«دراسات فى علم الاصول »
 
(الجزء الاول)

تاليف: آيه اللّه السيد على الشاهرودى (قدس)
 
موسسه دائره المعارف الفقه الاسلامى.


الناشر: موسسه دائره المعارف الفقه الاسلامى.

سنه الطبع: ربيع الاول 1418 هـ.

كلمه الموسسه

 الحمد للّه رب العالمين والصلاه و السلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
 

ان من ابرز خصائص التشريع الاسلامى الخالد هى خصيصه السعه والشمول والمرونه وامتداد آفاقه، فما من صغيره ولا كبيره فى حياه الفرد والدوله والمجتمع الا وتناولها التشريع الاسلامى فنظمها، وحدد الموقف منها. غير ان احكام الشريعه ليست بمستوى واحد من الوضوح والصراحه فى مصادرها وادلتها، مماتطلب عمليه الاجتهاد والاستنباط، وقدر مرت هذه الممارسه العلميه كغيرها من الاعمال العلميه بمراحل تطور، وتفاعل فكرى متواصل، وكان لابد لاى عمل علمى كالاجتهاد فى الشريعه من ضوابط ومنهج علمى ينظم عمليات الاجتهادوالاستنباط، فوضع المسلمون علم اصول الفقه بشكله المبرمج المنظر. وكان اول من وضع اسس هذا العلم هما الامامان الباقر وولده الصادق عليهما السلام وقدجمع ما ورد عنهما فى هذا المجال وبوب وفق مباحث علم الاصول فيى كتب مثل:(اصول آل الرسول) و (الاصول الاصليه) وغيرهما.

واول من دون فى هذا العلم من علماء الشيعه الاماميه تدوينا متكاملا ومنظرا هو الشيخ المفيد - اعلى اللّه مقامه - المتوفى (413ه) وقد سبقه بعض من كتب فى هذا العلم من اصحاب الائمه عليهم السلام كهشام بن الحكم الذى كتب فى مباحث الالفاظ، ويونس بن عبدالرحمن الذى كتب كتاب (اختلاف الحديث) وكان محمد بن ادريس الشافعى المتوفى (204ه) اول من صنف فى هذا العلم من علماء المدرسه السنيه، مع التسليم بان عمليات الاستنباط فيى مراحلها الاولى كانت تجرى بعفويتها وفق اسس اصوليه.

وعلم اصول الفقه هو علم الاستنباط او منطق الفقه كما يعبر عنه بعض العلماءوعبر قرون عديده بلغ هذا العلم فى مدرسه الشيعه الاماميه اوجه ورقيه.

وقد شهد القرن الاخير نضجا اصوليا فذا وآراء ونظريات اصوليه عملاقه كشفت عن عبقريه العقل الاصولى فى المدرسه الاماميه.

ومن جمله العلماء والمحققين الذين كان لهم الدور البارز فى خدمه هذه المدرسه الاصوليه وتنضيجها وتطوير نظرياتها سماحه آيه اللّه العظمى السيد ابو القاسم الخوئى (قدس سره) والذى تزعم الحوزه العلميه فى النجف الاشرف قرابه نصف قرن وكان من ابرز اساتذتها، وقد تخرج على دروسه فى البحث الخارج المئات من العلماء والمجتهدين كما وقررت آراوه وابحاثه فى الفقه والاصول من قبل جمله من كبار تلامذته ضمن دورات عديده. وقد كان اول تقريرات بحثه على يدالمرحوم آيه اللّه السيد على الشاهرودى (قدس  سره) والذى كان من كبار تلامذته الاوائل تحت عنوان (دراسات فى علم الاصول) طبع منه الجزء الثالث قبل اربعين عاما فى النجف الاشرف، مع تقريرات اخرى له ايضا فى فقه المعاملات طبعت تحت عنوان (محاضرات فى الفقه الجعفرى) وقد كان هذا التقرير متميزافريدا فى نوعه وكان موضع اعتماد واقرار واشاده من قبل الجميع وبالاخص من قبل استاذه السيد الخوئى (قدس  سره)، كما يظهر من تقريظه للتقريرين المطبوعين طبعتهما الاولى وقتئذ.

وموسسه دائره المعارف اذ تقوم اليوم بطبع ونشر كامل هذا التقرير باجزائه الاربعه - بعد ان اتحفنا نجل المرحوم المقرر سماحه آيه اللّه السيد الهاشمى (دام ظله)رئيس الموسسه - انما تساهم فى خدمه العلم وحفظ هذه الثروه الفكريه والعلميه لابناء هذه المدرسه وتخليد امجادها.

نسال المولى جل شانه ان يتقبل هذا العمل ويوفقنا للسداد انه
سميع مجيب، وآخردعوانا ان الحمد للّه رب العالمين. تمهيد الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد وآله، واللعنه على اعدائهم اجمعين.

غير خفى ان المتكفل للبحث عن المبدا والمعاد وما يتعلق بالاعتقاديات هو علم الكلام، كما ان المتكفل لما يتعلق بالعمل من الاحكام هو علم الفقه، والمتكفل لتنقيح مبانيه هو علم الاصول، فلابد للفقيه من البحث عنه اما فى مقدمه الفقه كماكان عليه داب الفقهاء قبل زمان الشيخ الطوسى، واما مستقلا كما هو المتعارف فى زماننا، وليس التعرض له مستقلا من البدعه كما توهم، فمن لم يجتهد فى المباحث الاصوليه، لا يكون مجتهدا، بل هو مقلد ناقل للمسائل ولو كان قادرا على تطبيق القواعد الفرعيه، وبهذا ظهرت اهميه علم الاصول.

ثم فى الاصول، تاره: يبحث عن الحكم المتعلق بالشىء بلحاظ الشك فى الواقع ،ويعبر عن دليله بالدليل الفقاهتى والاصل العملى، وسياتى بيان وجه التسميه.

واخرى: يبحث فيه عن لوازم الحكم الواقعى عقلا من دون نظر الى الالفاظ اصلا، كمبحث مقدمه الواجب وبحث النهى عن الضد، ومساله اجتماع الامر والنهى، وتسمى بالمباحث العقليه، وكان المناسب ان يبحث عنها مستقلا فى باب مخصوص ولا يدرج فى مباحث الالفاظ.

وثالثه: يبحث عن ظهورات الالفاظ عرفا، اما اللفظ الواحد كبحث الاوامروالنواهى، واما اكثر كالبحث عن المطلق والمقيد، وما يفهم منهما عرفا من حمل المطلق على المقيد، او حمل المقيد على الفرد الافضل، وبحث العام والخاص.

ورابعه: يبحث عن دليليه الدليل، كالبحث عن حجيه الخبر وحجيه الظواهروالشهره وامثال ذلك.

وخامسه: فى علاج التعارض بين الادله ويسمى بمساله التعادل والتراجيح.

