قال الامينى : ان الثابت فى السنه الشريفه ان الخطبه فى
العيدين تكون بعد الصلاه، قال الترمذى فى الصحيح((314)):
والعمل على هذا عند اهل العلم من اصحاب النبى (ص)
وغيرهم ان صلاه العيدين قبل الخطبه ويقال: ان اول من
خطب قبل الصلاه مروان بن الحكم. انتهى.
واليك جمله مما ورد فيها:
1 - عن ابن عباس قال: اشهد على رسول اللّه (ص) انه صلى يوم
فطر او اضحىقبل الخطبه ثم خطب.
صحيح البخارى((315))، صحيح مسلم((316))، سنن ابى
داود((317))، سنن ابن ماجه((318))، سنن النسائى((319))،
سنن البيهقى((320)).
2 - عن عبداللّه بن عمر قال: كان النبى (ص) ثم ابو بكر ثم عمر
يصلون العيد قبل الخطبه. وفى لفظ الشافعى: ان النبى وابا بكر
وعمر كانوا يصلون فى العيدين قبل الخطبه، وفى لفظ
للبخارى: ان رسول اللّه(ص) كان يصلى فى الاضحى والفطر ثم
يخطب بعد الصلاه.
صحيح البخارى((321))، صحيح مسلم((322))، موطا
مالك((323))، مسند احمد((324))، كتاب الام
للشافعى((325))، سنن ابن ماجه((326))، سنن
البيهقى((327))، سنن الترمذى((328))، سنن
النسائى((329))، المحلى لابن حزم((330))، بدائع
الصنائع((331)).
3 - عن ابى سعيد الخدرى قال: كان رسول اللّه (ص) يخرج يوم
العيد فيصلى بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على رجليه.
انتهى.
سنن ابن ماجه((332))، المدونه الكبرى لمالك((333))، سنن البيهقى((334)).
4 - عن عبداللّه بن السائب، قال: حضرت العيد مع رسول
اللّه(ص) فصلى بنا العيد ثم قال: (قد قضينا الصلاه فمن احب
ان يجلس للخطبه فليجلس، ومن احب ان يذهب فليذهب).
سنن ابن ماجه((335))، سنن ابى داود((336))، سنن
النسائى((337))، سنن البيهقى((338))، المحلى((339)).
5 - عن جابر بن عبداللّه قال: ان النبى (ص) قام يوم الفطر
فصلى فبدا بالصلاه قبل الخطبه ثم خطب الناس. صحيح
البخارى((340))، صحيح مسلم((341))، سنن ابى
داود((342))، سنن النسائى((343))، سنن البيهقى((344)).
6 - عن ابن عباس وجابر بن عبداللّه وعبداللّه بن عمر وانس بن
مالك : ان رسول اللّه (ص) كان يصلى قبل الخطبه. المدونه
الكبرى((345)).
7 - عن البراء بن عازب قال: خطبنا رسولاللّه(ص) يوم النحر
بعد الصلاه.
صحيح البخارى((346))، سنن النسائى((347)).
8 - عن ابى عبيد مولى ابن ازهر قال: شهدت العيد مع على بن
ابى طالب وعثمان محصور، فجاء فصلى ثم انصرف فخطب.
موطا مالك ((348))، كتاب الام للشافعى ((349))ذكر من
طريق مالك شطرا منه.
هذه الاحاديث تكشف عن استمرار رسول اللّه (ص) على هذه
السنه المرتبه ولم يعز اليه غيرها قط، وعلى ذلك مضى
الشيخان ومولانا امير المومنين على (ع) وعثمان نفسه ردحا
من ايامه،
موقف مروان فى حصار عثمان:
بعد ان قرب عثمان عشيرته واغدق عليهم الاموال وولاهم
المناصب فى الدوله والمدن الاسلاميه... ثار المسلمون ضده
وحاصروه وطلبوا منه ترك الخلافه او التوبه وسنوافيك بالقصه
لترى خبث ابن الحكم.
اخرج الطبرى من طريق على بن عمر عن ابيه، قال:
ان عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين، فقال له: (تكلم
كلاما يسمعه الناس منك، ويشهدون عليه ويشهد اللّه على ما
فى قلبك من النزوع والانابه، فان البلاد قد تمخضت عليك، فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفه فتقول: يا على اركب
اليهم، ولا اقدر ان اركب اليهم ولا اسمع عذرا، ويقدم ركب
آخرون من البصره فتقول: يا على اركب اليهم، فان لم افعل
رايتنى قد قطعت رحمك واستخففت بحقك ). قال: فخرج
عثمان وخطب الخطبه التى نزع فيها واعطى الناس من نفسه
التوبه، فقام فحمد اللّه واثنى عليه بما هو اهله، ثم قال:
اما بعد، ايها الناس فواللّه ما عاب من عاب منكم شيئا اجهله، وما
جئت شيئا الا وانا اعرفه، ولكنى منتنى نفسى وكذبتنى، وضل
عنى رشدى، ولقد سمعت رسول اللّه (ص) يقول: (من زل
فليتب((351)) ومن اخطا فليتب ولا يتمادى فى الهلكه، ان
من تمادى فى الجور كان ابعد من الطريق)، فانا اول من اتعظ،
استغفر اللّه مما فعلت، واتوب اليه، فمثلى نزع وتاب، فاذا نزلت
فلياتنى اشرافكم فليرونى رايهم، فواللّه لئن ردنى الى الحق
عبد لاستنن بسنه العبد، ولاذلن ذل العبد، ولاكونن
كالمرقوق، ان ملك صبر، وان عتق شكر، وما من اللّه مذهب الا
اليه، فلا يعجزن عنكم خياركم ان يدنوا الى، لئن ابت يمينى
لتتابعنى شمالى.
قال: فرق الناس له يومئذ، وبكى من بكى منهم، وقام اليه سعيد
بن زيد فقال: يا امير المومنين ليس بواصل لك من ليس معك، اللّه اللّه فى نفسك، فاتمم على ما قلت.
فلما نزل عثمان وجد فى منزله مروان وسعيدا((352)) ونفرا
من بنى اميه ولم يكونوا شهدوا الخطبه، فلما جلس قال مروان:
يا امير المومنين: اتكلم ام اصمت؟ فقالت نائله ابنه الفرافصه
امراه عثمان الكلبيه: لا بل اصمت فانهم واللّه قاتلوه وموثموه،
انه قد قال مقاله لا ينبغى له ان ينزع عنها. فاقبل عليها مروان
فقال: ما انت وذاك ؟ فواللّه لقد مات ابوك وما يحسن يتوضا.
فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الاباء، تخبر عن ابى وهو غائب
تكذب عليه، وان اباك لا يستطيع ان يدفع عنه، اما واللّه لولا انه
عمه وانه يناله غمه اخبرتك عنه ما لن اكذب عليه. قال:
فاعرض عنها مروان، ثم قال: يا امير المومنين اتكلم ام اصمت؟
قال: بل تكلم. فقال مروان: بابى انت وامى واللّه لوددت ان
مقالتك هذه كانت وانت ممنع منيع فكنت اول من رضى بها
واعان عليها ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين،
وخلف السيل الزبى، وحين اعطى الخطه الذليله الذليل، واللّه
لاقامه على خطيئه تستغفر اللّه منها اجمل من توبه تخوف
عليها، وانك ان شئت تقربت بالتوبه ولم تقرر بالخطيئه، وقد
اجتمع اليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان:
فاخرج اليهم فكلمهم فانى استحى ان اكلمهم.
