اذا عرفت ذلك نقول: على القول بالاعم يكون الرجوع الى
البراءه او الاشتغال متفرعا على الانحلال وعدمه، اذ.
على الاول - يكون تعلق التكليف بالمتبقى معلوما ويشك فى
وجوب الزائد،والشك فيه فى اصل التكليف، فيدفع بالبراءه.
وعلى الثانى - يكون اصل التكليف ثابتا ويشك فى المكلف به
لتردده بين ضدين على ما ذكرنا، فكلام الشيخ على الاعمى واضح.
واما على الصحيحى، فلو التزمنا بان الجامع بين الافراد
الصحيحه نسبته الى الافراد نسبه الكلى الطبيعى الى مصاديقه، وقلنا بان الطبيعى امر بسيط يوجد فى ضمن الافراد، فلا
مجال حينئذ للرجوع الى البراءه، لان تعلق التكليف بذلك الامر
البسيط معلوم، فيكون الشك فى حصول امتثاله باتيان هذا
الفرد، وهو
مورد الاشتغال. واما لو قلنا بان الكلى لا وجود له فى
الخارج، وانما هو مشير الى الافراد وفى الحقيقه تكون الافراد
متعلقا للتكليف، فيكون تعلق التكليف بالاجزاء المتبقيه معلوما
ويشك فى تعلقه بالجزء المشكوك، فالشك فى التكليف،فيرجع الى البراءه.
واما على القول بان الجامع عنوان توليدى او عنوان انتزاعى فلا
معنى حينئذلدعوى الانحلال اصلا، بل لابد من الرجوع الى
الاشتغال، لان الشك دائمايكون فى المحصل، فكلام المحقق النائينى (قدس سره) تام الا
فى فرض واحد.
وتلخص ان الثمره الاولى للبحث ثابته، اذ على الصحيحى لا
يرجع الى البراءه الافى صوره واحده، بخلافه على الاعمى فانه مبنى فيه على الانحلال.
الثمره الثانيه: التى ذكروها انه على الاعمى يمكن التمسك
ونقول فى بيانه: ان الاطلاق تاره: يكون اطلاقا مقاميا، واخرى: لفظيا.
والاطلاق المقامى عباره عن سكوت المولى عن بيان شىء مع
كون المقام مقتضيالبيانه لو كان دخيلا فى غرضه، كما فى
روايه (حماد) الوارده فى كيفيه الصلوات،وهذا هو الذى يعبر
عنه بان (عدم الوجود دليل على العدم) او ان (السكوت
فى مقام البيان بيان)، وبالجمله لو كان المولى فى مقام بيان تمام غرضه ولم يبين
شيئايستكشف منه عدم المقتضى بتبعيه مقام الاثبات لمقام الثبوت.
ويجرى ذلك فى التكاليف الاستقلاليه والضمنيه، مثلا لو كان
فى مقام بيان كيفيه الصلاه ولم يبين وجوب القنوت فيها
تمسك بالاطلاق المقامى لعدم دخله فيها.وهكذا لو كان فى
مقام بيان الوظائف اليوميه ولم يذكر صلاه الليل نستكشف
عدم وجوبها الى غير ذلك، وهذا الاطلاق جار على القول
بالصحيح والاعم، ولايفرق فيه القولان.
واما الاطلاق اللفظ ى، فاول مقدمه من مقدماته ان يكون صدق
اللفظ بما له من المفهوم على المورد والموجود الخارجى
محرزا. فلو لم يكن الصدق محرزا، امالشبهه مفهوميه، او
لشبهه موضوعيه لا يكون مجال للتمسك بالاطلاق. مثلا
وردفى الايه: (وانزلنا من السماء ماء طهورا)((42))، وصدق
الماء على اللزاج والكبريت مشكوك مفهوما، فلو شك فى
طهوريه ذلك لا يمكننا التمسك باطلاق الايه اصلا، وهكذا لو
شككنا فى طهوريه المايع المردد بين الماء والنفط، لا
يمكنناالرجوع الى اطلاق الايه، لانه صدق الماء على ذلك
المايع غير محرز وورد فى الايه (احل اللّه البيع) ج البقره / 275
ج فلو شك فى صحه بيع وقع بغير العربيه مثلا لاجل الشك فى
اعتبارها فيه بعد فرض صدق البيع عليه لا مانع من الرجوع الى
اطلاق (احل اللّه البيع) سواء كانت الحليه بمعنى الاقرار
والامضاء او كانت بمعنى الحليه العقليه، واما لو شككنا فى صحه
بيع غير الاموال من جهه الشك فى صدق البيع على ذلك لاجل
احتمال اعتبار ماليه العوضين فى عنوان البيع كما هوظاهر
تعريف المصباح، فانه لا يتوهم عاقل جواز التمسك باطلاق
الايه حينئذلاثبات صحه مثل ذلك البيع، لان صدق الموضوع
عليه يكون مشكوكا فيه.وبالجمله فاول المقدمات هو احراز
صدق اللفظ على المورد، واذا ثبت ذلك يضم اليه بقيه
المقدمات الاخر، فيتم الاطلاق، والا فلا مجال لذلك اصلا.
اذا عرفت هذا نقول: على الصحيح لا يمكن التمسك بالاطلاق، لا لما قيل من ان المكلف به هو العمل المقيد بالصحه،
والصحه ماخوذه فيه اما قيدا واما تقيدا،ليقال ان ذلك غير
ماخوذ فى المامور به فتمسك فيه بالاطلاق، فانه غير تام
اذالصحه عنوان منتزع من انطباق المامور به، على الماتى به
كما ان الفساد منتزع من عدم انطباقه عليه، فهما متاخران عن تعلق الامر بالشىء واتيانه خارجا،
فكيف يعقل اخذ الصحه فى الامر ؟! بل لان الموضوع له على ذلك يكون مجملا عرفا
وقداشير اليه باثاره واذا لم يكن مبينا فلا محاله يشك فى صدقه على العمل الفاقد
للجزء او الشرط المشكوك فلا مجال فيه للتمسك بالاطلاق.
واما على الاعمى فصدق اللفظ على الفاقد يكون محرزا ويشك
فى دخل قيد زائدفيه، فاذا انضم اليه بقيه المقدمات يتمسك
بالاطلاق، وهذا واضح، فهذه الثمره ايضا تامه.