هذا وقد جرت سيره الاعلام سيما المتاخرين منهم على البحث اولا فى مبادى علم الاصول عن تعريفه وبيان موضوعه، والبحث عن الحقيقه الشرعيه، والصحيح والاعم، وبيان حقيقه الوضع، والبحث عن المشتق ونحوه، فتكون مقدمه لهذاالعلم.

والكلام فيها يقع فى امور، ثم نتكلم فى المقاصد.

الامر الاول: بيان موضوع علم الاصول
عرف موضوع العلم بانه ( ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيه دون الغريبه ).ولتوضيح ذلك لابد من التكلم فى جهات ثلاث:


احداها: هل تتوقف علميه كل علم على ان يكون له موضوع
جامع لموضوعات مسائله؟ ثانيها: فى الفرق بين العوارض الذاتيه والغريبه.
ثالثها: على تقدير ثبوت الموضوع للعلم هل يلزم ان يكون
البحث فى مسائله عن عوارض الموضوع الذاتيه فقط، او يبحث فيها عن عوارضه الغريبه ايضا؟ الجهه الاولى: استدلوا على توقف كل علم على موضوع بما برهنوا عليه فى الفلسفه العاليه من ان الواحد لا يصدر الا عن الواحد، والا لزم توارد علتين على معلول واحد، وطبقوه على المقام بدعوى: ان الغرض المترتب على كل علم غرض واحد، ويستحيل ان يكون معلولا لمسائله المتباينه بما هى متباينه، فلابد وان يكون بينها جهه جامعه، بها تكون موثره فيه.

وفيه: بعد تسليم اصل البرهان فى محله، لا وجه لتطبيقه على المقام، لانه:

اولا: اخص من المدعى، اذ لا ملزم لان يكون فى كل علم غرض مباين لنفس العلم وجودا مترتبا عليه ترتب المعلول على علته او المقتضى على مقتضيه، اوالمشروط على شرطه، بل ربما لا يكون الغرض من العلم الا نفس المعرفه وكمال النفس، كما فى التاريخ ونحوه، ولا يستلزم ذلك كون البحث عنه سفهيا كما هوظاهر.

وثانيا: ان البرهان على فرض صحته انما يصح فيما اذا كان الصادر واحدا شخصيا، واما الواحد النوعى فمن البديهى انه يصدر كل فرد منه من عله مستقله ليس بينها جامع فى العليه، كالحراره الناشئه من النار تاره ومن الشمس او الغضب اوالحركه اخرى.

وقد ذكرنا فى بحث التجزى((1)) من الاجتهاد ان القدره على استنباط كل حكم ملكه مباينه مع القدره على استنباط حكم آخر، فليس هناك غرض واحديستكشف من وحدته وجود موضوع جامع بين موضوعات المسائل.

وثالثا: لو سلمنا ان هناك غرضا واحدا شخصيا، فمع ذلك نقول: انه انما يلزم الاشكال فيما لو كان ذاك الغرض الواحد الشخصى مترتبا على كل واحد من المسائل مستقلا، واما اذا فرضنا ان العله لتحققه مجموع المسائل من حيث المجموع، كالمصلحه فى الصلوه المترتبه على مجموع اجزائها التى لا يعقل وجودالجامع بينها، فلا يلزم عندئذ من عدم وجود الجامع بين موضوعات المسائل محذورا اصلا، لان المجموع سوف يكون عله واحده وكل واحد منها يكون جزء العله.

ورابعا: ان المسائل بوجوداتها الواقعه فى الوعاء المناسب لها لا تكون عله لحصول الغرض، والا لزم ان يكون كل احد قادرا على حفظ اللسان عن الخطا ،او على الاستنباط فعلا.

وبعباره اخرى: لزم ان يكون الغرض من كل علم حاصلا لكل احد، ويكون كل شخص عالما بكل علم فالعله وعليه انما هى معرفه المسائل والعلم بها، فلابد من تصوير الجامع بين افراد العلم، ولولا ذلك كان لابد من تصوير الجامع بين محمولات المسائل والنسب ايضا لا خصوص موضوعاتها، وذلك واضح.

وخامسا: انا نرى بالوجدان استحاله تصوير الجامع بين موضوعات مسائل كثيرمن العلوم.

فمثلا فى علم الفقه ربما يبحث عن الامر العدمى، واخرى عن الوجودى، وعن الجواهر تاره، وعن الاعراض الحقيقيه الداخله تحت المقولات التسع العرفيه اخرى، وعن الامور الاعتباريه كالغصب مثلا ثالثه، ومن الواضح انه لا جامع بين شىء من هذه الامور.

فما ذكره بعض من ان موضوع الفقه هو فعل المكلف خطا ظاهر، اذ البحث عن طهاره كثير من الجواهر كالمياه وغيرها، ومبحث الارث والضمان من مباحث الفقه ومسائله مع ان الموضوع فيها ليس فعل المكلف كما لا يخفى.

وبالجمله فلا وجه للزوم وجود الموضوع للعلم اصلا.

وبهذا ظهر انه لا وجه لما قيل من ان تمايز العلوم انما يكون بتمايز موضوعاتها،بل ربما يكون بذلك كما لو فرضنا ان المدون اراد البحث عن تاريخ نبى او وصى خاص مثلا، وربما يكون بتمايز المحمول ووحدته كما لو فرضنا انه اريدالبحث عن المتحرك مثلا، فانه يبحث حينئذ عن الاين والمتى والكيف وغيرهامما هو معروض الحركه، فالموضوعات متغايره الا ان المحمول يكون واحدافتميز هذا العلم يكون بوحده المحمول، وثالثه: يكون بالاعراض كما هوالغالب مثلا ياخذ المدون فى نظره فائده خاصه، فيتعرض لكل مساله يكون لهادخل فى تلك الفائده، ولو لم يكن بينها جامع اصلا كما فى علم الاصول والفقه ،فان غرض الاصولى انما هو البحث عن كل ماله دخل قريب فى الاستنباط، وغرض الفقيه البحث عن كل ما يكون مقربا الى المولى ومبعدا عنه، ولذا يبحث فيهما عن ذلك مع انه لا جامع بين مسائلهما اصلا لا موضوعا ولا محمولا.

الجهه الثانيه: قسم اللواحق والمحمولات الى الذاتى وغير الذاتى. وقد وقع هذاالتقسيم فى باب الكليات تاره، وفى كتاب البرهان اخرى.

اما الذاتى فى باب الكليات فالمراد منه ما يكون مقوما للشىء، وهو اما يكون مشتملا على ما به الاشتراك وما به الامتياز معا ويسمى بالنوع، او على خصوص ما به الاشتراك ويسمى بالجنس، او خصوص ما به الامتياز ويعبر عنه بالفصل.

وفى مقابل الذاتى بهذا المعنى العرض، ويقسم الى الخاص والعام، والمقسم لهذاالتقسيم مطلق اللاحق والمحمول على الشىء الاعم من ان يكون من مقوماته او لا.