قال: فخرج مروان الى الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال:
ما شانكم قد اجتمعتم؟ كانكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه،
كل انسان آخذ باذن صاحبه الا من اريد((353))؟ جئتم
تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا اخرجوا عنا، اما واللّه لئن
رمتمونا ليمرن عليكم منا امر لا يسركم ولا تحمدوا غب رايكم،
ارجعوا الى منازلكم، فانا واللّه ما نحن مغلوبين على ما فى
ايدينا، قال: فرجع الناس وخرج بعضهم حتى اتى عليا فاخبره
الخبر، فجاء على (ع) مغضبا حتى دخل على عثمان فقال: (اما
رضيت من مروان ولا رضى منك الا بتحرفك((354)) عن
دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينه يقاد حيث يسار به؟ واللّه
ما مروان بذى راى فى دينه ولا نفسه، وايم اللّه انى لاراه
سيوردك ثم لا يصدرك، وما انا بعائد بعد مقامى هذا لمعاتبتك، اذهبت شرفك، وغلبت على امرك ).
فلما خرج على دخلت عليه نائله ابنه الفرافصه امراته، فقالت:
اتكلم او اسكت؟ فقال: تكلمى. فقال: قد سمعت قول على لك
وانه ليس يعاودك، وقد اطعت مروان يقودك حيث شاء، قال:
فما اصنع؟ قالت: تتقى اللّه وحده لا شريك له وتتبع سنه
صاحبيك من قبلك، فانك متى اطعت مروان قتلك، ومروان
ليس له عند الناس قدر ولا هيبه ولا محبه، وانما تركك الناس
لمكان مروان، فارسل الى على فاستصلحه فان له قرابه منك
وهو لا يعصى. قال: فارسل عثمان الى على فابى ان ياتيه، وقال:
(قد اعلمته انى لست بعائد). فبلغ مروان مقاله نائله فيه، فجاء
الى عثمان فجلس بين يديه، فقال: اتكلم او اسكت؟ فقال:
تكلم. فقال: ان بنت الفرافصه، فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف
فاسوء لك وجهك فهى واللّه انصح لى منك، فكف
مروان((355)).
صوره اخرى من التوبه :
من طريق ابى عون، قال: سمعت عبد الرحمن بن الاسود بن
عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم، قال: قبح اللّه مروان، خرج
عثمان الى الناس فاعطاهم الرضا، وبكى على المنبر وبكى
الناس حتى نظرت الى لحيه عثمان مخضله من الدموع وهو
يقول: اللهم انى اتوب اليك، اللهم انى اتوب اليك، اللهم انى
اتوب اليك، واللّه لئن ردنى الحق الى ان اكون عبدا قنا
لارضين به، اذا دخلت منزلى فادخلوا على، فواللّه لا احتجب
منكم ولاعطينكم«الرضا» ((356))ولازيدنكم على الرضا،
ولانحين مروان وذويه.
قال: فلما دخل امر بالباب ففتح، ودخل بيته ودخل عليه
مروان، فلم يزل يفتله فى الذروه والغارب حتى فتله عن رايه،
وازاله عما كان يريد((357)).
واستمرت المفاوضات بين عثمان والثوار المسلمين، وعقد
على بن ابى طالب(ع) صلحا بين الثوار والخليفه وافق عليه
الطرفان ومما جاء فيه: (يرد - عثمان - كل مظلمه ويعزل كل
عامل كرهوه)((358)).
ولكن ما حدث بعد هذا؟!
اخرج((359)) البلاذرى((360)) من طريق ابى مخنف قال:
لما شخص المصريون بعد الكتاب الذى كتبه عثمان فصاروا
بايله((361)) او بمنزل قبلها راوا راكبا خلفهم يريد مصر فقالوا
له: من انت؟ فقال: رسول امير المومنين الى عبداللّه بن سعد،
وانا غلام امير المومنين. وكان اسود، فقال بعضهم لبعض: لو
انزلناه وفتشناه الا يكون صاحبه قد كتب فينا بشىء، ففعلوا فلم
يجدوا معه شيئا، فقال بعضهم لبعض: خلوا سبيله، فقال كنانه
بن بشر: اما واللّه دون ان انظر فى اداوته فلا. فقالوا: سبحان اللّه
ايكون كتاب فى ماء؟ فقال: ان للناس حيلا. ثم حل الاداوه فاذا
فيها قاروره مختومه، او قال: مضمومه، فى جوف القاروره
كتاب فى انبوب من رصاص فاخرجه فقرى فاذا فيه:
اما بعد: فاذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه، واقطع
يدى ابن عديس وكنانه وعروه، ثم دعهم يتشحطون فى
دمائهم حتى يموتوا، ثم اوثقهم على جذوع النخل.
فيقال: ان مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلما عرفوا ما
فى الكتاب، قالوا: عثمان محل. ثم رجعوا عودهم على بدئهم
حتى دخلوا المدينه فلقوا عليا بالكتاب وكان خاتمه من
رصاص، فدخل به على على عثمان فحلف باللّه ما هو كتابه ولا
يعرفه وقال: اما الخط فخط كاتبى، واما الخاتم فعلى خاتمى،
قال على: (فمن تتهم؟) قال: اتهمك واتهم كاتبى. فخرج على
مغضبا وهو يقول: (بل هو امرك ). قال ابو مخنف: وكان خاتم
عثمان بدءا عند حمران بن ابان ثم اخذه مروان حين شخص
حمران الى البصره فكان معه.
وفى روايه ان المصريين - وكان معهم محمد بن ابى بكر -
حين سالوا الغلام عن امره فقال لهم مره: انا غلام امير
المومنين، وقال اخرى: انا غلام مروان وجهنى الى عامل مصر
برساله... ثم فك الكتاب بمحضر منهم فاذا فيه: اذا اتاك محمد
بن ابى بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وابطل كتاب محمد
وقر على عملك حتى ياتيك رايى...).
ورجع الثوار الى المدينه ودخل على وطلحه والزبير وسعد على
عثمان فانكر عثمان الكتاب. تقول الروايه: (وعرفوا ان الخط
خط مروان فسالوه ان يدفع اليهم مروان فابى، وكان مروان
عنده فى الدار، فخرج اصحاب محمد(ص) من عنده غضابا
وعلموا انه لا يحلف بباطل، الا ان قوما قالوا: لن يبرا عثمان فى
قلوبنا الا ان يدفع الينا مروان حتى نحثه عن الامر ونعرف حال
الكتاب، وكيف يومر بقتل رجال من اصحاب رسول اللّه بغير
حق...)((362)).
قد مر عليك موقف مروان فى حصار الخليفه، فكلما اعلن
الخليفه توبته امام الملا وبكى وندم على ما كان فعل دخل عليه
مروان فلم يزل يفتله فى الذروه والغارب حتى فتله عن رايه
وازاله عما كان يريد، ولا نبالغ اذا قلنا ان ابن الحكم كان ساعيا
فى قتل الخليفه.
قال الامينى((363)):
ان الطريد ابن الطريد، او قل عن لسان النبى الامين: (الوزغ ابن
الوزغ، اللعين ابن اللعين)، مروان بن الحكم كان يوثر فى
نفسيات الخليفه حتى يحوله كما قال مولانا امير المومنين عن
دينه وعقله، ويجعله مثل جمل الظعينه يقاد حيث يسار به. فلم
يزل به حتى اربكه عند منتقض العهود ومنتكث المواثيق،
فاورده مورد الهلكه. وعجيب من الخليفه ان يتاثر بتسويلات
الرجل وهو يعلم محله من الدين وموقفه من الايمان، ومبواه
من الصدق والامانه، وهو يعلم انه هو وزبانيته هم الذين جروا
عليه الويلات واركبوه النهابير، وانهم سيوردونه ثم لا يصدرونه،
يعلم ذلك كله وهو بين الناب والمخلب وفى منصرم الحياه،
ومع ذلك كله لا يزال مقيما على هاتيك الوساوس المروانيه،
فيا للعجب.
