وفى لفظ آخر عن محمد بن زياد: لما بايع معاويه لابنه قال مروان: سنه ابى بكر وعمر. فقال عبدالرحمن: سنه هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذى قال اللّه فيه: (والذى قال لوالديه اف لكما)((124))

 الايه. فبلغ ذلك عائشه فقالت: كذب مروان، كذب مروان واللّه ما هو به ولو شئت ان اسمى الذى نزلت فيه لسميته، ولكن رسول‏اللّه (ص) لعن ابا مروان ومروان فى صلبه فمروان فضض من لعنه اللّه. وفى لفظ: ولكن رسول اللّه لعن اباك وانت فى صلبه فانت فضض من لعنه اللّه. وفى لفظ الفائق:

فانت فظاظه((125)) لعنه اللّه ولعنه رسوله.

راجع مستدرك الحاكم((126))، تفسير القرطبى((127))، تفسير الزمخشرى((128))، الفائق له((129))، تفسير ابن كثير((130))، تفسير الرازى((131))، اسد الغابه لابن الاثير((132))، نهايه ابن الاثير((133)) شرح ابن ابى الحديد((134)) تفسير النيسابورى هامش الطبرى((135))، الاجابه للزركشى((136))، تفسير النسفى هامش الخازن((137))، الصواعق لابن حجر((138))، ارشاد السارى للقسطلانى((139))، لسان العرب((140))، الدر المنثور((141))، حياه الحيوان للدميرى((142))، السيره الحلبيه((143))، تاج العروس((144))، تفسير الشوكانى((145))، تفسير الالوسى((146))، سيره زينى دحلان ((158)) هامش الحلبيه.((147)) قال ابن الاثير: (وقد روى فى لعنه - اى الحكم - ونفيه احاديث كثيره، لا حاجه الى ذكرها، الا ان الامر المقطوع به ان النبى(ص) مع حلمه واغضائه على ما يكره ما فعل به ذلك الا لامر عظيم)((149)).

لفت نظر : يوجد هذا الحديث فى المصادر جلها لولا كلها باللفظ المذكور، غير ان البخارى اخرجه فى تفسير صحيحه((150)) فى سوره الاحقاف وحذف منه لعن مروان وابيه وماراقه ذكر ما قاله عبدالرحمن، وهذا دابه فى جل ما يرويه، واليك لفظه:

كان مروان على الحجاز استعمله معاويه فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاويه لكى يبايع له بعد ابيه، فقال له عبدالرحمن بن ابى بكر شيئا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشه فلم يقدروا عليه((151))، فقال مروان: ان هذا الذى انزل اللّه فيه: (والذى قال لوالديه اف لكما اتعداننى). فقالت عائشه من وراء الحجاب:

ما انزل اللّه فينا شيئا من القرآن الا ان اللّه انزل عذرى.

وقال ابن كثير: وكان الحكم مع ذلك كله يدعو الناس الى الضلال ويمنعهم عن الاسلام. اجتمع حويطب بمروان يوما فساله مروان عن عمره، فاخبره، فقال له: تاخر اسلامك ايها الشيخ حتى سبقك الاحداث. فقال حويطب: اللّه المستعان واللّه لقد هممت بالاسلام غير مره كل ذلك يعوقنى ابوك يقول:

تضع شرفك ، وتدع دين آبائك لدين محدث، وتصير تابعا؟ فسكت مروان وندم على ما كان قال له. تاريخ ابن كثير((152)).

الحكم فى القرآن : اخرج ابن مردويه عن ابى عثمان النهدى، قال: قال مروان لما بايع الناس ليزيد: سنه ابى بكر وعمر... الى آخر الحديث المذكور. فسمعت ذلك عائشه فقالت: انها لم تنزل فى عبدالرحمن، ولكن نزل فى ابيك : (ولا تطع كل حلاف مهين× هماز مشاء بنميم)((153)).

راجع، الدر المنثور((154))، السيره الحلبيه((155))، تفسير الشوكانى((156))، تفسير الالوسى((157))، سيره زينى دحلان هامش الحلبيه((158)). واخرج ابن مردويه عن عائشه انها قالت لمروان: سمعت رسول اللّه (ص) يقول لابيك وجدك - ابى العاص بن اميه -: ( انكم الشجره الملعونه فى القرآن).

ذكره السيوط‏ى فى الدر المنثور((159))، والحلبى فى السيره((160)) والشوكانى فى تفسيره((161))، والالوسى فى تفسيره((162)). وفى لفظ القرطبى فى تفسيره:((163)) قالت عائشه لمروان: لعن اللّه اباك وانت فى صلبه، فانت بعض من لعنه اللّه. ثم قالت: والشجره الملعونه فى القرآن.

واخرج ابن ابى حاتم عن يعلى بن مره قال: قال رسول اللّه(ص):

(رايت بنى اميه على منابر الارض وسيملكونكم فتجدونهم ارباب سوء)، واهتم رسول اللّه لذلك ، فانزل اللّه: (وما جعلنا الرويا التى اريناك الا فتنه للناس والشجره الملعونه فى القرآن ونخوفهم فما يزيدهم الا طغيانا كبيرا)((164)).

واخرج ابن مردويه عن الحسين بن على: (ان رسول اللّه (ص) اصبح وهو مهموم فقيل: مالك يا رسول اللّه؟ فقال: انى اريت فى المنام كان بنى اميه يتعاورون منبرى هذا، فقيل: يا رسول اللّه لا تهتم فانها دنيا تنالهم، فانزل اللّه (وما جعلنا الرويا التى) الايه.

واخرج ابن ابى حاتم، وابن مردويه، والبيهقى((165)) وابن عساكر((166))، عن سعيد بن المسيب قال: راى رسول اللّه (ص) بنى اميه على المنابر فساءه ذلك ، فاوحى اللّه تعالى اليه:

انما هى دنيا اعطوها. فقرت عينه وذلك قوله تعالى (وما جعلنا الرويا التى اريناك ). الايه.

واخرج الطبرى والقرطبى وغيرهما من طريق سهل بن سعد قال: راى رسول‏اللّه (ص) بنى اميه ينزون على منبره نزو القرده فساءه ذلك ، فما استجمع ضاحكا حتى مات، وانزل اللّه تعالى (وما جعلنا الرويا التى اريناك ) الايه.

وروى القرطبى والنيسابورى عن ابن عباس: ان الشجره الملعونه بنو اميه.

واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عمرو ((167)) ان النبى (ص) قال: (رايت ولد الحكم بن ابى العاص على المنابر كانهم القرده ) فانزل اللّه: (وما جعلنا الرويا التى اريناك الا فتنه للناس والشجره الملعونه) يعنى الحكم وولده.

وفى لفظ: ان النبى (ص) راى فى المنام ان ولد الحكم بن اميه يتداولون منبره كما يتداول الصبيان الكره فساءه ذلك . ((168)) وفى لفظ للحاكم والبيهقى فى الدلائل((169)) وابن عساكر((170)) وابى يعلى من طريق ابى هريره: (انى اريت فى منامى كان بنى الحكم بن العاص ينزون على منبرى كما تنزو القرده ) فما روى النبى مستجمعا ضاحكا حتى توفى.