واما ذاتى باب البرهان فهو: العارض الذى ينتزع من مقام ذات الموضوع ويكون وضعه كافيا فى حمل المحمول عليه.

وبعباره اخرى: ما يكون بين الثبوت له: كما اشير اليه فى المنظومه بقوله:

( ذاتى شىء بين الثبوت له )((2)) كالامكان للماهيات الممكنه، والزوجيه بالقياس الى الاربعه.

فان العقل بمجرد وضع الانسان مثلا يحكم بتساوى نسبه الوجود والعدم اليه وهكذا فى الاربعه حيث ينتزع العقل منها الزوجيه من دون حاجه الى لحاظ شىءآخر معه.

وفى مقابله ما لا يكون بين الثبوت ولا يكفى مجرد وضع الشىء فى انتزاعه عنه كالقائم مثلا، والمقسم فى هذا التقسيم خصوص العوارض.

واما الذاتى فى المقام فليس المراد منه ذاتى باب الكليات، لوضوح ان محمولات المسائل ليست جنسا للموضوع ولا فصلا له، ولا ذاتى باب البرهان، اذ ليست المحمولات بينه الثبوت للموضوع باجمعها، بل المراد منه ما يكون عروضه بلاواسطه، وفى مقابله الغريب اى ما يكون عروضه مع الواسطه.

فالمقسم لهذا التقسيم انما هو خصوص العوارض لا الذاتيات.

ثم انه ليس المراد من الواسطه فى المقام الواسطه فى الثبوت اى عله الوجود، لان المحمولات فى مسائل غالب العلوم تكون حادثه ومحتاجه الى العلم.

نعم ربما يكون ثبوت بعض المحمولات، لموضوعاتها غير محتاج اليها كجمله من مباحث الفلسفه العاليه، فمثلا ثبوت الامكان للماهيات غير محتاج الى العله والواسطه فى الثبوت، الا انه فى الغالب تكون محتاجه اليها.

ولا الواسطه فى الاثبات اى عله العلم بالشىء، فان مسائل العلوم غالبا لا تكون من البديهيات، والا لعرفها كل احد.

بل المراد من الواسطه هو الواسطه فى العروض، فان اسناد جمله من المحمولات الى بعض الموضوعات يكون اسنادا حقيقيا، والى البعض الاخر اسنادا مجازيا، كمافى اسناد المناعه الى زيد فى قولك ( ازيد منع جاره ) مثلا، نعم اسناد مناعه الجاراليه يكون حقيقيا.

وقد قالوا: بانه لابد وان يكون البحث فى كل علم عن عوارض موضوعه التى تكون من قبيل الاول دون الثانى، ولذا لو فرضنا ان الموضوع لعلم كان هوالميزاب فالبحث عن الجريان فى ذلك العلم لا يكون من مسائله، لان اسنادالجريان الى الميزاب يكون مجازيا والى غير من هو له.

وبالجمله نقول فى بيان العرض الذاتى والغريب: انه تاره:

يعرض الشىء على موضوع بلا واسطه فى العروض اصلا كعروض العلم والادراك على النفس الناطقه، وهذا يكون عرضا ذاتيا بلا اشكال.

واخرى: يكون مع الواسطه، والواسطه هذه تكون على سته اقسام، لانها:

اما ان تكون امرا داخليا اخص، كعوارض الفصل بالنسبه الى النوع فتامل، مثل اسناد الادراك الى الانسان بواسطه النفس الناطقه. واما اعم كعوارض الجنس بالقياس الى النوع، كما لو اسند عارض الجسم الى الانسان من الطول والعرض مثلا.

واما ان تكون الواسطه امرا خارجيا، او مباينا للموضوع، او مساويا، او اعم ، او اخص، فهذه اقسام سته.

اما ما يكون عروضه بواسطه امر داخلى اخص فقد تسالموا على كونه ذاتيا،فالعلم عرض ذاتى للانسان.

كما انهم تسالموا على ان ما يكون عروضه بواسطه امر خارج مباين يكون غريبا.

واما ما يكون بواسطه امر داخلى اعم، كعوارض الجنس بالقياس الى النوع، فقدوقع الخلاف فى كونه ذاتيا او غريبا، وذهب الى كل من الامرين فريق.

واما ما يكون بواسطه امر خارج مساو، او اعم، او اخص، فقد تسالموا على كونه غريبا، وان وقع الخلاف ايضا فى خصوص المساوى.

ولا يخفى انه لا ثمره فى البحث عن ذلك وتحقيقه.

الجهه الثالثه: فى الاشكال المعروف وهو ان موضوعات المسائل غالبا تكون اخص من موضوعات العلوم، فمثلا موضوع النحو هو الكلمه وموضوعات مسائله هو الفاعل والمفعول والحال والتمييز، وهى اخص من الكلمه، ونسبتهااليها نسبه النوع الى الجنس او الصنف الى النوع، وهكذا فى الفقه فان الوجوب مثلا يعرض الصلوه ويحمل عليها حقيقه، ولا معنى لان يقال: فعل المكلف واجب مثلا الا مسامحه، حيث تكون عوارضها ومحمولاتها عوارض عرفيه لموضوع العلم، مع انهم تسالموا على ان العارض بواسطه امر خارج اخص يكون من العوارض الغريبه، فكيف يجمع ذلك مع اتفاقهم على ان البحث فى العلم لابد وان يكون عن العوارض الذاتيه لموضوعه ؟! هذا ما يقع فى اغلب العلوم.

واما فى خصوص علم الاصول فالامر بالعكس، لان عروض محمولاته على موضوعه يكون بواسطه امر داخلى اعم فان موضوع علم الاصول هو الادله ،وموضوعات مسائله هى الامر والنهى ونحو ذلك، ومن الواضح انها اعم منها ،ونسبتها الى الدليل نسبه الجنس الى النوع.

وعليه، فان قلنا: بان العارض بواسطه الامر الداخل الاعم يكون ذاتيا انتفى الاشكال بلحاظ هذا العلم، والا فتجرى فيه ايضا هذه الشبهه كما فى غيره من العلوم، فيكون الكل من واد واحد.

وقد ذهب الاصحاب فى الجواب عنها يمينا وشمالا، ولم يات احد منهم بما يشفى الغليل اصلا فانه بعد اتفاقهم على انه لابد وان تكون محمولات المسائل عوارض ذاتيه لموضوع العلم، واتفاقهم على ان العارض بواسطه امر خارج اخص من العوارض الغريبه وقعوا فى الاشكال، فان محمولات المسائل فى غالب العلوم انماتعرض لموضوعها بواسطه امر خارج اخص الا ما شذ وندر.

وقد اجيب عنه بوجوه، نقتصر على ذكر واحد منها وهو ما افاده المحقق النائينى ،ولا يبعد ان يكون احسنها.

