وفيه: اولا - النقض باسم الفاعل كالضارب فانه ايضا موضوع لمن صدر عنه الفعل، والشىء لا ينقلب عما وقع عليه.

وثانيا - كانه (قدس  سره) تخيل ان اسم المفعول موضوع لمن وقع عليه الفعل خارجا مع ان الامر ليس كذلك، بل هو كسائر المفاهيم الكليه مثل الانسان والحجر والشجرموضوع للمفهوم الكلى، والوجود او العدم خارج عنه، ولذا يحمل عليه الوجودتاره والعدم اخرى، وهو المتلبس بالمبدء بالتلبس الوقوعى.

نعم هذا المفهوم منتزع عن الموجود الخاص بما وقع عليه الفعل كما تنتزع جميع المفاهيم الكليه من الوجودات الخاصه على القول بتاصل الوجود.

فالنزاع فى ان هيئه المفعول موضوعه للمفهوم الضيق اعنى المتلبس بالمبدء وقوعاعليه بالفعل او موضوعه للمفهوم الوسيع الاعم من المتلبس بالفعل وما انقضى عنه التلبس، فجميع المشتقات داخله فى محل البحث.

المراد بالحال فى محل النزاع:
ثم ما المراد بالحال الماخوذ فى محل النزاع ؟ ذكر فى الكفايه((58)) انه ليس المراد منه حال النطق وانما المراد منه حال التلبس بالنسبه، ضروره ان مثل (كان زيد ضاربا امس) او (سيكون ضاربا غدا)حقيقه اذا كان متصفا بذلك فى ذاك الزمان واقعا والا فيكون مجازا، ثم قال:

ولاينافى ما ذكرناه ما ادعى من الاتفاق على ان (زيد ضارب غدا) مجاز، وذلك لان المراد منه ما اذا كان الاسناد بالفعل ويكون لفظ غد قرينه على زمان التلبس.

ونقول: كلامه غير خال عن التشويش، اما ما ذكره من الاتفاق على ان (زيد ضارب غدا) مجاز فهو اول الكلام، ولم ينقل ذلك الا عن العضدى، بل الصحيح ان ذلك الاستعمال غلط اصلا، لان القيد فى الجمله يرجع الى المحمول اعنى الضارب، ولا معنى لحمل الضارب غدا على الذات فعلا، واما بيان صدورالضرب عن زيد فى الغد فلابد من ان يكون بتعبير آخر غير هذا.

واما ما ذكره فى المثالين من ان المشتق بهما حقيقه اذا كان
الاتصاف متحققا فى ظرفه والا فيكون مجازا.

ففيه: ان الاتصاف الحقيقى وعدمه لا يكون مناطا للحقيقه او المجاز بل يكون ذلك ميزانا للصدق والكذب، فحمل الضارب على زيد والاخبار بذلك فى المثالين يكون صدقا على فرض تحقق النسبه وكذبا على تقدير عدمه، واما الاستعمال فحقيقى فى ما وضع له على التقديرين، ويجرى ذلك فى الجوامد ايضا، مثلا لو قيل: (الانسان جماد بعد موته) فان كان الامر كذلك واقعا فالاخبار صدق والاكذب، وعلى التقديرين لفظ الجماد حقيقه لكونه مستعملا فى معناه الحقيقى،وهذا الاختشاش انما نشا من اخذ الحال فى محل النزاع فالحق اسقاطه.

وتحرير النزاع بوجه آخر بان يقال: ان المشتق حقيقه فى المفهوم الوسيع او الضيق وقد ظهر بيانه مما تقدم.

ونزيد وضوحا فنقول: قد عرفت ان الوجود والعدم كليهما خارجان عما وضع له الالفاظ فى الجوامد والمشتقات بل هى موضوعه لنفس الماهيه، فيقع النزاع فى ان المشتق موضوع لمفهوم ضيق منحصر مطابقه فى الخارج بخصوص المتلبس اولمفهوم عام يكوم مطابقه اعم من المتلبس ومن المسبوق بالتلبس، فلا ناخذ الحال فى ذلك ليلزم الاختلال.

التمسك بالاصل العملى:
ثم انه لو لم يتم دليل على اثبات احد الطرفين، فهل يكون فى البين اصل عملى يعين احدهما ؟ الظاهر عدمه، فان اصاله عدم لحاظ خصوصيه التلبس غير جاري
ه وذلك:

اولا: لان الوضع باى معنى كان هو فعل اختيارى للواضع مسبوق بالعدم،فوضع المشتق لكل من الخاص والعام فى حد نفسه مورد للاستصحاب فيتعارضان، وليس هناك قدر متيقن فى البين ليجرى الا فى المقدار الزائد،واصاله عدم لحاظ خصوصيه التلبس لا يثبت تحقق الوضع للعام.

ثانيا: ان لحاظ خصوصيه التلبس مما لابد منه على التقديرين، لما اثبتناه من ان الاطلاق انما هو بمعنى رفض القيود، ففى الاطلاق ايضا لابد من لحاظ القيدليرفض، ومعه لا معنى لاصاله عدم لحاظ الخصوصيه.

وثالثا: ان الاستصحاب بناء على ان يكون مستفادا من الاخبار لابد فى جريانه من ترتيب اثر عملى عليه، ولا اثر لذلك فى المقام الا اذا كان المكلف ناذرا بشىءلو كان المشتق حقيقه فى المتلبس او فى الاعم.

فالصحيح: انه ليس فى هذه المسئله اللغويه اصل عملى. فلابد فيها من الرجوع فى موردها الى الاصل الجارى فى الحكم الفرعى، فنقول: ذكر فى الكفايه((59)) ان مقتضى الاصل العملى فى الحكم الفرعى يختلف فى المقام، فان كان المورد حين تعلق الحكم بالمشتق متلبسا بالمبدء ثم زال عنه الاتصاف فيرجع فيه الى الاستصحاب، لان الشك فيه يكون شكا فى ارتفاع الحكم بعد ثبوته سابقا بسبب زوال المبدء، فيستصحب ذلك، وهذا بخلاف ما اذا لم يكن متلبسا حين صدورالحكم بل كان منقضيا عنه المبدء حينئذ، فلا مجال للاستصحاب، فلابد من الرجوع الى البراءه.

ونقول: اما الرجوع الى البراءه فى الفرض الثانى فلا كلام لنا فيه، واما الرجوع الى الاستصحاب فان اريد منه الاستصحاب الحكمى فبناء على تسليم جريانه فى الاحكام ففى خصوص المقام لا يجرى، وذلك لانه يعتبر فى جريانه احراز اتحادالقضيه الميقنه والمشكوكه عرفا، والا فيكون صدق عنوان نقض اليقين بالشك مشكوكا، فالشبهه تكون مصداقيه، ولا يمكن الرجوع فيها الى عموم العام.