وقد اورد على ذلك بوجهين:
الوجه الاول: ان هذه الثمره فرضيه لا يترتب عليها اثر فقهى،
وذلك لانه يعتبرفى التمسك بالاطلاق بعد فرض صدق اللفظ
على المشكوك فيه ان يكون المتكلم فى مقام البيان، وليس فى
الفاظ العبادات الوارده فى الكتاب والسنه ما احرز فيه ذلك بل
نحتمل فيها كون الشارع فى مقام التشريع لا بيان الاجزاء
والخصوصيات.
وفيه: انه ان اريد بذلك خصوص الفاظ العبادات الوارده فى
الكتاب فالامركذلك، وان اريد به ما فى الروايات ايضا فهو غير صحيح كما يظهر ذلك من
مراجعتها.
الوجه الثانى - ان ما ذكر من اعتبار صدق اللفظ بما له من
المفهوم على المشكوك فى التمسك بالاطلاق ليس المراد منه
صدق الطبيعى بما هو طبيعى، بل بما له من
القيودوالخصوصيات الماخوذه فى الموضوع، مثلا ورد فى الاخبار ان اللّه خلق الماء
طهورا لا ينجسه شىء، وقد قيد ذلك
بمفهوم قوله (ع): (الماء اذا بلغ قدر كر لاينجسه شىء)((43))،
فلو راينا ماء غير معلوم كريته لا يمكن التمسك
باطلاق الحديث الاول لاثبات طهوريته، لان صدق الماء بما هو عليه وان كان محرزا
الا ان صدقه بما اخذ فيه من القيد بمقتضى الحديث الثانى غير محرز.
وبعباره اخرى: التمسك بالعموم فى الشبهات المصداقيه غير
جائز فضلا عن الاطلاق. وعليه فنقول على الاعمى ولو كان
الطبيعى بما هو صادقا على الفردالفاقد للمشكوك الا ان المراد
من المامور به ليس هو الطبيعى بما هو، بل الطبيعى الصحيح،
اذ هو مطلوب المولى، وصدقه بهذا القيد على الفاقد مما لا يحرز فلايمكن التمسك
بالاطلاق على الاعمى ايضا.
هذا وقد اطالوا الكلام فى الجواب عن هذه الشبهه.
ولكن جوابها اتضح بما بيناه، فان الصحه التى هى امر انتزاعى
من انطباق الماموربه على الماتى به لا يعقل اخذه فى المامور
به على الصحيحى فكيف على الاعمى،
بل المامور به هو
الطبيعى من دون ان تكون الصحه ماخوذه فيه لا قيدا ولا تقيدا،
فالثمره ثمره مهمه تامه.
ثم انه من الموارد التى ورد لفظ الصلاه فى مقام البيان ويمكننا التمسك باطلاقه
ماورد فى باب قضاء الفوائت (من فاتته فريضه فليقضها كما فاتت)، فانه وقع الخلاف فى اعتبار
الترتيب بين الفوائت فى غير الصلوات المترتبه، فذهب
بعض الى اعتباره مطلقا، والمحقق النائينى الى اعتباره فى
خصوص ما علم الترتيب،وبعض آخر الى عدم اعتبار الترتيب
فيها مطلقا، كما فى الصوم. فلو شككنا فى ذلك ولم يكن هناك
دليل خاص فيتمسك باطلاق دليل القضاء على الاعمى ونحكم
بعدم اعتبار التريب دون الصحيحى، فانه على الصحيحى لابد
من الرجوع الى الاصل العملى وهو الاشتغال، فما قيل من ان
الثمره فى المقام ثمره فرضيه غير صحيح، واذا تتبعت تعثر على غير ذلك ايضا.
ومن الثمرات التى رتبناها على هذا البحث فى الدوره السابقه
ما اذا حاذى الرجل مع المراه فى الصلاه ولم يكن بينهما مقدار
ذراع واحد او عشره اذرع على الخلاف، ولكن كان احدهما
سابقا على الاخر فى الشروع فيها، فانه حينئذ تكون
صلاه اللاحق محكومه بالفساد يقينا. واما فساد صلاه السابق
منهما فمبنى على هذا
البحث، فان قلنا ان الصلاه اسم للاعم
فيصدق ان السابق يصلى وبحذائه امراه تصلى ان كان رجلا
وبالعكس ان كانت المراه، واما على الصحيح فلا يصدق
هذاالعنوان. وهكذا لو فرضنا ان صلاه احدهما فاسده من غير
جهه المحاذاه، كما يقع الابتلاء بذلك كثيرا، فيرى الانسان ان
هناك امراه تصلى صلاه فاسده ويريد ان يصلى بحذائها، فهو
ايضا مبنى على ما ذكر.
فهذا ايضا ثمر مهم، الا ان ذلك لا يمكن ان تكون ثمره لمسئله
هذا تمام الكلام فى ثمره البحث فى العبادات.
واما فى المعاملات فربما ينكر ثبوت هذه الثمره اعنى التمسك
بالاطلاق على الصحيح دون الاعم، بل يتمسك باطلاق
الفاظها على التقديرين، وقد ذكر لذلك وجوه:
احدها: انه ليس للشارع معامله تاسيسيه اصلا، بل جميع
المعاملات امضائيه،غايه الامر قد زاد الشارع فيها بعض
الخصوصيات، او الغى بعض اقسامها كبيع المنابذه مثلا. فلابد
من حمل الفاظها اذا صدر من الشارع على المعانى
العرفيه مطلقا، فما يعتبره العرف فى معامله لابد من اعتباره،
وما لا يعتبره فيها يتمسك باطلاق اللفظ لعدم اعتباره من غير
فرق بين القول بالصحيح والقول بالاعم.
وفيه: ان هذا انما يتم لو كانت الالفاظ موضوعه للاسباب،
وليس الامر كذلك،
بداهه ان المراد من النكاح فى قوله (ص) (النكاح سنتى)((44)) ليس مجرد قول انكحت، وليس المراد من
(احل اللّه البيع)((45)) حليه قول بعت واشتريت فقط،
وانما المراد المسببات المترتبه على ذلك من الزوجيه والنقل
والانتقال وامثال ذلك. وعلى هذا فلا يمكن التمسك بالاطلاق
على المسلكين، لما عرفت من انه يعتبر فى التمسك بالاطلاق
تحقق الطبيعى فى الخارج وصدقه عليه،وتحقق المسبب عند
احتمال دخل قيد مفقود فى السبب غير محرز، فكيف يمكن
التمسك بالاطلاق، ولذا التجا بعض للتمسك بالاطلاق فى
باب المعاملات الى قوله تعالى: (اوفوا بالعقود)((46))،
بدعوى ان العقد اسم للاسباب قطعا والايه بوحدتها جامعه لجميع المعاملات.
