدون احاديثهم مجتمعه.

فكان هذا سببا فى فتن واختلاف كبير((829))، لا يقاس اليه اكبر اختلاف كان قد يظهر بين الصحابه فى متن حديث، او نسخه، او نحو ذلك، مما رآه ابو بكر والزبير وعمران بن حصين عذرا يمنعهم من تدوينها او روايتها.

- قال ابن ابى العوجاء لما قدم ليضرب عنقه على الزندقه: واللّه لقد وضعت فيكم اربعه آلاف حديث، احرم فيها الحلال، واحل فيها الحرام!((830)) - قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقه على النبى (ص) اربعه عشر الف حديث!((831)) - ذكر البخارى انه يحفظ مئه الف حديث صحيح، ومئتى الف حديث غير صحيح!!((832)) فلو قدر للحديث ان يجمع ويحفظ لكان الباب اضيق بكثير على الوضاعين، ان لم يكن قد يوصد بوجوههم الى الابد. 7 - فى مرجعيه الصحابه: فكل الفروع المتقدمه تلتقى هنا..

فحين لم يجد كثير من الصحابه انفسهم مستحفظين على السنه النبويه المطهره، ولا بذلوا قصارى الجهود فى جمعها وحفظها.. فاما ان يكون مصير بعضها النسيان والضياع، واما ان يكون النبى(ص) قد وضع من الضوابط ما يضمن حفظها، ان كان لا يريد لها الضياع.

وحين كان النبى، بديهه، لا يريد لسنته الضياع، ولم تكن السنه خاصه باهل الجيل الاول دون سواهم، فلا بد من مستحفظ عليها، يسند اليه حفظها وصيانتها، اهلا لهذه المهمه، معززا بشىء من نصوص الشريعه الهاديه الى هذا المعنى.

هذا ما سوف تكشفه بحوث لاحقه.

اما ما وصفه ابن القيم من حال الصحابه عامه، بقوله: (و القوا الى التابعين ما تلقوه من مشكاه النبوه خالصا صافيا، وكان سندهم فيه عن نبيهم(ص)، عن جبريل، عن رب العالمين، سندا صحيحا عاليا، وقالوا: هذا عهد نبينا الينا وقد عهدناه اليكم، وهذه وصيه ربنا وفرضه علينا وهى وصيته وفرضه عليكم)((833)). اما هذا الكلام فهو الوصف الامثل لما كان ينبغى ان يكون عليه عهد الصحابه عامه وشانهم، وليس هو من وصف الحقيقه الواقعه التى لمسها ابن القيم وغيره فى شىء، وقد رايناكم بذلوا من الجهود من اجل الاعتذار للصحابه وتبرير امتناعهم روايه احاديث رسول اللّه (ص) وتدوينها، ومنعهم من ذلك بشتى الاساليب! لم يكتبوها، ولم يحدثوا بها، كما رايناه فى شان بعض مشاهيرهم، لانهم لم يكونوا يدركوا ان تلك مسوليتهم، ولا راوا ان ذلك من عهد النبى اليهم ليعهدوا به الى التابعين..

- كان عبد اللّه بن عمر، الذى تاخرت وفاته الى سنه 74 ه ، اذا ساله بعض التابعين، يقول: (اياكم عنى، فانى كنت مع من هو افقه منى، ولو علمت انى ابقى حتى يفتقر الى لتعلمت لكم)((834)). - وقال بعض التابعين، كنت اجلس الى عبد اللّه بن مسعود حولا، لا يقول: قال رسول اللّه(ص)! فاذا قالها استقلته الرعده، وقال: هكذا، او نحو ذا، اوقريب من ذا، او.. او((835)).

فعبد اللّه بن مسعود، المعدود فى اكابر علماء الصحابه، يجلس اليه التابعون حولا لا يسمعون منه شيئا من حديث الرسول(ص)، الانادرا! يصرفه عن ذلك شده الورع وخشيه الوهم والاختلاف. والنتيجه واحده: انه لم يكن يعتقد انه يحمل عهدا من النبى ووصيه بنقل احاديثه الى التابعين.

- وهذا بعينه منطبق على الزبير وعمران بن حصين وغيرهم ممن حبس الحديث خشيه الاختلاط.

- وزيد بن ارقم، كان اذا اتاه التابعون فقالوا: حدثنا عن رسول(ص)، قال: (كبرنا ونسينا)((836)).