ومن الواضح ان الموضوع فى قولك (اكرم العلماء) بنظر العرف انما هو عنوان العالم لا ذاته، وبزوال العلم ينتفى الموضوع جزما ولا اقل من احتماله، ونظير هذافى الجوامد ما اذا وقع الكلب فى المملحه فصار ملحا فلا يمكن التمسك فيه باستصحاب النجاسه، فان موضوعها كان عنوان الكلب لا ذاته، وهو منتف يقينا، والموجود الفعلى وهو الملح لم يكن محكوما بالنجاسه اصلا، فبقاء العنوان الذى هو الموضوع بنظر العرف معتبر فى جريان الاستصحاب سواء كان العنوان ذاتيا او كان اشتقاقيا وبدونه لا يجوز الاستصحاب لانه من التمسك بالعموم فى الشبهه المصداقيه.

وان اريد منه الاستصحاب الموضوعى، اى استصحاب صدق العنوان على الذات بعد زوال اتصافه بالمبدء كما يستصحب بقاء نفس المبدء والاتصاف به اذا شك فى زواله.

ففيه: اولا: النقض بالصوره الثانيه اعنى بها ما اذا كان الاتصاف بالمبدء منقضياعن الذات حين صدور الحكم، فانه على هذا يجرى استصحاب بقاء صدق العنوان عليه فيدخل فى موضوع الحكم، فلماذا يرجع فيها الى البراءه.

وثانيا: بالحل، وهو انا ذكرنا فى بعض مباحث الاستصحاب ان مورده انما يكون ما اذا شك فى حدوث حادث لم يكن حادثا قبلا او فى ارتفاع امر كان موجوداسابقا، وفى المقام ليس لنا حادث نشك فى انعدامه، او فى حدوثه نظير الشك فى بقاء النهار بعد استتار القرص وعدم ذهاب الحمره، وقد بينا فى محله انه لا يمكن الرجوع فيه الى الاستصحاب بعين هذا التقريب، والسر فى الجميع هو انه ليس فى هذه الموارد متيقن ومشكوك، بل نعلم بان زيدا كان عالما مثلا فى السابق وزال عنه العلم فعلا يقينا، فليس هناك امر نشك فيه الا سعه الوضع وضيقه،والاستصحاب اجنبى عن ذلك، ومن ثم قلنا بعدم جريانه فى جميع الشبهات المفهوميه، وعليه فلابد من التمسك بالبراءه فى كلا الفرضين من غير فرق بينهما.

المختار فى المساله:
ثم ان المسئله عند القدماء كانت ذات قولين، والاقوال الاخر حادثه من المتاخرين كالتفصيل بين ما اذا كان المشتق محكوما عليه فهو يكون حينئذ للاعم او كان محكوما به فيكون لخصوص المتلبس.

ولا وجه لشىء من ذلك فان المشتق ليس له وضعان احدهما للاعم اذا كان مبتدءوثانيهما لخصوص المتلبس اذا كان محكوما به، بل هو موضوع بوضع واحد، فان كان للمتلبس فهو كذلك مطلقا وان كان بالعكس فكذلك.

والحق مع القدماء حيث لم يذهبوا فيه الا الى قولين، والحق
منهما انه موضوع لخصوص المتلبس وحقيقه فيه وفاقا للاشاعره وخلافا للمعتزله، والدليل عليه:

اولا: هو التبادر، ولا يخفى ان التبادر فى المشتقات وموارد الاوضاع النوعيه يكون اوضح صحه واسهل تحصيلا من التبادر فى الجوامد التى يكون وضعها شخصيا مثل لفظ صعيد، وذلك لان الوضع النوعى الثابت للمشتق غير مختص بلغه دون لغه، فهيئه الماضى فى جميع اللغات موضوعه لمعنى واحد، ولا اختلاف فيها باختلاف الالسنه، ولذا يكون التبادر فيها سهلا، وهذا بخلاف الجوامدالمختصه بلغه دون لغه.

وثانيا: صحه السلب عن المنقضى عنه المبدء، اذ يصح ان يقال:

ان المنقضى عنه النوم ليس بنائم، واثبات ذلك ايضا سهل فى المشتقات بخلاف الجوامد لما تقدم.

ثم ان صحه المشتق عن ما انقضى عنه المبدء بناء على ما ذهب اليه السيد الشريف والمحقق الدوانى والميرزا النائينى من اتحاد المبدء والمشتق ذاتا وان الفرق بينهمااعتبارى بلحاظ اللابشرطيه ولحاظ للشرط اللائيه فى غايه الوضوح، اذ كما لايصح اطلاق البياض بعد انعدام اللون الخاص المفرق للبصر كذلك يصح سلب الابيض عن الشىء بعد زوال صفه البياض عنه، لان الابيض والبياض حقيقه واحده على الفرض، فمهما لم يصدق المبدء لا يصدق المشتق ايضا، والا لزم صدق المبدء بعد زواله، وهو بديهى البطلان.

واما على القول بعدم بساطه المشتق بهذا المعنى، وانه موضوع للذات المندمجه من جميع الجهات كلفظ الموصول مثل الذى يستعمل فى الواجب والممكن والممتنع ويكون معرفه صلته، فالمشتقات ايضا موضوع لذات مبهمه ومعرفها يكون اتصافها بالمبدء، وعليه فالمبدء يكون ماخوذا فى المشتق بنحو الركنيه وان لم يكن هو الموضوع له لذلك، فبانتفائه ينتفى صدق المشتق، ويصح سلبه بعد ذلك لامحاله، فعلى كلا القولين تتم دعوى التبادر وصحه السلب.

نعم يبقى اشكال وهو احتمال ان يكون ذلك من الانصراف لا من حاق اللفظ كماقيل، والجواب عنه:

اولا: انه يكفينا اثبات معنى المشتق ولو بمجرد ما يكون اللفظ منصرفا اليه عرفا،فانه الذى يترتب عليه الاثر العملى لاثبات خصوص المعنى الحقيقى المقابل للمجازى.

وثانيا: ان الانصراف لا يتحقق من دون سبب خارجى وليس ذلك الا كثره الاستعمال، وعلى الاعمى لا يكون المشتق اكثر استعمالا فى المتلبس من المنقضى،وذلك لان المشتق كثيرا ما يستعمل بلحاظ الماضى والمستقبل، فيقال: (زيد كان ضاربا) او (سيكون ضاربا) وهذا الاستعمال بناء على القول بان المشتق حقيقه فى خصوص المتلبس لابد وان يكون الاطلاق فيه بلحاظ حال التلبس.

ولكن على القول بوضعه للاعم فلا وجه للالتزام بذلك، لان كلا من حال التلبس وحال الانقضاء يكون من مصاديقه الحقيقيه، وعلى هذا فلا وجه لحمل الاطلاق على ان يكون بلحاظ حال التلبس من الماضى والاستقبال، بل يكون الاطلاق بلحاظ حال النطق وهو حال الانقضاء، وعليه فينبغى ان يكون استعمال المشتق فى المنقضى عنه المبدء كثيرا.