واعجب من ذلك انه مع هذا التاثر يتخذ نصح الناصحين له
كمولانا امير المومنين(ع) وكثير من الصحابه العدول باعتاب
الناس ورفض تمويهات مروان الموبقه له ظهريا فلا يعير لهم
بعد تمام الحجه وقطع سبل المعاذير اذنا واعيه، وهو يعلم انهم
لا يعدون الامر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويدعونه الى ما
فيه نجاته ونجاح الامه((364)).
مروان بعد مقتل عثمان:
بعد مقتل الخليفه عثمان قرر ابن الحكم المطالبه بدمه، ولم
يرضه ان تكون الخلافه بيد آل ابى طالب لذلك كان من اول
المحرضين عليهم، فانضم الى جيش عائشه ضد الامام
على(ع).
فى الجمل يقتل طلحه: كان طلحه بن عبيداللّه من الثائرين ضد عثمان لذلك اخذ ابن
الحكم ثاره منه يوم الجمل.
روى((365)) البلاذرى باسناده من طريق ابن سيرين انه قال:
لم يكن من اصحاب النبى (ص) اشد على عثمان من طلحه.
وذكره ابن عبد ربه فى العقد الفريد((366)).
اخرج ابن سعد وابن عساكر، قال: كان طلحه يقول يوم الجمل:
انا داهنا فى امر عثمان، فلا نجد «اليوم»((367)) شيئا امثل من
ان نبذل دماءنا فيه، اللهم خذ لعثمان منى اليوم حتى
ترضى((368)).
اخرج ابن عساكر، قال: كان مروان بن الحكم فى الجيش -يوم
الجملفقال : لا اطلب بثارى بعد اليوم، فهو الذى رمى طلحه
فقتله، ثم قال لابان بن عثمان: قد كفيتك بعض قتله ابيك، وكان السهم قد وقع فى عين ركبته، فكانوا اذا امسكوها
انتفخت واذا ارسلوها انبعثت، فقال: دعوها فانها سهم ارسله
اللّه((369)).
قال ابو عمر فى الاستيعاب((370)): لا يختلف العلماء الثقات
فى ان مروان قتل طلحه يومئذ وكان فى حزبه.
واخرج ابو عمر ((371)) من طريق ابن ابى سبره قال: نظر
مروان الى طلحه يوم الجمل فقال: لا اطلب بثارى بعد اليوم.
فرماه بسهم فقتله.
واخرج((372)) من طريق يحيى بن سعيد عن عمه انه قال :
رمى مروان طلحه بسهم، ثم التفت الى ابان بن عثمان، فقال :
قد كفينا بعض قتله ابيك .
واخرج ((373))من طريق قيس نقلا عن ابن ابى شيبه ان
مروان قتل طلحه، ومن طريق وكيع واحمد بن زهير،
باسنادهما عن قيس بن ابى حازم حديث: لا اطلب بثارى بعد
اليوم. وزاد فى اسد الغابه((374)) ما مر من قول مروان لابان.
وقال ابن حجر فى الاصابه((375)): روى ابن عساكر((376))
من طرق((377))متعدده: ان مروان بن الحكم هو الذى رماه
فقتله، منها: واخرجه ابو القاسم البغوى بسند صحيح عن
الجارود بن ابى سبره، قال: لما كان يوم الجمل نظر مروان الى
طلحه فقال: لا اطلب ثارى بعد اليوم، فنزع له بسهم فقتله.
واخرج يعقوب بن سفيان، بسند صحيح عن قيس بن ابى حازم،
ان مروان بن الحكم راى طلحه فى الخيل، فقال: هذا اعان على
عثمان، فرماه بسهم فى ركبته، فما زال الدم يسيح حتى مات.
واخرجه الحاكم فى المستدرك ((378)).
اخرجه عبد الحميد بن صالح عن قيس، واخرجه
الطبرانى((379))من طريق يحيى بن سليمان الجعفى عن
وكيع بهذا السند، قال: رايت مروان بن الحكم حين رمى طلحه
يومئذ بسهم فوقع فى عين ركبته، فما زال الدم يسيح الى ان
مات.
واخرج الحاكم فى المستدرك ((380)) من طريق عكراش
قال: كنا نقاتل عليا مع طلحه ومعنا مروان، قال: فانهزمنا، فقال
مروان: لا ادرك بثارى بعد اليوم من طلحه. فرماه بسهم فقتله.
وقال محب الدين الطبرى فى الرياض((381)): المشهور ان
مروان بن الحكم هو الذى قتله، رماه بسهم وقال: لا اطلب
بثارى بعد اليوم. وذلك ان طلحه زعموا انه كان ممن حاصر
عثمان واشتد عليه.
واخرج البلاذرى فى الانساب((382))، فى حديث عن روح بن
زنباع: انه قال: رمى مروان طلحه فاستقاد منه لعثمان.
يوجد حديث قتل مروان بن الحكم طلحه بن عبيداللّه اخذا بثار
عثمان فى مروج الذهب((383))، العقد الفريد((384))،
مستدرك الحاكم((385))، الكامل لابن الاثير((386))، صفه
الصفوه لابن الجوزى((387))، اسد الغابه((388))، دول
الاسلام للذهبى((389))، تاريخ ابن كثير((390))، تذكره
السبط((391))، مرآه الجنان لليافعى((392))، تهذيب
التهذيب((393))، تاريخ ابن شحنه هامش الكامل((394)).
اخرج ابن سعد((395)) بالاسناد عن شيخ من كلب، قال:
سمعت عبدالملك بن مروان يقول: لولا ان امير المومنين
مروان اخبرنى انه قتل طلحه ما تركت احدا من ولد طلحه الا
قتلته بعثمان.
اخرج الحميدى فى النوادر من طريق سفيان بن عيينه، عن
عبدالملك بن ابى مروان، قال: دخل موسى بن طلحه على
الوليد، فقال له الوليد: ما دخلت على قط الا هممت بقتلك لولا
ان ابى اخبرنى ان مروان قتل طلحه. تهذيب التهذيب((396)).
اخرج الطبرى فى حديث: فقام طلحه والزبير خطيبين -يعنى
بالبصرهفقالا : يا اهل البصره توبه بحوبه، انما اردنا ان يستعتب
امير المومنين عثمان ولم نرد قتله، فغلب سفهاء الناس الحلماء
حتى قتلوه، فقال الناس لطلحه: يا ابا محمد قد كانت كتبك
تاتينا بغير هذا. تاريخ الطبرى((397)).
ذكر المسعودى فى حديث وقعه الجمل: ثم نادى على
(رضىاللّه) طلحه حين رجع الزبير: (يا ابا محمد ما الذى
اخرجك ؟) قال: الطلب بدم عثمان. قال على: (قتل اللّه اولانا
بدم عثمان)((398)).
عداء مروان لال البيت:
قد مر علينا كيف كان الحكم والد مروان يستهزىء بالنبى(ص)
ويوذيه، ويبدو ان الابن اكتسب الخبث والرذيله من والده اثناء
اقامته فى الطائف، فلما عاد الى المدينه كان النبى(ص) بجوار
ربه فنظر فى بقيته فلم يجد الا آل بيته، وعلى راسهم الامام
على والحسن والحسين(عليهمالسلام)، فكن لهم كل العداء
واخذ يكيل لهم الشتائم والسباب ولا يفتا عن سب الامام على
فى كل جمعه وعلى كل منبر وكان((399)) كما قال اسامه بن
زيد: (فاحشا متفحشا)((400)).
