ثم ان المشهور بينهم ان صحه استعمال اللفظ فى نوعه او صنفه او مثله او شخصه لايكون بترخيص الواضع ووضعه، وانما هى بالطبع، وذلك لان الوضع انما هولايجاد العلقه والربط بين اللفظ والمعنى، فاذا فرضنا فى مورد ان العلقه والربطذاتى فيه كما فى اللفظ ونوعه وصنفه ومثله وشخصه فاى حاجه الى الوضع هناك،وبعدما ذكرناه فى عدم الحاجه الى الوضع فى المعانى المجازيه لوجود المناسبه بينه وبين المعنى الحقيقى ذاتا فعدم الحاجه اليه فى المقام بطريق اولى ويويد ذلك صحه استعمال الالفاظ المهمله فى شخصها ونوعها وصنفها، بان يقال: ديز لفظ او ثلاثى، والالتزام بثبوت الترخيص فيها بعيد غايته لعدم تناهى المهملات، وهذا ظاهر.

ثم انهم اشكلوا فى استعمال اللفظ فى شخصه، فمنعه بعض وصححه فى الفصول((22))بتاويل، فانه لو كان اللفظ مستعملا فى نفسه ودالا عليه يلزم اتحاد الدال والمدلول، والا فيلزم تركب القضيه اللفظيه من جزئين اى من المحمول والنسبه فى مثل قولك: (زيد لفظ) ولذا ذهب فى الفصول الى تقدير لفظ (هو) ليكون مبتدء ويندفع به المحذور.

ولنا كلام فى جميع ما ذكر ويتضح ذلك ببيان امرين:

الاول: ان الغرض من الاستعمال انما هو احضار المعنى المقصود فى ذهن المخاطب،فاذا كان احضار المقصود فى ذهن السامع فى مورد ممكنا من دون توسط لفظاصلا فالاستعمال يكون لغوا.

وبعباره اخرى: المعانى تكون على نحوين:

منها: ما لا يمكن احضارها فى ذهن السامع الا بتوسط اللفظ كما فى المعقولات الثانويه ونظائرها.

ومنها: ما يمكن ايجادها من دون ذلك بتوسط اشاره، او احضار فرد منه، مثلايرفع رقيا ويريه الى المخاطب ويقول ملك زيد والمقصود فيه يكون احضارشخصه والحكم عليه او يقول مبرد مثلا فيكون المقصود احضار طبيعى الرقى والحكم عليه، وربما يكون المعنى بنفسه من قبيل الالفاظ فبمجرد ايجاد اللفظيوجد المعنى المقصود فى ذهن السامع، فلا حاجه فيه الى استعمال اللفظ اصلا،والمقام من هذا القبيل، فانه بمجرد التلفظ بكلمه (زيد) يوجد شخصه فى ذهن السامع ويوجد طبيعى زيد فى ضمنه ايضا.

الثانى: انا ذكرنا انه لم يوضع للحصص والخصوصيات الفاظ خاصه مع انه كثير مايتعلق غرض المتكلم بها، ولذا احتالو فى ذلك بوضع الحروف، فهى تدل على التضييقات والحصص.

وبعد ما عرفت الامرين نقول:

لو كان غرض المتكلم ومقصوده ايجاد شخص اللفظ او نوعه والحكم عليه كما فى قولك (زيد لفظ) او كان المقصود احضار نوعه كما فى قولك (ضرب فعل ماضى)فبمجرد الاتيان بهذا اللفظ يوجد ذلك فى ذهن السامع وبتبعه يحضر الطبيعى فى ذهنه ايضا.

واما لو كان المقصود صنفه او مثله فبالتكلم باللفظ يوجد الطبيعى فى ذهن السامع، ثم يضيق ذاك الطبيعى الذى ثبت فى ذهن السامع بوجود فرده خارجا بالحروف. مثلا يقال: زيد فى (قام زيد) فاعل، او زيد فى قولك (زيد قائم) مبتدا،فليس شى ء من ذلك من قبيل استعمال اللفظ فى المعنى، بل يستحيل استعمال اللفظ فى شخصه لا لما فى الفصول من استلزام اتحاد الدال والمدلول فان ذلك قابل للدفع وقد وقع ذلك فى بعض الادعيه، حيث قال: (يا من دل على ذاته بذاته)، بل لان الاستعمال سواء قلنا بانه بمعنى ايجاد المعنى باللفظ وجعل اللفظوجودا تنزيليا للمعنى، او قلنا بانه جعل اللفظ علامه للمعنى كما هو الانسب بماذكرناه فى حقيقه الوضع متقوم بالتعدد والاثنينيه، فلا يعقل ان يكون الشى ء علامه لنفسه، كما لا يعقل ان يكون الوجود الحقيقى وجودا تنزيليا ايضا.

واما ما فى الفصول((23)) من الاشكال على عدم كون الالفاظ مستعمله فى هذه الامور بانه مستلزم لتركب القضيه من جزئين، فالجواب عنه واضح، فانه لم يردهناك آيه ولا روايه على لزوم تركب القضيه اللفظيه من اجزاء ثلاثه، بل المشاهدخلافه فى كثير من الموارد.

هذا، ثم انه اذا اطلق اللفظ فله دلالات ثلاثه:
الاولى: دلالته على معناه، وانتقال السامع العالم بالوضع منه الى المعنى الموضوع له، وتسمى بالدلاله التصوريه، وهى غير متوقفه على ان يكون اللافظ شاعراوملتفتا اصلا، بل يتحقق ولو صدر اللفظ من احتكاك حجر بحجر.

الثانيه: الدلاله التصديقيه، ولها مرتبتان:

احداهما: تصديق السامع بان المعنى كان مرادا للافظ وقصد تفهيمه، ومن ثم تسمى بالتصديقيه.

ثانيهما: ان المعنى المستعمل فيه اللفظ كان مراده الجدى، بان لم يكن فى مقام الهزل ونحوه، اذ ربما لا يكون ما استعمل فيه اللفظ مرادا جديا للافظ، بل يكون مرادااستعماليا فقط، او يكون المراد الجدى امرا آخر كما فى الكتابه ونحوها، ومما يكون المراد الجدى مباينا مع المراد الاستعمالى ففى قولك: (زيد كثير الرماد) فانه لم يردمنه معناه الحقيقى، وان لزيد مزبله يجمع فيه الرماد، بل المراد الجدى لازمه المباين له وهو الجود، كما ربما يكون بين المعنيين العموم المطلق كما فى العمومات المخصصه بمنفصل وستعرف انشاء اللّه تعالى ان ذكر تلك العمومات انما يكون لضرب القانون، والمراد الجدى منها هو الخاص من اول الامر.

وكيف كان ذهب المشهور من المتاخرين الى ان الدلاله
الوضعيه منحصره بالدلاله التصوريه، واما التصديقيه بكلا مرتبتيها تكون ببناء العقلاء وانهم بنوا على ان كل متكلم يكون فى مقام البيان ما لم يعلم خلافه، وان ما استعمل فيه اللفظ هومراده الجدى، ويجرى ذلك فى غير اللفظ من سائر الافعال ايضا مثلا اذا اشارالمولى الى عبده بيده ان اقبل فالظاهر عند العقلاء انه غير هازل فى فعله وانه كان فى مقام التفهيم والجد، ولذا لو لم يقبل العبد يكون مذموما عندهم.