وبعباره اخرى بنحو الجدل نقول للمستشكل: انه على مبناك من وضع المشتق للاعم يكون استعماله فى المنقضى اقل من استعماله فى المتلبس، فليس هناك وجه للقول بان التبادر بسبب الانصراف او صحه السلب لذلك.

هذا كله فى الوجوه العرفيه.

ويمكن ان نقيم البرهان على المنع عن وضع المشتق للاعم، بتقريب: انه ليس الزمان ماخوذا فى المشتق اصلا، بل كما ان الجوامد مثلا (الانسان) موضوع للحيوان الناطق كذلك المشتق يكون موضوعا للمفهوم الخاص ونعبر عنه بالمتصف بالماده، ومن ثم ذكرنا ان فى قولك (زيد كان قائما) او (يكون قائما) يكون استعمال المشتق حقيقه سواء كان صدقا او لم يكن، لانه مستعمل فى معناه وهو عنوان الاتصاف.

وعليه ففى مقابل المتصف غير المتصف، وتصوير الجامع بين المتصف وغيرالمتصف كما ترى، الا ان يتصور بعنوان الماضى، كما حكى عن العلامه انه موضوع لمن تحقق منه المبدء اعم من ان يكون باقيا او لا يكون باقيا، ولازمه:

اولا: دخل الزمان فى المشتق، وهو غير صحيح.

وثانيا: عدم صحه ان يقال (زيد سيكون ضاربا) اذ لم يتحقق منه الضرب بعد،وانما يتحقق منه فيما بعد، واذا لم يكن هناك جامع للاعم فما معنى الوضع للاعم، وهذا نظير ما تقدم من دعوى عدم وجود الجامع بين الافراد الصحيحه.

وبما ذكرنا ظهر الحال فيما نقل فى الكفايه((60)) من انه ان اريد من صحه السلب سلب المشتق مطلقا فهو غير صحيح، وان اريد سلب المقيد فهو غير مفيد.

فان الجواب عنه، انا نريد صحه سلبه بما له من المعنى بحسب المرتكز العرفى.

واستدل لوضع المشتق للاعم من المتلبس
والمنقضى بوجوه:

الاول: تبادر الجامع عند اطلاقه.

وفيه: اولا - ان تبادر الاعم فرع تصوير الجامع بين المتلبس والمنقضى، وقدعرفت امتناعه.

وثانيا - انه مخالف لما ذكرناه من ان اتصاف الذات بالمبدء وهو الركن والمقوم لصدق المشتق، وهو معرفه ومع ذلك كيف يمكن القول بتبادر المنقضى عنه الاتصاف عند اطلاقه.

الثانى: عدم صحه سلب المشتق عن المنقضى عنه المبدء.

وفيه - انه ان اريد منه السلب بلحاظ حال التلبس، فهو وان كان متينا الا انه لايثبت الوضع للاعم، وان اريد منه السلب بلحاظ حال الانقضاء، فهو غيرصحيح، بل يصح السلب عنه بهذا اللحاظ، بداهه عدم حمل الصبى على الشيخ الكبير بلحاظ اتصافه بالصباوه فى وقت، او اطلاق المجنون على العاقل من جهه اتصافه بالجنون فى زمان، وهذا واضح جدا.

الثالث: ان المشتقات كثيرا ما تطلق على ما انقضى عنه المبدء، فلو كانت موضوعه لخصوص المتلبس يلتزم كثره المجاز، وهو مستهجن.

وفيه: اولا - لا نتصور مانعا من كثره المجاز، بل ان المجاز اكثر من الحقيقه.

وثانيا - ان اطلاق المشتق على المنقضى عنه المبدء يكون بلحاظ حال تلبسه، فهومستعمل فى معناه الحقيقى، اعنى المتلبس غايته ان الحمل يكون بلحاظ الحاله السابقه، مثلا لو اطلق عنوان القاتل على من كان قاتلا سابقا، فالقتل مستعمل فى معناه الحقيقى الا ان الحمل يكون بذاك اللحاظ، فهو بمنزله ان يقال: (زيد كان قاتلا فى اليوم الفلانى).

نعم يكون ذلك خلاف ظاهر الاطلاق، ولذا يحتاج الى قرينه كما فى المثال،والقرينه العامه موجوده فى جميع موارد الاستعمال، وهى عدم اشتغاله بالقتل حين التكلم، ولذا كان يطلق قاتل الحسين (ع) على اللعين ابن سعد قبل قتل الحسين (ع) باعوام، وقد ذكرنا ان الاستعمال فى جميع هذه الموارد حقيقى غايته لو لم يكن الاخبار مطابقا للواقع يكون كذبا.

ثم انهم ذكروا ان من هذا القبيل استعمال لفظ السارق فى قوله تعالى: (السارق والسارقه فاقطعوا ايديهما)((61))، ولفظ الزانى فى قوله تعالى: (الزانيه والزانى فاجلدوا كل واحد منهما ماه جلده)((62))، بداهه ان القطع او الجلد لا يتحقق حين التلبس بالسرقه والزنا، فلابد وان يكون المراد من الموضوع فيهما هوالمنقضى.

ونقول ان الحكم المترتب على السارق او على الزانى ليس وقوع الماده، وانما هونفس وجوب قطع اليد والرجم، وهو ثابت من حين التلبس بالسرقه او الزنا،غايه الامر تاره يكون بقاء الحكم تابعا لبقاء الموضوع كما هو الغالب، واخرى يكون تحقق الموضوع حدوثا كافيا فى بقاء الحكم، وهو خلاف الظاهر ولابد من قيام قرينه عليه، اما قرينه خاصه كما فى قولك (اكرم زائر الحسين (ع) فى يوم الاربعين الى آخر شهر رمضان)، فان موضوع وجوب الاكرام هو الزائر ولكن الوجوب فيه ثابت بعد انقضاء الزياره عنه بقرينه خاصه، واما قرينه عامه كمافى المقام، فانه لو كان وجوب القطع مختصا بحال التلبس بالسرقه لكان تحقق ذلك امرا نادرا وهكذا فى الجلد.

ومن ذلك يستفاد ان وجوب ذلك باقى بعد زوال الاتصاف ايضا.

الرابع: مما استدل به للاعم استشهاد الامام (ع) بقوله تعالى: (لا ينال عهدى الظالمين)((63)) لعدم لياقه الثلاثه للخلافه، لكونهم مشركين قبل اسلامهم،بدعوى انه لو لم يكن الظالم شاملا لمن انقضى عنه الظلم لما تم الاستشهاد، فانهم لم يكونوا مشركين فى زمان خلافتهم وقد جعل النفى فى((64)) دلاله هذه الايه على ذلك مبنيا على كون المشتق حقيقه فى الاعم وانكر ذلك.

ونقول لا يترتب لياقتهم للخلافه وعدمها على وضع المشتق للمتلبس او للاعم لاثبوتا ولا اثباتا، اما ثبوتا فواضح، واما اثباتا فلانه ولو قلنا بالوضع للاعم الاان انصراف المتلبس منه غير قابل للانكار، ومعه لا يمكن اثبات عدم لياقتهم لذلك بالايه.