وحاصل ما افاد((3)): ان الاشكال انما كان واردا لو كان الموضوع فى العلوم غيرمقيد بالحيثيه، كما لو قلنا ان الموضوع فى النحو والصرف نفس الكلمه والكلام ،وفى الفقه عنوان فعل المكلف، بينما ليس الامر كذلك، بل الموضوع فى كل علم يكون مقيدا بالحيثيه، لوضوح انه فى الفقه مثلا لا يبحث عن فعل المكلف من جميع حيثياته كحيثيه كونه من اى المقولات ؟! وكذا الحال فى مثل النحو والصرف فانه يبحث عن حيثيه الاعراب والبناء فى الاول وعن حيثيه الصحه والاعلال فى الثانى.

اذن فالموضوعات دائما تكون مقيده بالحيثيات، وما يكون للقيد والحيثيه يثبت للمقيد بها لا محاله، كما نرى وجدانا ان المقيد بالممتنع يكون ممتنعا، مثلا الانسان الفاعل والتارك فى آن واحد يكون ممتنعا لامتناع قيده، والحيثيات الماخوذه فى موضوعات العلوم تكون امورا انتزاعيه من موضوعات المسائل.

والامور الانتزاعيه كالاعتباريه - ولا فرق بينهما فيما نحن فيه وان كان بينهما فرق ،ولعلنا نتعرض لذلك فى طي بعض المباحث - تكون على نحو بسائط ذهنيه وخارجيه، خلافا للجواهر والاعراض.

فان الجوهر يكون مركبا خارجا من الماده والصوره، ولذا نرى بقاء الماده فيه وانقلاب صورته النوعيه كما فى الكلب الواقع فى المملحه، وهذا يكشف عن تركبه خارجا ويكون مركبا ذهنا من الجنس والفصل، فان العقل يحلله اليهما.

والاعراض وان كانت بسائط خارجيه وغير مركبه من الماده والصوره، ولذا لايعقل بقاء ماده القيام وتبدد صورته بالقعود، بل اذا قعد القائم مثلا ينعدم ذاك العرض باسره ويوجد عرض آخر، ولكنها مركبات ذهنيه ويحللها العقل الى الجنس والفصل كما هو واضح.

واما الامر الانتزاعى والاعتبارى فهو نحو وجود ضعيف بسيط خارجا وذهنا ،وعليه فيكون المقيد بالامر الانتزاعى بسيطا انتزاعيا لا محاله، ويكون ما به الامتياز فيه عين ما به الاشتراك.

وحيث ان الامر الانتزاعى متحد مع منشا انتزاعه بمعنى انه لا وجود للامرالانتزاعى الا بوجود منشائه، فلا محاله ترتفع اخصيه موضوعات المسائل عن موضوع العلم من البين، ولا تكون نسبه موضوع العلم الى موضوعات مسائله نسبه الجنس الى النوع، فيندفع الاشكال.

وفيه: مع كونه امتن الوجوه المذكوره فى المقام.

اولا: ان الحيثيه لا تكون قيدا للموضوع وانما هى جهه البحث، والموضوع ذوات تلك العناوين، مثلا يبحث عن الدار تاره من حيث مساحتها، واخرى من حيث قيمتها، وثالثه من حيث طول جدرانها، والموضوع فى الجميع نفس الداروحيثيه البحث تختلف. وفى علم النحو مثلا يبحث عن الكلمه والكلام، وحيثيه البحث هى الاعراب والبناء لا الفصاحه والبلاغه، وهكذا فى الفقه وغيره.

وثانيا: لو سلمنا ان الحيثيه تكون قيد الموضوع ولكن ان جعلنا المقيد بالحيثيه معرفا محضا لموضوعات المسائل وعنوانا مشيرا اليها، ففى الحقيقه لا يكون ذلك جامعا بين موضوعات المسائل، فمرجعه الى انكار موضوع العلم راسا.

وان جعلناه جامعا حقيقيا بان يكون كليا وتكون موضوعات المسائل افراده ومصاديقه لا معرفا محضا كما فى جميع موارد الكلى وافراده غايه الامر انه كلى انتزاعى لتقيده بامر انتزاعى، فيكون الاشكال حينئذ اشد، وذلك لان المحمولات حينئذ تكون عارضه له بواسطه امر اخص، فاذا كان العارض بواسطه النوع للجنس غريبا مع ان الجنس متحد مع النوع ذاتا وخارجا فبطريق اولى يكون العارض بواسطه النوع عرضا غريبا للعنوان الانتزاعى، لان اتحاده مع منشا انتزاعه يكون اضعف من اتحاد الجنس مع النوع.

وثالثا: المقيد بالامر الانتزاعى لا يكون انتزاعيا ولا يثبت كل ما للقيد للمقيد ،نعم خصوص امتناع القيد يسرى الى المقيد، والمقيد بالممتنع يكون ممتنعا، ولايقاس عليه سائر الخصوصيات كالبساطه والانتزاعيه، والشاهد عليه: ان الانسان المقيد بالقيام، او الغرفه المقيده بالفوقيه، او الدار المقيده بالملكيه لاتكون بسيطه ولا انتزاعيه مع تقيدها بالامور الانتزاعيه، وهذا ظاهر.

ورابعا: سلمنا ان الامر الانتزاعى والمقيد به اعنى موضوع العلم بسيط، ولكن من الواضح ان موضوعات المسائل لا تكون كذلك، فالموضوع فى قولك ( كل فاعل مرفوع ) هو عنوان الفاعل وهكذا فى ( كل مفعول منصوب ) وكذلك الموضوع للوجوب هو عنوان الصلاتيه وموضوع الحرمه هو الغيبه بهذا العنوان ،وموضوع الاباحه شرب الماء بهذا العنوان، وليس الفعل الجامع بين هذه العناوين موضوعا لحكم اصلا، ومن الواضح ان هذه العناوين عناوين متغايره، ولا يكفى فى رفع الاشكال بساطه موضوع العلم مع تركب موضوعات المسائل وتغايرها ،فانها حينئذ لا محاله تكون اخص من موضوع العلم.

فالتحقيق فى الجواب ان يقال: ان الاشكال مبنى على امرين:

احدهما: البحث فى تعريف الموضوع بكونه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيه.

ثانيهما: الالتزام بكون العارض للشىء بواسطه امر خارج اخص او اعم يكون غريبا. وكلاهما محل منع.

اما الاول - فلانه لم يرد دليل على ذلك، فبعد ما ذكرنا من ان علميه العلم وتمايزه كما يمكن ان يكون بموضوعه تاره وبمحموله اخرى، كذلك يمكن ان يكون بغرض الباحث، ولا مانع من البحث فى العلم عن العوارض الغريبه لموضوعه اذا كانت دخيله فى غرض الباحث.