هذا ولكن العلمين ذهبا الى ان الدلاله الوضعيه منحصره
بالدلاله التصديقيه،ومما ذكرنا فى حقيقه الوضع يظهر ان الحق ما افاداه.

والتحقيق: هو ان الدلاله التصديقيه بالمرتبه الثانيه تكون ببناء العقلاء، ولذانقول ثابته فى غير الالفاظ ايضا، فليست مستنده الى الوضع، فالدلاله الوضعيه يدور امرها بين ان تكون هى الدلاله التصوريه او التصديقيه بالمرتبه الثانيه.

والصحيح: ان الدلاله التصوريه مستنده الى انس الذهن، واما
الوضعيه فهى الدلاله التصديقيه لوجهين:

الاول: ان الوضع على ما عرفت هو الالتزام وجعل شى ء لازما على نفسه،فلابد وان يكون متعلقه امرا مقدورا للواضع، وانتقال السامع من سماع اللفظمطلقا الى معناه ليس كذلك، وانما المقدور له هو ذكر اللفظ عند قصد تفهيم معناه.

الثانى: ان الواضع لا يكون لاغيا، فلابد وان يكون الوضع باى معنى فرضناه سعه وضيقا بمقدار الغرض المقصود منه، ومن الواضح ان الغرض من الوضع ليس الا للفهم والتفهم، فلابد من جعل العلقه الوضعيه بين اللفظ والمعنى عند اراده التفهيم وقصده لا مطلقا، فان الاطلاق يكون لغوا، وهو ايضا يحتاج الى موونه زائده كالتقييد.

وعليه فاللفظ بالدلاله الوضعيه يدل على قصد تفهيم المعنى وارادته لكن طريقاالى ذات المعنى لا مستقلا، ففى الحقيقه يكون الموضوع والمحمول فى قولك (زيدقائم) ذات زيد وذات القائم لا بما هما مراده ولا قصد الامرين، فلا يلزم المحاذير المذكوره فى الكفايه على هذا التقريب.

ثم انه هل يكون للمركبات زائدا على وضع مفرداتها وضع
مستقل ام لا ؟ اماوضعها بما هى مركبات فمما لا يتفوه به عاقل، وذلك:

اولا: لان المحمولات والمعانى المركبه غير متناهيه، والوضع للغير المتناهى محال.

وثانيا: لا حاجه لوضع المركب بما هو مركب بعد وضع مفرادته، فهو لغو واضح.

وثالثا: نرى بالوجدان صحه تركيب الالفاظ بعضها مع بعض بحسب اختلاف مقاصد المتكلمين ومراداتهم فى كل لغه من غير توقف على ثبوت وضع واستعمال، ولو كان للمركبات وضع مستقل لكان صحه الاستعمال متوقفا على ثبوته وثبوت الاستعمال فى تلك اللغه.

واما وضع المركبات بمعنى وضع الهيئه التركيبيه فهو امر قابل للنزاع، ولذا وقع الخلاف بينهم فى ان الدال على النسبه والربط هل هو الهيئه، او هو الضمير المستتر، او هو الاعراب، والمحقق النائينى((24))خصص ذلك بالجمل الاسميه، ولا وجه لذلك.

والصحيح: ان الهيئات التركيبيه باجمعها تكون موضوعه، بداهه انا نستفيد من المركبات مزايا وخصوصيات لا نستفيدها من المفردات، كالحصر من تقديم ماحقه التاخير فى مثل قوله تعالى: (اياك نعبد واياك نستعين) ((25))وكون السابق من الاسمين فاعلا والمسبوق مفعولا فى قولك (ضرب موسى عيسى) مع عدم ظهور الاعراب على لفظهما، وليس هذه الدلاله عقليه ولا طبعيه، فلابد وان تكون وضعيه، والدال على ذلك ليس الا الهيئه التركيبيه.

ثم المعروف جريان المجاز والاستعاره والتشبيه فى المركبات،
وقد مثلوا للاول بالمثال المعروف وهو قولهم فى المتحير (يقدم رجلا ويوخر رجلا). وللثانى بقوله تعالى: (كمثل الذى استوقد نارا فلما اضائت ما حوله) ((26)).

ونقول: اما الاستعاره والتشبيه فتجرى فى المركبات كما فى الايه، فانه ربما يشبه الاجزاء بالاجزاء بنحو العام الاستغراقى، مثلا يشبه الايمان بايقاد النار او بضوئه، وذهاب الايمان بخمود النار الى غير ذلك، وربما يشبه المجموع بالمجموع بنحوالعموم المجموعى اى مفاد المركب بالمركب، واما المجاز واستعمال المركب فى محل مركب آخر مجازا فممنوع بعد ما عرفت من ان المركب بما هو مركب ليس له معنى حقيقى اصلا.

ثم انهم اصطلحوا على ان وضع المواد يكون شخصيا، ووضع الهيئات يكون نوعيا، وقد اشكل على ذلك بانه لو كان الوجه فى كون الوضع فى المواد شخصيه ان الموضوع فيها شخص الماده لا غيرها، ففى الهيئات ايضا يكون طرف العلقه الوضعيه ذات الهيئه الخاصه كهيئه (فعل) لا غيرها كهيئه (يفعل) مثلا، وهكذالو كان نوعيه وضع الهيئات سريان الهيئه فى المواد، فهو ثابت فى المواد ايضا، فماهو الفارق بينهما ليكون الوضع فى احديهما شخصيه وفى الاخرى نوعيه.

ونقول: اولا: ان هذا مجرد اصطلاح ليس تحته اثر عملى.

وثانيا: يمكن ان يقال: ان الهيئه لا تكون قابله للحاظ الا فى ضمن احدى المواد لاعلى التعيين، بخلاف الماده فانه يمكن لحاظها عاريا عن كل هيئه سوى تقدم بعض الحروف على بعض مثل (ضاد) و(راء) و(باء) فتامل.

الحقيقه الشرعيه

ثم انه وقع النزاع فى ثبوت الحقيقه الشرعيه، وحيث
لا يترتب عليه ثمر مهم، فان الثمره التى رتبت عليه هو حمل الاسامى الخاصه على معناها الشرعى لو ثبت ذلك والا فتحمل تلك الالفاظ فى الروايات على معانيها اللغويه، وقد اورد على هذه الثمره بان اللازم على تقدير عدم ثبوت الحقيقه الشرعيه هو التوقف لاالحمل على المعنى اللغوى، لاحتمال كونها مجازا مشهورا فى المعانى المستحدثه.وعلى اى تقدير لا يترتب على هذا البحث ثمره، فان جل الاخبار صادره عن الصادقين(ع)، وفى زمانهما قطعا صارت الالفاظ حقائق فى المعانى المستحدثه،ولم نجد روايه نبويه او عن على (ع)شك فى المراد منها من هذه الحيثيه اصلا.

