الثالثه - فى انه هل لنا وجدانا غير الصفات النفسانيه الوجدانيه من الحب والشوق والعزم والاراده صفه اخرى تسمى بالكلام النفسانى كما ذهب اليه الاشاعره ام لا ؟ الرابعه - فى ان العباد فى افعالهم هل يكونون مقهورين بالاراده القاهره الازليه اوان القوه والقدره من اللّه والافعال تصدر باراده العبد واختياره ؟ والبحث عن هاتين الجهتين بحث كلامى كما هو واضح.

النقطه الاولى: فدعوى اتحاد الطلب والاراده يمكن
ان تكون من جهتين.

فتاره: يدعى انهما متحدان مفهوما نظير المترادفين وهذا الذى يظهر من الكفايه((87))، واخرى يسلم: تغايرهما مفهوما ولكن يدعى اتحادهما مصداقاوان ما يصدق عليه الطلب خارجا بعينه تصدق عليه الاراده وبالعكس، اى يكون بينهما من النسب الاربع التساوى، نظير لفظ الكاتب بالقوه والضاحك بالقوه او لفظ الانسان والبشر، لو لم يكونا مترادفين.

وكلتا الدعوتين باطلتان، ومفهومهما مفهومان متباينان لا ارتباط بينهما اصلا،وذلك لان الاراده اسم للصفه او الفعل النفسانى - على خلاف فى ذلك يبين انشاءاللّه - قائم بالنفس ولا يعبر عن ذلك بالطلب اصلا، بل الطلب اسم للتصدى نحوالمحبوب، ولذا لا يقال طالب الدنيا لمن يحبها، ولا طالب الضاله لمن لم يتصدنحو ضالته، ولا طالب العلم لمن يحبه، والا لاطلق ذلك على جميع العقلاء، اذلم نر احدا لا يحب العلم او لا يحب الدنيا.

نعم بعدما تصدى الانسان نحو محبوبه ومراده يقال: طلب العلم، او الدنيا اوالضاله، ويطلق عليه الطالب والتصدى نحو المراد لو كان من الامور الاختياريه التى هى تحت قدره المحب والمريد بان كان المشتاق اليه فعل فتصديه نحوه يكون بعمله الخارجى.

واما لو لم يكن ما اشتاقه فعل نفسه بل كان فعل غيره وخارجا عن اختياره، اوكان تحت اختياره ايضا، كما فى الشارع، ولكن المشتاق اليه لم يكن صدور الفعل كيف ما اتفق، بل كان المصلحه فى صدوره عن اختيار العبد، فالتصدى نحوه حينئذ يكون بامره بذلك بقول افعل وامثال ذلك.

وعليه فقول افعل ونحوه يكون حقيقه مصداقا للطلب، لانه غايه ما يمكنه المولى فى مقام تصديه نحو مراده، وبهذا ظهر فساد ما فى الكفايه((88)) من ان مفهوم الطلب ينشا باللفظ، فان المفهوم غير قابل للانشاء، بل الانشاء بنفسه مصداق للطلب كما عرفت.

فالصحيح: ان الطلب والاراده مفهومان متباينان، وان اراد الاشعرى من تغايرهما ذلك فهو المتين جدا، بل الظاهر ان الطلب لا يطلق على مطلق التصدى نحو المراد ولو كان تحقق المطلوب وترتبه على المقدمات مسلما يقينيا، مثلا لوتصدى الانسان نحو طبخ الطعام بايجاد مقدماته لا يقال طلب الطبخ، وهكذا فيمااذا كان عدم ترتب المطلوب على المقدمات يقينيا وانما يطلق الطلب على التصدى نحو شىء يحتمل حصوله ويحتمل عدم حصوله، هذا كله فى مغايره الطلب والاراده.

النقطه الثانيه:
وهى التكلم فى مدلول الجمل الخبريه والجمل الانشائيه، فالمشهور ذهبوا الى ان الهيئه فى الجمل الخبريه داله على النسبه النفس الامريه الاعم من الخارجيه والذهنيه وغير ذلك، اثباتا او نفيا، وفى الجمل الانشائيه موضوعه لايجاد المعنى باللفظ اى ايجاد المفهوم فى ذهن السامع.

ونقول: ذكرنا ان الوضع ليس الا التعهد والالتزام، فلابد وان يتعلق بامر مقدورللواضع اى ما يكون فعل نفسه، وليس ذلك الا قصد تفهيم المعنى عند اطلاق اللفظ، او ذكر اللفظ عند قصد تفهيم المعنى الخاص، وعليه فهيئه الجمل الاسميه موضوعه لقصد الحكايه فمهما يلفظ بها اللافظ تنتقل بالانتقال التصديقى الى انه قصد الحكايه بمقتضى تعهد الواضع، واستعمالها بدونه يكون على خلاف التعهد،ولا فرق فى ذلك بين صوره الصدق والكذب.