واورد على ذلك ان العقد وان كان اسما للسبب الا انه لابد من
حملها فى الايه على المسبب للحكم المترتب عليه وهو (اوفوا)، فان الوفاء ليس معناه ترتيب الاثركما ذكره بعض الاساطين بل
معناه الانهاء والاتمام يقال: (درهم واف) اى كامل، فلا معنى
للوفاء بالسبب الذى هو امر يوجد وينصرم، بل لابد من ان يتعلق
بمايكون فيه قابليه الاتمام، وليس ذلك الا المسبب، فالمراد بالوفاء بالعهد اتمام
الالتزام.
وهكذا فى الوفاء بالنذر وامثال ذلك، وعليه فمن الحكم بالوفاء
بالعقود يستفاد ان المراد منها المسببات دون الاسباب، فيعود المحذور.
وقد ذكر المحقق النائينى((47)) للتمسك بالاطلاق فى
المعاملات وجها آخر حاصله:ان نسبه الانشائات الى المعاملات
ليست نسبه السبب الى المسبب، وانما هى نسبه الاله الى ذى
الاله، وحيث انهما متحدان وجودا يمكن التمسك باطلاق ذى
الاله لنفى اعتبار خصوصيه فى الاله، مثلا لو امر بالقتل يمكن
التمسك باطلاقه لنفى احتمال اعتبار آله خاصه فيه من الخنق
والغرق والحرق والقتل بالسيف وامثال ذلك.
وفيه: على تقدير تسليم الاليه نقول ان الاله وذيها موجودان
مستقلان بالبداهه ولا وجه للتمسك باطلاق الاله لنفى
الخصوصيه عن ذيها، كما لا يمكن التمسك باطلاق المسبب
لنفى القيد عن سببه، وقياس المقام بالامر بالقتل قياس مع
الفارق، فان القتل امر تكوينى وآلاته ايضا امور تكوينيه، واما
المعاملات فالاتها ايضالابد وان تثبت بامضاء من الشارع، واطلاق دليل ذى الاله غير
متكفل لامضاءالالات كما لا يخفى.
فالتحقيق: يقتضى ان ننظر فيما هو الموضوع له لالفاظ
المعاملات اولا، ثم تعيين المراد من الصحيح والاعم فيها،
فنقول: الموجود فى الخارج فى مقام البيع وغيره من
المعاملات امور ثلاثه: اعتبار المتعاملين، وابراز ذلك، وامضاء
العقلاءوالشارع. ومن الواضح ان البيع مثلا ليس اسما لمجرد
اعتبار المتبايعين، اذ لو اعتبرالمعاوضه فى نفسيهما ولم
يبرزاه اصلا بل علمنا ذلك من جفر او رمل لا يقال انهماباعا
مالهما، وهكذا ليس اسما لنفس قول (بعت) مجردا عن
الاعتبار بحيث لو كان المتكلم مازحا او كان فى مقام التمثيل
لصيغه المتكلم وقال (بعت) يكون ذلك بيعاعرفا، وهكذا لا
يمكن ان يكون اسما للامضاء الشرعى او للمقيد بذلك، للعلم
بان هذه الالفاظ كانت مستعمله قبل ورود شرع وشريعه، بل لا
يعقل ذلك فى مثل قوله تعالى (احل اللّه البيع) اذ لو كان البيع
اسما للبيع الممضى شرعا لما امكن اخذه موضوعا ل (احل) فانه
لا معنى لان يقال احل الحلال ويوخذ الحكم فى الموضوع،
فيدور الامر بين ان يكون اسما للااعتبار المبرز مطلقا او
للاعتبارالمبرز للمعنى عند العقلاء وما يستفاد من اللغه وموارد
الاستعمالات هو الاول،وعلى التقديرين بعد ما تحقق بيع مثلا واحرزنا صدق عنوان البيع
عليه عرفاوعند العقلاء ولكن احتملنا دخل قيد زائد فى تاثيره نتمسك باطلاق (احل
اللّهالبيع)((48)) وننفى اعتباره من غير فرق بين القول
بالصحيح او الاعم، وبالجمله ففى المقام امور اربعه: اعتبار
المعاملين، وابرازهما، وامضاء العقلاء فان العقلاءلا يمضون كل
بيع وقع فى الخارج كما فى بيع مال الغير او من لا يكون مالكا
له اوبيع المجنون والسكران فانه اعتبر فى كثير من المعاملات
كالبيع امورا لم يعتبرهاالعقلاء مثل عدم الغرر وعدم كون البيع
كلبا او خمرا مثلا وامضاء الشارع.
والبيع اسم لاعتبار المبادلين الذى يكون مبرزا فى الخارج، اما باللفظ وامابالتعاط
ى الخارجى او بغير ذلك مما جعل مبرزا للاعتبار حتى مثل القاء الخمارعلى راس الزوجه
فى طلاق الاخرس مثلا.
واما التقيد بالامضاء الشرعى فقد عرفت ما فيه. واما دخل
الامضاء العقلائى فى المسمى واخذ الصحه بهذا المعنى فيه وان
كان ممكنا الا انه على هذا ايضا لو تحقق خارجا جامعا للقيود
المعتبره عند العقلاء وشككنا فى صحته لاحتمال ان
يكون الشارع قد اخذ فيه قيدا آخر كالعربيه مثلا يدفع ذلك
بالاطلاق سواء ذهبنا الى الصحيح بهذا المعنى، او الى الاعم
وعدم دخل امضاء العقلاء فى المسمى. نعم تظهر الثمره بين
القولين فيما اذا شككنا فى صحه بيع لم نحرز كونه جامعا
للشرائطالمعتبره فى امضاء العقلاء، فانه حينئذ على القول
بالاعم يمكننا التمسك بالاطلاق دون الصحيحى، والثمره
المهمه لذلك تظهر فى بعض اقسام البيع المستحدثه، هذاكله فى التمسك باطلاق البيع
والتجاره ونحو ذلك.
واما التمسك باطلاق (اوفوا بالعقود)((49))، فالعقد المرادف
فى اللغه الفارسيه للفظ (كره) موضوع للعهد والالتزام المشدد، اى المبرز على ما ذكر
فى كتب اللغه، فهو يشمل كل التزام ابرز خارجا.