مثلا: لو فرض ان موضوع العلم هو الميزاب وكان البحث عن اسناد الجريان اليه دخيلا فى الغرض الذى دون لاجله العلم يبحث فيه عن ذلك ولو كان عرضاغريبا لموضوع العلم ولم يذكروا لذلك الا مبعدات لا اساس لها اصلا.

واما الثانى: فلو فرض ان الدليل قام على لزوم ان يكون موضوع كل علم مايبحث فيه عن عوارضه الذاتيه لكن نقول: لا دليل على صحه التقسيم المتقدم وان العارض بواسطه امر خارج اخص او اعم من العوارض الغريبه بل هو عارض ذاتى.

فان الميزان فى الذاتيه والغرابه هو ما ذكره اهل الادب من كون الاسناد حقيقيااو مجازيا، فاذا كان اسناد المحمول الى الموضوع اسنادا الى من هو له وكان المحمول وصفا له بحال نفسه، فلا محاله يكون عرضا ذاتيا له ولو كان مع الواسطه، وان كان وصفا له بحال متعلقه واسناده اليه اسنادا الى غير من هو له فيكون غريبا.

فالميزان اذن هو صحه الاسناد، ونحن نرى ان اسناد اوصاف الجنس الى النوع والى الفرد يكون حقيقيا. فالانقسام مثلا الى الابعاد الثلاثه يكون من لواحق الجسم ومع ذلك لو قلنا ان زيدا قابل للانقسام يكون ذلك اسنادا حقيقيا، وهكذالو قلنا بان الانسان متحرك بالاراده وحساس، مع انهما من لواحق الجنس.

والسر فيه واضح، فان الجنس متحد مع الشخص والنوع وجودا فعوارضه تكون عارضه لهما ايضا حقيقه وبلا عنايه، وهكذا عوارض الفرد بالنسبه الى النوع اوالى الجنس، فانها تكون عوارض ذاتيه له ويكون اسنادها اليه حقيقيا، والشاهدعليه ما نرى من صحه هذه الاستعمالات العرفيه بلا مسامحه، فمثلا يقال: ( اكلت الخبز ) فيسند الاكل الى الكلى مع ان الماكول ليس الا فردا خاصا منه، ويقال: (اشتريت اللحم ) مع ان المشترى ليس الا فردا خاصا، ويقال ( البشر نبى) مع ان النبى فرد منه، وذلك لان المهمله تكون فى قوه الجزئيه وهى متحده مع الفردخارجا.

ويحتمل ان يكون هذا هو مراد المحقق السبزوارى مما ذكره فى حاشيه الاسفار من اتحاد الكلى لا بشرط مع الفرد.

فالاشكال اذن غير وارد من اصله، واظن ان التسالم على هذين الامرين ناشى من التقليد المحض ليس الا.

هذا كله فى بيان الموضوع.

الامر الثانى:فى تعريف علم الاصول
عرفه القوم بانه: ( القواعد الممهده لاستنباط الاحكام الشرعيه الفرعيه ) وقدذهب المحقق الخراسانى((4)) الى قصور هذا التعريف، واضاف اليه قوله: ( او التى ينتهى اليها الفقيه فى مقام العمل ) فيقع الكلام فى جهتين:

احداهما: فى وجه الاشكال على تعريف القوم واضافه هذا الذيل اليه.

والاخرى: فى تحقيق اصل المطلب.

الجهه الاولى:
الظاهر ان الاشكال ناشى من تخيل كون المراد من الاحكام فى التعريف خصوص الاحكام الواقعيه كما هو المراد من الحكم فى كلام الشيخ فى اول الرسائل وهو قوله: ( اعلم ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعى )((5)) فانه لو لم يكن المراد منه خصوص الواقعى لم يكن وجه لجعله مقسما للاقسام الثلاثه، اذ الحكم الظاهرى دائما يكون متيقنا الا فى موارد نادره مثل موارد الاصول العقليه والظن الانسدادى على الحكومه.

وبالجمله فحيث راى ان المراد من الحكم خصوص الواقعى اشكل عليه الامر فى كثير من المسائل الاصوليه التى لا يستنبط منها حكم شرعى واقعى اصلا، كمباحث الاصول العمليه فانها وظائف مقرره للشاك فى مقام التحير، وكذا مبحث الظن الانسدادى على الحكومه، فان من تمت عنده المقدمات كذلك اذا سئل هل تعرف الحكم ؟ يقول: لا، ولكن اعرف وظيفتى وان العقل حاكم لى بجواز العمل بالظن ولذلك اضاف اليه القيد، وعليه فتكون المسائل الاصوليه هى الجامع بين الامرين، اى احدهما كما لا يخفى.

الجهه الثانيه:
التحقيق: ان القيد الذى اضافه (قدس سره) لغو وغير محتاج اليه، فتعريف القوم لا قصورفيه، وذلك لانهم قد عرفوا الفقه بانه ( العلم بالاحكام الشرعيه الفرعيه عن ادلتهاالتفصيليه ) فاخذوا فى تعريفه العلم، ويكشف ذلك عن ان مرادهم بالاحكام الاعم من الظاهريه والواقعيه لا خصوص الواقعيه، والا لم يكن لاخذ العلم فى تعريفه وجه اصلا، اذ الاحكام الواقعيه لا تكون معلومه غالبا فى الفقه ،والاصول قواعد ممهده لاستنباط تلك الاحكام ومقدمه للفقه.

فالمراد من الحكم فى تعريفه ايضا هو الاعم فندفع الاشكال المزبور ولا يخفى انه ليس غرضنا مما قلناه من كون المراد من الاحكام اعم من الواقعيه والظاهريه ادخال موارد قيام الحجج والامارات فى العلم بالحكم الظاهرى ليقال انه على مختاركم ليس المجعول فى تلك الموارد الا الطريقيه والوسطيه فى الاثبات فاين هناك علم بالحكم الظاهرى ؟! بل الغرض ادخال موارد الاصول العمليه التى هى وظائف مجعوله للمتحير تحت تلك الكبرى، واما فى موارد الحجج فيعلم بالواقع غايته بالعلم التعبدى لا الوجدانى على ما هو البحث.

ولا يخرج عن التعريف الا قبح العقاب بلا بيان، و وجوب دفع الضرر المحتمل فى اطراف العلم الاجمالى، ومسئله التخيير فى دوران الامر بين محذورين، ومسئله حجيه الظن الانسدادى على الحكومه، فان قبح العقاب بلا بيان ليس الا حكم العقل بعدم استحقاق العقاب عند عدم البيان، كما ان وجوب دفع الضرر المحتمل ادراك صحته عند عدم ثبوت المومن، والتخيير حقيقته حكم العقل بقبح الترجيح من دون مرجح.

اما قبح العقاب بلا بيان فهو ليس من المسائل الاصوليه، بل هو مما اتفق عليه الاخبارى والاصولى، وانما النزاع فى تماميه اخبار الاحتياط وعدمها، فلو تمت الاخبار ينتفى موضوع قبح العقاب بلا بيان، كما انه لو لم تتم لا يكون نزاع فى جريانه.