هكذا فى الفاظ القرآن فنختصر فى التكلم فى هذا المبحث ونقول: ثبوت الحقيقه الشرعيه، تاره: يكون بالوضع التعيينى، واخرى: بالوضع التعينى.

اما بالوضع التعيينى، فتاره: يدعى ان الشارع اعنى النبى (ص)صرح بوضع هذه الالفاظ الخاصه للمعانى المستحدثه، واعلن ذلك لاصحابه، وهذا يكون بعيداغايته، اذ لو كان ثابتا لنقل ذلك ووصل الينا ولم يقع فيه الخلاف، فمن عدم ثبوته يستكشف عدمه، ولا يقاس ذلك بالتصريح بالولايه والخلافه لعلى فتامل.

فانه اولا: ثابت لمن لم يتجاهل.

وثانيا: كان لاخفاء ذلك دواعى واسباب لا تكون فى ثبوت الوضع.

واخرى ندعى ثبوت الوضع التعيينى لا بالتصريح والاستقلال بل بنفس الاستعمال، كما يقول من يريد تسميه ولده: جئنى بحسين مشيرا الى ذاك الطفل،فانه بنفس هذا الاستعمال يتحقق الوضع ايضا، ولا ضير فى عدم كون هذاالاستعمال حقيقيا ولا مجازيا كما فى استعمال اللفظ فى شخصه، والظاهر ان ثبوت الوضع بالاستعمال ايضا لا يتم لا لما ذكره المحقق من استلزامه الجمع بين اللحاظين، فان اللفظ فى مقام الاستعمال يلاحظ طريقا وفانيا فى معناه، وفى مقام الوضع لابد من ان يلحظ استقلالا، فان هذا قابل للدفع، اذ لا مانع من تحققها كما لوفرضنا ان المتكلم يريد بتكلمه بلفظ الماء مثلا ان يفهم السامع انه عارف باللغه العربيه ويريد الماء ايضا فيقول لعبده (جئنى بالماء)، بل لان الوضع باى معنى كان اما يكون اعتبارا او التزاما، وهو فعل نفسانى مستحيل ان يكون معلولاللاستعمال، نعم يمكن ان يوضع الشارع اللفظ للمعنى ويجعل مبرزه الاستعمال بدل التصريح، وهذا لا باس به ولا يبعد دعواه فى الالفاظ المخترعه.

واما ثبوت الحقيقه الشرعيه
بالوضع التعينى فهو مما يطمئن به، اذ لا شبهه فى كثره استعمال هذه الالفاظ المتداوله فى الالسنه مثل الصلاه والصوم والحج فى لسان النبى (ص)واصحابه فى المعانى المستحدثه، بل لا يبعد ان يقال: ان استعمالها فى ذلك الزمان كان اكثر بمراتب من استعمالها فى هذه الازمنه.

وما قيل: من ان كثره استعمالها فى لسان خصوص النبى (ص)غير معلوم لا وجه له، اذ لا يعتبر فى ثبوت الحقيقه الشرعيه بالوضع التعينى كثره الاستعمال فى لسان شخص النبى (ص)، بل يكفى اذا تحقق ذلك فى لسانه ولسان تابعيه من حيث المجموع.

ولا وجه ايضا لما فى الكفايه((27))من ان ثبوت الحقيقه الشرعيه يتوقف على كون هذه المعانى مستحدثه فى هذه الشريعه، وعدم ثبوتها فى الشرائع السابقه، وظاهرالايات ثبوتها فيها كقوله عز شانه:

(واوصانى بالصلوه والزكاه) ((28))، وقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كماكتب على الذين من قبلكم) ((29))، وقوله تعالى: (واذن فى الناس بالحج ياتوك رجالا) ((30))، الى غير ذلك.

اما اولا: فلان الغرض من البحث عن ثبوت الحقيقه الشرعيه
ليس الا حمل الالفاظ الوارده فى الاخبار على المعانى المستحدثه على تقدير ثبوتها، وهذايترتب على مجرد ثبوت الحقيقه الشرعيه ولو فى الشرائع السابقه.

ثانيا: ان مجرد ثبوت هذه المهيات غير مستلزم لان تكون مسماه بهذه الاسامى فى تلك الشرائع، بل الظاهر خلافه، فان لغه اهل تلك الشرائع لم تكن عربيه وانمانقل اعمالهم فى القرآن باللغه العربيه ترجمه مثل قوله تعالى: (وقال موسى لاخيه هارون اخلفنى فى قومى) ((31))، فان من البديهى ان هذه العبارات ليست كلمات موسى نفسها بل هى نقل معانى كلامه باللغه العبرانيه.

والمتحصل من جميع ما ذكر ان دعوى ثبوت الحقيقه الشرعيه اما بالوضع التعيينى بالمعنى المتقدم او بالوضع التعينى غير بعيد، واما الحقيقه المتشرعه فثبوتها فى غايه الوضوح.

ثم انا لا نتعرض لعلائم الحقيقه والمجاز لانه انما كان للبحث
عنها قيمه فى سالف الازمان فى زمان كانوا يعتمدون على اصاله الحقيقه، ولكن المتاخرين انمايعتمدون على الظهورات العرفيه، فان ثبت الظهور فهو حجه سواء كان معنى مجازيا للفظ او حقيقيا، والا فلا، وعليه فلا داعى لاطاله الكلام فى علائم الحقيقه والمجاز.

الصحيح و الاعم

لا اشكال فى ان الالفاظ الخاصه تستعمل فى زماننا هذا فى الماهيات المخترعه بنحوالحقيقه، ولم نعرف شخصا خاصا وضع تلك الالفاظ لهذه المعانى من الائمه اوالخلفاء وغيرهم، بل وصل الينا صحه استعمالها فيها يدا بيد من زمانه (ص)، وقدذكرنا ان ثبوت الوضع التعيينى منه (ص)بالمعنى الثانى غير بعيد كما ان ثبوت الوضع التعينى ايضا فى لسانه (ص)ولسان تابعيه كان قويا جدا. وعلى اى حال يقع البحث فى ان ما يستعمل فيه هذه الالفاظ بنحو الحقيقه هل هو الصحيح من هذه المهيات ليكون استعمالها فى الفاسد مجازا او هو الاعم من الصحيح والفاسد وتكون شرائط الصحه دخيله فى المامور به لا فى المسمى، فتامل. ؟
 
ثمره البحث
وتظهر ثمره البحث فيما اذا تعلق الامر باحد هذه الالفاظ وشككنا فى دخل قيدخاص فى المامور به، فانه على الاعم يكون العنوان صادقا على الفاقد لذلك الجزءاو الشرط ايضا وشك فى اعتبار ذلك القيد فى المامور به، ومقتضى الاطلاق عدمه، واما على الصحيح فصدق العنوان على الفاقد يكون مشكوكا ولا يعلم كون الفاقد مصداقا للطبيعى اصلا، فيكون الشك فى الصدق، ومعه لا يمكن التمسك بالاطلاق لنفى اعتبار القيد اصلا.