هذه صوره بعض الذى كان، اما ما وصفه ابن القيم فهو الذى كان ينبغى ان يكون عليه علماء الصحابه، فلما لم يتحقق ذلك كانت النتيجه التى رآها جل العلماء شاخصه بين اعينهم، حتى تمنوا لو ان القدر امهل الصحابه عقودا اخر من السنين ليبثوا كل ما لديهم من الحديث او معظمه! لكن الامر لا ينبغى ان يكون كذلك، فاللّه تعالى حين اوحى بالسنه الى نبيه المصطفى خاتم الانبياء (ص) كان يريد لها ان تبقى دينا و دستورا الى جنب القرآن الكريم..

والنبى(ص) حين بث سنته واحاديثه لم يرد لها النسيان والضياع من بعده.. فلابد من مستحفظين عليها يعتقدون ان لزاما عليهم حفظها واداوها.

وهذا ما يضعنا امام قراءه واعيه للحديث النبوى المعروف لدى سائر المسلمين: (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدى: كتاب اللّه، وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض) ومصاديقه الايجابيه الثابته تكشفها بحوث لاحقه.

مقولات فيها مصادره:

- الاستاذ الدكتور نور الدين عتر / منهج النقد فى علوم الحديث.

- محمود ابو ريه / اضواء على السنه المحمديه.

- الدكتور محمد سلام مدگور / مناهج الاجتهاد فى الاسلام.

الدكتور نور الدين عتر: نسب منع تدوين السنه الى اجماع الصحابه ! فبعد ان نقل رغبه عمر فى التدوين اولا، واستشارته الصحابه واشارتهم عليه بالتدوين، ثم تبدل راى عمر، قال: وقد اعلن عمر هذا على ملا من الصحابه رضوان اللّه عليهم، واقروه، مما يدل على استقرار امر هذه العله فى نفوسهم ((837))! وهذا القول ناشى عن رويه مثاليه اولا،وفيه مصادره لاراء الصحابه ثانيا:

فالرويه التى تصور سكوت الصحابه، امام اى قرار تصدره الخلافه، على انه اجماع اقرارى، رويه مثاليه، وهذا الخبر هو واحد من اهم الادله على ذلك، فقبل شهر واحد فقط من صدور هذا القرار كانوا قد اعطوا رايهم المويد لتدوين السنه بالاجماع، ولم يظهر فى ذلك ادنى خلاف حتى صدر قرار الخليفه بعكسه، فبعد ان اعطوه الراى ثم عزم على خلافه فلا محل اذن للمعارضه.

واذا زعمنا ان سكوتهم كان اقرارا كاشفا عن الاجماع، فما هى قيمه اجماعهم السابق على خلافه؟! هل سيبقى هذا التصور على شىء من قيمه (اجماع الصحابه)؟! لا فى هذه المساله وحدها، بل فى كل مساله ! وثمه دليل عملى على اقرار الصحابه بقرار المنع:

لقد راحوا من وراء الخليفه يكتبون الحديث والسنن، حتى كثرت عندهم الكتب، فوصل خبرها الى عمر، فقام فيهم خطيبا، فقال: (ايها الناس، انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب، فاحبها الى اللّه اعدلها واقومها، فلا يبقين احد عنده كتابا الا اتانى به، فارى فيه رايى).

فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بها، فاحرقها بالنار((838))! فما زال الصحابه اذن عند اجماعهم الاول، وما زال عمر عند رايه المخالف.

محمود ابو ريه: خلص الى اثبات النهى عن تدوين السنه، وانصياع الصحابه لهذا انصياعا تاما، ليقضى على السنه كلها بالضياع، ولم يبق منها الا حديثين صحا عنده، وبلغا التواتر، وهما: حديث النهى عن التدوين، وحديث! (من كذب على فليتبوا مقعده من النار) موكدا عدم ورود كلمه (متعمدا) فى هذا الحديث، ليجعل من الكذب عليه روايه الحديث بالمعنى! متمسكا بادله حاكمه عليه، لا له((839)).

فكل ما ورد عن ابى بكر وعمر والصحابه فى عهديهما كان صريحا جدا بعدم ورود النهى عن تدوين السنه من قبل النبى (ص).. اضف الى ذلك ما هو ثابت من تدوينها بامر النبى (ص) او باذنه، ومن ذلك:

- الصحيفه التى كانت فى قائم سيفه (ص) فيها بعض السنن، ثم صارت عند على (ع)((840)).