واما الوفاء فهو بمعنى الاتمام والانهاء، والامر بذلك فى الايه
ليس امرا مولويابحيث توجب مخالفته ورفع اليد عن الالتزام
العقاب والفسق، وانما هو امرارشادى كما بين فى محله من كتاب البيع.
فللايه مدلول مطابقى وهو الامر باتمام كل عقد، ومدلول
التزامى وهو صحته وامضائه شرعا وعليه، فمهماشككنا فى صحه عقد او فساده يمكننا
التمسك باطلاق(اوفوا)، سواء كان البيع الخارجى المشكوك صحته جامعا للشرائط المعتبر
فى الصحه عند العقلاء ام لم يكن.
نعم فى مثل ذلك على الاعمى يمكننا التمسك باطلاق (احل
اللّه البيع) و(تجاره عن تراض) وامثال ذلك ايضا، بخلافه على
الصحيحى فانه عليه يكون الاطلاق منحصرا باطلاق (اوفوا)
دون تلك المكلفات، وهذا واضح.
هذا كله فى ثمره البحث عن الصحيح والاعم فى المعاملات.
ثم انك قد عرفت ان المراد بالصحيح فى العبادات ليس هو
الصحيح من جميع الجهات، بل المراد منه الصحيح من حيث
الاجزاء والشرائط المقومه للطبيعى،ويعبر عن الاول بجزء الطبيعى وعن الثانى بشرطه.
وهناك امور اخر قد عبر عنها فى الكفايه بجزء الفرد وشرط
الفرد بان لا يكون مقوما للطبيعى الذى تعلق به الامر، لكنه اذا
وجد فى ضمنه يصدق على المجموع انه فرد للطبيعى المامور
به، فيكون مامورا به بما هو فرد للطبيعى ومصداقه، وقديمثل
لجزء الفرد بالاستعاذه والتكبيرات الافتتاحيه والقنوت ونحو
ذلك، ولشرطالفرد بايقاع الصلاه فى المسجد او جماعه وامثال ذلك.
ولكن التحقيق: ان جزء الفرد وشرط الفرد مما لا معنى له اصلا، وذلك لانه بعد مافرضنا ان الطبيعى المامور به مركب من
امور ليس هذا منها، يستحيل ان يعمه الامر المتعلق بذاك
الطبيعى فاذا كان مطلوبا لابد وان يكون بطلب آخر غيرالطلب
المتعلق بالطبيعى، غايته اما بنحو المطلوب فى المطلوب نظير الادعيه الوارده فى
ايام شهر رمضان التى يكون ظرف محبوبيتها تلك الاوقات بحيث يترتب على امتثالهما
اجران وثوابان.
واخرى يكون ايجاد الطبيعى الواجب فى ضمن خصوصيه
خاصه محبوبا، وعليه يترتب على امتثالها اجر قوى لا اجران.
والفرق بينهما اعتبارى، والمثال العرفى لذلك ما اذا طلب
المولى من عبده الماء،فان العبد لابد له عقلا من اتيانه فى اناء
لا محاله، وتختلف الاناءات من حيث المحبوبيه والحزازه،
فامتثال ذاك التكليف مع بعض الخصوصيات كالاتيان به فى
ظرف نظيف يكون محبوبا بخلاف الاتيان به فى اناء غير نظيف، وبهذاصححنا جمله من
العبادات المكروهه.
وبالجمله ليس الفرد الا الطبيعى المضاف اليه الوجود، فالامر
المتعلق به يستحيل ان يعم الخصوصيات الفرديه، فاذا كان شىء منها مطلوبا لابد وان يكون بطلب مستقل، فجزء الفرد او
شرط الفرد بالمعنى المتقدم غير معقول، ويترتب على هذاثمر مهم فى بحث النهى فى
العبادات. هذا تمام الكلام فى الصحيح والاعم.
الاقوال فى الاشتراك ثلاثه: قول بوجوبه، وقول باستحالته،
وقول بامكانه.وليس المراد من الوجوب والامتناع والوجوب
الذاتى او الامتناع الذاتى، بداهه ان الاشتراك ليس مما يوجب
مجرد تصوره القطع بوجوبه او استحالته، بل المراد منه
الوجوب الوقوعى بمعنى ان يترتب على عدمه محذور، والاستحاله الوقوعيه بمعنى ترتب
المحذور على تحققه خارجا.
والقائل بوجوبه استدل على ذلك بان الالفاظ متناهيه لكونها
مركبه من حروف متناهيه، والمركب من المتناهى متناه،
والمعانى غير متناهيه، ولولا الاشتراك لماتم الوضع، اذ يستحيل وضع اللفظ المتناهى
للمعنى الغير المتناهى.
وقد اجاب عنه فى الكفايه((50)) بوجوه ثلاثه:
الاول: ان باب المجاز واسع، فلا حاجه لوضع اللفظ لجميع المعانى.
الثانى: ان المعانى ولو لم تكن متناهيه الا ان الاستعمال يكون
متناهيا، والوضع ايضا كذلك، لان الوضع انما يكون بمقدار
الاستعمال، ولا حاجه لوضع اللفظ على معانى لا تستعمل فيها.
الثالث: ان المعانى الجزئيه ولو كانت غير متناهيه الا انها ليست
موضوعا له للالفاظ، وانما الموضوع له المعانى الكليه، والكليات متناهيه.
وهذا الجواب ليس بشىء، لان الكليات الفرضيه ايضا غير
متناهيه ايضا.والصحيح هو الجواب الثانى كما عرفت، فان
الوضع متناه لا محاله، ويكفى فى الوضع المتناهى اللفظ المتناهى.
ويمكن ان يجاب عنه بجواب آخر وهو ان يقال: ان المركب من
المتناهى لابد وان يكون متناهيا اذا كان التركيب خارجيا، واما
التركيب الفرضى فيمكن فرض التركيب الغير المتناهى من
مبدء متناهى. والمثال الواضح لذلك هو الاعداد،
فانها غير
متناهيه مع انها مركبه من الواحد او من الاحاد، فان كل عدد
يفرض اذا زيد عليه واحد تحقق عدد آخر لا محاله، بل الحروف
فى ذلك اولى من العدد.مثلا اذا زيد الف على اول كل لغه
مكتوبه فى كتاب القاموس يضاعف عددها لا محاله، ويضاعف
ذلك باختلاف حركات الالف المزيده الى غير ذلك.