مصادر ما رويناه: تفسير الطبرى((171))، تاريخ الطبرى((172))، مستدرك الحاكم((173))، تاريخ الخطيب((174))، تفسير النيسابورى هامش الطبرى((175))، تفسير القرطبى((176))، النزاع والتخاصم للمقريزى((177))، اسد الغابه((178)) من طريق الترمذى((179))، تطهير الجنان لابن حجر هامش الصواعق((180)) فقال: رجاله رجال الصحيح الا واحدا فثقه، والخصائص((181)) الكبرى، الدر المنثور((182))، كنز العمال((183))، تفسير الخازن((184))، تفسير الشوكانى((185))، تفسير الالوسى((186)) فقال الالوسى: ومعنى جعل ذلك فتنه للناس جعله بلاء لهم‏ومختبرا، وبذلك فسره ابن المسيب، وكان هذا بالنسبه الى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا، وعدلوا عن سنن الحق وما عدلوا وما بعده بالنسبه الى ما عدا خلفاءهم منهم ممن كان عندهم عاملا وللخبائث عاملا، او ممن كان اعوانهم كيف ما كان، ويحتمل ان يكون المراد: ما جعلنا خلافتهم وما جعلنا انفسهم الا فتنه، وفيه من المبالغه فى ذمهم ما فيه، وجعل ضمير نخوفهم على هذا لما كان له اولا او للشجره باعتبار ان المراد بها بنو اميه، ولعنهم لما صدر منهم من استباحه الدماء المعصومه، والفروج المحصنه، واخذ الاموال من غير حلها، ومنع الحقوق عن اهلها، وتبديل الاحكام، والحكم بغير ما انزل اللّه تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاه والسلام، الى غير ذلك من القبائح العظام والمخازى الجسام التى لا تكاد تنسى ما دامت الليالى والايام، وجاء لعنهم فى القرآن اما على الخصوص كما زعمته الشيعه، او على العموم كما نقول، فقد قال سبحانه وتعالى: (ان الذين يوذون اللّه ورسوله لعنهم اللّه فى الدنيا والاخره)((187)) وقال عز وجل:

(فهل عسيتم ان توليتم ان تفسدوا فى الارض وتقطعوا ارحامكم × اولئك الذين لعنهم اللّه فاصمهم واعمى ابصارهم)((188)). الى آيات اخر، ودخولهم فى عموم ذلك يكاد يكون دخولا اوليا... الى آخر كلامه. راجع.

نظره فى كلمتين : الاولى: كلمه القرطبى: قال القرطبى بعد روايته حديث الرويا:

لا يدخل فى هذه الرويا عثمان ولاعمر بن عبدالعزيز ولا معاويه.

لا يهمنا بسط القول حول هذا التخصيص، ولا ننبس ببنت شفه فى تعميم العموم الوارد فى الاحاديث المذكوره وامثالها الوارده فى بنى اميه عامه وفى بنى ابى العاص جد عثمان خاصه، من قوله (ص) فى الصحيح من طريق ابى سعيد الخدرى: (ان اهل بيتى سيلقون من بعدى من امتى قتلا وتشريدا، وان اشد قومنا لنا بغضا بنو اميه وبنو المغيره وبنو مخزوم)((189)).

وقوله (ص) من طريق ابى ذر: ( اذا بلغت بنو اميه اربعين اتخذوا عباد اللّه خولا، ومال اللّه نحلا((190))، وكتاب اللّه دغلا)((191)).

وقوله (ص) من طريق حمران بن جابر اليمامى: ( ويل لبنى اميه - ثلاث مرات - اخرجه ابن منده كما فى الاصابه((192))، وحكاه عن ابن منده وابى نعيم السيوط‏ى فى الجامع الكبير كما فى ترتيبه((193)).

وقوله (ص) من طريق ابى ذر: ( اذا بلغ بنو ابى العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال اللّه دولا، وعباد اللّه خولا، ودين اللّه دغلا ) قال حلام بن جفال((194)): فانكر على ابى ذر فشهد على بن ابى طالب (رضى‏اللّه): ( انى سمعت رسول اللّه يقول: ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء على ذى لهجه اصدق من ابى ذر، واشهد ان رسول‏اللّه(ص) قاله ).

اخرجه الحاكم من عده طرق وصححه هو والذهبى كما فى‏المستدرك((195)) واخرجه((196)) احمد، وابن عساكر، وابو يعلى، والطبرانى، والدارقطنى من طريق ابى سعيد وابى ذر وابن عباس ومعاويه وابى هريره كما فى كنز العمال.

وذكر ابن حجر فى تطهير الجنان((197)) هامش الصواعق بسند حسنه: ان مروان دخل على معاويه فى حاجه وقال: ان مونتى عظيمه اصبحت ابا عشره، واخا عشره، وعم عشره ثم ذهب، فقال معاويه لابن عباس وكان جالسا معه على سريره:

انشدك باللّه يابن عباس اما تعلم ان رسول اللّه (ص) قال: ( اذا بلغ بنو ابى‏الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا آيات اللّه بينهم دولا، وعباد اللّه خولا، وكتابه دخلا، فاذا بلغوا سبعه واربعمائه كان هلاكهم اسرع من كذا )؟ قال: اللهم نعم.

وقوله (ص) باسناد حسنه ابن حجر فى تطهير الجنان هامش الصواعق((198)): ( شر العرب بنو اميه، وبنو حنيفه، وثقيف )، وقال: صح. قال الحاكم: على شرط الشيخين عن ابى برزه (رضى‏اللّه) قال: كان ابغض الاحياء او الناس الى رسول اللّه بنو اميه.

وقول مولانا امير المومنين (ع): ( لكل امه آفه وآفه هذه الامه بنو اميه). كنز العمال((199)).

فالحكم فى هذه العمومات ولا سيما بعد ملاحظه ما اثبتته السير ومدونات التاريخ وغيرها، وبعد الاحاطه باحوال الرجال وما ارتكبوه وما ارتبكوا فيه، انت ووجدانك ايها القارى الكريم.

الثانيه: كلمه ابن حجر صاحب الصواعق: قال ابن حجر فى الصواعق((200)): قال ابن ظفر: وكان الحكم هذا يرمى بالداء العضال وكذلك ابو جهل، كذا ذكره الدميرى فى حياه الحيوان((201)).

ولعنته (ص) للحكم وابنه لا تضرهما لانه (ص) تدارك ذلك بقوله مما بينه فى الحديث الاخر: انه بشر يغضب كما يغضب البشر، وانه سال ربه ان من سبه او لعنه او دعا عليه ان يكون رحمه وزكاه وكفاره وطهاره. وما نقله الدميرى عن ابن ظفر فى ابى جهل لا تاويل عليه فيه بخلافه فى الحكم فانه صحابى، وقبيح اى قبيح ان يرمى صحابى بذلك ، فليحمل على انه ان صح ذلك كان يرمى به قبل الاسلام. انتهى.

انا لا ادرى ايعلم ابن حجر ماذا يلوك بين اشداقه؟ اهو مجد فيما يقول ام هازى؟ اما ما اعتذر به من ان لعنته (ص) لا تضر الحكم وابنه. الى آخره. فقد اخذه مما اخرجه الشيخان فى الصحيحين((202)) من طريق ابى هريره، غير انه حرف منه كلما وزاد فيه اخرى واليك لفظه:

قال: اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر، وانى قد اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه فايما مومن آذيته او سببته او لعنته او جلدته فاجعلها له كفاره وقربه تقربه بها اليك .

هذا حط من مقام الرساله لاجل اموى ساقط، وحسبان ان صاحبها كانسان عادى يثيره ما يثير غيره فيغضب لما لا ينبغى ان يغضب له، ومخالف للكتاب العزيز من قوله سبحانه: (وما ينطق عن الهوى × ان هو الا وحى يوحى)((203)).