وهكذا وجوب دفع الضرر المحتمل بهذا العنوان لا يكون معنونا فى الاصول بل هوامر مفروغ عنه فى علم الكلام، وانما يبحث فى الاصول عن جريان اصاله البراءه فى اطراف العلم الاجمالى، اما تعينا واما تخييرا.

وهكذا فى التخيير لا يبحث فى علم الاصول عن قبح الترجيح بلا مرجح، وانمايبحث عن جريان البراءه عند دوران الامر بين محذورين او تقدم جانب الحرمه من جهه تقدم دفع الضرر على جلب المنفعه او العكس.

واما حجيه الظن على الحكومه فليست مبحوثا عنها بهذا العنوان، وانما يبحث عن انه بعد تماميه مقدمات الانسداد هل تكون هناك حجه لنا ام لا ؟ وعلى الاول هل يستكشف العقل من المقدمات ان الشارع جعل الظن حينئذ حجه، او لايستكشف ذلك وانما يحكم بالتنزل الى الامتثال الظنى ؟ ويترتب الاستنباط على هذه المسئله ولو بعض تقاديره دون بعض، ولا يلزم فى المسئله الاصوليه ان يترتب الاستنباط على جميع تقاديرها كما ان فى مسئله حجيه الخبر لا يترتب الاستنباط الا على تقدير ثبوت الحجيه لا على فرض عدم الحجيه، وهذا ظاهر.

فاذا لا قصور فى تعريف القوم من هذه الجهه.

يبقى فى التعريف اشكال آخر عليه وهو:
انه ان كان المراد من الممهده للاستنباطان يترتب ذلك على المسائل الاصوليه مستقلا ومن دون انضمام مسئله اخرى اليها فقلما توجد مسئله من المسائل الاصوليه تكون كذلك، واذا اريد منها دخلها فى تحقيق الاستنباط فمبادى الاستنباط كعلم اللغه والنحو والصرف جميعهما كذلك.

والجواب عن ذلك: انه لابد وان يترتب الاستنباط على المسئله الاصوليه مستقلاودون حاجه الى ضم ضميمه لكن لا مطلقا ودائما بل فى الجمله وموجبه جزئيه ولو فى مورد واحد، وجميع المسائل الاصوليه كذلك، مثلا مبحث حجيه الخبريترتب عليه الاستنباط كذلك فيما لو فرضنا قيام خبر قطعى الدلاله غير مبتلى بالمعارض على وجوب شىء او حرمته فانه حينئذ يترتب الاستنباط على نفس مسئله حجيه الخبر حينئذ من دون حاجه الى ضم ضميمه.

واما حجيه الظواهر فليست من مسائل الاصول، وانما هى من المسلمات، والالانهدم اساس الشرايع، وانما المبحوث عنه فى الاصول بعض خصوصياتها مثل اختصاص حجيه الظاهر بعدم الظن على خلافه، او بخصوص من قصد افهامه ،او بغير الكتاب، اما بدعوى ان الكتاب ليس له ظاهر او ان ظاهره غير حجه لقرائن على ذلك، ويترتب الاستنباط بالنحو المذكور على كل من هذه المسائل ،هذا فى الحجج.

واما مباحث الالفاظ كمبحث الامر والنهى فكذلك، اذ يترتب عليه الاستنباطفيما لو ورد امر قطعى السند والدلاله غير مبتلى بالمعارض، واما بعض مباحث الالفاظ مثل جواز تخصيص العام الكتابى بالخبر وعدمه، ففى الحقيقه مرجعه الى البحث عن السند وحجيه الخبر فى هذا الفرض، فيكون داخلا فى ذلك المبحث ،وقد عرفت انطباق ما ذكرناه عليه.

واما المباحث العقليه كمبحث الضد والترتب واجتماع الامر والنهى ومقدمه الواجب فالامر فيها واضح، فجميع المسائل الاصوليه تكون كذلك، وهذابخلاف غيرها من العلوم كمسائل اللغه مثلا فلا يمكن استنباط حكم واحد من شىء منها مستقلا وبلا ضم ضميمه، ففى اللغه يبحث عن معنى الصعيد فهل يمكن استنباط الحكم من ذلك حتى فيما لو كان الدليل المشتمل عليه قطعى السندوالدلاله ولم يكن مبتلى بالمعارض ؟ لا يمكن ذلك، وسره ظاهر، فان الاحكام دائما تكون مستفاده من الهيئات، واللغه انما تتكفل بيان الموضوعات فقط، ولذالا يمكن استنباط الحكم منها مطلقا مستقلا، وهكذا غير اللغه من العلوم، وقدالغى المتاخرون جمله من المباحث هى حاصله فى الكبرى التى ذكرناها من جهه وضوح فسادها، كمبحث حجيه القياس الذى كان موردا للنزاع الى زمان العلامه بل وبعده ايضا، ومبحث الملازمه وان كل ما حكم به العقل حكم به الشرع وهذا غير حجيه القطع كما سنعرفه ان شاء اللّه تعالى.

وبالجمله فالميزان فى المسئله الاصوليه ان تكون بحيث لو انضم اليها صغراهاانتجت حكما فرعيا كليا ولو فى الجمله قابلا للالقاء الى المقلدين ويكون تطبيقه على جزئياته بيدهم، وعلى هذا تكون قاعده الطهاره فى الشبهات الحكميه داخله فى المباحث الاصوليه.

واما القواعد الفقهيه، فهى بنفسها احكام كليه قابله للالقاء الى المقلدين، ومن ضم صغرياتها اليها تستفاد الاحكام الجزئيه الشخصيه كما هو ظاهر فظهر ان مثل قاعده التجاوز والفراغ وقاعده اليد وقاعده ما يضمن، ونظائرها جميعها داخله فى القواعد الفقهيه، لانها بانفسها قابله لان تلقى الى المقلدين كما هوواضح.

فتخلص: ان تعريف القوم صحيح لا اشكال فيه، وظهر بما بيناه ايضا انه لا حاجه لنا الى تاويل لفظ الاستنباط المذكور فى التعريف كما عن بعض اعاظم مشايخنا(قدس سرهم)، حيث جعله بمعنى تحصيل الحجه((6)) بمعنى المنجز والمعذر ليدخل فيه البراءه العقليه ووجوب دفع الضرر المحتمل والتخيير العقلى، فان التعريف المشهور يتم لو جعلنا الحكم اعم من الظاهرى والواقعى من دون حاجه الى التاويل وما ذكره (قدس سره) وان كان جامعا كما افاد الا انه:

اولا: خلاف ظاهر لفظ الاستنباط، فان كلامنا فى توجيه ذلك التعريف، والا فلاننكر امكان تعريف الاصول بوجه آخر يكون مطردا ومنعكسا.