والصحيح: ان الايه ناظره الى ما حكم به العقل فى عصمه النبى والائمه (ع)، فانهم بعد تلبسهم بذلك لابد وان يكونوا معصومين عن كل عصيان حتى الاتيان بالمكروهات بل بغير الراجح ولو بالعرض، واما قبل ذلك فلابد وان يكونوامعصومين عما ينافر عنه طبع العقلاء من الرذائل النفسانيه وما يوجب الخفه كمابين فى محله من الكلام، والا لكان النبى او الامام موردا لتنقيصهم.

ومن اعظم الرذائل مسئله الشرك الذى لا يغفر، وعليه فمن كان متلبسا به فى زمان لا يليق بالخلافه ابدا بحكم العقل، والايه ترشد الى ذلك.

وبالجمله فلا دليل على الوضع للاعم اصلا.

تنبيهات:

التنبيه الاول فى تركب معانى المشتقات وبساطتها ذكر شارح المطالع((65)) عند تعريف الفكر بانه ترتيب امور معلومه لتحصيل الامرالمجهول، والايراد على ذلك بانه ربما تحصل معرفه المجهول بامر واحد كما فى تعريف الانسان بانه ضاحك، ان المشتق ليس امرا واحدا، بل هو امور عديده،لان معناه شىء او ذات ثبت له المبدء، فهو مركب من الذات والمبدء والنسبه بينهما.

واورد عليه السيد شريف فى الحاشيه بانه يستحيل اخذ الشىء فى المشتق، لانه ان اريد من الشىء مفهومه فيلزم اخذ العرض العام فى الذاتى، اعنى الفصل فى مثل ناطق، وان اريد منه مصداق الشىء وواقعه فيلزم انقلاب القضيه الممكنه الى الضروريه فى مثل قولك (الانسان ضاحك)، فان ثبوت الشىء لنفسه ضرورى.

وليعلم ان مورد النزاع انما هو بساطه معنى المشتق وتركبه بالتعمل والتحليل العقلى لا ابتداء، فان ما يفهم ابتداء من المركبات المسلمه كلفظ الدار او الف مثلاليس مركبا، فكيف بالمشتق الذى تركبه محل خلاف، بداهه انه لو قيل (زيداشترى دار عمر) لا ينتقل السامع من لفظ الدار ابتداء الى الحائط والقبه والسرداب، وهكذا لا ينتقل من استماع لفظ (الف) الى عشرين خمسين، اوخمسين عشرين، وهكذا مع ان الالف مركب من ذلك، فمورد النزاع انما هوالتركب والبساطه التحليليه.

وعليه فصاحب الكفايه((66)) يوافق شارح المطالع فى الذهاب الى التركب على مايصرح فى اواخر كلامه فى المقام من ان المشتق بالتعمل العقلى ينحل الى ما ذكر،فلا وجه مع ذلك لايراده عليه وذهابه الى البساطه.

وكيف كان، نقول: اما اخذ مصداق الشىء فى المشتق فهو واضح الفساد، لالاستلزامه انقلاب القضيه الممكنه الى الضروريه، بل لان لازمه ثبوت الاشتراك اللفظ ى فى جميع المشتقات، اما بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص او بنحوالوضع والموضوع له الخاص، بل ربما يستلزم على الثانى الاوضاع الغير المتناهيه لامكان فرض الافراد الغير المتناهيه للمشتقات، مثلا يقال الحرف قائم والانسان قائم والبحر قائم الى نحو ذلك، والماهيات غير متناهيه، فلا وجه لاطاله الكلام فى ذلك.

واما اخذ مفهوم الشىء فى ذلك فلا محذور فيه.

اما ما ذكره السيد الشريف من استلزامه اخذ العرض فى الذاتى، وهو الفصل فى مثل ناطق:

ففيه: ان الناطق ليس فصلا للانسان حقيقه سواء كان بمعنى النطق والتكلم، اوبمعنى ادراك الكليات، فان الطفل من اول وجوده انسان ولا يتكلم ولا يدرك الجزئيات فكيف بالكليات، وانما هو فصل منطقى، فانهم يعبرون عن اظهرخواص الماهيه المميز لها عن غيرها من الماهيات بالفصل، واما الفصل الحقيقى فلم يعرف الى الان، ولذا ربما يجعل فصلان لماهيه واحده كالحساس والمتحرك بالاراده مثلا، ولا معنى لان يكون فصلان لماهيه واحده حقيقه، وهكذا فى الصاهل والناهق وامثال ذلك، وعليه فلا يلزم من اخذ مفهوم الشىء فى المشتق الى اخذ العرض العام فى الخاصه، ولا مانع من ذلك، اذ ربما يكون المقيد خاصه للشىء، مثلا يقال (الخفاش طائر ولود) فان الطائر المطلق لا يكون خاصه للخفاش ولكن اذا قيد بالولود يكون مميزا له، فالشىء المقيد بالنطق يكون مميزاللانسان.

ثم ان المحقق النائينى (قدس  سره)، ذكر ان مفهوم الشىء ليس عرضا عاما، وانما هو جنس الاجناس((67)) وهو الجامع بين المقولات، وعليه فلا يلزم من اخذه فى المشتق اخذ العرض العام فى الفصل، بل يلزم اخذ الجنس فى الفصل او فى الخاصه وانقلاب الفصل الى النوع والتكرار اللغو الى غير ذلك من التوالى الفاسده.

ونقول: يستحيل ان يكون الشىء جنسا، وذلك لان الجنس هو الجهه المشتركه بين الماهيات المنتزعه عن ذاتها فى مقابل الفصل الذى هو الجهه المميزه لكل منها،وفى قبال النوع الذى هو تمام الذات، والشىء بما له من المفهوم يطلق على الوجودوالعدم والماهيه، فيقال: الوجود شىء يستحيل اتصافه بالعدم، او الماهيه الفلانيه شىء ممكن، او العدم شىء غير قابل لان يوجد، ويطلق على الواجب، فيقال:شىء لا كالاشياء، وعلى المستحيل، فيقال: اجتماع النقيضين شىء محال، وعلى الاعتباريات فيقال: الملكيه شىء اعتبارى الى غير ذلك، ولازمه تركب الواجب، لان الشىء جهه جامعه بينه وبين غيره، فيحتاج الى جهه مايزه، وهو محال،ومن الواضح انه لا يعقل الجامع الذاتى بين هذه الامور فكيف يعقل ان يكون جنسا لها ؟!فالصحيح: انه عنوان عرضى بمعنى (جيز) فى الفارسيه، ومرادف لفظ الموصول الذى يعرفه ما بعده. وعليه فلا يلزم من اخذه الا ما ذكره السيد الشريف، وقدعرفت الجواب عنه، وبالجمله اخذ مصداق الشىء فى المشتق غير صحيح، لماعرفت انه مستلزم لان يكون المشتقات من قبيل المشترك اللفظ ى، واما اخذمفهوم الشىء فيه فلا يلزم منه محذور، وما يوهم من المحاذير اللازمه من ذلك امور:

الاول: ما ذكره المير سيد شريف من انه يستلزم اخذ العرض فى المقوم فى مثل الناطق.