وتقريب آخر: نقول الالفاظ وان كانت مركبه من الحروف
المحدوده، ولكن ربمايكون التركيب ثنائيا وربما يكون ثلاثيا
وهكذا، وعلى التقادير تاره: يكون الحرف الاول مفتوحا،
واخرى: مكسورا، وثالثه: مجرورا، وهكذا الحرف الثانى الى ما
لا نهايه له، فالتركيب الفرضى فى الالفاظ ايضا غير متناه، فلا
يتم الاستدلال المزبور، فتامل.
واما دليل القائل بامتناع الاشتراك فهو: انه نقض للغرض، وهو
وفيه: ما ذكره فى الكفايه((51)) من ان الغرض كثيرا ما يتعلق
بالاجمال، على ان باب القرنيه واسع.
فالى هنا لم يظهر وجه لوجوب الاشتراك، ولا لامتناعه، واذا كان ممكنا فلا مانع من
استعمال المشترك فى القرآن كما يستعمل فى غيره.
ولكن التحقيق ان يقال: ان الوضع لا يكون من قبيل القضايا
فاذا عرفت ذلك نقول: يختلف الاشتراك امكانا وامتناعا
باختلاف المبانى فى حقيقه الوضع، فان قلنا: بان الوضع عباره
عن اعتبار وضع اللفظ على المعنى كالوضع التكوينى، او قلنا:
بانه عباره عن جعل اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى، اوعلامه له فلا مانع من ثبوت
الاشتراك حينئذ.
واما لو قلنا: بان الوضع عباره عن التزام الواضع وتعهده بذكر
اللفظ عند اراده المعنى كما هوالصحيح فيستحيل الاشتراك،
اذ بعدما التزم الواضع بذكر اللفظ عنداراده تفهيم معنى خاص
كيف يمكنه الالتزام بذكره عند اراده معنى آخر الا برفع اليد
عن التزامه الاول، وهذا نقل لا اشتراك.
وعليه ففى موارد توهم الاشتراك لابد من احد امرين، اما
الجامع بين تلك المعانى كما هو الغالب، مثل لفظ الجن اى
الجيم والنون المشدد، وانه يستعمل فى الجن وفى الجنين،
ويقال جنه ومجنه ولكن عند القائل يظهر ان استعماله فى كل
من هذا انما هو للجامع بينها وهو الستر، واما من تعدد الوضاع،
ولذا ذكر بعض ان الاشتراك ناشى من جمع اللغات اما فى كتاب، او فى بلد كان مجمع القبائل، فلفظعين نفرض انه كان
يستعمل عند قبيله فى الجاريه، وعند قبيله اخرى فى الباكيه،وعند الثالثه فى الذهب وبعد جمع اللغات توهم اشتراكه بين
المعانى، والمستعملون لابد وان يكونوا ملتزمين باستعماله فى احد هذه الامور.
وبالجمله فالاشتراك بهذا المعنى امر ممكن، واما الاشتراك
الاصطلاحى فهومستحيل، ولا يترتب على تطويل البحث ثمره
مهمه، فنتكلم فى جواز استعمال المشترك فى اكثر من معنى
بعد تسليمه، ولا يختص البحث باستعمال خصوص
لفظالمشترك، بل يعم استعمال اللفظ فى معناه الحقيقى
ومعناه المجازى معا واستعمال اللفظ فى معنيين مجازيين ايضا.
استعمال اللفظ فى اكثر من معنى:
وربما يستدل للمنع عن ذلك بان حقيقه الاستعمال هى فناء
اللفظ فى المعنى، فلابدفى كل استعمال من لحاظ اللفظ آليا
وفانيا ولحاظ المعنى استقلاليا كما فى رويه الوجه فى المرآت
ولذا كثيرا يتفق ان المتكلم مع من لا يفهم الفارسى مثلا
يتكلم باللغه الفارسيه وليس ذلك الا من جهه ان النظر يكون
الى المعنى وخصوصيات اللفظ تكون مغفولا عنها، فاذا كان
المعنى متعددا لا مناص من لحاظ اللفظبتصورين آليين، وتعلق لحاظين بملحوظ واحد فى آن
واحد محال.
هذا ونقول: لو كان الاستعمال عباره عن افناء اللفظ فى المعنى
لكان ما ذكر تاما،الا ان حقيقته ليس الا ابراز المعنى باللفظ،
وعليه فيكون المعنى ملحوظا استقلالا، ولا نقول ان اللفظ
دائما يكون ملحوظا استقلالا، وانما نقول لا يلزم ان يكون اللفظ
متصورا آليا فى مقام الاستعمال، بل يمكن ان يكون ملحوظا
استقلالا كما فى القصائد والخطب، فاذا لوحظ مستقلا كما
يمكن ان يجعل مبرزا لمعنى واحد يمكن ان يجعل مبرزا
لمعنيين، ولا يلزم منه المحذور المذكور.
ثم انه ذكر فى الكفايه((52)) ان فى المقام روايات داله على ان
للقرآن سبعين بطنا اوسبعه ابطن، واحتمل ان يكون المراد من ذلك ان جبرئيل (ع) حين
انزال القرآن على قلب النبى (ص) اراد امورا عديده مستقلا لا من الفاظ القرآن.
ونقول: بعد الفحص فى البحار والوسائل لم نظفر على روايه
واحده تدل على ذلك، وانما ورد فى الاخبار ان للقرآن ظهرا
وبطنا، والمراد من الظهر هو الظاهر ومايعرفه كل عارف بلغه
العرب، والمراد من البطن هو المستتر من المعنى، وقد فسربطن القرآن فى الاخبار
بوجهين:
الاول: ان باطن القرآن عظه، اى ان ظاهره وان كان قصه
وتاريخا، ولكن ليس القرآن كتاب تاريخى وانما ذكر فيه القصص لكى يتعظ به الناس.
الثانى: ان القرآن يجرى كجرى الشمس والقمر، وانه وان كانت
الايه نازله فى مورد خاص الا انها تجرى فى غيره ايضا ممن
يشاكله، فله باطن بهذا المعنى.
ثم على تقدير تسليم ورود تلك الاخبار فلا معنى لان يراد من
البطون ما اراده جبرئيل(ع) حين انزاله على النبى (ص)، فان بطن الشىء لابد وان يكون له اضافه الى
الشىء، ومجرد اراده جبرئيل امرا اجنبيا عن الايه حين انزالها لا يصحح اطلاق بطن
الايه على ما اراده.