الحجر الاساسى فى ذلك هو عثمان جرا الوزغ اللعين على امير
المومنين يوم قال له: اقد مروان من نفسك . قال (ع): ( مم ذا؟
) قال: من شتمه وجذب راحلته. وقال له: لم لا يشتمك ؟
كانك خير منه! وعلاه معاويه بكل ما عنده من حول وطول،
لكن مروان تبعه شر متابعه، ولم يال جهدا فى تثبيت ذلك كلما
اقلته صهوه المنبر، اووقف على منصه خطابه، ولم يزل مجدا
فى ذلك وحاضا عليه حتى عاد مطردا بعد كل جمعه وجماعه
فى اى حاضره يتولى امرها، وبين عماله يوم تولى خلافه هى
كلعقه الكلب انفه تسعه اشهر كما وصفها مولانا امير المومنين،
ولم تكن هذه السيره السيئه الا لسياسه وقتيه، وقد اعرب عما
فى سريرته بقوله، فيما اخرجه الدارقطنى من طريقه عنه، قال:
ما كان احد ادفع عن عثمان من على. فقيل له: ما لكم تسبونه
على المنابر؟ قال: انه لا يستقيم لنا الامر الا بذلك ((401)).
قال ابن حجر فى تطهير الجنان((402)) هامش الصواعق
وبسند رجاله ثقات: ان مروان لما ولى المدينه كان يسب عليا
على المنبر كل جمعه، ثم ولى بعده سعيد بن العاص فكان لا
يسب، ثم اعيد مروان فعاد للسب، وكان الحسن يعلم ذلك
فيسكت ولا يدخل المسجد الا عند الاقامه، فلم يرض بذلك
مروان حتى ارسل للحسن فى بيته بالسب البليغ لابيه وله،
ومنه: ما وجدت مثلك الا مثل البغله يقال لها: من ابوك ؟
فتقول: ابى الفرس((403)). فقال للرسول: ( ارجع اليه فقل له:
واللّه لا امحو عنك شيئا مما قلت بانى اسبك، ولكن موعدى
وموعدك اللّه، فان كنت كاذبا فاللّه اشد نقمه، قد اكرم جدى ان
يكون مثلى مثل البغله ). الى آخره.
ولم يختلف من المسلمين اثنان فى ان سب الامام ولعنه من
الموبقات، واذا صح ما قاله ابن معين((404)) كما حكاه عنه
ابن حجر فى تهذيب التهذيب((405)) من ان كل من شتم
عثمان او طلحه او احدا من اصحاب رسول اللّه (ص) دجال
لايكتب عنه وعليه لعنه اللّه والملائكه والناس اجمعين. انتهى.
فما قيمه مروان عندئذ؟ ونحن مهما تنازلنا فانا لا نتنازل عن
ان مولانا امير المومنين كاحد الصحابه الذين يشملهم حكم كل
من سبهم ولعنهم، فكيف ونحن نرى انه (ع) سيد الصحابه على
الاطلاق، وسيد الاوصياء، وسيد من مضى ومن غبر عدا ابن
عمه (ص) وهو نفس النبى الاقدس بنص الذكر الحكيم، فلعنه
وسبه لعنه وسبه وقد قال (ص): ( من سب عليا فقد سبنى
ومن سبنى فقد سب اللّه )((406)).
روى الهيثمى فى مجمع الزوائد((407)) من طريق ابى يحيى
قال: كنت بين الحسن والحسين ومروان يتسابان فجعل
الحسن يسكت الحسين، فقال مروان: اهل بيت ملعونون.
فغضب الحسن وقال: (قلت اهل بيت ملعونون، فواللّه لقد لعنك
اللّه وانت فى صلبابيك) اخرجه الطبرانى((408)) وذكره
السيوطى فى جمع الجوامع كما فى ترتيبه((409)) نقلا عن
ابن سعد وابى يعلى((410)) وابن عساكر((411)).
وكان مروان يتربص الدوائر على آل بيت العصمه والقداسه،
ويغتنم الفرص فى ايذائهم. قال ابن عساكر فى تاريخه((412)):
ابى مروان ان يدفن الحسن فى حجره رسول اللّه (ص) وقال: ما
كنت لادع ابن ابى تراب يدفن مع رسول اللّه وقد دفن عثمان
بالبقيع. ومروان يومئذ معزول يريد ان يرضى معاويه بذلك، فلم يزل عدوا لبنى هاشم حتى مات. انتهى((413)).
اى خليفه هذا يجلب رضاه بايذاء عتره رسول اللّه؟ ومن اولى
بالدفن فى الحجره الشريفه من السبط الحسن الزكى؟ وباى
كتاب وبايه سنه وباى حق ثابت كان لعثمان ان يدفن فيها؟
ومن جراء ذلك الضغن الدفين على بنى هاشم، كان ابن الحكم
يحث ابن عمر على الخلافه والقتال دونها. اخرج ابو عمر من
طريق الماجشون وغيره: ان مروان دخل فى نفر على عبداللّه
بن عمر بعدما قتل عثمان فعرضوا عليه ان يبايعوا له قال:
وكيف لى بالناس؟ قال: تقاتلهم ونقاتلهم معك . فقال: واللّه لو
اجتمع على اهل الارض الا فدك ما قاتلتهم، قال: فخرجوا من
عنده ومروان يقول:
والملك بعد ابى ليلى لمن غلبا((414))
لماذا ترك الوزغ سنه الانتخاب الدستورى فى الخلافه بعد
انتهاء الدور الى سيد العتره؟ وما الذى سوغ له ذلك الخلاف؟
وحض ابن عمر على الامر، وتحريضه على القتال دونه، بعد
اجماع الامه وبيعتهم مولانا امير المومنين؟ نعم: لم يكن من
اليوم الاول هناك انتخاب صحيح قط، وراى حر لاهل الحل
والعقد، انى كان ثم انى؟
والملك بعد ابى الزهرا لمن غلبا((415))
ابن الحكم يلتحق بمعاويه:
بعد اشتراك ابن الحكم فى موقعه الجمل وقتله لطلحه التحق
بركب معاويه بن ابى سفيان وشاك فى معركه صفين ضد
الامام على(ع)، بعد ذلك ولاه معاويه على المدينه، واستمرت
ولايته عليها تسعه اشهر، وقيل: عشره اشهر((416)) ثم عزله،
وكان ابن الحكم ينتظر تحقق نبوه النبى(ص) فيه وفى ولده
فى استيلائهم على الخلافه اذا بلغوا اربعين رجلا((417)).
مروان يوطد بيعه يزيد:
عمل مروان على تثبيت ودعم خلافه يزيد، يزيد المعروف
بفسقه وفجوره ومجونه.
كتب((418)) معاويه الى مروان بن الحكم: انى قد كبرت سنى،
ودق عظمى، وخشيت الاختلاف على الامه بعدى، وقد رايت
ان اتخير لهم من يقوم بعدى، وكرهت ان اقطع امرا دون
مشروه من عندك، فاعرض ذلك عليهم واعلمنى بالذى
يردون عليك .
فقام مروان فى الناس فاخبرهم به، فقال الناس: اصاب ووفق،
وقد اجبنا ان يتخير لنا فلا يالو.
فكتب مروان الى معاويه بذلك فاعاد اليه الجواب بذكر يزيد.