ثم لابد لنا من تصوير الجامع على القولين، فعلى الصحيح لابد من تصوير الجامع بين الافراد الصحيحه، وعلى الاعم لابد من تصويره بين الافراد الصحيحه والفاسده.

وما يقال: من ان هذه الالفاظ يكون وضعها من قبيل الوضع
عام والموضوع له خاص فلا تحتاج الى تصوير الجامع غير صحيح، وذلك:

اولا: لانا نرى وجدانا انها تكون كغيرها من الالفاظ الموضوعه للمعانى الكليه نظير لفظ الانسان ولذا يحمل عليها محمولات تناسب الطبيعى مثلا يقال الصوم جنه من النار او الصلاه معراج المومن، او تنهى عن الفحشاء.

وثانيا: لو كان كذلك ايضا تحتاج الى تصوير الجامع، اذ الوضع عام على اى تقدير.

والمحقق النائينى((32))ذكر فى بيان عدم الحاجه الى تصوير الجامع وجها آخرحاصله: ان الصلاه مثلا موضوعه للمرتبه العاليه منها واستعمالها فى غيرها من المراتب يكون فى تنزيل تلك المرتبه منزله المرتبه الكامله بنحو الاستعاره على مايذكره السكاكى، فيكون التنزيل فى المراتب الصحيحه هى الاشتراك فى الاثروفى الافراد الفاسده المشاكله فى الصوره.

وفيه: اولا: انا نرى بالوجدان صحه استعمال الصلاه فى غير المرتبه الكامله بلا عنايه وتنزيل اصلا نعم اطلاقها على صلاه الغريق ببعض مراتبها يكون مسامحه لا محاله فتامل.

وثانيا: ان المرتبه الكامله ايضا تكون مختلفه باختلاف اصنافها، فان المرتبه الكامله من صلاه الصبح ركعتان، ومن المغرب ثلاثه، ومن الظهرين اربعه، ومن صلاه الايات كيفيه خاصه، ومن صلاه العيدين شكل خاص، فاذا لابد لنا من تصوير الجامع بين اصناف تلك المرتبه ايضا.

ثم المراد من الصحه فى تصوير الجامع بين الافراد الصحيحه او
الاعم هل الصحه من جميع الجهات او من حيث الاجزاء والشرائط فقط ؟الظاهر هو الثانى، وذلك لان الصحه من جميع الجهات ربما تتوقف على امور لايمكن اخذها فى المسمى.

مثلا يعتبر فى صحه العباده ان لا تكون منهيا عنها، فان النهى فى العباده يوجب الفساد، ومن الواضح ان تقيد المسمى بان لا يكون منهياعنه غير ممكن، فان النهى عن العباده فرع ان يكون هناك شى ء سمى بلفظ خاص وامر به وتعلق النهى به ايضا كصوم العيدين مثلا، ومع هذا كيف يمكن دخل عدمه فى المسمى ؟! ومثل عدم المزاحم بناء على اعتباره فى صحه العباده، ومثل قصد القربه، فان هذه الامور معتبره فى الصحه الفعليه ولا يعقل اخذها فى المسمى.

فالمراد من الصحه هنا الصحه من حيث الاجزاء والشرائط،
فالصحيحى يدعى وضع الالفاظ للعمل المستجمع للاجزاء والشرائط، والاعمى يدعى وضعهاللاعم منه ومن الفاقد لبعض الاجزاء والشرائط.

وبالجمله لا معنى لان يكون المراد من الصحيح فى المقام الصحه الفعليه ومن جميع الجهات، اذ يعتبر فيها امور متاخره عن المسمى مثل عدم النهى وعدم المزاحم وقصد القربه وامثال ذلك.

والذى يدل على ذلك ان احدا من القائلين بفساد العباده فى مورد اجتماع الامروالنهى لم يستدل على فسادها بعدم كونها مصداقا لذلك المسمى، حتى من القائلين بوضع الالفاظ للصحيح، فالظاهر انه لم يقل احد بان المراد من الصحه فى المقام الصحه من جميع الحيثيات، بل صرحوا بان المراد هو الصحه من حيث الاجزاء والشرائط فقط.

وكيف كان لابد من تصوير الجامع بين الافراد الصحيحه على القول بذلك، وبين الاعم منها ومن الفاسده على القول الاخر، وما قيل فى تصويره على الصحيح وجوه.

احدها: ما ذكره فى الكفايه((33))وحاصله: انه يترتب على الصلاه مثلا اثر بسيطوهو الانتهاء عن الفحشاء، ووحده الاثر على ما برهن عليه فى محله تكشف عن وحده الموثر، فيستكشف من ذلك ان هناك جامع بسيطيكون هو الموثر فى ذلك الاثر وان لم نعلم بحقيقته فنشير بهذا العنوان اليه، ويكون اللفظ موضوعا لذاك الجامع.

ثم ذكر ان تصوير الجامع المركب للصحيحى غير معقول، اذ كل مركب يفرض جامعا يكون صحيحا فى بعض الحالات وبالنسبه الى بعض الاشخاص وفاسدابالنسبه الى البعض الاخر، فلابد وان يكون الجامع امرا بسيطا متحدا مع هذه المركبات لا مسببا عنها، فلا مانع من اجراء البراءه عند الشك فى اجزاء العبادات وشرائطها على هذا القول الى آخر ما افاد.

ونقول يرد عليه:

اولا: انه لا يمكن ان يراد من الموثر الموثر الفعلى، اذ يعتبر فى ذلك امور متاخره عن المسمى التى عرفت انها غير ماخوذه فى المسمى، مثل عدم النهى عنه، فان الصلاه المنهى عنها لا يعقل ان تكون ناهيه عن الفحشاء مع انها بنفسها تكون معصيه وفحشاء، فيعتبر فى الموثر الفعلى ان لا يكون منهيا عنه، وهذا غير داخل فى الموضوع له قطعا، فلابد وان يكون المراد من الموثر بهذا الاثر ما يكون فيه قابليه التاثير لا فعليته، واذا كان كذلك فجمله من الافراد الفاسده كالصلاه بلاسوره يكون فيها قابليه التاثير ولو بلحاظ بعض الحالات، وعليه فيكون هذاالجامع جامعا للاعمى لا للصحيحى.

وثانيا: انه كيف يعقل تصوير الجامع الحقيقى بين المركب الاعتبارى من مقولات متباينه من الكيف النفسانى والكيف المسموع والفعل والوضع وغير ذلك،فتصوير الجامع الحقيقى بحيث يكون متحدا مع الافراد اتحاد الطبيعى ومصاديقه مستحيل، بل تصويره بين اجزاء صلاه واحده غير معقول فكيف بين افرادالصلاه.