والذى يمكن ان يراد منها هو مداليلها الالتزاميه، وليس المراد
من السبعه اوالسبعين خصوص هذا العدد بلا زياده ونقيصه،
فان السبعه والسبعين يستعملان للمبالغه فى الكثره، فالمراد
ان للقرآن مداليل التزاميه كثيره ولا يفهمها الاالائمه(ع)، الذين هم العارفون
بالملازمات والخصوصيات. ومن الواضح انه ربما يفهم احد من اللفظ ما لم يفهمه غيره منه، مثلا العالم البارع ربما يستفيد من كتاب رسائل الشيخ مطالب لا يستفيده نوع الطلاب العارفين الذين يفهمون الرسائل، وهكذا لو اخبر احد بان زيدا اكل سم الفار فالطبيب العارف بان سم الفار قتال يستفيد من هذا الاخبار حكايه موت زيد بخلاف غيرالعارف بذلك، وهكذا فى القرآن. وقع الخلاف فى ان اطلاق المشتق على من انقضى عنه المبدء
هل يكون حقيقه، اويكون مجازا، بمعنى انه يكون من مصاديقه
ام لا ؟ بعد الوفاق على انه حقيقه فى المتلبس بالفعل، وعلى انه مجاز فيمن لم يتلبس
بعد.
تحرير محل النزاع:
واما يتوقف صحه الحمل وانتزاع المحمول منه الى ضم ضميمه
اليه، وهذا ايضاينقسم الى اقسام ثلاثه، فالمجموع خمسه، فان
تلك الضميمه المصححه للحمل المعبر عنها بالمبدء تاره:
يكون مما له مطابق فى الخارج كالبياض والقيام ونحوذلك مما
يكون من المقولات والامور الحقيقيه، واخرى: لا يكون له
مطابق خارجا ولكن يكون من شوون ما له مطابق كالفوقيه،
فانه فى حمل الفوق على ماقيل لا يكون فى الخارج الا الذات
وتحيزه فى مكان مخصوص الذى هو من مقوله الاين، ومن انتسابه الى شىء آخر ينتزع
عنوان الفوقيه.
وهكذا فى الاصغر والاكبر، ولذا لو سئل ان الشىء الفلانى اصغر
او اكبر او فوق او تحت، ليس له جواب الا ان يضاف الى شىء
آخر، وثالثه: لا يكون له مطابق فى الخارج، ولا يكون من
شوون ما له مطابق، وانما يكون امرا اعتباريا قائماباعتبار من
بيده الاعتبار كالملكيه والزوجيه والرقبه وامثال ذلك، فانه بعد مااعتبر الشارع او
العقلاء الملكيه لزيد على ما استولى عليه يحمل عليه عنوان المالك فيقال: (زيد
مالك) وذاك المال مملوك.
وبالجمله فالمحمول تاره: يكون ذاتيا للموضوع او من ذاتياته،
واخرى: يكون خارج المحمول، وثالثه: يكون من الامور
الحقيقيه، ورابعه: من الامورالانتزاعيه، وخامسه: من الامور
الاعتباريه، اذا عرفت ذلك نقول:
لا اشكال فى خروج القسم الاول من حريم النزاع، بداهه انعدام
الذات بل زوال ذاتياته، ولذا يكون اطلاق الانسان على التراب
الذى كان انسانا غلطا لا مجازا،وهكذا على من تلبس بالانسانيه
بعد، فكما انه لا نزاع ايضا فى دخول القسم الثالث باقسامه
الثلاثه فى محل الخلاف، فان اطلاق الابيض مثلا على شىء
كان ابيضا صحيح كما ان اطلاق المالك على من انقضى عنه
صحيح ايضا، فيقال للمعتق (هذا مملوك زيد) او يقال (ذاك سلطان حجاز) وهكذا فيقع
البحث فى كون ذاك الاطلاق الصحيح حقيقه او مجازا.
وانما الكلام فى دخول خارج المحمول فى محل الخلاف
وعدمه، وقد ذهب المحقق النائينى((53)) الى الثانى لعين ما
ذكر فى خروج القسم الاول، فان زوال العنوان الذى هو من
قبيل خارج المحمول مساوق لانعدام الذات للملازمه بينهما.
وفيه: ان محل البحث فى المقام انما هو الهيئات المشتقه
ولا يجرى هذا الوجه فى القسم الاول، فانه لا يكون من قبيل المشتقات ليكون لهيئته
وضع بنحو الاطلاق.
ثم انه يلحق بالمشتقات بعض الجوامد التى تكون منتزعه عن الشىء بلحاظاتصافه بامر اعتبارى ولذا تشابه المشتقات كالزوج
والزوجه، فهى داخله فى محل النزاع، ولم ترد آيه ولا روايه فى
اختصاص النزاع بعنوان المشتق، وعلى هذا بنى فخر المحققين الفرع المعروف وهو ما اذا
كان للرجل زوجه كبيره فارضعت زوجته الصغيره.
(وتلخص) مما ذكر ان المحمول لا يخلو من ان يكون من قبيل
ذاتى كتاب الكليات، او ذاتى كتاب البرهان، او لا يكون من
الذاتى اصلا، وعلى جميع التقادير لوكان المحمول من قبيل
المشتقات الاصطلاحيه اعنى ما كان لهيئتها وضع
ولمادتها
وضع آخر فهو داخل فى محل النزاع ولو كان من
الذاتى فى باب الكليات كالناطق، او الحيوان على وزن فعلان،
والسر فيه ما تقدم من ان وضع الهيئات نوعى، فعدم قابليه الماده فى مورد للبقاء بعد
زوال العنوان لا يوجب خروجه عن محل النزاع.
واما لو لم يكن مشتقا، فان كان من الذاتى بقسميه فهو خارج
عن مورد البحث لامحاله كعنوان الحجر مثلا، فانه حيث تكون شيئيه الشىء بصورته فبعد
زوالهايزول
الشىء اصلا، واما الجنس والماده فليس بشىء.