واما هيئه الجمل الانشائيه فلا معنى لكونها موضوعه لايجاد المعنى باللفظ، اذ لواريد من الايجاد الايجاد الخارجى، فهو لابد وان يكون مستندا الى علله الخارجيه، وليس اللفظ منها، وان اريد به الايجاد الذهنى الاعتبارى، فهو امرقائم باعتبار المعتبر واجنبى عن مقام اللفظ، فلابد وان تكون موضوعه لقصدابراز الامر الاعتبارى كما بيناه.

والى هنا نجد الهيئه فى الجمل الخبريه والانشائيه فى كونها موضوعه للقصد ومبرزه عنه، ولكن يفرق بينهما فى ان متعلق القصد فى الاولى يكون له تعلق الى الخارج دون الثانيه، ولذا يجرى فى الاولى احتمال الصدق والكذب دون الثانيه حيث ليس لها تعلق بامر خارج.

النقطه الثالثه:
هناك قول ثالث منسوب الى الاشعرى وهو ايضا يشاركنا فى كون المدلول فيهما امرا نفسانيا الا انه يخالفنا فى تعيين ذلك، فانهم التزموا بان فى النفس صفه اخرى غير الصفات المشهوره من العلم والشجاعه والعزم والجزم والاراده،ونحو ذلك، تكون نظير هذه الصفات وعبروا عنها بالكلام النفسى، وذهبوا الى انها مدلول الكلام اللفظ ى، وعبروا عنه فى الجمل الخبريه بالكلام النفسى وفى الانشائيه بالطلب، واستشهدوا لذلك بامور مثل الانسان يقول لمخاطب ان فى نفسى كلاما اريد ان ابديه، او انه لو لم يكن الكلام منظما فى النفس فكيف ينشاه اللافظ مرتبا.

وليعلم قبل بيان استدلالهم انه لو سلمنا صحه الكلام النفسى واثبتناه مع ذلك يستحيل ان يكون ذلك موضوعا له للجمل، لما بيناه من ان الوضع بمعنى التعهد،ولا مناص من تعلقه بامر مقدور للواضع، وليس ذلك الا ذكر اللفظ عند اراده تفهيم المعنى.

ثم انه بعد التامل ظهر لنا ان القائل بالكلام النفسى لا يدعى وضع الالفاظ لذلك كما يظهر من كلماتهم، فهم موافقون مع المشهور فيما وضع له الالفاظ، وانما يدعون دلاله الكلام اللفظ ى على الكلام النفسى دلاله المعلول على علته كدلاله الفحش على ثبوت البغض فى نفس الفحاش مثلا، لا الدلاله الوضعيه، فما يظهر من الكفايه((89)) من اسناده الى الاشعرى دلاله الكلام اللفظ ى على الكلام النفسى بالدلاله الوضعيه غير صحيح.

وكيف كان ذهب الاشاعره الى ثبوت حروف والفاظ فى النفس نظير الحروف والكلمات، غايته ان الحروف فى الالفاظ الخارجيه متعاقبه ويوجد منها جزء فى الخارج وينصرم، ثم يوجد جزء آخر، بخلاف الكلمات النفسيه، فان جميعهاموجوده فى النفس عرضا نظير من نظر الى مكتوب دفعه.

وقد استدلوا على ذلك بامور.

148-151
منها: ما يرى فى العرف من انه يقول احد لاخر ان فى نفسى كلام لا احب ان ابديه.

ومنها: ان ناظم القصيده لابد له من نظم القصيده فى نفسه، والا فلا تتحقق الالفاظ فى الخارج منظمه.

وفيه: ان ما يكون فى النفس ليس الا العلم وتصور الالفاظ والمعانى، وهذاموجود فى جميع الافعال الاختياريه، فان المصلى قبل الاتيان بصلاته يتصورالصلاه اجمالا ثم ياتى بها خارجا، وهكذا فى جميع الافعال، ولو كان ذلك كلامانفسيا لزم الالتزام بالصلاه النفسى والاكل النفسى وغير ذلك.

ومنها: انه اسند الكلام الى اللّه تعالى فى قوله: (وكلم اللّه موسى تكليما)((90))صذه، ولو اريد منه الكلام اللفظ ى فهو حادث، واتصاف القديم بالحادث محال،النساء / 164.

لاستلزامه حدوث القديم او قدم الحادث، فلابد وان يكون هناك كلام نفسى قديم يمكن اتصاف القديم به.