واما ما افاده من وحده الاثر المترتب على هذه المركبات فلا يبعد ان يقال: انه ليس امرا واحدا بسيطا مترتبا على تلك المركبات، بل كل جمله منها مترتب على جزء من المركب، مثلا الانتهاء عن الكذب مترتب على تكبيره الاحرام، وعن الغيبه مترتب على الركوع الى غير ذلك، كما يمكن ان يقال بل هو الاقرب الى فهمنا: ان باب التاثير والتاثر بل معناه ان المصلى لا محاله ينتهى عن جمله من الفحشاء، مثلا بعد التفاته الى اعتبار اباحه مكان المصلى ولباسه لا محاله يجتنب عن السرقه والمعاملات الفاسده لان لا تكون امواله مغصوبه. واذا التفت الى اعتبار الطهاره عن الخبث فيها فلا محاله يجتنب عن شرب الخمر واكل لحم الخنزيروالميته ونحو ذلك.

هذا مضافا الى انه يحتمل ان يكون المراد من الانتهاء حصول القرب الموجب لذلك، وعلى اى حال من الضرورى انه ليس هناك اثر خاص بسيطيترتب على الصلاه ليستلزم وحده الموثر وثبوت الجامع البسيط اصلا.

ومما ذكر فى تصوير الجامع الصحيحى ما افاده بعض الاعاظم من المحققين وحاصله: تصوير الجامع بين هذه المقولات لا من حيث ماهياتها بل من حيث وجودها، فان الوجود يكون جامعا بينها فيكون اللفظ موضوعا بازاء الوجوداى يترتب على الاثر الخاص((34))وفيه: اولا: ان مفهوم الوجود امر جامع بين جميع الوجودات حتى بين الوجودالممكن والواجب على بعض الاقوال، ونحن نريد تصوير الجامع بين اجزاءالمركب الخاص.

ثانيا: انه لا ريب فى ان هذه المركبات كالصلاه مثلا من الماهيات وليست من قبيل الوجود، ولذا يحمل عليها الوجود تاره، ويقال الصلاه موجوده، والعدم اخرى، فيقال الصلاه معدومه.

وبالجمله الموثر انما هو الوجودات المتباينه، فلا يمكن تصوير جامع حقيقى بين وجودات اجزاء صلاه واحده، فكيف تصويره بين جميع افراد المركب.

ومما قيل فى تصويره ايضا ما عن بعض اعاظم مشايخنا (قدس سرهم)وهو ايضا تصويره من ناحيه الاثر لكن لا بالتقريب المتقدم، وحاصل ذلك: ان من الالفاظ مايكون موضوعا للماهيه اللابشرط عن جميع العوارض والخصوصيات كما هوالغالب، مثل لفظ الانسان والفرس والبقر، ومنها ما يكون موضوعا لشى ء مبهم من جميع الجهات الا من حيث اتصافه ببعض الاعراض، مثل لفظ ى الغذاء والعشاء،فانهما موضوعان لما يوكل فى وقت خاص مبهم من حيث كونهما من الحنطه اومن الشعير او من الرز، ومثل الخمر فانه موضوع لما يسكر مبهم من حيث كونه متخذا من التمر، او من الزبيب، او من الشعير، او الحنطه، وهكذا لفظ المعجون فانه على ما قيل موضوع لما فيه اصل مبهم من سائر الجهات، فالفاظ العبادات ايضا تكون من هذا القبيل، مثلا لفظ الصلاه موضوع لعباده موظفه فى وقت خاص او موثر فى الاثر المخصوص، مبهم من سائر الجهات((35))انتهى.

والحاصل: ان تصوير الجامع بالنحو المذكور فى الكفايه يرد عليه مضافا الى ماتقدم انه على فرض الغض عن جميع الوجود المتقدمه، وتسليم ان وحده الاثركاشف عن وحده الموثر، وتماميه البرهان المزبور، لا يمكن الالتزام بكون ذلك الموثر هو الموضوع له لهذه الالفاظ، فان المسمى لها لابد وان يكون امرا يفهمه العرف والعامه حتى البدوى، ومن الواضح ان هذا المعنى مما لا يعرفه الخواص فضلا عن العوام والاعراب.

واما تصويره من حيث الوجود، فقد ذكرنا ان مفهوم الوجود مفهوم عام جامع بين جميع الموجودات، مضافا الى ان الصلاه مركبه من امور وجوديه وامورعدميه فكيف يمكن ان تكون من قبيل الوجود ؟! بل لابد وان تكون من قبيل الماهيات، ولذا يحمل عليها ما يحمل على الماهيات، فيقال الصلاه موجوده تاره ومعدومه اخرى، او ثلثها الركوع وثلثها الطهور.

واما ما ذكره بعض اعاظم مشايخنا (قدس سرهم)من انه تاره:

يكون اللفظ موضوعا لذات معينه ماهيه مهمله من حيث جميع العوارض كلفظ الانسان، وهذا هو الغالب فى الالفاظ الموضوعه للطبائع. واخرى: يوضع لماهيه مهمله من حيث ذاتهامبينه من حيث بعض عوارضها كلفظ الغداء والعشاء الموضوعين لما يسد به الجوع فى الوقت الخاص اعم من ان يكون من الحنطه، او من الشعير او من غيرذلك، ولفظ الخمر الموضوع لما يسكر العقل اعم من ان يكون ماخوذا من الخشب او من الشعير او من التمر والزبيب او من غير ذلك، وهذه الالفاظ تكون من قبيل الثانى. مثلا لفظ الصلاه موضوعه لما هو موثر فى الاثر الخاص اوللعباده المفروضه فى الوقت الخاص اعم من ان تكون ركعتين او ثلاثه او اربعه،عن قيام او عن جلوس، او مستلقيا، او مضطجعا الى غير ذلك، انتهى.

وفيه: ان وضع اللفظ للذات المبهمه الا من حيث اتصافها بالعرض الخاص وان كان ممكنا كما فى المشتقات على ما سياتى بيانه مفصلا، مثلا القائم الموضوع لذات متصف بالقيام مبهمه من حيث كونها انسانا قائما، او فرسا او حمارا او جدارا اوذئبا الا ان ذلك لا يصح فى هذه الالفاظ، اذ لو كانت موضوعه لمفهوم الماهيه الناهيه عن الفحشاء، مثلا من قبيل الوضع العام والموضوع له العام، فلازمه ان تكون مرادفه مع هذا العنوان.

وفيه: اولا: وهو خلاف ما يفهمه العرف منها، فان اهل العرف لا يفهمون من لفظ الصلاه الا نفس الاركان.

وثانيا: محل الكلام تصوير الجامع الحقيقى الذى تكون نسبته الى الافراد نسبه الطبيعى الى مصاديقه، وليس هذا المعنى كذلك، بل هو عنوان انتزاعى تكون الاشخاص منشا لانتزاعه، كما فى عنوان القائم المنتزع من الذات المتصفه بذاك الوصف، فانه ليس كليا منطبقا على ما فى الخارج، اذ الموجود فى الخارج ليس الاالذات وتلك الصفه لا غير، ولو كانت موضوعه لكل ما يكون ناهيا اى ناهيا عن الفحشاء والمنكر بنحو الوضع العام والموضوع له خاص كما فى وضع الحروف لواقع التقيدات، فهو مخالف لمبناه من كون الموضوع له فيها عاما كالوضع، مضافاالى انا نرى وجدانا انه يحمل على معانى هذا الالفاظ ما يحمل على نفس الطبيعى.