نعم، هو (ص) بشر غير انه كما قال فى الذكر الحكيم: (قل انما انا بشر مثلكم يوحى الى) فان كان فى الوحى ان يلعن الطريد وما ولد فماذا ينجيه من اللعن؟ الا ان‏يحسب ابن حجر ان الوحى ايضا يتبع الشهوات! كبرت كلمه تخرج من افواههم.

وكيف يكون اللعن رحمه وزكاه وطهاره وكفاره وقد اصاب موضعه بامر من اللّه سبحانه؟ وما يصنع ابن حجر بالصحيح المتضافر من ان سباب المسلم فسوق((204))؟ وكيف يسوغ له ايمانه ان يكون رسول اللّه سبابا او لعانا او موذيا لاحد او جالدا لمسلم على غير حق؟ وكل ذلك من منافيات العصمه واللّه سبحانه يقول (والذين يوذون المومنين والمومنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا)((205)). وجاء فى الصحيح: انه(ص) لم يكن سبابا ولا فحاشا ولا لعانا، وقد ابى رسول‏اللّه(ص) عن الدعاء على المشركين، وقال(ص) : ( انى لم ابعث لعانا وانما بعثت رحمه)((206))فهو(ص) كان يامل فى اولئك المشركين الهدايه فلم يلعنهم ولا دعا عليهم، ولما كان لم يرج فى الحكم وولده اى خير لعنهم لعنا يبقى عليهم خزى الابد.

نعم، روايه الصحيحين المنافيه لعصمه الرسول(ص) اختلقتها يد الهوى على عهد معاويه تزلفا اليه، وطمعا فى رضيخته، وتحببا الى آل ابى العاص المقربين عنده. ومن اراد الوقوف على ابسط مما ذكرناه فى المقام فليراجع كتاب (ابو هريره) لسيدنا الايه السيد عبد الحسين شرف الدين العاملى((207)).

هبنا - العياذ باللّه - ما شينا ابن حجر فى اساطيره فى نبى العصمه والقداسه، فما حيله المغفل فيما نزل من الذكر الحكيم فى الحكم وبنيه؟ هل فيه ضير؟ ام يراه ايضا رحمه وزكاه وكفاره وطهاره.

وشتان بين راى ابن حجر فى الحكم وبين ما ياتى من قول ابى بكر لعثمان فيه: عمك الى النار، وقول عمر لعثمان: ويحك يا عثمان تتكلم فى لعين رسول اللّه وطريده وعدو اللّه وعدو رسوله؟ واما ما عالج به داء الحكم فهو يعلم انه موصوم بما هو افظع من ذلك ، من لعن رسول اللّه وطرده اياه، وكان الخبيث يهزا برسول اللّه(ص) فى مشيته حتى اخذته دعوته(ص)، وهل تجديه الصحبه وحاله هذه؟ وهل تشمل الصحبه التى هى من اربى الفضائل اللص الذى ساكن الصحابه لا ستراق اموالهم والقاح الفتن فيهم؟ وهل تشمل المنافقين الذى كانوا فى المدينه يومئذ؟ (ومن اهل المدينه مردوا على النفاق) ((208))فان طهرت الصحبه امثال الحكم فهى مطهره اولئك بطريق اولى لانه لم يكشف عنهم الغطاء كما كشف عن الحكم على العهد النبوى وفى دور الشيخين، حتى اراد ابن اخيه ان ينقذه من الفضيحه فزيد ضغث على اباله((209))، ونبشت الدفائن، وذكر ما كاد ان ينسى.

ثم هب‏ان‏الصحبه مزيحه لعلل‏النفس والامراض القلبيه فهل هى مزيله للادواء الجسمانيه؟ لم نجد فى كتب الطب من وصفها بذلك ، ولا تعدادها فى‏صف الادويه المفيده لداء من‏الادواء، ولا لذلك الداء العضال‏الذى زعم ابن‏حجر انه منفى عن الحكم لمحض الاسلام والصحبه، وجوز ان يكون قبل اتصاله بالمسلمين، حيا اللّه هذا الطب الجديد! ان من الممكن جدا ان يكون هذا الداء العضال من علل طرد الرجل من المدينه، فلم يرد (ص) ان يكون بين صحابته فى عاصمه نبوته مخزى مثله.

اذا انهاك البحث الى هاهنا وعرفت الحكم ومقداره فى ادوار حياته جاهليه واسلاما، فاقرا ما جاء به سالم بن وابصه تزلفا الى معاويه بن مروان بن الحكم من قوله:

اذا افتخرت يوما اميه اطرقت قريش وقالوا معدن الفضل والكرم فان قيل هاتوا خيركم اطبقوا معا على ان خير الناس كلهم الحكم الستم بنى مروان غيث بلادنا اذاالسنه‏الشهباءسدت‏على‏الكظم سبحانك اللهم ما قيمه بشر خيره الحكم؟ وما شان جدوب غيثها بنو مروان؟ ان هى الا اساطير الاولين نسجتها يد الغلو فى الفضائل((210)).

وابن تيميه يدافع ايضا: قال ابن تيميه مدافعا عن الحكم: (اما الحكم فهو من الطلقاء، والطلقاء حسن اسلام اكثرهم، وبعضهم فيه نظر، ومجرد ذنب يعزر عليه لا يوجب ان يكون منافقا فى الباطن!)((211)).

اجل ان للحكم ذنبا (ومجرد ذنب)!، فايذاء النبى والاستهزاء به وافشاء اسراره والاطلاع على داره... كل هذا (مجرد ذنب) عندالشيخ!! وقال: (وغايه النفى المقدر سنه، وهو نفى الزانى والمخنث، واذا كان كذلك فالنفى كان فى آخر الهجره، فلم تطل مدته فى زمن ابى بكر وعمر، فلما كان عثمان طالت مدته)((212)).

(ربما تحدث الشيخ عن اعداد كانت فى القرون الغابره لا نعرفها اليوم، او عن غيب لانفهمه! والا فمده خلافه ابى بكر وعمر كانت ثلاث عشره سنه، مع ما كان فى حايه النبى (ص) وربما كان سنه او اقل او اكثر، فيكون المجموع نحو اربع عشره سنه (فلم تطل مدته، فلما كان عثمان طالت مدته) باعجوبه او بمعجزه!!)((213)).

(وغايه النفى المقدر سنه، وهو نفى الزانى والمخنث)، والحكم لم يكن زانيا ولا مخنثا، فالنبى - فى عقيده ابن تيميه - نفى الحكم بغير حق! ايادى الخليفه عثمان عند الحكم بن ابى العاص((214)):

اعط‏ى عثمان صدقات قضاعه للحكم بن ابى العاص عمه، طريد النبى بعدما قربه وادناه، والبسه يوم قدم المدينه وعليه فزر((215)) خلق وهو يسوق تيسا والناس ينظرون الى سوء حاله وحال من معه، حتى دخل دار الخليفه ثم خرج وعليه جبه خز وطيلسان. تاريخ اليعقوبى((216)).

وقال البلاذرى فى الانساب ((217))روايه عن ابن عباس انه قال: كان مما انكروا على عثمان انه ولى الحكم بن ابى العاص صدقات قضاعه((218))، فبلغت ثلاث مائه الف درهم فوهبها له حين اتاه بها.

وقال ابن قتيبه وابن عبد ربه والذهبى: ومما نقم الناس على عثمان انه آوى طريد النبى(ص) الحكم ولم يووه ابو بكر وعمر واعطاه مائه الف((219)).