وقد عرفت الجواب عنه بان الناطق ليس فصلا وانما هو عرض خاص.

الثانى: انه لو كان المشتق مشتملا على النسبه فيشبه الحروف من حيث المعنى،فيلزم ان يكون مبنيا.

وفيه: اولا - النقض بالمصادر خصوصا المزيد فيها فانها تشتمل على النسبه لامحاله فى مقابل اسم المصدر ومع ذلك ليست مبنيه.

وثانيا - بالحل، وهو ان كون الشبه بالحرف موجبا للبناء ليس من القواعد العقليه الغير القابله للتخصيص، فيمكن تخصيصه بغير المشتق.

وثالثا - ان تلك القاعده انما هى فيما اذا كان للاسم وضع شخصى ولهيئته ومادته اشبه الحروف، وليس المشتق كذلك، فان مواد المشتقات غير مشتمله على النسبه، وانما النسبه تستفاد من الهيئه، وهذا الشبه لم يقل احد بكونه موجبا للبناء.

الثالث: انه لو كان الشىء ماخوذا فى المشتق لزم ان يكون المدرك منه قضيتان،احداهما: ضروريه، والاخرى: ممكنه فى مثل قولك (زيد قائم) اذ معناه زيدشىء بالضروره له القيام بالامكان.

وفيه: ان المحمول انما هو الشىء المقيد بالقيام، وحمل ذلك ليس ضروريا وان كان ثبوت الشيئيه المطلقه لكل شىء ضروريا، فالنتيجه تابعه لاخس المقدمتين.

وربما تختلف الجهه اذا قيد المحمول، مثلا لو قيل (الشاه حيوان) فحمله عليه يكون ضروريا، وان قيل (حيوان ناطق) بهذا القيد يكون الحمل ممتنعا.

وبهذا ظهر الجواب عن الايراد الرابع الذى ذكره المحقق النائينى من لازم اخذمفهوم الشىء فى المشتق هو ان يكون المدرك منه نسبه تامه، وانقلاب النسبه التصوريه الى النسبه التصديقيه، فانه عرفت ان النسبه فى المشتق انما هى نسبه تقييديه ومعناها هو الشىء المقيد بالاتصاف بالمبدء، فاذن لا مانع من اخذ مفهوم الشىء فيه اصلا.

واما وقوع ذلك فبالوجدان نرى ان المستفاد من المشتقات ينحل الى ذات مبهمه من جميع الجهات عدى قيام المبدء به كما فى المفتاح والقائم والضارب ونحو ذلك.

واما دعوى بساطه المشتق لاتحاد معناه ومعنى المبدء، وان الفرق بينهما اعتبارى،بتقريب: ان العرض حيث ان وجوده فى نفسه عين وجوده لموضوعه فله حيثيتان، فتاره: يلحظ بما انه موجود مستقل فى قبال الجوهر فيعبر عنه بالمصدر، واخرى:

يلحظ لا بشرط وربما انه فى موضوعه، فيعبر عنه بالمشتق، وقد عبر بعد ذلك تعبيرات وان العرض يكون من شوون الذات ومن اطوارها فكيف يمكن ان يكون مغايرا معها الى آخر ما قيل، فالجواب عنه:

اولا: انا نرى وجدانا ان العرض وجود مغاير للذات، فكيف يمكن اتحاده،ومجرد كونه من شوونه لا يوجب الاتحاد، وفى الفصول ذكر ان لحاظ العلم لابشرط ولو الف مره لا يجعله عالما كما هو واضح.

وثانيا: لا ينحصر المشتق بالمبادى العرضيه، بل ربما يكون مبدء المشتق امرااعتباريا كالممكن والممتنع والواجب، او اعتباريا عقلائيا كالزوجيه والملكيه،وليست الامور الاعتباريه ذات عنوانين، ولا يمكن القول باتحاد الملكيه والدارمثلا.

وثالثا: ان الخالق والرازق ونحوه من صفات الفعل تطلق على البارى تعالى،ويستحيل اتحاد الخلق والخالق والرزق والرازق، ومضافا الى جميع ذلك ان لحاظالعرض لا بشرط او بشرط لا مما لا يفهمه الا الفيلسوف، فلا يمكن ان يكون ذلك معنى المشتق، وهذا ظاهر.

والحاصل: ان ما فهمه فى الفصول((68)) من كلام المحقق الدوانى وغيره ممن ذهب الى اتحاد المبدء والمشتق وان اختلافهما باللابشرطيه والبشرط اللائيه هوالاعتباريه منهما، وان موردهما ماهيه واحده، ولذا اشكل عليهم بان لحاظ العلم لا بشرط لا يوجب اتحاده مع الذات الذى هو مصداق للعالم.

واورد عليه فى الكفايه((69)) بما حاصله: ان مرادهم من اللالبشرطيه والبشرطاللائيه هو الذاتيه منهما، فان المشتق بمفهومه غير آب عن الحمل لاتحاده مع الذات بخلاف المبدء فانه بنفسه عاص عن ذلك، واستشهد لذلك بما ذكروه فى الفرق بين الجنس والماده، والفصل والصوره.

ونقول: ما فهمه صاحب الفصول هو الصحيح لتصريحهم بذلك كما يظهر من عباره الدوانى من ان العرض من اطوار موضوعه ومن شوونه وانحائه فكيف يعقل ان يكون مباينا له، واصرح من ذلك ما ذكروه فى الفرق بين الجنس والماده، والفصل والصوره.

بيان ذلك: ان كل ماهيه تكون مركبه من جهه مشتركه بينها وبين الماهيه الاخرى او الماهيات الاخر وجهه مميزه لها عن غيرها، ويعبر عن الاولى بالماده تاره وبالجنس اخرى، وعن الثانيه بالصوره او الفصل، والمراد من الماده هو القوه والاستعداد ومن الصوره فعليه تلك القوه، فالفعليه لا معنى لها بدون القوه، كما ان تحقق القوه ايضا متوقفه على الفعليه، والدليل على تحقق كلا الامرين ما يرى وجدانا من بقاء الماده مع تبدل صورها النوعيه كالخشب رمادا، مثلا النواه جمادولكن فيها قوه الترقى الى الشجريه او الخشبيه او غير ذلك، وذلك الاستعداد هوالماده وتحققه يكون بالفعليه كما لا يخفى.

وقد وقع الخلاف بينهم فى ان التركيب بينهما هل يكون اتحاديا بحيث تكون الماهيه ماهيه واحده ووجود فارد والعقل يحللها الى الامرين، او انضماميا كالتراكيب الخارجيه.