ومما قيل فى تصوير الجامع ما ذكره بعض المدققين من ناحيه العناوين الثانويه وملخص ما افاد: ان للافعال عناوين اوليه وعناوين ثانويه متولده منها،والعناوين الاوليه للافعال لا تختلف ولا تنفك عنها باختلاف الازمان والامكنه والاشخاص اصلا، مثلا القيام بعنوانه الاولى قيام، فهو قيام فى كل مكان وفى كل زمان وبالنسبه الى كل قوم، واما العناوين الثانويه فهى تختلف باختلاف الازمان والامكنه والعادات، كعنوان التعظيم والاستهزاء وامثال ذلك، فان القيام عندقوم يكون بالعنوان الثانوى تعظيما وعند طائفه لا يكون كذلك، وتعظيم العالم يكون بنحو وتعظيم الملك يكون بنحو آخر وتعظيم الوالد يكون بكيفيه ثالثه الى غير ذلك، بل يمكن ان يختلف بالجعل، مثلا يجعل الملك تعظيمه بلبس لباس مخصوص، اما مطلقا، او فى كل وقت بشكل خاص مثلا تعظيمه فى يوم الجمعه بلبس اللباس الاحمر والتعظيم فى يوم السبت بلبس اللباس الابيض الى غيرذلك.

وبعد هذا ذكر ان لفظ الصلاه مثلا يكون موضوعا للعنوان التوليدى وهو العطف والتوجه والرغبه وما يرادف لفظ (المهربانى) فى الفارسيه وحيث انه من العناوين الثانويه فيختلف بجعل الشارع، ففى الفجر جعل التوجه اليه بصلاه ركعتين، وفى الظهرين باربعه، وفى المغرب ثلاثه، وللقادر عن قيام، وللعاجزعن جلوس، وللمريض عن اضطجاع الى غير ذلك.

وفيه: مع كونه امتن الوجوه صوره انه لو كان وضعها لعنوان العطف بنحو الوضع العام والموضوع له العام، فيرد عليه: مضافا الى بعض الوجوه المتقدمه انه عليه لايمكن التمسك باطلاقها لنفى جزئيه ما يشك فى جزئيته وشرطيه ما شك فى شرطيته فى المامور به، فتامل، وكان هذا هو الغرض من هذا البحث ولا يمكن التمسك بالبراءه ايضا عند الشك فى ذلك، بل لابد من الرجوع الى الاشتغال، لانه شك فى مرحله الامتثال بعد العلم بالتكليف، ولا يلتزم القائل بذلك فى الشك فى الاقل والاكثر الارتباطيين. وان كان الموضوع له فيها خاصا فيرد عليه: مضافا الى ماذكر ان القائل غير ملتزم بذلك فيها.

فتحصل مما ذكره انه لا يمكن تصوير الجامع الصحيحى العرفى بين الافراد اصلا.

هذا كله فى تصوير الجامع الصحيحى.

واما تصوير الجامع على الاعمى، فقد ذكروا فيه وجوها.
منها: عن بعض مشايخنا العظام (قدس سرهم)((36))وهو ان ما تصورناه جامعا صحيحابعينه يكون جامعا على الاعمى لو قطعنا النظر عن صدوره عن الفاعل الخاص،فان كل صلاه تكون صحيحه من اى شخص يمكن ان تكون فاسده اذا فرضناصدورها عن شخص آخر.

بيان ذلك: هو ان الصلاه التى هى مركبه من افعال خاصه لا تختلف تلك الافعال من حيث عناوينها الاوليه، فان القيام قيام صدر من اى شخص، والركوع ركوع كذلك، وهكذا السجود وسائر الافعال، ولكن تختلف من حيث صدورهاعن المصدر، فنفس الافعال الخاصه اذا صدرت من الحاضر تكون صحيحه بعينها، واذا صدرت من المسافر تكون فاسده او بالعكس. وعليه فبالغاء جهه الصدور من الجامع بين الافراد الصحيحه يكون جامعا بين الصحيحه والفاسده،انتهى.

وفيه: ان هذا يتوقف على مقدمتين:

الاولى: ان نتصور الجامع الصحيحى، وقد عرفت انه ممنوع.

الثانيه: ان تكون الكليه من الطرفين، بمعنى ان كل ما يكون صحيحا يمكن فرضه فاسدا وبالعكس كل ما يكون فاسدا يمكن فرضه صحيحا. وهذا ايضا ممنوع،فان الكليه ليست الا من طرف واحد، اذ كل ما يكون صحيحا يمكن فرضه فاسدا، ولكن ليس كل ما يكون فاسدا يمكن فرضه صحيحا، كالصلاه بلا طهوراو بلا ركوع او مع خمسه ركوعات فتامل.

ومنها: ما نقله فى الكفايه((37))عن المحقق القمى من ان المسمى لهذه الالفاظ انما هوالاركان وبقيه الاجزاء والشرائط دخيله فى المامور به لا الموضوع له، وقد اوردعليه بوجوه ثلاثه:

الاول: ان لازمه ان يكون استعمال اللفظ فى مجموع الاركان والاجزاء والشرائطمجازا، لانه ليس من قبيل اطلاق لفظ الكلى على فرده، وانما هو من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للجزء فى الكلام، وهو مجاز اتفاقا.

الثانى: ان لازمه عدم صدق اللفظ على الصلاه الفاقده لبعض الاركان ولو كانت مشتمله على تمام الاجزاء والشرائط، ومن الواضح صدقه عليها عرفا.

الثالث: ان لازمه ان تصدق الصلاه على مجرد الاركان فقط، ولا يصدق عليهاعرفا. هذا ونتعرض لهذه الوجوه بعد اتمام الكلام فى تصوير الجامع.

ومنها: ما حكاه فى الكفايه((38))ايضا، وهو ان يكون اللفظ موضوعا لما يدورمدار التسميه عرفا.

وفيه: ان الصلاه ليست امرا عرفيا لتدور التسميه فيها مدار الصدق العرفى، بل لابد فى تعيين معناها من الرجوع الى الشرع، مضافا الى ان ذلك احاله الى مجهول، فهو بظاهره فاسد.

والتحقيق ان يقال: ان المركبات على قسمين:

منها: ما يكون مركبا حقيقيا خارجيا اى يكون له وجود واحد فى الخارج،كالماهيات الحقيقيه مثل الانسان والغنم والشجر، وفى ذلك لابد من ان تكون اجزائه مبينه ويستحيل الابهام فيها.

ومنها: ما يكون مركبا اعتباريا بحيث تكون هناك وجودات عديده اعتبرت شيئا واحدا كما فى الدار والمعاجن، وممكن ان تكون مبهمه من حيث الاجزاء،مثلا تكون الدار اسما لساحه يكون بها حائط وغرفه لا يشترط من حيث السطح والسرداب والحوض ونحوه، فان وجدت فيها فيطلق الدار على مجموعها، وان لم توجد فلا يضر بصدقها على الساحه المحاطه بجدار مشتمله على غرفه، وان نقص من ذلك لا يصدق هذا العنوان، فيكون الموضوع له لا بشرط من حيث الزياده،وهذا نظير قولهم: (الكلمه ما ركب من كلمتين فصاعدا) فلفظ (احد) كلمه وان زيد عليه الميم وقيل: (احمد) والمجموع ايضا كلمه، والصلاه ايضا من هذا القبيل، فهى موضوعه لمعظم الاجزاء فصاعدا، ونظير ذلك عنوان البلدوالقريه ونحوها.