وعن عبدالرحمن بن يسار قال: رايت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينه اذا امسى آتاها عثمان، فقال له: ادفعها الى الحكم بن ابى العاص، وكان عثمان اذا اجاز احدا من اهل بيته بجائزه جعلها فرضا من بيت المال، فجعل يدافعه ويقول له:

يكون فنعطيك ان‏شاءاللّه. فالح عليه فقال: انما انت خازن لنا، فاذا اعطيناك فخذ، واذا سكتنا عنك فاسكت. فقال: كذبت واللّه ما انا لك بخازن ولا لاهل بيتك انما انا خازن المسلمين، وجاء بالمفاتيح يوم الجمعه وعثمان يخطب فقال: ايها الناس زعم عثمان انى خازن له ولاهل بيته وانما كنت خازنا للمسلمين وهذه مفاتيح بيت مالكم، ورمى بها فاخذها ودفعها الى زيد بن ثابت. تاريخ اليعقوبى((220)).

المساله : هلم معى نسائل الخليفه فى ايواء لعين رسول اللّه وطريده - الحكم - وبمسمع منه ومراى نزول القرآن فيه واللعن المتواصل من مصدر النبوه عليه وعلى من تناسل منه عدا المومنين، وقليل ما هم، ما هو المبرر لعمله هذا ورده الى مدينه الرسول؟ وقد طرده(ص) وابناءه منها تنزيهالها من تلكم الارجاس والادناس الامويه، قد سال‏ابا بكر وبعده عمر ان‏يرداه، فقال‏كل‏منهما: لا احل‏عقده عقدهارسول اللّه(ص)((221))وقال الحلبى فى السيره((222)): كان يقال له: طريد رسول‏اللّه(ص) ولعينه، وقد كان(ص) طرده الى الطائف ومكث به مده رسول اللّه ومده ابى بكر بعد ان ساله عثمان فى ادخاله المدينه فابى، فقال له عثمان: عمى، فقال:

عمك الى النار، هيهات هيهات ان اغير شيئا فعله رسول اللّه(ص)، واللّه لا رددته ابدا، فلما توفى ابو بكر وولى عمر كلمه عثمان فى ذلك فقال له: ويحك يا عثمان تتكلم فى لعين رسول اللّه (ص) وطريده وعدو اللّه وعدو رسوله؟ فلما ولى عثمان رده الى المدينه فاشتد ذلك على المهاجرين والانصار فانكر ذلك عليه اعيان الصحابه، فكان ذلك من اكبر اسباب القيام عليه. انتهى.

الم تكن للخليفه اسوه فى رسول اللّه؟ واللّه يقول: (لقد كان لكم فى رسول اللّه اسوه حسنه لمن كان يرجو اللّه واليوم الاخر وذكر اللّه كثيرا)((223)) او كان قومه وحامته احب اليه من اللّه ورسوله؟ وبين يديه الذكر الحكيم: (قل ان كان آباوكم وابناوكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجاره تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم من اللّه ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى ياتى اللّه بامره واللّه لا يهدى القوم الفاسقين)((224)).

ثم ما هو المبرر لتخصيص الرجل بتلك المنحه الجزيله من حقوق المسلمين واعطياتهم؟ بعد تامينه على اخذ الصدقات المشترط فيه الثقه والامانه واللعين لا يكون ثقه ولا امينا.

ثم نسائل الحكم والخليفه على تقريره لما ارتكبه من حمل صدقات قضاعه الى دار الخلافه وقد ثبت فى السنه انها تقسط على فقراء المحل وعليها اتت الاقوال. قال ابو عبيد فى الاموال((225)): والعلماء اليوم مجمعون على هذه الاثار كلها ان اهل كل بلد من البلدان، او ماء من المياه احق بصدقتهم ما دام فيهم من ذوى الحاجه واحد فما فوق ذلك ، وان اتى ذلك على جميع صدقتها حتى يرجع الساعى ولا شى‏ء معه منها، بذلك جاءت الاحاديث مفسره. ثم ذكر احاديث فقال((226)):

قال ابو عبيد: فكل هذه الاحاديث تثبت ان كل قوم اولى بصدقتهم حتى يستغنوا عنها، ونرى استحقاقهم ذلك دون غيرهم انما جاءت به السنه لحرمه الجوار وقرب دارهم من دار الاغنياء. انتهى.

الم يكن فى قضاعه ذو حاجه فيعط‏ى؟ او لم يكن فى المدينه الطيبه من فقراء المسلمين احد فيقسم ذلك المال الطائل بينهم بالسويه؟ (انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) الايه((227)). فتخصيصها للحكم لماذا؟ وهلم معى الى المسكين صاحب المال توخذ منه الصدقات شاء او ابى وهو يعلم مصب تلكم الاموال ومدرها من ايدى اولئك الجبابره او الجباه - نظراء الحكم ومروان والوليد وسعيد - وما يرتكبونه من فجور ومجون، وبعد لم ينقطع من اذنه صدى ما ارتكبه خالد بن الوليد سيف.. مع مالك بن نويره وحليلته وذويه وما يملكه، وكان يسمع من وحى الكتاب قوله تعالى: (خذ من اموالهم صدقه تطهرهم وتزكيهم بها)((228))، فهل يرى المسكين ان هذا الاخذ يطهره ويزكيه؟ لاحكم الاللّه.

نعم، يقول المغيره بن شعبه - زانى ثقيف -: ان النبى(ص) امرنا ان ندفعها اليهم وعليهم حسابهم((229)) ويقول ابن عمر:

ادفعوها اليهم وان شربوا بها الخمر. ويقول: ادفعها الى الامراء وان تمزعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم((230)).

نحن لا نقيم لامثال هذه الاراء وزنا، ولا احسب ان الباحث يقدر لها قيمه. فانها ولائد ظنون مجرده، وقد جاء فى اولئك الامراء باسناد صححه الحاكم والذهبى من طريق جابر بن عبداللّه قال: قال(ص) لكعب بن عجره: ( اعاذك اللّه يا كعب من اماره السفهاء ). قال: وما اماره السفهاء يا رسول اللّه؟ قال: ( امراء يكونون بعدى لا يهدون بهديى ولا يستنون بسنتى، فمن صدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فاولئك ليسوا منى ولست منهم، ولا يردون على حوضى، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فاولئك منى وانا منهم وسيردون على حوضى)((231)).

فاعطاء الصدقات لاولئك الامراء من اظهر مصاديق الاعانه على الاثم والعدوان واللّه تعالى يقول: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان)((232)).

ثم ان الصدقات كضرائب ماليه فى اموال الاغنياء لاعاشه الضعفاء من الامه. قال مولانا امير المومنين(ع): ( ان اللّه عز وجل فرض على الاغنياء فى اموالهم ما يكفى الفقراء، فان جاعوا او عروا او جهدوا فبمنع الاغنياء، وحق على اللّه تبارك وتعالى ان يحاسبهم ويعذبهم ). الاموال لابى عبيد((233))، المحلى لابن حزم((234))، واخرجه الخطيب فى تاريخه((235)) من طريق على مرفوعا.

وفى لفظ: ( ان اللّه سبحانه فرض فى اموال الاغنياء اقوات الفقراء، فما جاع فقير الا بما متع به غنى، واللّه سائلهم عن ذلك ) نهج البلاغه((236)).