نعم تنقسم الجوامد فى القسم الثالث الى قسمين، فانها تاره:
تكون منتزعه عن ذات الشىء كالبياض والسواد ونظائر ذلك من
الجواهر والاعراض، وهى خارجه عن محل البحث قطعا، اذ لا
مجال لتوهم صدق البياض بعد تبديله بمايضاده بل يناقضه،
فان ثبوت كل ضد يلازم عدم الضد الاخر، فلازم صدق البياض
مثلا بعد انعدامه وقيام السواد مقامه هو اجتماع النقيضين وقد
رتبنا على هذا ثمره مهمه فى بحث الاستصحاب وعدم دلاله
حديث لا تنقض اليقين بالشك على قاعده اليقين لعدم صدق
عنوان اليقين بعد زواله بالشك فراجع، واخرى: لاتكون منتزعه عن ذات الشىء كالعبد والزوج وامثال ذلك، فهى
داخله فى محل الكلام، فالمشتقات باجمعها محل الكلام
وكذلك ما يلحق بها من الجوامد.
وبما ذكرنا ظهر الجواب عن توهم خروج بعض المشتقات
كالساكن او المتحرك،
فان كون بعض المواد ملازما للانقضاء.
والتصرم لا ينافى عموم وضع الهيئه ولاخصوصها، وهكذا
الكلام فى اسم الزمان، فان صيغته غير موضوعه لخصوص زمان
الماده، وانما هى موضوعه لوعاء الماده وظرفها، فاذا قيل: (هناك مقتل زيد) يستفاد منه المكان بسبب القرينه،
واذا قيل:
(يوم الجمعه مقتل زيد)
يستفاد منه الزمان ولا ينبغى اطاله
البحث فى تحقيق اسم الزمان، بعد ما بيناه.
ثمره البحث:
واما الفرع الذى ذكره فخر المحققين من انه لو ارضعت الزوجه
الكبيره الزوجه الصغيره، وقد فرض العلامه (قدس سره) ان
للرجل زوجات ثلاثه احداهن صغيره واثنتان منهن كبيرتان،
ويشترك الفرضان فيما هو المهم غالبا، ونشير الى مايختص
بفرض الثلاثه فهو ايضا غير صحيح لانه مورد النص الخاص،
وكيف كان فتاره تكون الكبيرتان مدخول بهما معا، واخرى:
غير مدخول بهما،وثالثه: تكون احديهما مدخولا بها دون
الاخرى ففى المقام فروع ثلاثه، وعلى التقادير: تاره: نتكلم من
حيث بطلان عقد الزوجه، واخرى: من حيث لزوم الحرمه
الابديه، فنفرض الكلام فيما اذا لم تكون مدخولا بهما اصلا.
وفى الفرض ذهب المشهور الى بطلان زوجيه الكبيره
والصغيره معا، لصدق عنوان ام الزوجه على الكبيره وبنت
الزوجه على الصغيره فى آن واحد، وتحقيق الكلام فى ذلك مبنى على مقدمتين:
الاولى: ان حرمه الزوجه، تاره: تكون حرمه عينيه، واخرى:
تكون الحرمه فى الجمع كالجمع بين اختين، وفى الثانى اذا
تقارنتا كما لو كان للرجل وكيلان فعقدا له على اختين فى آن
واحد فيدور الامر بين القول بصحتهما معا، او فسادهما معا،
اوصحه احد العقدين معينا دون الاخر، او صحه احديهما لا
بعينه وفساد الاخر،
ولا خامس.
اما صحتهما معا فهى خلف واضح، وصحه احدهما المعين
ترجيح بلا مرجح،
واحدهما لا بعينه ان رجع تعينه الى اختيار
الزوج فلا دليل عليه، وان لم يرجع الى ذلك فلا معنى له، لانه
لا وجود للواحد الغير المعين، فيتعين بطلانهما معا.
الثانيه: ان ظاهر قوله تعالى: (وربائبكم اللاتى فى حجوركم)((54)) وان كان حرمه بنت الزوجه الفعليه لا بنت من كانت
زوجه، الا ان لازم ذلك هو جوازتزويج الرجل بنت زوجته
المطلقه المولوده لها بعد طلاقها وتزوجها من رجل آخر، ولم
يلتزم الفقهاء بذلك، ولذا لابد من رفع اليد عن ذلك الظهور،
وكذلك تسالموا على حرمه تزويج ام الزوجه التى صارت ام
الزوجه للشخص بعد طلاق البنت، ولابد ان يفرض ذلك فى
الرضاع، ولا يعقل فى الولاده بان يفرض ان للانسان زوجه
صغيره وبعد طلاقها ارتضعت من امراه فتتصف المرضعه بانها
ام زوجه هذا الرجل لكن لا زوجته الفعليه، بل ما انقضت عنها الزوجيه.
اذا عرفت المقدمتين. نقول: فى الفرض لو فرضنا ان حرمه
تزويج ام الزوجه وبنت الزوجه تكون فى الجمع بينهما لا حرمه
عينيه، فبمجرد تماميه ارتضاع الصغيره من الكبيره ينفسخ
العقد بين الزوج وبينهما معا كما عرفت فى المقدمه الاولى،
وحيث ان الترتب بين تحقق عنوان ام الزوجه وبنت الزوجه
وانفساخ العقد ليس الا ترتبا رتبيا، والا فلم يتحقق زمان صدق
فيه كون الكبيره اماللزوجه، ولم يمض وقت اتصفت فيه
الصغيره بانها بنت الزوجه، اذ ليس بين ذلك وبين بطلان
الزوجيه ترتب زمانى، فثبوت الحرمه الابديه للكبيره مبنى على ما بيناه من تسالم
الفقهاء على حرمه تزويج ام من كانت زوجه ولو لم تكن زوجه حين الارتضاع منها. واما
الصغيره فلا تحرم موبدا كما هو ظاهر.
واما لو فرضنا ان الحرمه عينيه والمحرم هو تزويج ام الزوجه
كما هو ظاهر الادله وتزويج بنت الزوجه المدخول بها، فعليه
بعد ارتضاع الصغيره من الكبيره تحرم خصوص الكبيره موبده
دون الصغيره، لان حرمه بنت الزوجه مشروطه بالدخول وهو
غير متحقق على الفرض، بخلاف حرمه ام الزوجه، فان
اتصافهابذلك آنا ما يكفى فى حرمتها الى الابد كما نظيره قيل
فى (لا ينال عهدى الظالمين)((55))، وكما قيل فى ما اذا حد الامام ولو
مره واحده يسقط عن قابليه الامامه الى الابد.
(وبالجمله) تاره: لا يكون فى البين دخول بالكبيرتين اصلا،
واخرى: تكون المرضعه الاولى مدخول بها دون الثانيه، وثالثه:
بالعكس.