وثانيا: ان ذلك انما يتم فيما اذا كان الحكم الواقعى الزاميا وقامت الحجه على وفقه او على خلافه، واما لو فرض ان الواقع كان هو الاباحه فحينئذ لا معنى لتحصيل المعذر والمنجز اصلا.

هذا تمام الكلام فى الامر الثانى.

الامر الثالث:فى الوضع
اختلفوا فى ان دلاله اللفظ على معناه هل هى ذاتيه ام هى جعليه ؟ ذهب بعضهم الى الاول.

وفيه: لو اريد من الذاتيه ان تكون تلك المناسبه
الذاتيه كالعله التامه لدلاله اللفظعلى معناه فلازمه ان يكون كل شخص عالما بكل لغه، لوجود عله الدلاله حينئذدائما، وهذا لا يمكن الالتزام به.

ولو اريد من ذلك عله اختيار الواضع كل لفظ خاص لمعنى مخصوص بمعنى المرجح لاختباره، فهذا وان كان ممكنا الا ان الجزم به يحتاج الى دليل ولا، دليل عليه، والاستدلال عليه بانه لولا ذلك لزم الترجيح بلا مرجح وهو قبيح، ففيه:

اولا: انه لا قبح فى الترجيح بلا مرجح بين الافراد بعد ما كان اصل الجامع راجحا، مثلا لو فرضنا ان اصل المشى فيه مصلحه للشخص لمرض ونحوه فاختيار المشى الى جانب اليمين دون الشمال او العكس لا يلزم ان يكون فيه مرجح ايضا.

وثانيا: لو سلمنا قبح الترجيح بلا مرجح حتى فى الافراد فنقول: لا يلزم لان يكون المرجح هو المناسبه الذاتيه، بل ربما يكون المرجح الامور الخارجيه ،ونظير ذلك فى وضع الاعلام الشخصيه، مثلا يضع الوالد لفظ محمد لولده لكونه متولدا فى يوم الجمعه مثلا او لان اسم جده كان ذلك وهكذا.

وبالجمله فلا معنى لكون المناسبه بين اللفظ والمعنى ذاتيه اصلا. هذا كله فى الدلاله.

فى حقيقه الوضع:
واما الوضع فيظهر مما ذكره فى الكفايه((7)) بقوله:
( الوضع نحو اختصاص بين اللفظ والمعنى ناشى... الخ )، ان الوضع عنده امر واقعى ينشا من وضع الواضع تاره و من كثره الاستعمال اخرى، وهذا غير صحيح، وذلك لان الامور الحقيقيه لا تخلوا عن امور ثلاثه:

احدها: ان تكون من الامور النفس الامريه، بمعنى يدرك العقل تحققه من دون فرض فارض واعتبار معتبر، ويكون الخارج ظرف نفسه لا ظرف وجوده ،كنفس الوجود ولوازم الماهيات، كالزوجيه للاربعه والامكان للماهيات الممكنه والاستحاله لاجتماع النقيضين وامثال ذلك، فان الوجود ثابت فى الخارج لكن بنفسه لا بوجود آخر وهكذا بقيه المذكورات.

ثانيها: ان تكون من قبيل الجواهر اى الوجودات المستقله فى الخارج.

ثالثها: ان تكون من قبيل الاعراض.

والارتباط الناشى من الوضع او من كثره الاستعمال غير داخل فى شىء من ذلك ،اما عدم كونه من قبيل الاول، فلانه لو كان من قبيل الملازمه الثابته بين الاربعه والزوجيه فلا معنى لكونه ناشئا من الوضع او كثره الاستعمال، لان الملازمه بين لوازم المهيه ونفسها تكون قديمه ازليه، فاى حاجه الى الوضع ؟ هذا اولا.

وثانيا: يلزم من ذلك ان يكون كل احد عالم بكل لغه كما عرفت.

واما عدم كونه من الجواهر فلاحتياجه فى وجوده الى الموضوع، فانه لو لم يكن هناك لفظ ومعنى لم يكن مجال لوجود الارتباط، والجوهر غير محتاج فى وجوده خارجا الى موضوع.

واما عدم كونه من الاعراض فلان العرض متقوم خارجا بالموضوع الخارجى ،وليس الارتباط بين اللفظ والمعنى كذلك، فان الارتباط ثابت بين طبيعى اللفظوطبيعى المعنى مع عدم وجودهما فى الخارج، ولذا ترى ثوبته بين اللفظ والمعنى الممتنع، مثلا اذا فرضنا وضع لفظ مفرد لاجتماع النقيضين او لشريك البارى يكون الارتباط بين ذلك اللفظ وهذا المعنى موجودا مع كون المعنى من المستحيلات.

وبالجمله، فلا يمكن ان يكون الوضع من الامور
الحقيقيه بهذا المعنى اصلا، بل هومن الامور الاعتباريه.

وبالجمله الوجوه المحتمله فى حقيقه الوضع ثلاثه:

الاول - ان يكون امرا واقعيا حادثا.

الثانى - ان يكون امرا اعتباريا.

الثالث - ان يكون وسطا بين الامرين.

ويقرب الثانى اى الاعتباريه بوجهين:

احدهما: ان يكون عباره عن تنزيل اللفظ منزله المعنى بان يكون اللفظ وجوداتنزيليا للمعنى بحيث لو اريد ارائه المعنى يوتى باللفظ، ويكون اللفظ وجوداحقيقيا للكيف المسموع وفردا منه ووجودا تنزيليا للمعنى، وهذا ماخوذ مما ذكره اهل المعقول واثبتوه من الوجود اللفظ ى للاشياء فى مقابل الوجود العينى والذهنى والكتبى.

وفيه: اولا: ان التنزيل وان كان خفيف الموونه الا انه لا يحسن الا فيما كان بين المنزل والمنزل عليه مناسبه تامه، مثلا فى باب الكنايات والاستعارات كثيرا مايقع ذلك مثلا بتنزيل الرجل الشجاع منزله الحيوان المفترس فيقال: زيد اسدلكونه مشابها معه فى اظهر خواصه وهو الشجاعه، ولكن لا معنى لتنزيل البعوضه منزله الاسد من غير مناسبه، وهذا واضح، فنقول:اى مناسبه تكون بين اللفظ والمعنى قبل الوضع ليكون التنزيل بتلك المناسبه؟ وثانيا: ان هذا المعنى بعيد عن ذهن عامه الناس مع ان الوضع يتحقق خصوصا فى الاعلام الشخصيه من جميع الناس بل من الاطفال بل من كثير من الحيوانات ايضا كما هو ظاهر.

وثالثا: التنزيل لابد وان يكون بلحاظ ثبوت آثار المنزل عليه على المنزل، كمانرى ذلك فى جميع موارد ثبوت التنزيل، وفى المقام لا يثبت شىء من خواص المعنى لللفظ، مثلا لفظ العدم موضوع لهذا المفهوم الممتنع تحققه فى الخارج ،فهل يثبت هذا الاثر للفظ العين والدال والميم وتكون مستحيله ايضا ؟! من الواضح عدمه، فاذن هذا ايضا غير ثابت فى المقام، فالاعتباريه بهذا المعنى واضحه الفساد.