فقام مروان فيهم وقال: ان امير المومنين قد اختار لكم فلم يال
وقد استخلف ابنه يزيد بعده.
فقام عبدالرحمن بن ابى بكر فقال: كذبت واللّه يامروان وكذب
معاويه، ما الخيار اردتما لامه محمد، ولكنكم تريدون ان
تجعلوها هرقليه كلما مات هرقل قام هرقل. فقال مروان: هذا
الذى انزل اللّه فيه (والذى قال لوالديه اف لكما). الايه، فسمعت
عائشه مقالته من وراء الحجاب وقالت: يا مروان يا مروان،
فانصت الناس، واقبل مروان بوجهه فقالت: انت القائل لعبد
الرحمن انه نزل فيه القرآن؟ كذبت واللّه ما هو به ولكنه فلان
بن فلان، ولكنك انت فضض من لعنه نبى اللّه((419)).
وتمت بيعه يزيد ولم تطل مده خلافته فمات دون ان يعهد الى
احد، وبعد موت معاويه بن يزيد - الذى رفض الخلافه وانكر
على آبائه اغتصابهم الخلافه - بويع مروان بن الحكم فى الشام
بالخلافه وتم الامر له.
من آراء ابن الحكم:
عن داود بن ابى صالح قال((420)): اقبل مروان يوما فوجد
رجلا واضعا وجهه - جبهته - على القبر، فاخذ مروان برقبته ثم
قال: هل تدرى ما تصنع؟ فاقبل عليه فاذا ابو ايوب الانصارى،
فقال: نعم انى لم آت الحجر، انما جئت رسول اللّه(ص)، ولم آت
الحجر، سمعت رسول اللّه(ص) يقول: (لا تبكوا على الدين اذا
وليه اهله، ولكن ابكوا على الدين اذا وليه غير اهله).
اخرجه((421)): الحاكم فى المستدرك وصححه هو والذهبى
فى تلخيصه، ورواه ابو الحسين يحيى بن الحسن الحسينى فى
اخبار المدينه، باسناد آخر عن المطلب بن عبداللّه بن حنطب،
كما فى شفاء السقام للسبكى((422)).
وذكره السيد نور الدين السمهودى فى وفاء((423)) الوفا نقلا
عن امام الحنابله احمد، قال: رايته بخط الحافظ ابى الفتح
المراغى المدنى، واخرجه الحافظ الهيثمى فى مجمع
الزوائد((424)) نقلا عن احمد.
قال الامينى: ان هذا الحديث يعطينا خبرا بان المنع عن
التوسل بالقبور الطاهره انما هو من بدع الامويين وضلالتهم
منذ عهد الصحابه، ولم تسمع اذن الدنيا قط صحابيا ينكر ذلك
غير وليد بيت اميه مروان الغاشم، نعم، الثور يحمى
انفه((425)) بروقه، نعم، بعله الورشان ياكل رطب
المشان((426))، نعم، لبنى اميه عامه ولمروان خاصه ضغينه
على رسول اللّه(ص) منذ يوم لم يبق(ص) فى الاسره الامويه
حرمه الا هتكها، ولا ناموسا الا مزقه، ولا ركنا الا اباده، وذلك
بوقيعته(ص) فيهم وهو (وما ينطق عن الهوى× ان هو الا وحى
يوحى × علمه شديد القوى)((427)).
فحقيق على مروان ان يرى الامه الاسلاميه انه يحامى عن
التوحيد وقد رام ان يخذلها عن نبيها ويصغره عندها، وكيف
يروقه نبى كان هذا هتافه فيه وفى ابيه وجده واصله وشجرته؟
تلك الشجره الملعونه التى اجتثت من فوق الارض مالها من
قرار.
فلا يحق لمسلم ان يحذو حذو تلك الامه الملعونه ويقول
بقولهم ويتخذ برايهم، ويتبع اثر اولئك الرجال الذين اتخذوا
دين اللّه دخلا، وعباد اللّه خولا، وكتاب اللّه حولا((428)).
اجل، لقد ساء ابن الحكم التفاف المسلمين حول النبى ميتا؟
كيف لا؟ وهو الذى حطم كبرياء بنى اميه، وهو الذى نفى اباه
ولعنه ومن فى صلبه، فالعداء للنبى هو الذى دفع مروان الى
موقفه هذا، ويبدو لى سبب آخر وهو ان التبرك ولالتفاف حول
القبر الشريف يذكر المسلمين نبيهم واحاديثه التى لعنت ولاه
امثال مروان، والتى تدعو للقيام على الظلمه وعدم اطاعتهم،
وهذا ما يريد ابن الحكم وبنو اميه ان يمحوه من ذاكره
المسلمين.
دعوى باطله:
زعم ابن الاثير ان الامام على بن الحسين بن على بن ابى
طالب (ع) روى عن ابن الحكم، فقد جاء فى اسد غابته: (روى
عنه - اى مروان - على بن الحسين)((429)).
وكذا ارسل ابن حجر هذه العباره فى اصابته((430)) لكنه لم
يصب الحق فيها فمروان هذا لم يسمع من النبى شيئا
((431))اذ انه غادر المدينه طفلا الى الطائف مع والده وعاد
فى خلافه عثمان، اجل كيف يروى الامام(ع) عن مروان هذا
وعنده والده ريحانه رسول اللّه(ص) وسيد شباب اهل الجنه
الحسين(ع)؟ فمن كان يستضى بالشمس فلا يتركها لظلام
دامس، وكيف يروى عنه وقد كان يسب جده عليا فى كل
جمعه وكان ينال من آل البيت ويشتمهم؟ وما هذه العلاقه
التى جمعت الامام بابن الحكم؟ فشتان بين الثرى والثريا
وهيهات ان يجتمع النور والظلام.
قال المقريزى فى ابن الحكم: (وكان رجلا لافقه له، ولا يعرف
بالزهد، ولا بروايه الاثار، ولا بصحبه ولا ببعد همه)((432)).
وقد كان الامام على بن الحسين سيد علماء عصره، قال فيه
الزهرى: (ما رايت قرشيا افضل من على بن الحسين) «فى
ايامه»((433)) وقال ايضا: (ما رايت احدا كان افقه منه. وقال
ابن وهب عن مالك : لم يكن فى اهل بيت رسول اللّه(ص) مثل
على بن الحسين)((434)).
وقال له نافع بن جبير: (انك سيد الناس وافضلهم)((435))
وقال فيه الشافعى: (هو افقه اهل المدينه)((436)).
فمن كان افقه اهل المدينه وافضلهم فكيف يروى عن ابن
الحكم؟!
موت مروان ابن الحكم:
هلك ابن الحكم فى شهر رمضان سنه خمس وستين((437))،
وهو معدود فيمن قتلته النساء، فقد تزوج ام خالد بن يزيد ليضع
من خالد، وقال يوما لخالد: يا ابن الرطبه! فقال له خالد: (انت
موتمن خائن) وشكى خالد ذلك يوما الى امه، فقالت: لا تعلمه
انك ذكرته لى، فلما دخل اليها مروان قامت اليه مع جواريها،
فغمته حتى مات((438)).
قال المسعودى: (فمنهم من راى انها وضعت على نفسه
وساده، وقعدت فوقها مع جواريها حتى مات، ومنهم من يرى
انها اعدت له لبنا مسموما)((439)).
وهكذا رحل عن الدنيا بعد عمر ملىء بالشقاوه والشيطنه،
وتسلم ابنه عبدالملك الخلافه من بعده.