واما الدخول بكلتا الكبيرتين فلا اثر له، اما فى فرض عدم
الدخول راسا فان قلنا بان الجمع بين البنت والام محرم
كالجمع بين اختين، وعليه فبمجرد ماارضعت الكبيره الاولى
الصغيره تبطل الزوجيه فى الصغيره والكبيره معا
للوجه المتقدم، والكبيره تحرم موبدا بخلاف الصغيره، واما
المرضعه الثانيه فحرمتهامبنيه على ان تكون حرمه ام الزوجه
السابقه اى ام من كانت زوجه مورداللاجماع - كما ادعى
الاجماع على حرمه بنت الزوجه اللاحقه - واما لو قلنابالحرمه
الذاتيه وان ام الزوجه يحرم زواجها وبنت الزوجه كذلك،
فبالارضاع لا تبطل زوجيه الصغيره، وانما تبطل زوجيه
المرضعه فقط، لان حرمتها غيرمتوقفه على شىء بخلاف
حرمه الصغيره فانها متوقفه على الدخول بالام، ويتفرع على هذا فروع:
منها: اذا تقارن وقوع عقد الزواج على الام والبنت، فانه عليه
يحكم ببطلان عقدالام دون البنت، وهكذا لو كان العقد الام
دون البنت، يبطل نكاح الام، ويجرى ما ذكرناه فى المرضعه الاولى فى المرضعه الثانيه
ايضا.
واما لو فرض الدخول بالمرضعه الاولى فبتماميه الارتضاع
ينفسخ نكاح المرضعه والمرتضعه معا، وتحرمان موبدا، اما
الكبيره فلانها يصدق عليها ام الزوجه التى كانت زوجه قبل ان
وان لم يصدق عليها ام الزوجه بالفعل حقيقه، لما ذكرنا من انه
بمجرد تماميه الارتضاع يحكم بانفساخ الزوجتين، الا انه يتسامح فى هذا المقدارالقليل
من الزمان كما يذكره المحقق (قدس سره) فيصدق عليها ام الزوجه.
واما الصغيره فبناء على ثبوت الاجماع على حرمه بنت الزوجه
ولو كانت البنتيه لاحقه بالزوجيه لا مقارنه لها فكذلك تحرم
موبدا، وليست الحرمه فى شىء من ذلك مبنيا على المشتق.
واما الكبيره الثانيه فى الفرض فلا يفرق بين كونها مدخولا بها،
او غير مدخول بها، فان الدخول بها انما كان يجدى فى حرمه الصغيره والمفروض انها
محرمه بارتضاعها من الكبيره الاولى التى كانت مدخولا بها.
وبالجمله فحرمتها مبنيه على ثبوت الاجماع على حرمه ام
الزوجه، ولو كانت الامومه حادثه بعد زوال زوجيه البنت، فهى
ايضا غير مبنى على المشتق، فان المشتق ظاهر فى المتلبس بلا خلاف.
واما الفرع الثالث وهو ما اذا كانت الثانيه مدخولا بها دون الاولى، فظهر الحال فيه مما تقدم، فانه تحرم الكبيره المرضعه الاولى
بالارتضاع دون الصغيره،ويجرى ما ذكر فى المرضعه الاولى فى الفرض المتقدم فى المرضعه
الثانيه بلا زياده ونقيصه.
هذا كله فى الفرع من حيث الحرمه الاصوليه اى عدم بنائه على
اساس، وظهر ان شيئا من شقوقه لا يتوقف على مسئله المشتق
اصلا، وتفصيل الكلام فيها موكول الى محله.
اختلافات المشتقات:
ولنا فى المقام كلام، اذ لا معنى لان يراد من ماده واحده الفاء
والتاء والحاء اعنى الفتح فى ضمن هيئه الفاعل اعنى الفاتح
الفعل، وفى هيئه مفتاح الاله لذلك، فعلى ما ذكره
(قدس سره) لابد وان يكون استعمال الماده فى الموارد مجازا،
مع انه لا يصح هذا الاستعمال المجازى فى ساير اشتقاقاته. مثلا القاضى يطلق على
المتصف بهذاالمنصب ولو لم يحكم بشىء
بعد، ولا يصح استعمال هذه الماده فى الفعل الماضى
اوالمضارع كقضى يقضى فى ذاك المعنى، فاذن لا يمكن ان يكون اختلاف المشتقات لاجل
اختلاف معنى المواد بل لابد وان يكون مستندا الى الهيئات.
فنقول: الصيغ المبالغه كالبكاء والاكول ونحو ذلك لم توضع
يقع النزاع فى ان اطلاق البكاء او الاكول عليه بعد ذلك حقيقى
او مجازى ؟واما اسم الاله كالمفتاح فهو موضوع لما انتسب اليه
الماده بالنسبه الاليه وواقع فى طريق حصول الماده، ففعليه
ذلك انما يكون بتماميه صنع الاله ولو لم يستعمل فى تحصيل
الماده بعد، وزواله يكون بزوال البته لذلك، ولذا يطلق المفتاح على الاله قبل ان
يستعمل فى الفتح.
واما مثل القاضى والتاجر وامثال ذلك فالهيئه فيها موضوعه لما
اسند اليه الماده صدورا، وكيفيه الانتساب مختلفه، فربما
تكون بالاتصاف بالفعل، وربما تكون بالاتصاف الشغلى الفعلى، وربما يكون بالاتصاف
المنصبى الى غير ذلك بحسب اختلاف الموارد.
فكيفيه الانتساب مستفاده من ذلك لا من الماده، فزوال
الانتساب المنصبى لايكون الا بزوال المنصب اما شرعا او عرفا،
كما ان ثبوته لا يكون بفعليه الحكم،وانما يكون بفعليه المنصب.
وبالجمله فجميع المشتقات داخله فى محل البحث، ويلحق
بها بعض الجوامد ايضا.
وللمحقق النائينى (قدس سره) فى المقام كلام((57))
وهو:
وهذا ظهر جوابه بما مر، اذ عرفت ان التلبس فى اسم الاله انما هو باتصافه بالاليه
للمبدء وهو متحقق بعد تمام صنعه.
واما اسم المفعول فلانه موضوع لمن وقع عليه الفعل خارجا والشىء لا ينقلب عماوقع عليه،
فالمضروب مضروب الى الابد وهكذا المقتول.
|