ثانيهما: ان يكون حقيقه الوضع اعتبار الوضع
الحقيقى فان الوضع الخارجى عباره عن المعنى المعروف المعبر عنه فى الفارسى فالواضع يعتبر هذا المعنى اى وضع اللفظ على المعنى فى عالم اعتباره ليدل عليه، كما ان فى الخارج يوضع العلائم على بعض الامكنه للدلاله على امور، مثلا وضع العمود على راس الفرسخ للدلاله على المسافه، او العلم على الباب لكى يدل على انعقاد مجلس التعزيه ،وغير ذلك:

وفيه: اولا: انه ايضا بعيد عن ذهن العامه.

وثانيا: ان فى الوضع الخارجى تكون امور ثلاثه: الموضوع والموضوع عليه،والموضوع له اعنى غايه الوضع، وفى المقام ليس الا امران، فالموضوع عليه والموضوع له متحدان، فليست كيفيه الوضع فيه ككيفيه الوضع هناك، مضافا الى انه على هذا لابد وان يكون اطلاق الموضوع عليه على المعنى صحيحا من دون عنايه مع انه غلط واضح، فالاعتباريه بكلا معنيها غير تام.

والصحيح: ان الوضع امر واقعى محض غايته من قبل الافعال النفسانيه، فهو فعل النفس، وهو التعهد والالتزام بذكر اللفظ عند اراده تفهيم المعنى، كما يتفق هذاالمعنى فى الافعال ايضا، نظير ما لو تعهد المولى وقال لخادمه: بانى متى رفعت العمامه من راسى فانا اريد الشاى، ففى الالفاظ ايضا كذلك لاجل تسهيل الافاده والاستفاده يلتزم الواضع ويتعهد بذكر اللفظ الخارجى عند اراده المعنى المخصوص، وهذا هو حقيقه الوضع.

واما ما افاده المحقق النائينى (قدس سره) من ان
الوضع وسط بين التكوين والجعل ،فبيانه:

ان الامور تكون على نحوين منها ما لا تحقق بها الا بالجعل والاعتباركالاحكام والشرائع، وهى التى تحتاج الى بعث رسل وانزال كتب، ومنها ما لاتحتاج الى ذلك اصلا كالجواهر والاعراض الموجوده فى الخارج، ومنها ما لايكون من الاول لتحتاج الى ارسال رسل ولا من الثانى ليكون تكوينيا محضا ،بل يكون وسطا بينهما، والوضع من هذا القبيل، فلما اقتضت الحكمه الالهيه ان يعلم الانسان البيان وقد اشير اليه فى الايه المباركه ( علمه البيان )((8)) فالهم جل شانه واضع كل لغه ان يوضع كل لفظ خاص لمعنى مخصوص بمناسبه بينهماذاتيه تكوينيه مجهوله عندنا، وهذا هو السر فيما يقال من ان الواضع هو اللّهتعالى، فحقيقه الوضع ليست تكوينيه محضه لان لا يحتاج الى شىء، ولا جعليه صرفه لتكون محتاجه الى البعث والارسال((9))، انتهى.

وفيه: اولا: قد عرفت ان المناسبه بين اللفظ والمعنى تكوينا مما لا دليل عليه فى مقام الاثبات.

وثانيا: لا معنى للواسطه بين التكوين والجعل، فانه لو كان للشىء مطابق فى الخارج فهو من الامور التكوينيه، والا فهو من الامور الاعتباريه.

وثالثا: ما المراد من الالهام فى المقام ؟ ان اريد منه ان اللّه تعالى اعطي الانسان قوه الادراك وفهمه كيفيه استكشاف المجهولات، وسهل له مقدماته فهذا موجودبالقياس الى مطلق المعلومات، ولذا يقول جل شانه: ( علم الانسان ما لم يعلم)((10)) فجميع المعلومات بالنهايه تنجلى اليه تعالى وان اريد ثبوت معنى آخر فى الوضع غير ذلك فلا نتعقله.

فالصحيح: ما ذكرناه، وعليه فيكون معنى اللفظ ومدلوله اراده تفهيم المعنى لاذات المعنى، وانسباق ذات المعنى الى الذهن لا يكون مستندا الى الوضع، بل يكون من جهه انس الذهن كما يكون ذلك ثابتا فى موارد يقطع بعدم ارادته، مثلالو قال المتكلم: رايت اسدا فى الحمام فلا يكون الحيوان المفترس مرادا له قطعاولكن مع ذلك ينتقل الذهن اليه من جهه انس الذهن بذلك، فالدلاله الوضعيه منحصره بما عرفت، والظاهر ان هذا هو مراد الشيخ النائينى (قدس سره) من كون الدلاله تابعه للاراده، والا ففى الدلاله التصوريه الناشئه من الانس لا مجال لتوهم ذلك لعاقل فضلا عن مثله (قدس سره).

ويشهد على المختار ان فعل الانسان لابد وان يتعلق بما يكون مقدورا له، وليس ذلك الا التعهد والالتزام.

ويويده ايضا ان الغرض من الوضع لا يقتضى فى الوضع اكثر من ذلك، فان الغرض انما هو سهوله تفهيم المرادات وتفهمه، وهذا لا يقتضى الا ان يوضع اللفظلتفهيم اراده المتكلم ذلك، فالتوسعه لغير المرادات ايضا بحيث تثبت الدلاله الوضعيه فيما لو صدر اللفظ عن لافظ بلا شعور يكون لغوا ولا يصدر من الحكيم.

هذا، وانما اطلنا الكلام فى حقيقه الوضع لانه يترتب
عليه ثمرات مهمه فى صحه استعمال اللفظ فى اكثر من معنى واحد، اذ على ما ذكرناه يكون جوازه من الواضحات، اذ ليس معنى الاستعمال الا العمل على وفق التعهد واعماله خارجا ،وكما يمكن ان يجعل الفعل الواحد علامه لامرين اذا تعهد المولى بايجاده اذا ارادكلا منهما كذلك فى اللفظ يمكن ان يجعل لفظ واحد علامه لاراده تفهيم امرين ،وياتى الكلام فيه ان شاء اللّه تعالى.

ويترتب عليه ايضا تبعيه الدلاله للاراده، وان الموضوع له ليس هو ذات المعنى بل هو قصد تفهيمه كما عرفت، وعلى هذا فالوضع غير مختص بالواضع، بل كل احد من اهل اللغه يكون ملتزما ومتعهدا كالواضع، غايته ان تعهد الواضع والتزامه بذكر اللفظ عند اراده المعنى ابتكارى وابتدائى، وتعهد تابعيه يكون بالتبع وبالارتكاز.