الوليد بن عقبه ومن ولده
الهويه الشخصيه:
الوليد بن عقبه بن ابى معيط، واسم ابى معيط: ابان بن ابى
عمرو، واسم ابى عمرو ذكوان بن اميه بن عبدشمس بن
عبدمناف القرشى الاموى، وقد قيل: ان ذكوان كان عبدا لاميه
فاستلحقه، والاول اكثر، امه اروى بنت كريز بن ربيعه بن
حبيب بن عبد شمس ام عثمان بن عفان، فالوليد اخو عثمان
لامه((440))، وكان الوليد يكنى ابا وهب.
الوليد ومن ولده((441)): ما ابوه عقبه بن ابى معيط فكان اشد الناس على رسول
اللّه(ص) فى ايذائه من جيرانه، اخرج ابن سعد بالاسناد من
طريق هشام بن عروه عن ابيه عن عائشه قالت: قال رسول اللّه
(ص): ( كنت بين شر جارين بين ابى لهب وعقبه بن ابى
معيط، ان كانا لياتيان بالفروث فيطرحانها على بابى، حتى انهم
لياتون ببعض ما يطرحون من الاذى فيطرحونه على بابى
)((442)).
وقال ابن سعد فى الطبقات((443)): كان اهل العداوه
والمناواه لرسولاللّه(ص) واصحابه الذين يطلبون الخصومه
والجدل ابو جهل، ابو لهب، الى ان عد عقبه بن ابى معيط،
والحكم بن ابى العاص فقال: وذلك انهم كانوا جيرانه، والذى
كان تنتهى عداوه رسول اللّه (ص) اليهم: ابو جهل، وابو لهب،
وعقبه بن ابى معيط.
وقال ابن هشام فى سيرته((444)): كان النفر الذين يوذون
رسول اللّه(ص) فى بيته ابو لهب، والحكم بن ابى العاص بن
اميه، وعقبه بن ابى معيط.
وقال((445)): كان ابى بن خلف وعقبه بن ابى معيط
متصافيين حسنا ما بينهما، فكان عقبه قد جلس الى رسول اللّه
(ص) وسمع منه فبلغ ذلك ابيا فاتى عقبه فقال له: الم يبلغنى
انك جالست محمدا وسمعت منه؟ ثم قال: وجهى من وجهك
حرام ان اكلمك، واستغلظ له من اليمين ان انت جلست اليه او
سمعت منه او لم تاته فتتفل فى وجهه. ففعل ذلك عدو اللّه
عقبه بن ابى معيط لعنه اللّه، فانزل اللّه تعالى فيهما: (ويوم
يعض الظالم على يديه يقول ياليتنى اتخذت مع الرسول سبيلا
× ياويلتا ليتنى لم اتخذ فلانا خليلا × لقد اضلنى عن الذكر بعد
اذ جاءنى وكان الشيطان للانسان خذولا)((464)) واخرج ابن
مردويه وابو نعيم فىالدلائل باسناد صححه السيوطى
من((447)) طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: ان
عقبه((448)) قبه بن ابى معيط كان يجلس مع النبى بمكه لا
يوذيه، وكان له خليل((449)) غائب عنه بالشام، فقالت قريش:
صبا عقبه. وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامراته: ما فعل
محمد مما كان عليه؟ فقالت: اشد مما كان امرا. فقال: ما فعل
خليلى عقبه؟ فقالت: صبا. فبات بليله سوء. فلمااصبح اتاه عقبه
فحياه فلم يرد عليه التحيه، فقال: ما لك لا ترد على تحيتى؟
فقال: كيف ارد عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال: او قد فعلتها
قريش؟ قال: نعم، قال: فما يبرى صدورهم ان انا فعلته؟ قال:
تاتيه فى مجلسه فتبزق فى وجهه وتشتمه باخبث ما تعلم من
الشتم، ففعل، فلم يرد رسولاللّه(ص) على ان مسح وجهه من
البزاق ثم التفت اليه فقال: ( ان وجدتك خارجا من جبال مكه
اضرب عنقك صبرا).
فلما كان يوم بدر وخرج اصحابه ابى ان يخرج، فقال له اصحابه:
اخرج معنا، قال: وعدنى هذا الرجل ان وجدنى خارجا من جبال
مكه ان يضرب عنقى صبرا، فقالوا: لك جمل احمر لا يدرك فلو
كانت الهزيمه طرت عليه. فخرج معهم، فلما هزم اللّه
المشركين وحمل((450)) به جمله فى جدود من الارض
فاخذه رسول اللّه (ص) اسيرا فى سبعين من قريش وقدم اليه
عقبه فقال: اتقتلنى من بين هولاء؟ قال: (نعم، بما بزقت فى
وجهى ). وفى لفظ الطبرى: (بكفرك وفجورك وعتوك على
اللّه ورسوله). فامر عليا فضرب عنقه فانزل اللّه فيه: (ويوم يعض
الظالم على يديه). الى قوله تعالى: (وكان الشيطان للانسان
خذولا).
وقال الضحاك : لما بزق عقبه رسول اللّه (ص) رجع بزاقه على
وجهه لعنه اللّهتعالى، ولم يصل حيث اراد فاحرق خديه وبقى اثر
ذلك فيهما حتى ذهب الى النار.
وفى لفظ: كان عقبه يكثر مجالسه رسول اللّه (ص)، واتخذ
ضيافه فدعا اليها رسول اللّه (ص) فابى ان ياكل من طعامه
حتى ينطق بالشهادتين ففعل، وكان ابى بن خلف صديقه
فعاتبه وقال: صبات يا عقبه، قال: لا ولكن آلى ان لا ياكل من
طعامى وهو فى بيتى فاستحييت منه فشهدت له، والشهاده
ليست فى نفسى، فقال: وجهى من وجهك حرام ان لقيت
محمدا فلم تطا قفاه وتبزق وجهه وتلطم عينه. فوجده ساجدا
فى دار الندوه ففعل ذلك، فقال النبى (ص): ( لا القاك خارجا
من مكه الا علوت راسك بالسيف ) الحديث. وقال الطبرى فى
تفسيره: قال بعضهم عنى بالظالم عقبه بن ابى معيط لانه ارتد
بعد اسلامه طلبا منه لرضا ابى بن خلف وقالوا: فلان هو ابى.
وروى عن ابن عباس انه قال: كان ابى بن خلف يحضر
النبى(ص) فزجره عقبه بن ابى معيط فنزل ( ويوم يعض الظالم
على يديه) الى آخره. قال: الظالم: عقبه وفلان: ابى. وروى مثله
عن الشعبى وقتاده وعثمان ومجاهد.
اخرج نزول الايات الكريمه (ويوم يعض الظالم) الى قوله:
(خذولا). فى عقبه، وان الظالم هو: ابن مردويه، وابو نعيم فى
الدلائل((451))، وابن المنذر، وعبدالرزاق فى
المصنف((452))، وابن ابى شيبه، وابن ابى حاتم، والفريابى،
وعبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن جرير.
راجع: تفسير الطبرى((453))، تفسير البيضاوى((454))،
تفسير القرطبى((455))، تفسير الزمخشرى((456))، تفسير
ابن كثير((457))، تفسير النيسابورى هامش الطبرى((458))،
تفسير الرازى((459))، تفسير ابن جزى الكلبى((460))، امتاع
المقريزى((461))، الدر المنثور للسيوطى((462))، تفسير
الخازن((463))، تفسير النسفى هامش الخازن((464))، تفسير
الشوكانى((465))، تفسير الالوسى((466)).