وذهب المير الداماد الى الثانى، وجمله من المحققين الى الاول، وان الوجودالواحد يسرى من الفعليه الى القوه، فكانه اقرب الى الوجود منها.

وقد استدل عليه بعضهم بانه لو كان التركيب انضماميا ننقل الكلام الى كل من الصوره والماده، فيلزم التسلسل.

ثم ان كلا من الاستعداد والفعليه ان لوحظ لا بشرط عن الاخر فيعبر عن الاول بالجنس، وعن الثانى بالفصل، ويحمل كل منهما على الاخر، وعلى المجموع المركب منهما فيقال: (الناطق حيوان) وبالعكس او (الانسان حيوان) او ناطق للاتحاد بينها، واما ان لوحظ بشرط لا عن الاخر فيعبر عن الاول حينئذ بالهيولى، وعن الثانى بالصوره كالبدن والنفس فى الانسان، فيستحيل حينئذ حمل كل منهما على الاخر او على المجموع وليس هناك جهتان مشتركتان متباينتان ذاتايعبر عن احديهما بالجنس وعن الاخرى بالماده، وهكذا فى الجهه المميزه كما هوواضح.

اذا عرفت هذا، فالامر فى المشتق ومبدئه ايضا كذلك على زعمهم، فلا وجه لحمل كلامهم على الاختلاف الذاتى بينهما اصلا، فاذن يرد عليهم ما اورده صاحب الفصول.

واما ما ذكره فى الكفايه، ففيه:

ان كل مفهوم يكون قابلا ذاتا للحمل على كل ما يكون من مصاديقه وآبيا عنه ذاتا بالاضافه الى كل ما لا يكون من مصاديقه، والمشتق ومبدئه ايضا من هذاالقبيل.

ثم يرد على الاتحاد المزبور مضافا الى ما تقدم ان المشتقات ليست جميعهاموضوعه لما هو معروض لعرض فى اسم الزمان والمكان والاله، مثلا مفتاح ليس اسما لمعروض الفتح بل لالته، فلا يجرى فى مثله ما ذكروه فى اتحاد المبدء والذات من كون العرض من شوون موضوعه واطواره فلابد وان يتحد معه خارجا.

فالصحيح: ما تقدم من ان معنى المشتق هو من له المبدء.

التنبيه الثانى:
يعتبر فى الحمل امران، الاتحاد بين الموضوع والمحمول من جهه والتغاير من جهه اخرى، فلا يصح الحمل بين متحدين من جميع الجهات، او المختلفين من جميع الجهات، فلا يقال زيد عمر مثلا.

ثم انه تاره: يكون الاتحاد بينهما ذاتيا والتغاير بما هو خارج عن مقام الذات،كما فى حمل حيوان ناطق على الانسان، فان مفهوم الانسان متحد ذاتا مع مفهوم حيوان ناطق، والاختلاف بينهما اعتبارى بالاجمال والتفصيل.

وليس المراد من الاعتبار مجرد الفرض كما هو ظاهر، وهكذا فى حمل احدالمترادفين على الاخر كقولك الانسان بشر او العكس، فان مفهومهما متحد ذاتاواختلافهما بالاعتبار، اذ الانسان مشتق من الانس فيطلق على هذه الطبيعه فى مقابل غيره من اصناف الحيوان التى ليس لها هذه المنزله، ويطلق البشر عليها فى مقابل الملك، ويعبر عن هذا الحمل بالحمل الاولى.

واخرى: يكون الاختلاف بينهما ذاتيا والاتحاد بما هو خارج عن مقام الذات،كما فى حمل المشتقات على مصاديقها، فان مفهوم زيد مغاير ذاتا مع مفهوم ضارب مثلا واتحادهما انما هو فى الوجود الذى هو خارج عن مقام الذات، ويعبرعنه بالحمل الشايع، لكونه هو المتعارف بين الناس فى المحاورات، وبالصناعى لاستعماله فى العلوم، فان الحمل فى الشكل الاول يكون من هذا القبيل، كما ان حمل الفصل على الجنس، او الجنس على الفصل، او كل منهما على النوع وبالعكس يكون من هذا القبيل كقولك: الانسان ناطق، او حيوان، او الحيوان ناطق، وبالعكس.

وصاحب الفصول((70)) حيث ذهب الى ان التركيب بين الجنس والفصل انضمامى لا اتحادى وقع فى الاشكال من حيث عدم تحقق الاتحاد بينهما، لا ذاتا كما هوواضح، ولا خارجا، لكون التركيب بينهما انضماميا.

وتمحل للجواب عنه بان للعقل ان يعتبرهما فى وعاء الاعتبار امرا واحدا، وبذلك الاتحاد الاعتبارى يصح الحمل، واورد عليه فى الكفايه((71)) بما هو مذكورفيه.

والحق فى الايراد عليه: ان اعتبارهما فى وعاء الذهن والتصور واحدا انما يصحح الحمل بلحاظ الوجود الذهنى لا الخارجى، مع انا نرى صحته خارجاايضا.

التنبيه الثالث:ذهب صاحب الفصول الى اعتبار مغايره المبدء
مع الذات فى المشتقات ذهب صاحب الفصول
((72)) الى اعتبار مغايره المبدء مع الذات فى المشتقات ذهب صاحب الفصول الى اعتبار مغايره المبدء مع الذات فى المشتقات،ومن ثم اشكل فى اطلاق بعض المشتقات التى هى من صفات الذات كالعالم والقادر لا صفات الفعل كالخالق والرازق على ذاته جل وعلا، حيث ان المبدءفيها متحد مع ذاته المقدسه، فالتزم فى ذلك بالمجاز او النقل.

واجاب عنه فى الكفايه((73)) بان المعتبر من التغاير بينهما انما هو التغايرالمفهومى، وهو ثابت فيها، فان مفهوم القدره مغاير ذاتا مع ما يفهم من لفظ (اللّه)، نعم مصداقهما فى الخارج متحد.

واضاف المحقق النائينى((74)) الى ما فى الفصول ان لازمه تعطيل العقل عن ادراك معانى هذه المشتقات التى تطلق عليه تعالى.

ونقول: لا وجه للتعطيل اصلا، فان الالتزام بالنقل او التجوز معناه ان يكون لفظالعالم او القادر مثلا مستعملا عند اطلاقه عليه فى نفس العلم والقدره، وهذا غيرمسلتزم لوقوف العقل عن الادراك كما هو واضح.

واما ما ذكره فى الكفايه من اعتبار التغاير الذاتى بين المبدء والذات فهو ايضا غيرتام، بل لا يعتبر فيهما التغاير اصلا لا الذاتى ولا الوجودى، وانما المعتبر هو تغايرالمحمول والموضوع من بعض الجهات، بداهه توقف صحه الحمل على ذلك،واما تغاير المبدء والذات فلا ملزم له اصلا، ولذا يقال:

الضوء مضىء، والنور منير،والوجود موجود، الى غير ذلك، مع اتحاد المبدء مع الذات فيها مثلا.