هذا هو مجرى الصدقات فى الشريعه المطهره، وهو الذى يطهر صاحب المال ويزكيه، ويكتسح عن المجتمع معره الاراء الفاسده من الفقراء، المقلقه للسلام والمعكره لصفو الحياه. ثم الخليفه يدعى ((237))ان رسول اللّه(ص) وعده رد الحكم بعد ان فاوضه فى ذلك ، ان كان هذا الوعد صحيحا فلم لم يعلم به احد غيره؟ ولا عرفه الشيخان وهلا رواه لهما حين كلمهما فى رده فجبهاه بما عرفت؟ او انهما لم يثقا بتلك الروايه؟ فهذه مشكله اخرى. او انهما صدقاه؟ غير انهما رايا ان النبى(ص) وعده ان يرده هو(ص) ولم يرده، ولعل المصلحه الواقعيه او الظروف لم تساعده على انجاز الوعد حتى قضى نحبه، فمن اين عرف الترخيص له فى رده؟ ولو كانت هناك شبهه رخصه؟ لعمل بها الشيخان حين فاوضهما هو فى ذلك ، لكنهما ما عرفا الشبهه ولا علما تلميحا للرخصه بل راياه عقده لرسول اللّه(ص) لا تنحل، وفى الملل والنحل للشهرستانى((238)): فما اجابا الى ذلك ونفاه عمر من مقامه باليمن اربعين فرسخا. انتهى.

ومن هنا راى ابن عبدربه فى العقد((239))، وابو الفدا فى تاريخه((240)) ان الحكم طريد رسول اللّه وطريد ابى بكر وعمر ايضا، وكذلك الصحابه كلهم ماعرفوا مساغا لرد الرجل وابنائه، والا لما نقموا به عليه ولعذروه على ما ارتكبه وفيهم من لا تخفى عليه مواعيد النبى(ص).

وللخليفه معذره اخرى، قال ابن عبد ربه فى العقد الفريد: لما رد عثمان الحكم طريد النبى(ص) وطريد ابى بكر وعمر الى المدينه تكلم الناس فى ذلك ، فقال عثمان: ما ينقم الناس منى؟ انى وصلت رحما وقريت عينا. انتهى.

ونحن لانخدش العواطف بتحليل كلمه الخليفه هذه، ولا نفصل القول فى مغزاها وانما نمر به كراما، وانت اذا عرفت الحكم وما ولد، علمت ان ردهم الى المدينه المشرفه وتوليهم على الامور، وتسليطهم على ناموس الاسلام، واتخاذ الحمى لهم جنايه كبيره على الامه لا تغتفر، ولا تقر بها قط عين((241)).

مروان بن الحكم الهويه الشخصيه: هو مروان بن الحكم بن ابى العاص بن اميه بن عبدشمس بن عبدمناف القرشى الاموى، يكنى ابا عبدالملك ، وهو ابن عم عثمان بن عفان بن ابى العاص وكاتبه فى خلافته. ولم يصلنا عنه حديث((242)).

ولاده مروان ابن الحكم: هناك اختلاف كبير حول تاريخ ولاده مروان فقد قيل: ولد سنه اثنتين من الهجره، وقال مالك : ولد يوم احد، وقيل: ولد يوم الخندق، وقيل: ولد بمكه وقيل بالطائف((243)).

ولم ير النبى(ص) لانه خرج الى الطائف طفلا لا يعقل لما نفى النبى(ص) اباه الحكم، ... وكان مع ابيه بالطائف حتى استخلف عثمان، واستكتب عثمان مروان وضمه اليه((244)).

ويبدو ان الصحيح فى ولاده مروان هو ولادته بعد فتح مكه لثبوت الروايه التى تقول (كان لا يولد لاحد بالمدينه ولد الا اتى به الى النبى(ص) فدعا له فادخل عليه مروان...) وسيوافيك الحديث.

فمروان ولد فى المدينه وابوه وامه لم يهاجرا بل بقيا على شركهما، بعد فتح مكه سكنا المدينه فولد مروان هناك واللّه اعلم.

النبى يلعن مروان صغيرا: اخرج الحاكم فى المستدرك((245)) من طريق عبدالرحمن بن عوف وصححه انه قال: كان لا يولد لاحد بالمدينه ولد الا اتى به الى النبى(ص) فدعا له فادخل عليه مروان بن الحكم عند ولادته فقال: هو الوزغ ابن الوزغ، الملعون ابن الملعون.

وذكره الدميرى فى حياه الحيون((246))، وابن حجر فى الصواعق((247))، والحلبى فى السيره((248)). ولعل معاويه اشار اليه بقوله لمروان: يا بن الوزغ لست هناك . فيما ذكر ابن ابى الحديد((249)).

العوده من الطائف: بقى مروان مع ابيه فى المنفى قرابه اربعه عشر عاما، وعاد مع ابيه بعد ان ردهما عثمان خلافا لفعل النبى والشيخين. فعينه عثمان كاتبا فى خلافته وزوجه ابنته ام ابان، فماذا كان بعد ذلك ؟

 ايادى الخليفه عثمان عند مروان: اعط‏ى عثمان مروان بن الحكم بن ابى العاص ابن عمه وصهره من ابنته ام ابان خمس غنائم افريقيه وهو خمسمائه الف دينار، وفى ذلك يقول عبدالرحمن بن حنبل الجمحى الكندى مخاطبا الخليفه:

احلف باللّه رب الانام ما ترك اللّه امرا سدى ولكن خلقت لنا فتنه لكى نبتلى لك او تبتلى فان الامينين قد بينا منار الطريق عليه الهدى فما اخذا درهما غيله وما جعلا درهما فى الهوى دعوت اللعين فادنيته خلافا لسنه من قد مضى واعطيت مروان خمس العبا د فهيهات شاوك ممن سعى هكذا رواه ابن قتيبه فى المعارف((250))، وابو الفداء فى تاريخه((251))، وذكر البلاذرى الابيات فى الانساب (()252)ونسبها الى اسلم بن اوس بن بجره الساعدى الخزرجى الذى منع ان يدفن عثمان بالبقيع، واليك لفظها:

اقسم‏باللّه رب العبا د ماترك اللّه خلقا سدى دعوت اللعين فادنيته خلافا لسنه من قد مضى قال: يعنى الحكم والد مروان.

واعطيت مروان خمس العبا دظلما لهم وحميت الحمى ومال اتاك به الاشعرى من الفى‏ء انهيته من ترى فاما الامينان اذ بينا منار الطريق عليه الصوى فلم ياخذا درهما غيله ولم يصرفا درهما فى هوى وذكرها ابن عبد ربه فى العقد الفريد ((253))ونسبها الى عبدالرحمن، وروى البلاذرى من طريق عبداللّه بن الزبير انه قال: اغزانا عثمان سنه سبع وعشرين افريقيه فاصاب عبداللّه بن سعد بن ابى سرح غنائم جليله فاعط‏ى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم. وفى روايه ابى مخنف: فابتاع الخمس بمائتى الف دينار فكلم عثمان فوهبها له فانكر الناس ذلك على عثمان((254)).

وفى روايه الواقدى كما ذكره ابن كثير: صالحه بطريقها على الفى الف دينار وعشرين الف دينار، فاطلقها كلها عثمان فى يوم واحد لال الحكم ويقال: لال مروان((255)).

وفى روايه الطبرى عن الواقدى، عن اسامه بن زيد، عن ابن كعب قال: لما وجه عثمان عبداللّه بن سعد الى افريقيه كان الذى صالحهم عليه بطريق افريقيه جرجير الفى الف دينار وخمسمائه الف دينار وعشرين الف دينار، فبعث ملك الروم رسولا وامره ان ياخذ منهم ثلاثمائه قنطار كما اخذ منهم عبداللّه بن سعد. الى ان قال: كان الذى صالحهم عليه عبداللّه بن سعد ثلاثمائه قنطار ذهب، فامر بها عثمان لال الحكم. قلت:

او لمروان؟ قال: لا ادرى. تاريخ الطبرى((256)).