- وما ثبت من كتابه عبداللّه بن عمرو بن العاص، قال: فنهتنى قريش وقالوا: اتكتب كل شىء تسمعه ورسول اللّه (ص) يتكلم فى الرضا والغضب؟ فامسكت عن الكتابه، فذكرت ذلك لرسول اللّه (ص) فاوما باصبعه الى فمه وقال: (اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه الا حق)((841)).

- وقول ابى هريره: ان عبداللّه بن عمرو كان يكتب، وكنت لا اكتب((842)).
- وحين طلب ابو شاه اليمانى من النبى (ص) ان يكتبوا له خطبه النبى (ص) يوم فتح مكه، وكان ابوشاه قد شهدها، فقال النبى (ص): (اكتبوا لابى شاه)((843)).

- وحديث انس عن رسول اللّه (ص): (قيدوا العلم بالكتاب) ((844)).
- وكان انس قد كتب حديثا كيثرا بين يدى رسول اللّه (ص)، وحفظه حتى وقت متاخرمن عهد الصحابه، فكان يملى الحديث حتى كثر عليه الناس يوما يطلبون الحديث، فجاء بمجال((845)) من كتب، فالقاها ثم قال: (هذه احاديث سمعتها وكتبتها عن رسول اللّه (ص) وعرضتها عليه)((846)).

- وكتب رسول اللّه(ص) اكثر من كتاب فى الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن عماله((847)).

- وقال فى مرضه الاخير: (هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)((848)). وغير هذا كثير، وقد تناولت الكتابه فى عهده (ص) قسما كبيرا من الحديث يبلغ فى مجموعه ما يضاهى مصنفا كبيرا من المصنفات الحديثه((849)).

اما موقف الصحابه من الكتابه فقد عرفناه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره عددا كبيرا من كتب الصحابه، ومنها كتاب عبداللّه بن مسعود الذى عدوه فى المانعين من الكتابه، فقد اخرج ابنه عبدالرحمن كتابا وحلف انه خط ابيه بيده((850)).

الدكتور محمد سلام مدگور: ارجع الموقف من التدوين الى اختلاف الصحابه فى فهم النص ازاء الحديث الذى رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى: (لا تكتبوا عنى غير القرآن، ومن كتب عنى غير القرآن فلمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على فليتبوا معقده من النار).

قال: فقد اتجه فقهاء الصحابه فى ذلك الى وجهتين متعارضتين:

فريق منهم، وكانت له الغلبه: فهموا ان ذلك نهى عام وليس قاصرا على كتاب الوحى ! فامتنعوا عن تدوين السنه، اذ العبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.. وقالوا: ان ما دونه بعض الصحابه منها انما كان تدوينا موقتا حتى يحفظه ثم يمحى المكتوب بعد ذلك.

بينما ذهب الفريق الاخر الى ان ذلك كان خاصا بكتاب الوحى دون سواهم، خشيه ان يختلط بالقرآن ما ليس منه، بدليل انه اباح الكتابه عند امن الاختلاط، كما ثبت فى حديث عبداللّه بن عمرو..((851)) وهذا التفصيل كله لا يقوم على حجه صحيحه، بل الحجه الصحيحه تنقضه بكامله، كما سنتابعه فى الفقرات الاتيه:

ا - الحديث الذى رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى، تقدم انه موقوف عليه وليس من حديث النبى (ص) كما قال البخارى وغيره.

ب - ان الفريق الاول، والذى كانت له الغلبه، لم يحتج يوما ما بان النبى(ص) قد نهى عن كتابه السنه، فهذا لم يحدث منهم البته.

ج - ان هذا الفريق نفسه قد باشر تدوين السنه احيانا ابتداء، كما صنع ابوبكر، او امر بتدوينها وشاور الصحابه على ذلك فاجمعوا على كتابتها دون تردد. وفى ذلك كله لم يظهر لهذا الحديث المروى عن ابى سعيد ذكر ولا اثر.. بل فعلهم هذا، وهم الفريق المانع، لهو اوضح دليل على ان النبى (ص) لم يمنع من تدوين السنه قط، لا منعا خاصا ولا عاما.