وبهذا يندفع احد الاشكالات الثلاثه المذكوره فى الكفايه، وهو كون استعمال اللفظ الموضوع للجزء فى الكل، اذ على ما ذكرناه يكون الموضوع له لا بشرط من حيث بقيه الاجزاء، فاطلاقه على الصلاه الصحيحه التامه يكون من قبيل اطلاق الكلى على الفرد لا استعمال الموضوع للجزء فى الكل.

ثم انه لابد فى تعيين مقوم كل مركب من الرجوع الى مخترعه، ومخترع الصلاه هوالشارع، فلابد من تعيين معظم الاجزاء الذى هو المقوم للمركب وهو المسمى والموضوع له من الرجوع اليه، فنرى ان فى الاخبار ورد ان الصلاه اولها التكبيروآخرها التسليم فمن ذلك نستكشف ان المقوم الاول للصلاه هو تكبيره الاحرام،ومقومه الاخير هو التسليم ان قلنا بان نسيان التسليم مبطل للصلاه، كما ذهب اليه بعض الاعلام وذكر انه اذا وقع الحديث بعد التشهد وقبل التسليم يكون مبطلالكونه واقعا فى الاثناء، واما ان قلنا بان نسيان التسليم لا يوجب بطلانها كما هوالحق، لحديث لا تعاد، فنلغى مقوميه التسليم، ونقتصر على خصوص التكبير.وورد فى الاخبار ايضا ان الصلاه ثلثها الركوع وثلثها السجود، فنستفيد منه ان الركوع والسجود ايضا من الاجزاء المقومه لها، هذا من حيث الاجزاء. ومن حيث الشرائط ورد ان ثلثها الطهور، فنفهم ان الطهاره شرط مقوم للصلاه،وعليه فيكون المقوم لهذا المركب الاعتبارى امور اربعه: (التكبير، والركوع،والسجود، والطهور، والسلام ايضا) على قول والهيئه الاتصاليه المعتبره عرفا فى جميع المركبات.

وهذه الامور هى الموضوع له للصلاه لكن كما عرفت فصاعدا من حيث سائرالاجزاء والشرائط، وبهذا تندفع بقيه الاشكالات المذكوره فى الكفايه ايضا.

اما ما ذكره من لزوم صحه اطلاق الصلاه على مجرد الاركان ولو لم تكن منضمه الى غيرها من الاجزاء مع انه لا يصدق عرفا.

فجوابه: انا نلتزم بصحه اطلاقها عليها، بل ربما تكون صحيحه ومجزيه كما فى صوره نسيان سائر الاجزاء. مثلا لو فرضنا انه كبر ونسى القراءه فركع ونسى الذكر فرفع راسه وسجد ونسى ذكر السجود والتشهد الى ان سلم، فبمقتضى حديث لا تعاد نقول: باجزاء تلك الصلاه فضلا عن اطلاق الصلاه عليها.

واما اشكاله الثالث، وهو لزوم عدم صدق الصلاه على ما نقص من الاجزاء ركن واحد وان كانت مشتمله على بقيه الاجزاء والشرائط.

فجوابه: انه لو لم يكن الماتى به مشتملا على بعض هذه الاركان اصلا، ويكون فاقدا لطبيعى الركوع او السجود مثلا فهو ليس بصلاه حقيقيه، وانما هو شكل صلاه. واما لو كان مشتملا على الطبيعى ولكن كان ناقصا من حيث العدد بان كان مشتملا على ركوع واحد فهو صلاه، اذ المعنى فى المسمى كان طبيعى هذه الامور لا خصوصياتها من حيث العدد وغيره.

هذا ويبقى الكلام فى انه ما المراد من الركوع او السجود المعتبر فى المسمى، هل المراد منه خصوص الركوع الاختيارى للقارى او اعم منه ومن غيره من المراتب؟! وعلى الثانى يلزم التبدل فى المقوم ايضا.

وبالجمله على المختار من ان الموضوع له لفظ الصلاه انما هو الاجزاء الخاصه فصاعدا ولا بشرط عن بقيه الاجزاء من حيث المسمى بحيث كلما وجد شى ء منهايكون جزء الفرد كما هو الشان فى كثير من المركبات الاعتباريه، تندفع جميع الاشكالات الثلاثه او الاربعه المذكوره فى (الكفايه) وغيرها التى منها لزوم كون استعماله فى جميع الاجزاء مجازا، فان اخذ المسمى لا بشرطيدفع هذاالاشكال.

ثم ان مسمى الصلاه على ما ذكرنا انما هو التكبير والركوع والسجود والسلام على اشكال حيث ان للركوع والسجود مراتب اربعه: (الركوع القيامى والركوع الجلوسى والايماء بالراس والايماء بالعين) وهكذا السجود، فلابد وان يكون الماخوذ فى المسمى بعد التكبير احد مراتب الركوع واحد مراتب السجود بهذاالعنوان عرفا فى المسمى لا طولا وبنحو البدليه، نظير المطلوب فى الواجب التخييرى وهو عنوان احد الامرين او الامور ومتعلق غرض العطشان اذا ارادما يرفع به عطشه. مثل لفظ (الحلو) الذى هو موضوع لما يتركب من شى ء (حلو) واحد الامرين من طحين الحنطه او التمن بالكيفيه الخاصه.

ولا يرد على هذا البيان ما ذكر فى الكفايه وقواه المحقق النائينى (قدس سره)((39))من انه لامعنى للبدليه فى المسمى بان يكون شى ء دخيلا فيه واذا لم يكن فبدله شى ء ثانى،وهكذا، فان احد المراتب على ما عرفت يكون دخيلا فى المسمى عرضا من دون ان يكون بعضها بدلا عن بعض ليلزم التبدل فى اجزاء المسمى.

وهكذا لا يلزم دخول جزء فى الماهيه على تقدير وجوده وعدم دخوله على تقديرعدمه على ما افاده المحقق النائينى((40))لنحتاج فى دفعه الى الالتزام بالتشكيك فى الوجود الى آخر ما ذكر فى التقريرات. فان استحاله ذلك انما هى فى المركبات الحقيقيه لا الاعتباريه.

نعم يرد على المختار خروج صلاه الميت وصلاه الغريق عن عنوان الصلاه ونلتزم بذلك، اما صلاه الميت فقد ورد فى الاخبار انها ليست بصلاه، وانما هى دعاء،معللا بانه ليس فيها ركوع ولا سجود، ولذا لا يعتبر فيها شى ء مما يعتبر فى الصلاه عدا ما دل الدليل بالخصوص على اعتباره فيها كالقبله.