ثم انه يرد على هذه الموارد اشكال آخر من جهه استحاله تحقق النسبه بين الشىءونفسه، وسيظهر دفعه بما نذكره فى التنبيه الخامس فى صدق المشتق.

وذكر فى الكفايه((75)) انه مبدء لعدم اعتبار قيام المبدء بالذات، ولذا يطلق الضارب والمولم على الفاعل، مع ان قيام الضرب والالم يكون بالمضروب والمولم.

وفيه: ان هذا بديهى الفساد، والا فلماذا يطلق الضارب على من صدر عنه الضرب ولا يطلق على غيره وهكذا المولم، فلو لم يكن التلبس بالمبدء معتبرا فى صدقه لزم صحه اطلاق مثله على كل شخص، مع انه بديهى الفساد، فالتلبس معتبر فى صدقه غايه الامر ان انحاء القيام مختلفه، قيام صدور، او حلول، اووقوع عليه او فيه وبه، او غير ذلك.

ثم ان صاحب الفصول((76)) حيث اعتبر تحقق القيام والتلبس فى المشتق اشكل عليه الامر فى اطلاقها على ذاته تعالى فى صفات الذات كالعالم والقادر، حيث لامعنى لتحقق النسبه بين الشىء ونفسه، فبناء على ما هو الحق من عينيه صفاته ليس هناك اثنينيه ليعقل التلبس والنسبه، فالتزم بالمجاز فيها.

وذكر فى الكفايه وتبعه المحقق النائينى ان لازمه تعطيل العقل عن الادراك وكون هذه الاذكار مجرده لقلقه اللسان((77)). وهذا الكلام ماخوذ مما ذكره السبزوارى فى حاشيه منظومته فى مقام الاستدلال على اشتراك الوجود بين الواجب والممكن من انه يطلق الموجود على ذات البارى.

فان اريد منه معناه المتعارف فقد ثبت الاشتراك، غايته فيه تعالى يكون الوجودحقيقيا، وفى الممكن ظليا، وان اريد منه ضده وما يقابله وهو العدم فهو كفروزندقه، وان لم يرد منه المعنى اصلا يلزم التعطيل، وفى الكفايه ذكر ذلك فى اطلاق هذه المشتقات عليه تعالى.

والظاهر ان هذا البيان فى الوجود والموجود تام، ولكن لا يجرى فى المشتقات، اذالمجازيه كما عرفت معناها استعمال المشتق واراده نفس المبدء منه، فمعنى يا عالم ياعليم بمعنى الانكشاف، وهذا غير مستلزم للتعطيل.

والجواب عن اصل الاشكال يظهر مما مر منا فى المعانى الحرفيه ومبحث المشتق،فقد ذكرنا ان الحروف وكذا الهيئات موضوعه لتضييق المفاهيم الاسميه بعضهاببعض، كما فى التوصيف والاضافه، ويضم الى ذلك ما اخترناه من ان الماخوذ فى المشتقات انما هو مفهوم الشىء لا مصداقه، وعليه فالتضييق والنسبه فيها تكون بين المفهومين لا بين المصاديق الخارجيه، فمعنى العالم الشىء المقيد اى من له العلم، والقادر ايضا من له القدره، وهكذا فى الموجود، وفى اطلاقها على ذات البارى ايضا تكون مستعمله فى معانيها غايه الامر ان مصداقها خارجا وجود واحدبسيط لا تركب فيه.

بقى هناك اشكال آخر وهو انه نسب الى صدر المتالهين ان المفهوم الواحد يستحيل انتزاعه من ماهيات متباينه بما هى متبانيه، وذكرو ان عكسه ايضا مستحيل وهوانتزاع مفاهيم عديده من ذات واحد بسيط، فوقعوا فى الاشكال من حيث الصفات الجاريه على ذاته تعالى مع بساطته.

والجواب عن ذلك ان هذه الاطلاقات والتوصيفات انما هى فى مقام اللفظ وضيق التعبير، والا فليس هناك صفه وموصوف، والا للزم التركب كما تشير اليه بعض خطب مولانا امير المومنين: (وكمال التوحيد نفى الصفات عنه)، وبعض الاخبارايضا.

وبالجمله حكى عن بعض الفلاسفه دعوى بداهه استحاله انتزاع مفهوم واحد عن وجودات متباينه بما هى متباينه من دون ثبوت جهه مشتركه فيها، وبهذا اثبت اشتراك الواجب والممكن فى الوجود غايته ان وجود الواجب قديم ووجودالممكن ظلى حادث، ثم ادعى البداهه فى عكس ذلك ايضا، اى فى انتزاع مفاهيم متباينه من وجود بسيط من جميع الجهات، ولذا وقعوا فى الاشكال من حيث انتزاع المفاهيم المتباينه من ذاته المقدسه.

والجواب عن ذلك ان ما يدركه العقل وينتزعه ويكون له تحقق نفس امرى غيرمنحصر بالوجود الخارجى، ولذا يكون العدم حقيقه معدوما واستحاله اجتماع النقيضين حقيقه متحققه مع استحاله اتصاف العدم والاستحاله بالوجود، وهكذاالملازمات بين الاشياء ثابته فى نفس الامر مع انه ليس لها ما بحذاء خارجى،فتعدد المفهوم الانتزاعى الثابت فى نفس الامر حقيقه وبلا عنايه غير مستلزم لتعدد الوجود الخارجى، ولذا ينتزع العقل مفاهيم عديده نفس امريه من وجودواحد، حتى قالوا ان اول ما يدركه الانسان بل كل حيوان انه هو، وثانيه انه ليس غيره، وهما مفهومان متغايران، فتعدد المفاهيم الانتزاعيه يكون بتعددالاعتبار لا بتعدد الوجود، مثلا الكم الواحد نفرضه عشره مثلا، او جسم مستطيل واحد يكون اصغر بالاضافه الى ما هو اكبر منه طولا وينتزع منه الاكبرباعتباره مع شىء اصغر منه، وعلى هذا فصفاته المقدسه ايضا باجمعها تنتزع عن الذات البسيط الذى ليس فيه شائبه النقص والتركيب، فباعتبار ذاته واستجماعه لجميع الكمالات ينتزع منه مفهوم اللّه، وباعتبار كونه محيطا بكل شىء ينتزع مفهوم عالم، وباعتبار ان مرجع جميع الاشياء اليه ينتزع مفهوم قادر، وهكذا ولاينافى شىء من ذلك مع بساطه الذات، وقد ذكرنا ان التقييد والتضييق الثابت فى المشتق انما هو فى المفهوم، اعنى الشىء الماخوذ فيه، وهو اجنبى عن الخارج لكى يلزم التركب، نعم بناء على ما ذهب اليه الاشعرى من مغايره ذاته المقدسه مع صفاته يلزم التركيب وغير ذلك من المحاذير، واما على ما هو الحق المستفاد من الاخبار من نفى الصفات الزائده عنه فلا اشكال ولا كلام.