وقال ابن الاثير فى الكامل((257)): وحمل خمس افريقيه الى المدينه فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائه الف دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا مما اخذ عليه، وهذا احسن ما قيل فى خمس افريقيه، فان بعض الناس يقول: اعط‏ى عثمان خمس افريقيه عبداللّه بن سعد. وبعضهم يقول: اعطاه مروان بن الحكم، وظهر بهذا انه اعط‏ى عبداللّه خمس الغزوه الاولى، واعط‏ى مروان خمس الغزوه الثانيه التى افتتحت فيها جميع افريقيه. واللّه اعلم.

وروى البلاذرى وابن سعد: ان عثمان كتب لمروان بخمس مصر واعط‏ى اقرباءه المال، وتاول فى ذلك الصله التى امر اللّه بها، واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال وقال: ان ابا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وانى اخذته فقسمته فى اقربائى. فانكر الناس عليه ذلك ((258)).

واخرج البلاذرى فى الانساب((259)) من طريق الواقدى عن ام بكر بنت المسور قالت: لما بنى مروان داره بالمدينه دعا الناس الى طعامه وكان المسور فيمن دعا، فقال مروان وهو يحدثهم: واللّه ما انفقت فى دارى هذه من مال المسلمين درهما فما فوقه. فقال المسور: لو اكلت طعامك وسكت لكان خيرا لك ، لقد غزوت معنا افريقيه وانك لاقلنا مالا ورقيقا واعوانا واخفنا ثقلا، فاعطاك ابن عفان خمس افريقيه وعملت على الصدقات فاخذت اموال المسلمين. فشكاه مروان الى عروه وقال: يغلظ لى وانا له مكرم متق.

وقال ابن ابى الحديد فى الشرح((260)): امر - عثمان - لمروان بمائه الف من بيت المال وقد زوجه انته ام ابان، فجاء زيد بن ارقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدى عثمان وبكى، فقال عثمان:

اتبكى ان وصلت رحمى؟ قال: لا. ولكن ابكى لانى اظنك انك اخذت هذا المال عوضا عما كنت انفقته فى سبيل اللّه فى حياه رسول اللّه(ص)، ولو ((261))اعطيت مروان مائه درهم لكان كثيرا. فقال: الق المفاتيح يابن ارقم فانا سنجد غيرك ، واتاه ابو موسى باموال من العراق جليله، فقسمها كلها فى بنى اميه.

وقال الحلبى فى السيره((262)): وكان من جمله ما انتقم به على عثمان انه اعط‏ى ابن عمه مروان بن الحكم مائه الف وخمسين اوقيه((263)).

اقطاع الخليفه عثمان فدك لمروان((264)): عد ابن قتيبه فى المعارف((265))، وابو الفداء فى تاريخه((266)) مما نقم الناس على عثمان اقطاعه فدك لمروان وهى صدقه‏رسول اللّه، فقال ابو الفداء: واقطع مروان بن الحكم فدك وهى صدقه رسول اللّه (ص) التى طلبتها فاطمه ميراثا، فروى ابو بكر عن رسول اللّه (ص): نحن معاشرالانبياء لانورث ماتركناه صدقه، ولم تزل فدك فى يدمروان وبنيه الى ان تولى عمر بن عبدالعزيز فانتزعها من اهله وردها صدقه.

واخرج البيهقى فى السنن الكبرى((267)) من طريق المغيره حديثا فى فدك وفيه: انها اقطعها مروان لما مضى عمر لسبيله.

فقال: قال الشيخ: انما اقطع مروان فدكا فى ايام عثمان بن عفان (رضى‏اللّه) وكانه تاول فى ذلك ما روى عن رسول اللّه(ص) اذا اطعم اللّه نبيا طعمه فهى للذى يقوم من بعده، وكان مستغنيا عنها بماله فجعلها لاقربائه ووصل بها رحمهم، وذهب آخرون الى ان المراد بذلك التوليه وقطع جريان الارث فيه، ثم تصرف فى مصالح المسلمين كما كان ابو بكر وعمر يفعلان.

وفى العقد الفريد((268)) فى عد ما نقم الناس على عثمان: انه اقطع فدك مروان وهى صدقه لرسول اللّه (ص) وافتتح افريقيه واخذ خمسها فوهبه لمروان.

وقال ابن ابى الحديد فى شرحه((269)): واقطع عثمان مروان فدك ، وقد كانت فاطمه (عليهاالسلام) طلبتها بعد وفاه ابيها صلوات اللّه عليه تاره بالميراث وتاره بالنحله فدفعت عنها.

قال الامينى : انا لا اعرف كنه هذا الاقطاع‏وحقيقه هذا العمل‏فان فدك ان كانت فيئا للمسلمين - كما ادعاه ابو بكر - فما وجه تخصيصها بمروان؟ وان كانت ميراثا لال رسول اللّه (ص) كما احتجت له الصديقه الطاهره فى خطبتها، واحتج له ائمه الهدى من العتره الطاهره وفى مقدمهم سيدهم امير المومنين عليه وعليهم السلام، فليس مروان منهم، ولا كان للخليفه فيها رفع ووضع. وان كانت نحله من رسول اللّه(ص) لبضعته الطاهره فاطمه المعصومه - صلوات اللّه عليها - كما ادعته وشهد لها امير المومنين وابناها الامامان السبطان وام ايمن المشهود لها بالجنه فردت شهادتهم بما لايرضى اللّه ولا رسوله، واذا ردت شهاده اهل آيه التطهير فباى شى‏ء يعتمد؟ وعلى اى حجه يعول؟ ان دام هذا ولم يحدث به غير لم يبك ميت ولم يفرح بمولود فان كانت فدك نحله فاى مساس بها لمروان؟ واى سلطه عليها لعثمان؟ حتى يقطعها لاحد. ولقد تضاربت اعمال الخلفاء الثلاثه فى امر فدك فانتزعها ابو بكر من اهل البيت، وردها عمر اليهم، واقطعها عثمان لمروان، ثم كان فيها ما كان فى ادوار المستحوذين على الامر منذ عهد معاويه وهلم جرا فكانت توخذ وتعط‏ى، ويفعلون بها ما يفعلون بقضاء من الشهوات، كما فصلناه((270))، ولم يعمل بروايه ابى بكر((271)) فى عصر من العصور، فان صانعه الملا الحضور على سماع ما رواه عن رسول اللّه(ص) وحابوه وجاملوه، فقد ابطله من جاء بعده باعمالهم وتقلباتهم فيها بانحاء مختلفه.

بل ان ابا بكر نفسه اراد ان يبطل روايته باعطاء الصك للزهراء فاطمه، غير ان ابن الخطاب منعه وخرق الكتاب كما جاء فى السيره الحلبيه، وبذلك كله تعرف قيمه تلك الروايه ومقدار العمل عليها وقيمه هذا الاقطاع.

مروان وما مروان ؟ مر علينا ما صح من لعن رسول اللّه (ص) على ابيه وعلى من يخرج من صلبه. واسلفنا ما صح من قول عائشه لمروان: لعن رسول اللّه(ص) اباك فانت فضض من لعنه اللّه.

واخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال: كنا مع رسول اللّه(ص) فمر الحكم بن ابى العاص فقال النبى (ص): ( ويل لامتى مما فى صلب هذا)((272)).