واما صلاه الغريق، فهى ايضا ليست بصلاه، وانما التكبيرات الاربعه التى هى وظيفته يكون كل تكبير منها بدل من ركعه، فهى وظيفه معينه غير الصلاه شرعت فى حقه ليشتغل فى حال موته بذكر اللّه تعالى، وليس ذلك بصلاه، ولايكون الغريق مكلفا بها اصلا، والا لكان عليه الاتيان بما يقدر من اجزائها ولوبتكبيره الاحرام والبسمله، مع انه لم يقل احد بوجوبها عليه.

ثم انا بعد ما ابطلنا امكان تصوير الجامع على الصحيحى وبنينا على استحالته فلانحتاج فى مقام الاثبات الى دليل بعكس ما ذكره فى (الكفايه)، فانه بعد استحاله تصوير الجامع الاعم يلتزم بالصحيح ونحن بالعكس.

وما استدل به للصحيحى من الاخبار الوارده فى ان الصلاه معراج المومن،وعمود الدين، وتنهى عن الفحشاء وامثال ذلك لا دلاله على شى ء منها، وذلك لان المراد من الصلاه فيها هو الصحيح لا المسمى، وفيها قرينه عقليه على ذلك،مضافا الى ان تلك الصلاه لا يمكن ان تكون موضوعا له للفظ الصلاه حتى على الصحيحى، لانه يعتبر فيها الصحه الفعليه المتوقفه على امور لا يمكن اخذها فى المسمى، على ان الصلاه كثيرا ما تستعمل فى الفاسده، فيقال يعيد صلاته او النهى عن الصلاه فى الحرير ونحوه مما لا يصح الصلاه فيها، فلا يخفى ان ما ذكرناه فى الصلاه يجرى فى كل ماهيه مخترعه يكون لها مراتب، وفيما ليس له الا مرتبه واحده كالصوم مثلا، فلا مجال للنزاع فى الصحيح والاعم اصلا، وبهذا نختم الكلام فيما قيل فى تصوير الجامع فى المقام.

واما ثمره البحث فالمشهور ذكروا فيها امرين:
الثمره الاولى: انه على الصحيحى عند الشك فى شرطيه شى ء

او جزئيته للمامور به لابد من الرجوع الى الاشتغال لان الشك يكون فى مرحله الامتثال، واما على الاعمى فيرجع الى البراءه، وقد اشكل الشيخ على ذلك بان الرجوع الى البراءه او الاشتغال فى الاقل والاكثر الارتباطيين اجنبى عن ذلك وانما هو متوقف على انحلال الامر المتعلق بالمركب الارتباط ى وعدمه، فانه بناء على الانحلال يكون تعلق التكليف بالاجزاء المعلومه متيقنا ويشك فى تعلقه بالجزء المشكوك فيرفع بالبراءه، واما بناء على عدم الانحلال المشكوك فثبوت اصل التكليف الوجدانى يقينى، ولكن يدور الامر بين ان يكون متعلقا بالاجزاء بشرط شى ء او بها لابشرط بعد ضم مقدمه الى ذلك وهو استحاله الاهمال فى نفس الامر، وهما فردان لللابشرط المقسمى، وعليه فيكون المكلف به مرددا بين ضدين، ومقتضى القاعده فيه هو الاشتغال فاذن يكون الرجوع الى الاشتغال، او البراءه اجنبياعن هذا المبحث. هذا حاصل ما افاد.

واورد عليه المحقق النائينى((41))، بان هذا - اعنى الرجوع الى الاشتغال على القول بعدم الانحلال والى البراءه على القول بالانحلال - انما يتم فى احد الشقين اى على القوم بالاعم. واما على الصحيح، فلا وجه للتفصيل اصلا، بل يكون المرجع هوالاشتغال دائما، فان الشك عليه يكون فى مرحله الامتثال وهومورد الاشتغال.

ونقول: ما افاده (قدس سره) باطلاقه غير صحيح، وذلك لان الاقوال فى تصوير الجامع الصحيحى ثلاثه:

قول: بانه امر بسيطيكون نسبته الى الافراد نسبه الكلى الى مصاديقه كالانسان وافراده، وهذا الذى اختاره فى الكفايه، غايته ذكر انه لا يمكننا العلم به تفصيلا،فلابد وان نشير اليه باثاره من النهى عن الفحشاء ونحوه.

وقول: بانه امر انتزاعى تكون الافراد منشا انتزاعه كعنوان القائم والضارب المنتزع من الشخص المتصف بالقيام او الضرب.

وقول ثالث: بانه مسببب توليدى من الافعال الخارجيه كعنوان القتل المتولد من ضرب العنق ونحوه.

وعلى هذا فان قلنا بان الجامع بين الافراد الصحيحه نسبته الى الماتى به نسبه الطبيعى والفرد، فحيث ان الطبيعى متحد مع الفرد وجودا، بل هو الفرد مع الغاءالخصوصيات الفرديه، فالامر به بعينه امر بالافراد الخارجيه، فعلى القول بالانحلال يكون تعلق التكليف بالامور المعلومه متيقنا فتامل، ويشك فى تعلقه بالجزء المشكوك فيه فيرفع بالبراءه، بخلاف ما لو لم نقل بالانحلال.

هذا ولكن اصل المبنى فاسد، فان تصوير الجامع الحقيقى المنطبق على ما فى الخارج انطباق الكلى على افراده يكون اردء الوجوه المذكوره فى المقام، اذ الجامع بين الافراد الصحيحه لا يمكن ان يكون مركبا، لما ذكرنا من ان اى مقدار من الاجزاءاذا فرض جامعا يكون صحيحا بالقياس الى بعض المكلفين وفاسدا بالنسبه الى البعض الاخر، فلابد وان يكون بسيطا، والجامع البسيطيستحيل انطباقه على المركب خصوصا من المقولات المتباينه فانه يكون من قبيل انطباق الواحد على الاثنين وانطباق الجوهر على العرض، فالمبنى فاسد.

واما على القولين الاخرين، فكما ذكره لا يمكن الرجوع الى البراءه اصلا، لان الشك دائما يكون فى المحصل للامر الانتزاعى او للعنوان التوليدى بعد العلم بتعلق التكليف بهما، وهو مورد الاشتغال.

فتحصل: انه على الصحيحى يكون الحق مع الشيخ مع بعض الاقوال ومع النائينى(قدس سره)على بعض، فالصحيح هو التفصيل.

والتحقيق فى المقام: ان النزاع فى البراءه والاحتياط فى الشبهات التحريميه وان كان كبرويا الا انه لا نزاع فى جريان البراءه فى الشبهات الوجوبيه اذا كان الشك فى التكليف دون المكلف به، فكلما وقع النزاع فيه فى الرجوع الى البراءه والاشتغال من الشبهات الوجوبيه كالاقل والاكثر الارتباطيين يكون النزاع فيه صغرويا فى ان الشك فى ذلك هل هو فى اصل التكليف لتكون من صغريات موردالبراءه او فى المكلف به ليدخل فى صغريات مجرى الاشتغال.