ولاده الوليد:
ولاده الوليد موضع خلاف بين المورخين، فمنهم من يقول انه
ولد قبل الفتح ومنهم من يقول انه ولد بعد الفتح. عن الوليد -
نفسه - قال: لما افتتح رسول اللّه(ص) مكه، جعل اهل مكه
ياتونه بصبيانهم، فيمسح على رووسهم ويدعو لهم بالبركه،
فاتى بى اليه وانا مخلق فلم يمسنى من اجل الخلوق((467)).
وهذه الروايه غير صحيحه، فاذا كان عام الفتح مخلق فكيف
بعثه النبى لجمع الصدقات من بنى المصطلق((468))؟
فولاده الوليد كانت قبل فتح مكه، وهذا مايذهب اليه ابن
عبدالبر فى استيعابه((469)).
اسلامه:
اسلم الوليد يوم فتح مكه مع من اسلموا، اسلم هو واخوه خالد
بن عقبه. قال ابن عبدالبر: (اظنه لما اسلم كان قد ناهز
الاحتلام)((470)) وروى الوليد حديثين((471))، احدهما
الروايه السابقه عن ولادته.
الوليد فى القرآن:
نزل فى الوليد عده آيات قرآنيه منها قوله تعالى: (يا ايها الذين
آمنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهاله
فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)((472)).
وسبب نزول هذه الايه: (ان رسول اللّه بعث الوليد بن عقبه الى
بنى المطلق فعاد فاخبر عنهم انهم ارتدوا ومنعوا الصدقه
وكانوا خرجوا يتلقونه وعليهم السلاح، فظن انهم خرجوا
يقاتلونه فرجع فبعث اليهم رسول اللّه(ص) خالد بن الوليد
فاخبره بانهم على الاسلام فنزلت هذه الايه)((473)) قال ابن
عبدالبر: (لاخلاف بين اهل العلم بتاويل القرآن انها نزلت فيه -
اى الوليد -)((474)).
وقال ابن كثير: (ذكر كثير من المفسرين ان هذه الايه نزلت فى
الوليد بن عقبه)((475)).
وقد اكد اللّه فسق الوليد فى آيه اخرى وهى قوله تعالى: (افمن
كان مومنا كمن كان فاسقا لا يستوون × اما الذين آمنوا وعملوا
الصالحات فلهم جنات الماوى نزلا بما كانوا يعملون × واما
الذين فسقوا فماواهم النار كلما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا
فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به
تكذبون)((476)).
اخرج((477)) الطبرى فى تفسيره((478)) باسناده عن عطاء
بن يسار، قال: كان بين الوليد وعلى كلام، فقال الوليد: انا ابسط
منك لسانا، واحد منك سنانا، وارد منك للكتيبه. فقال على:
(اسكت فانك فاسق). فانزل اللّه فيهما: (افمن كان مومنا كمن
كان فاسقا) الايه.
وفى الاغانى((479))، وتفسير الخازن((480)): كان بين على
والوليد تنازع وكلام فى شىء، فقال الوليد لعلى: اسكت فانك
صبى وانا شيخ، واللّه انى ابسط منك لسانا، واحد منك سنانا،
واشجع منك جنانا، واملا منك حسوا فى الكتيبه. فقال له على:
(اسكت فانك فاسق). فانزل اللّه هذه الايه.
واخرج الواحدى باسناده من طريق ابن عباس فى اسباب
النزول((481))، ومحب الدين الطبرى فى الرياض((482)) عن
ابن عباس وقتاده من طريق الحافظين السلفى والواحدى،
وفى ذخائر العقبى((483))، والخوارزمى فى
المناقب((484))، والكنجى فى الكفايه((485))، والنيسابورى
فى تفسيره((486))، وابن كثير فى تفسيره قال: ذكر عطاء بن
يسار والسدى وغيرهما: انها نزلت فى على بن ابى طالب وعقبه
- فيه تصحيف لا يخفى - ورواه جمال الدين الزرندى فى نظم
درر السمطين((487)).
وذكره ابن ابى الحديد فى شرح النهج((488)) وحكى عن
شيخه: انه من المعلوم الذى لا ريب فيه لاشتهار الخبر به،
واطباق الناس عليه.
واخرجه السيوطى فى الدر المنثور((489)) وقال: اخرج ابو
الفرج فى الاغانى، والواحدى، وابن عدى، وابن مردويه،
والخطيب، وابن عساكر((490))، من طرق عن ابن ابى حاتم
عن السدى(ع) مثله. واخرج ابن ابى حاتم عن عبداللّه بن ابى
ليلى(ع). واخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن
عباس. وذكره الحلبى فى السيره((491)).
وفى هذه الحادثه يقول حسان بن ثابت:
انزل اللّه والكتاب عزيز
فى على وفى الوليد قرانا
فتبوا الوليد من ذاك فسقا
وعلى مبوا ايمانا
ليس من كان مومنا عرف اللّه
كمن كان فاسقا خوانا
فعلى يلقى لدى اللّه عزا
ووليد يلقى هناك هوانا
سوف يجزى الوليد خزيا ونارا
وعلى لا شك يجزى جنانا
ذكر هذه الابيات ابو المظفر سبط ابن الجوزى الحنفى فى
تذكرته((492))، والكنجى الشافعى، فى كفايته((493))، وابن
طلحه الشافعى، فى مطالب السوول ((494))وقال: فشت هذه
الابيات من قول حسان، وتناقلها سمع عن سمع ولسان عن
لسان ورواها له ابن ابى الحديد فى شرح نهج البلاغه((495))
وفيه بعد البيت الثالث:
سوف يدعى الوليد بعد قليل
وعلى الى الحساب عيانا
فعلى يجزى بذاك جنانا
ووليد تجزى بذاك هوانا((496))
رب جد لعقبه بن ابان
لابس فى بلادنا تبانا((497))
وذكرها له نقلا عن شرح النهج الاستاذ احمد زكى صفوت فى
جمهره الخطب((498)).
وبعد نزول الايه السابقه صار الوليد لا يعرف الا بالوليد
الفاسق((499)).
الاستهانه بقول الرسول:
كان الوليد يستهين باوامر الرسول ويعصيه علنا حتى دعا عليه
بنى اللّه.
عن على(ع): ان امراه الوليد بن عقبه جاءت الى النبى(ص)
تشتكى اليه الوليد، وقالت: انه يضربها، فقال لها: ارجعى اليه
وقولى له: ان رسول اللّه قد اجارنى، فانطلقت، فمكثت ساعه،
ثم رجعت فقالت: انه ما اقلع عنى، فقطع رسول اللّه(ص) هدبه
من ثوبه وقال: اذهبى بها اليه وقولى له: ان رسول اللّه قد
اجارنى، فانطلقت فمكثت ساعه ثم رجعت فقالت: ما زادنى الا
ضربا، فرفع رسول اللّه(ص) يده ثم قال: اللهم عليك بالوليد
مرتين او ثلاثا((500)).
من للصبيه:
لما اخذ عقبه والد الوليد ليضرب عنقه قال: من للصبيه يا
محمد؟ فقال: (النار، اضربوا عنقه).
فبين النبى(ص) ان ابناء عقبه فى النار، وقد كان الوليد فى بدر
صبيا.
بغض الوليد لال البيت:
جاء فى شرح النهج: (ان الوليد بن عقبه بن ابى معيط كان
يبغض عليا ويشتمه...