وفى شرح ابن ابى الحديد((273)) نقلا عن الاستيعاب((274)): نظر على(ع) يوما الى مروان فقال له: ( ويل لك وويل لامه محمد منك ومن بيتك اذا شاب صدغاك ).

وفى لفظ ابن الاثير: ( ويلك وويل امه محمد منك ومن بنيك ). اسد الغابه((275)). ورواه ابن عساكر بلفظ آخر كما فى كنز العمال((276)).

وقال مولانا امير المومنين يوم قال له الحسنان السبطان: ( يبايعك مروان ياامير المومنين ): (اولم يبايعنى بعد قتل عثمان؟ لا حاجه لى فى بيعته، انها كف يهوديه لو بايعنى بيده لغدر بسبته، اما ان له امره كلعقه الكلب انفه، وهو ابو الاكبش الاربعه((277)) وستلقى الامه منه ومن ولده يوما احمر ). نهج البلاغه((278)).

قال ابن ابى الحديد فى الشرح((279)): قد روى هذا الخبر من طرق كثيره ورويت فيه زياده لم يذكرها صاحب نهج البلاغه وهى قوله (ع) فى مروان: ( يحمل رايه ضلاله بعد ما يشيب صدغاه وان له امره ) الى آخره.

هذه الزياده اخذها ابن ابى الحديد من ابن سعد ذكرها فى طبقاته طبع((280)) ليدن قال: قال على بن ابى طالب يوما ونظر اليه: (ليحملن رايه ضلاله بعد ما يشيب صدغاه، وله امره كلحسه الكلب انفه). انتهى. وهذا الحديث كما ترى غير ما فى نهج البلاغه وليس كما حسبه ابن ابى الحديد زياده فيه، ولا توجد تلك الزياده فى روايه السبط ايضا فى تذكرته((281)).

واللّه العالم.

قال البلاذرى فى الانساب((282)): كان مروان يلقب خيط باطل((283)) لدقته وطوله شبه الخيط الابيض الذى يرى فى الشمس، فقال الشاعر - ويقال: انه عبدالرحمن بن الحكم اخوه -:

لعمرك ما ادرى وانى لسائل حليله مضروب القفا كيف يصنع((284)) لحى اللّه قوما امروا خيط باطل على الناس يعط‏ى ما يشاء ويمنع((285)) وذكر البلاذرى فى الانساب((286)) فى مقتل عمرو بن سعيد الاشدق الذى قتله عبدالملك بن مروان ليحيى بن سعيد اخى الاشدق قوله:

غدرتم بعمرو يا بنى خيط باطل ومثلكم يبنى البيوت على الغدر وذكر ابن ابى الحديد فى((287)) شرحه لعبد الرحمن بن الحكم فى اخيه قوله:

وهبت نصيبى منك يا مرو((288)) كله لعمرو ومروان الطويل وخالد ورب ابن ام زائد غير ناقص وانت ابن ام ناقص غير زائد ومن شعر مالك بن الريب - المترجم فى الشعر والشعراء لابن قتيبه((289)) - يهجو مروان قوله:

لعمرك ما مروان يقضى امورنا ولكنما تقضى لنا بنت جعفر((290)) فياليتها كانت علينا اميره وليتك يا مروان امسيت ذا حر((291)) ابن الحكم والتلاعب بالدين: ان الذى يستشفه المنقب من سيره مروان واعماله انه ما كان يقيم لنواميس الدين الحنيف وزنا، وانما كان يلحظها كسياسات زمنيه فلا يبالى بابطال شى‏ء منها، او تبديله الى آخر حسب ما تقتضيه ظروفه وتستدعيه احواله، واليك من شواهد ذلك عظائم، وعليها فقس ما لم نذكره:

المورد الاول: اتمام الصلاه فى السفر: اخرج امام الحنابله احمد فى مسنده((292)) من طريق عباد بن عبداللّه ابن الزبير قال:

لما قدم علينا معاويه حاجا، قدمنا معه مكه قال: فصلى بنا الظهر ركعتين ثم انصرف الى دار الندوه، قال: وكان عثمان حين اتم الصلاه فاذا قدم مكه صلى بها الظهر والعصر والعشاء الاخره اربعا اربعا، فاذا خرج الى منى وعرفات قصر الصلاه، فاذا فرغ من الحج واقام بمنى اتم الصلاه حتى يخرج من مكه، فلما صلى بنا الظهر ركعتين نهض اليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب احد ابن عمك باقبح ما عبته به. فقال لهما: وما ذاك ؟ قال: فقالا له: الم تعلم انه اتم الصلاه بمكه؟ قال: فقال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت؟ قد صليتهما مع رسول‏اللّه(ص) ومع ابى بكر وعمر . قالا: فان ابن عمك قد اتمها وان خلافك اياه له عيب. قال: فخرج معاويه الى العصر فصلاها بنا اربعا.

وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد((293)) نقلا عن احمد والطبرانى فقال: رجال احمد موثقون.

فاذا كان لعب مروان وخليفه وقته معاويه بالصلاه التى هى عماد الدين الى درجه يقدم فيها التحفظ على عثمان فى عمله الشاذ عن الكتاب والسنه على العمل بسنه رسول اللّه (ص) حتى اخضع معاويه لما ارتاه من الراى الشائن فى صلاه العصر، فماذا يكون عبثهما بالدين فيما هو دون الصلاه من الاحكام؟ وان تعجب فعجب انه يعد مخالفه عثمان فى رايه الخاص له عيبا عليه يغير لاجله الحكم الدينى الثابت، ولا يعد مخالفه رسول اللّه وما جاء به محظوره تترك لاجلها الاباطيل والاحداث! ومن العجيب ايضا ان ينهى معاويه عن مخالفه عثمان، ولا ينهى من خالف رسول اللّه (ص) عن مخالفته. اهولاء من خير امه اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون باللّه؟ واعجب من كل ذلك حسبان اولئك العابثين بدين اللّه عدولا وهذه سيرتهم ومبلغهم من الدين الحنيف.

المورد الثانى: تغييره السنه فى صلاه العيد: اخرج البخارى((294))من طريق ابى سعيد الخدرى قال: خرجت مع مروان وهو امير المدينه فى اضحى او فطر، فلما اتينا المصلى اذا منبر بناه كثير بن الصلت، فاذا مروان يريد ان يرتقيه قبل ان يصلى، فجبذت بثوبه فجبذنى، فارتفع فخطب قبل الصلاه، فقلت له: غيرتم واللّه. فقال: ابا سعيد قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما اعلم واللّه خير مما لا اعلم. فقال: ان الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاه فجعلتها قبل الصلاه. وفى لفظ الشافعى: يا ابا سعيد ترك الذى تعلم.

هذا مروان((295)): فهلم معى الى الخليفه نستحفيه الخبر عن هذا الوزغ اللعين فى صلب ابيه وبعد مولده بماذا استباح ايواءه وتامينه على الصدقات والطمانينه اليه فى المشوره فى الصالح العام؟ ولم استكتبه وضمه اليه فاستولى((296)) عليه؟ ونصب عينيه ما لهج به النبى الاعظم(ص)، وما ناء به هو من المخاريق والمخزيات، ومن واجب الخليفه تقديم الصلحاء من المومنين واكبارهم شكرا لاعمالهم لا الاحتفال باهل المجانه والخلاعه كمروان الذى يجب الانكار والتقطيب تجاه عمله الشائن، وقد جاء عن رسول‏اللّه(ص): ( من راى منكرا فاستطاع ان يغيره بيده فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع بلسانه فبقلبه، وذلك اضعف الايمان )، وقال مولانا امير المومنين (ع): ( ادنى الانكار ان تلقى اهل المعاصى بوجوه مكفهره ).