التنبيه الرابع ذهب صاحب الفصول الى اعتبار مغايره
المبدء مع الذات فى المشتقات ذكر فى الفصول
((78)) انه يعتبر فى صدق المشتق على الذات حقيقه تلبسها بالمبدء،والا فيكون الجرى مجازا، واورد عليه فى الكفايه((79)) بان اطلاق المشتق على غير المتلبس يكون من قبيل المجاز فى الاسناد لا فى الكلمه كما فى قولك: جرى الميزاب.

وذكر المحقق النائينى((80)) ان ذلك مبنى على بساطه المشتق وتركبه، فعلى الاول يكون المجاز اللازم فى الاسناد، وعلى التركب يكون فى الكلمه، وذلك لان المشتق على الثانى يكون مشتملا على نسبه ناقصه هى نتيجه النسبه التامه الخبريه، لان الاخبار بعد العلم بها اوصاف، فاذا فرضنا ان اسناد الجرى الى الميزاب بقولك (جرى الميزاب) كان مجازا فى الاسناد فاطلاق الجارى على الميزاب المشتمل على نتيجه ذلك الاسناد المجازى ايضا يكون مجازا. ثم ذكر ان الصحيح هو كون التركب ثابتا بالتحليل العقلى، والا فالمفهوم الابتدائى من المشتق انما هو امر بسيط.

ونقول: لا وجه لشىء مما ذكراه، بل لابد وان يفهم مراد الفصول، فان اراد من الجرى والصدق ما هو ظاهر العباره اعنى توقف مصداقيه الشىء للمشتق على تلبسه بالمبدء حقيقه، فالامر كذلك، اذ الجاهل بالضروره لا يكون مصداقا للعالم، وان اراد منه الاستعمال والحمل بمعنى ان اطلاق المشتق على غير المتلبس مجاز،ففيه: ان الحقيقه والمجاز تابع لاراده المتكلم، فان اراد من اللفظ - مشتقا كان اوجامدا كلفظ حجر عند اطلاقه على غيره - معناه الحقيقى فالاستعمال حقيقى غايه الامر ان الاخبار كذب، وان اراد منه غير معناه فهو مجاز.

وبالجمله فالحقيقه او المجاز يتبع اراده اللافظ لا كون الذات متلبسا بالمبدء او غيرمتلبس، فان ذلك مناط الصدق والكذب ليس الا.

هذا تمام الكلام فى المقدمات.

المقصد الاول: الاوامر

وفيه مقامات:

المقام الاول فى ماده الامر
وفيه جهات:

الجهه الاولى:

تستعمل هذه الماده فى معان منها الطلب والشان والغرض والحادثه والفعل وغيرذلك وقد ارجع بعضهم جميع هذه المعانى الى جامع وهو مفهوم الشىء.

وفى الكفايه((81)) انها مشتركه بين الشىء والطلب.

وذهب النائينى (قدس سره) الى كونها موضوعه للشىء المهم((82)).

اما كونها موضوعه لمفهوم الشىء، ففيه: ان الامر ربما يستعمل فى موارد لا يمكن استعمال الشىء فيها، مثلا يقال: جاء زيد لامر كذا، ولا يقال: جاء لشىء كذا، وربماينعكس الامر، مثلا يطلق لفظ الشىء على الواجب تعالى، وعلى الذوات والصفات والافعال، بخلاف الامر فانه لا يطلق الا على ما فيه جهه حدوث من الافعال والصفات، فلا يطلق الامر على الحجر، هذا مضافا الى ان مفهوم الشىء جامد غيرقابل للاشتقاق بخلاف لفظ الامر، على ان الامر تاره يجمع على امور، واذا اريدمنه الطلب يجمع على اوامر، فلا يعقل ان يكون موضوعا لمفهوم الشىء فقط.

واما كونها موضوعه للشىء المهم واخذ مفهوم المهم فيه، فيرده صحه توصيف الامر بغير المهم، فيقال: (جاءه لامر غير مهم) اى بسيط باصطلاحنا.

والصحيح ان يقال: ان هذه الماده تستعمل فى الطلب يقينا، وفى الواقعه، وفى الشور ومنه الموامره، وفى التعجب على ما فى اساس البلاغه((83))، واما استعماله فى الفعل لقوله تعالى:

(وما امر فرعون برشيد)((84)) فغير تام، لان المراد من الامر بقرينه صدر الامر به هو الطلب، حيث يقول تعالى: (واتبعوا امر فرعون وما امر فرعون برشيد)، والظاهر انهم اتبعوا امره لا فعله، ولا يهمنا التعرض لبيان ان اى من هذه المعانى معنى حقيقيا لها بعد عدم ترتب ثمر عليه، اذ لم نجدموردا فى الاحكام استعمل هذا اللفظ لنشك فى المراد منه.

وانما نقول: ان ماده الامر تستعمل بلا مسامحه فى الطلب المبرز اعم من ان يكون بصيغه افعل، او بالماضى، او بماده الامر، او بماده الطلب، او بالفعل، او بغيرذلك، كل ذلك مصداق للامر كما فى لفظ البيع.

فما فى الكفايه من تفسيره بالقول المخصوص((85)) لا وجه له، ولا يهمنا ان استعمالهافى المعانى الاخر هل هو حقيقه او مجاز، بنحو الاشتراك اللفظ ى او المعنوى اصلا.

الجهه الثانيه:
اعتبر بعضهم فى صدق الامر العلو والاستعلاء. اما العلو، فهو معتبر يقينا، ولذايتاذى الانسان لو قال له السافل او المساوى آمرك بكذا، واما الاستعلاء فان اريد به المولويه، فهو ايضا معتبر، اذ لو لم يكن الامر فى مقام المولويه بل كان فى مقام الشفاعه او المزاح او غير ذلك يكون ما اتى به مصداقا لتلك العناوين،والشاهد على ذلك خبر بريده، وان اريد منه الجبروتيه، فهو غير معتبر فى صدق الامر قطعا، بداهه صدق الامر ولو امر المولى عبده مودبا فى غايه الخضوع والادب.

الجهه الثالثه:
الامر حقيقه فى الوجوب على النحو الذى نبينه فى الطلب المبرز، لما عرفت ان الطلب المبرز بانحاء الابراز هى مصاديقه، فيلحقه حكمها، فان كانت تلك الصيغ المبرزه للطلب للوجوب فكذلك لفظ الامر، وان لم تكن للوجوب فكذلك الماده،وسنبين انشاء اللّه تعالى انها للوجوب بنحو نتعرض له انشاء اللّه تعالى، فالامرايضا كذلك.

الجهه الرابعه:
يقع البحث فيها عن نقاط اربع:

الاولى - فى ان الطلب والاراده هل هما موضوعان لمفهوم واحد كما فى الكفايه((86))، او ان مفهوم كل منهما مغاير مع مفهوم الاخر ؟الثانيه - فى بيان معانى الجمل الانشائيه والجمل الخبريه، والبحث عن هاتين الجهتين لغوى لفظ ى.