وكان الوليد مذموما معيبا عند رسول اللّه(ص) يشنوه ويعرض
عنه، وكان الوليد يبغض رسول اللّه(ص) ويشنوه وابوه عقبه بن
ابى معيط هو العدو الازرق بمكه، والذى كان يوذى رسول
اللّه(ص) فى نفسه واهله، واخباره فى ذلك مشهوره، فلما ظفر
به يوم بدر ضرب عنقه. وورث ابنه الوليد الشنان والبغضه
لمحمد(ص) واهله، فلم يزل عليهما الى ان مات...
عن مغيره الضبى قال: مر ناس بالحسن بن على(ع)، وهم
يريدون عياده الوليد بن عقبه، وهو فى عله له شديده، فاتاه
الحسن(ع) معهم عائدا، فقال للحسن: اتوب الى اللّه تعالى مما
كان بينى وبين جميع الناس، الا ما كان بينى وبين ابيك، فانى
لا اتوب منه((501)). وقال الوليد لعقيل بن ابى طالب فى
مجلس معاويه (... وان اخاك - يقصد عليا لاشد هذه الامه
عذابا)((502))!!
ان من اساب بغض الوليد لعلى هو ضربه اياه الحد فى ولايه
عثمان وقتله اباه. اجل بقى على بغض على(ع) والنبى يقول: (يا
على لا يحبك الا مومن، ولا يبغضك الا منافق)((503)).
اماره الكوفه
قلنا ان عثمان قرب بنى اميه وخاصه اقرباءه، واغدق عليهم
الاموال، وقسم عليهم الولايات الاسلاميه، وكان نصيب الوليد
الكوفه، حيث عزل عثمان سعد بن ابى وقاص وولى مكانه
الوليد.
ولما قدم الوليد بن عقبه اميرا على الكوفه اتاه ابن مسعود،
فقال: ما جاء بك : قال: جئت اميرا، فقال ابن مسعود: ما ادرى
اصلحت بعدنا ام فسد الناس((504))؟!
وكانت ولايه الوليد على الكوفه سنه خمس وعشرين للهجره،
وكان فيها ما كان مما سنذكر بعضه.
هبه الخليفه عثمان للوليد من مال
المسلمين((505)):
اعطى الوليد بن عقبه بن ابى معيط بن ابى عمرو بن اميه اخا
الخليفه من امه ما استقرض عبداللّه بن مسعود من بين مال
المسلمين ووهبه له. قال البلاذرى فى الانساب((506)): لما
قدم الوليد الكوفه الفى ابن مسعود على بيت المال فاستقرضه
مالا وقد كانت الولاه تفعل ذلك ثم ترد ما تاخذ، فاقرضه عبداللّه
ما ساله، ثم انه اقتضاه اياه، فكتب الوليد فى ذلك الى عثمان،
فكتب عثمان الى عبداللّه بن مسعود: انما انت خازن لنا فلا
تعرض للوليد فيما اخذ من المال. فطرح ابن مسعود المفاتيح
وقال: كنت اظن انى خازن للمسلمين، فاما اذا كنت خازنا لكم
فلا حاجه لى فى ذلك، واقام بالكوفه بعد القائه مفاتيح بيت
المال.
وعن عبداللّه بن سنان قال: خرج علينا ابن مسعود، ونحن فى
المسجد، وكان على بيت مال الكوفه، وفى الكوفه الوليد بن
عقبه بن ابى معيط فقال: يا اهل الكوفه فقدت من بيت مالكم
الليله مائه الف لم ياتنى بها كتاب امير المومنين، ولم يكتب لى
بها براءه. قال: فكتب الوليد بن عقبه الى عثمان فى ذلك فنزعه
عن بيت المال. العقد الفريد((507)).
الوليد فى الكوفه:
كانت للوليد اعمال فى الكوفه جعلت الناس ينقمون عليه،
فحينما قدم الكوفه قدم عليه ابو زبيد - نديمه النصرانى -
فانزله دار عقيل بن ابى طالب على باب المسجد، وهى التى
تعرف بدار القبطى، فكان مما احتج به عليه اهل الكوفه ان ابا
زبيد كان يخرج اليه من داره وهو نصرانى يخترق المسجد
فيجعله طريقا.
وكان ابو زبيد هذا يسمر عند الوليد ويشرب معه، وقد اقتطع
الوليد الحمى - وهى ما بين القصور الحمر من الشام، الى
القصور الحمر من الحيره والتى كانت بيد مرى بن اوس
اقتطعها منه واعطاها لابى زبيد((508)).
وقد اختص الوليد ساحرا يهوديا كاد يفتن الناس، وكان يريه
كتيبتين تقتتلان فتحمل احداهما على الاخرى فتهزمها، ثم
يقول له: ايسرك ان اريك المنهزمه تغلب الغالبه فتهزمها؟
فيقول: نعم، فجاء جندب الازدى مشتملا على سيفه، فقال:
افرجوا لى، فافرجوا فضربه حتى قتله، فحبسه الوليد قليلا ثم
تركه.
وروى ان جندبا لما قتل الساحر حبسه الوليد، فقال له دينار بن
دينار: فيما حبست هذا وقد قتل من اعلن بالسحر فى دين
محمد(ص)؟ ثم مضى اليه فاخرجه من الحبس، فارسل الوليد
الى دينار ابن دينار فقتله((509)).
امام الصلاه سكران!!
اخرج((510)) البلاذرى فى الانساب((511)) من طريق محمد
بن سعد، بالاسناد عن ابى اسحاق الهمدانى: ان الوليد بن عقبه
شرب فسكر فصلى بالناس الغداه ركعتين((512)) ثم التفت
فقال: ازيدكم؟ فقالوا: لا قد قضينا صلاتنا، ثم دخل عليه بعد
ذلك ابو زينب وجندب بن زهير الازدى وهو سكران فانتزعا
خاتمه من يده وهو لا يشعر سكرا.
قال ابو اسحاق: واخبرنى مسروق انه حين صلى لم يرم حتى
قاء، فخرج فى امره الى عثمان اربعه نفر: ابو زينب، وجندب بن
زهير، وابو حبيبه الغفارى، والصعب بن جثامه، فاخبروا عثمان
خبره، فقال عبدالرحمن بن عوف: ماله؟ اجن؟ قالوا: لا، ولكنه
سكر. قال: فاوعدهم عثمان وتهددهم، وقال لجندب: انت رايت
اخى((513)) يشرب الخمر؟ قال. معاذ اللّه، ولكنى اشهد انى
رايته سكران يقلسها من جوفه، وانى اخذت خاتمه من يده وهو
سكران لا يعقل.
قال ابو اسحاق: فاتى الشهود عائشه فاخبروها بما جرى بينهم
وبين عثمان، وان عثمان زبرهم، فنادت عائشه: ان عثمان
ابطل الحدود وتوعد الشهود.
وقال الواقدى: وقد يقال: ان عثمان ضرب بعض الشهود
اسواطا، فاتوا عليا فشكوا ذلك اليه. فاتى عثمان فقال: (عطلت
الحدود وضربت قوما شهدوا على اخيك فقلبت الحكم، وقد
قال عمر: لا تحمل بنى اميه وآل ابى معيط خاصه على رقاب
الناس) قال: فما ترى؟ قال: (ارى ان تعزله ولا توليه شيئا من
امور المسلمين، وان تسال عن الشهود فان لم يكونوا اهل ظنه
ولا عداوه اقمت على صاحبك الحد).
قال: ويقال: ان عائشه اغلظت لعثمان واغلظ لها، وقال: وما انت
وهذا؟ انما امرت ان تقرى فى بيتك . فقال قوم مثل قوله: وقال
آخرون: ومن اولى بذلك منها، فاضطربوا بالنعال، وكان ذلك
اول قتال بين المسلمين بعد النبى (ص).
|
|---|