وهب ان الخليفه تاول واخطا لكنه ما هذا التبسط اليه بكله؟ وتقريبه وهو ممن يجب اقصاوه، وايواوه وهو ممن يستحق الطرد، وتامينه وهو اهل بان يتهم، ومنحه اجزل المنح من مال المسلمين ومن الواجب منعه، وتسليطه على اعطيات المسلمين ومن المحتم قطع يده عنها؟ انا لا اعرف شيئا من معاذير الخليفه فى هذه المسائل - لعل لها عذرا وانت تلومها - لكن المسلمين فى يومه ما عذروه وهم الواقفون على الامر من كثب، والمستشفون للحقائق الممعنون فيها، وكيف يعذره المسلمون ونصب اعينهم قوله عز من قائل:

(واعلموا انما غنمتم من شى‏ء فان للّه خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ان كنتم آمنتم باللّه)((297))؟ اليس اعطاء الخمس لمروان اللعين خروجا عن حكم القرآن؟ اليس عثمان هو الذى فاوض بنفسه ومعه جبير بن مطعم رسول اللّه (ص) ان يجعل لقومه نصيبا من الخمس فلم يجعل ونص على ان بنى عبد شمس وبنى نوفل لا نصيب لهم منه؟ قال جبير بن مطعم: لما قسم رسول اللّه سهم ذى القربى بين بنى هاشم وبنى المطلب((298)) اتيته انا وعثمان فقلت: يا رسول اللّه هولاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذى وضعك اللّه به منهم، ارايت بنى المطلب اعطيتهم ومنعتنا؟ وانما نحن وهم منك بمنزله واحده. فقال: ( انهم لم يفارقونى - او: لم يفارقونا - فى جاهليه ولا اسلام وانما هم بنو هاشم وبنو المطلب شى‏ء واحد) وشبك بين اصابعه، ولم يقسم رسول اللّه لبنى عبد شمس ولا لبنى نوفل من ذلك الخمس شيئا كما قسم لبنى هاشم وبنى المطلب((299)).

ومن العزيز على اللّه ورسوله ان يعط‏ى سهم ذوى قربى الرسول(ص) لطريده ولعينه، وقد منعه النبى(ص) وقومه من الخمس، فما عذر الخليفه فى تزحزحه عن حكم الكتاب والسنه، وتفضيل رحمه ابناء الشجره الملعونه فى القرآن على قربى رسول اللّه(ص) الذين اوجب اللّه مودتهم فى الذكر الحكيم؟ انا لا ادرى. واللّه من ورائهم حسيب((300)).

اخرج ائمه الصحاح من طريق ابى سعيد الخدرى قال: اخرج مروان المنبر يوم العيد، فبدا بالخطبه قبل الصلاه، فقام رجل فقال: يا مروان خالفت السنه، اخرجت المنبر يوم عيد، ولم يكن يخرج به، وبدات بالخطبه قبل الصلاه، ولم يكن يبدا بها. فقال مروان: ذاك شى‏ء قد ترك . فقال ابو سعيد: اما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول اللّه يقول: (من راى منكرا فاستطاع ان يغيره بيده فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع بلسانه فبقلبه، وذلك اضعف الايمان).

وفى لفظ الشافعى فى كتاب الام((301)) من طريق عياض بن عبد اللّه قال: ان ابا سعيد الخدرى قال: ارسل الى مروان والى رجل قد سماه، فمشى بنا حتى اتى المصلى، فذهب ليصعد فجبذته((302)) الى فقال: يا ابا سعيد ترك الذى تعلم. قال ابو سعيد: فهتفت ثلاث مرات، فقلت: واللّه لا تاتون الا شرا منه.

وفى لفظ البخارى فى صحيحه: خرجت مع مروان -وهو امير المدينه‏فى اضحى او فطر ، فلما اتينا المصلى اذا منبر بناه كثير بن الصلت، فاذا مروان يريد ان يرتقيه قبل ان يصلى، فجبذت بثوبه فجبذنى فارتفع فخطب قبل الصلاه، فقلت له: غيرتم واللّه. فقال: ابا سعيد قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما اعلم واللّه خير مما لااعلم، فقال: ان الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاه فجعلتها قبل الصلاه((303)).

وفى لفظ: قال ابو سعيد: قلت: اين الابتداء بالصلاه؟ فقال: لا يا ابا سعيد قد ترك ما تعلم، قلت: كلا والذى نفسى بيده لا تاتون بخير مما اعلم. ثلاث مرات.

قال ابن حزم فى المحلى((304)): احدث بنو اميه تقديم الخطبه قبل الصلاه واعتلوا بان الناس كانوا اذا صلوا تركوهم، ولم يشهدوا الخطبه، وذلك لانهم كانوا يلعنون على بن ابى طالب (رضى‏اللّه)، فكان المسلمون يفرون وحق لهم، فكيف وليس الجلوس واجبا؟ وقال ملك العلماء فى بدائع الصنائع((305)): وانما احدث بنو اميه الخطبه قبل الصلاه لانهم كانوا يتكلمون فى خطبتهم بما لا يحل، وكان الناس لا يجلسون بعد الصلاه لسماعها فاحدثوها قبل الصلاه ليسمعها الناس. وبمثل هذا قال السرخسى فى المبسوط((306)).

وقال السندى فى شرح سنن ابن ماجه((307)): قيل: سبب ذلك انهم كانوا يسبون فى الخطبه من لا يحل سبه، فتفرق الناس عند الخطبه اذا كانت متاخره لئلا يسمعوا ذلك فقدم الخطبه ليسمعهم.

وقال الشوكانى فى نيل الاوطار((308)): قد ثبت فى صحيح مسلم((309)) من روايه طارق بن شهاب عن ابى سعيد قال:

اول من بدا بالخطبه يوم العيد قبل الصلاه مروان، وقيل: اول من فعل ذلك معاويه، حكاه القاضى عياض. واخرجه الشافعى((310)) عن ابن عباس بلفظ: حتى قدم معاويه فقدم الخطبه. ورواه عبدالرزاق((311))... فهل رايت مروان كيف يغير السنه؟ وكيف يفوه مل‏ء فمه بما لا يسوغ لمسلم ان يتكلم به؟ كان ذلك مفوض اليه، وكان تركها المنبعث عن التجرى على اللّه ورسوله يكون مبيحا لادامه الترك ، لماذا ذهب ما كان يعلمه ابو سعيد من السنه؟ ولماذا ترك ؟ نعم، كان لمروان فى المقام ملحوظتان: الاولى اثر ابن عمه عثمان، والاخر انه كان يقع فى الخطبه فى مولانا امير المومنين(ع) ويسبه فتتفرق عنه الناس لذلك ، فقدمها على الصلاه لئلا يجفلوا فيسمعوا العظائم ويصيخوا الى ما يلفظ به من كبائر وموبقات.

ويستظهر من كلام لعبداللّه بن الزبير: كل سنن رسول اللّه(ص) قد غيرت حتى الصلاه((312)). ان تسرب التغيير ولعب الاهواء بالسنن لم يكن مقصورا على الخطبه قبل الصلاه فحسب، وانما تطرق ذلك الى كثير من الاحكام كما يجده الباحث السابر اغوار السير والحديث((313)).