د - الحديث المذكور عن ابى سعيد الخدرى يقول فيه ايضا:

(وحدثوا عنى ولا حرج) وهذا الفريق الغالب قد منع عن التحديث عنه (ص) بنفس القوه التى منع فيها عن التدوين ! فكيف يدعى انهم امتنعوا عن التدوين تمسكا بنهى النبى عنه؟ فماذا عن روايه حديثه وسنته التى امر بها على اى حال الا ان يقعوا بالكذب؟!

ه - ان الاعتذار بخوف اختلاط القرآن بالسنه اعتذار واه ومتهافت، وقد مر نقده مفصلا.

و - ان هذا التمييز بين كتاب الوحى وغيرهم فى شان كتابه السنه تمييز لم يعرف فى عهد الصحابه قطعا، ولا يستطيع احد نسبته اليهم بصدق، وانما هو من تبرير المتاخرين دفعا لما يلزمهم من تخطئه المانعين من كتابه السنه، ليس اكثر من ذلك.

جديد فى مصادر التشريع

انقطع الوحى بوفاه الرسول الاعظم خاتم النبيين(ص)، فكان الطريق فى معرفه الاحكام هو الرجوع الى مصدرى الوحى:

القرآن والسنه.

والحياه المتغيره بطبيعتها تاتى بمشكلات جديده لابد من تحديد الموقف منها اعتمادا على الشرع، ومشكلات تستوجب اقضيه وفتاوى، وكلها لابد ان تسند الى دليل من الشرع. فظهر الاجتهاد فى استنباط الاحكام من القرآن والسنه، وقد غلب عليه نوعان من مصادر الاستنباط، هما: القياس، والنظر الى المصلحه (المصالح المرسله).

وقد ذكر ابن قيم عده عشرات من الامثله على القياس فى هذا العهد، وصوبها وفق مبانيه((852)).

والاجتهاد فى استنباط الاحكام، وفق الاصول التى يبيحها الشرع، ضروره لابد منها، وهى بعد من مميزات الاسلام، ولوازم صلاحيته لكل زمان ومكان، اذ كان النبى(ص) قد فتح هذا الباب واذن لبعض اصحابه ان يفتون بين يديه، كما اذن ببعض ما اختلفوا فيه ايضا حين كان جاريا وفق الاصول الصحيحه، كما فى قصه اختلافهم فى صلاه العصر حين بعثهم لمحاصره بنى قريضه بعد الخندق، فقال لهم: (لا يصلين احد العصر الا فى بنى قريضه) فجدوا فى السير فادركتهم الصلاه وهم فى بعض الطريق، فتوقف بعضهم لاداء الصلاه اذ راوا ان قصد النبى هو الاسراع والمبادره، وذلك لا يقتضى تاخير الصلاه عن وقتها، بينما راى الفريق الاخر الوقوف عند ظاهر اللفظ، فقالوا: لا نصلى الا فى بنى قريضه. فذكروا ذلك بعد لرسول اللّه(ص) فاقرهما جميعا((853)).

ولعل من هذا الباب ايضا ما روى عن على (ع) من قوله:

(علمنى رسول اللّه(ص) الف باب من العلم، وتشعب لى من كل باب الف باب)((854))فالتشعب هو التفريع على الاصول.

والاجتهاد عمليه حضاريه، لا نزاع فى ضروريتها واهميتها.

وهنا ثلاث مساحات للاجتهاد:

المساحه الاولى - الاجتهاد فى فهم النص: وهو اثر طبيعى لاعمال الفكر والنظر، بل ربما ينقدح الفهم فى الذهن للوهله الاولى، فور سماع النص، بغض النظر عن كونه فهما صحيحا تاما، او ناقصا، او خاطئا. لذا فمن المالوف جدا ان يجد المستقصى عده عشرات من امثله هذا النوع من الاجتهاد ظهرت فى عهد النبى (ص)، وقد كان(ص) يقول فيها كلمته، فعزز بعضها وثبته، واقر بعضها كما فى الحديث المتقدم عن صلاه العصر فى بنى قريظه، وانكر بعضا آخر وارجع اصحابه الى الصواب، كالذى اشتهر عن عمار بن ياسر فى التيمم من الجنابه، اذ ظن انه التمرغ فى التراب وجها وقفا، وقد فعله، فضحك له النبى(ص) وقال: انما كان يكفيك هكذا. وضرب بكفيه الارض ومسح وجهه وكفيه مره واحده. اما عمر فقد ظن ان ليس على من اجنب ولم يجد ماء صلاه((855))!