وفيه: اولا: ان ظاهر الايه ان التكلم كان مع موسى (ع)، وموسى حادث يقينا، والكلام مع الحادث حادث، الا ان يلتزم بقدم موسى ايضا، والقول بان الكلام كان قديماوتعلقه بموسى كان حادثا خلاف ظاهر الايه.

وثانيا: ان البارى تعالى يتصف بغير التكلم من الصفات كالخلق والرزق ونحوذلك، فلابد من الالتزام بخلق نفسى ورزق نفسى.

وثالثا: وهو الحل، ان الصفات المنتسبه الى ذاته المقدسه مختلفه فمنها: ما تنتزع من ذاته تعالى وتسمى بصفات الذات، ومنها: ما تنتزع من افعاله ويعبر عنهابصفات الفعل، وما يتحد مع الذات ولابد من ان يكون قديما انما هو صفات الذات، وهى منحصره فى العلم والقدره والحياه، وهى منتزعه عن العلم والقدره، واماالصفات المنتزعه من الفعل فهى كنفس الفعل حادثه كالخلق والرزق والاحياءونحوها، وقد دل على ذلك بعض الاخبار، ومضمون الروايه انه (ع) يقول للراوى: (اولست تقول ان اللّه اراد كذا ولم يرد كذا) يقول: نعم فيقول (ع) ماحاصله: (ان هذا من صفات الفعل، وهل يمكن ان نقول كان عالما بكذا ولم يكن عالما بكذا) فيقول: لا، فيقول (ع): (هذا من صفات الذات).

ثم ان تميز صفات الذات عن صفات الفعل هل يكون بصحه اتصاف الذات بضدتلك الصفه وعدمها، او يكون بصحه اسناد الاراده وعدمها الى ذلك، او يكون بجواز نفيها عنه وعدمه ؟الظاهر هو الثالث: ففى الخلق يصح ان يقال: خلق الانسان ذو راس واحد ولم يخلق انسانا ذى راسين، ولا يمكن ان يقال: انه قادر على الامر الفلانى وغيرقادر على الامر الكذائى، وهكذا فى الفعل، فالمايز بين صفه الذات وصفه الفعل هو صحه تعلق القدره به تاره وعدمها اخرى فى الثانى وعدم صحته فى الاول.

وبالجمله ذهبت الاشاعره الى ان الكلام ينقسم الى قسمين، احدهما: ما يكون مندرج الحصول بنحو التعاقب، ويسمى بالكلام اللفظ ى، وثانيهما: ما يكون بسيطا ومن قبيل الالفاظ وغير قابل للانقسام اصلا، وهو قائم بالنفس نظير سائرالصفات النفسانيه ويسمى بالكلام النفسى، وانقسامه الى الخبريه والانشائيه ونحو ذلك يكون بلحاظ تعلقه بالكلام اللفظ ى، وقد استدلوا عليه بوجوه احسنهاوجوه اربعه:

الاول: انه تعالى اسند الى ذاته المقدسه التكلم فى قوله عز شانه: (وكلم اللّهموسى تكليما)((91))، او القول بان ما اتصف به من الكلام هو الكلام اللفظ ى مستلزم لاتصاف القديم بالحادث، وهو محال، فلابد وان يراد منه الكلام النفسى القديم المتحد مع الذات.

وفيه: ما تقدم فلا نعيد.

الثانى: انه يطلق (المتكلم) عليه تعالى كما يطلق عليه (المريد والقادر)، ولايطلق هذا المشتق الا على من قام به المبدء قيام حلول واتصاف لا قيام فعل وصدور، والا يصدق عليه المتحرك ايضا، لانه خالق الحركه، ومن الواضح ان الكلام اللفظ ى لا يعقل اتصافه تعالى به لانه حادث، فلابد وان يراد منه كلاماقديما وهو الكلام النفسى.

وفيه: انه ما المراد من الماده فى المتكلم، فان كانت مادته الكلام اعنى الصوت،فهو حال فى الهواء والهواء متصف به اتصاف حلول، لان الصوت منشا من موج الهواء على ما قيل، وعليه فلابد من صدق المتكلم على الهواء، وهو بديهى البطلان، وان كانت الماده هى التكلم كما ذكره (روزبهان) بعد اطلاعه على فسادجعل مادته الكلام، فهو وان كان صفه للمتكلم الا انه بمعنى ايجاد الكلام فالمتكلم من اوجد الكلام، واما ما ذكره من ان اسم الفاعل لا يطلق على من قام به المبدءقيام صدور فهو غير صحيح، لاطلاق النائم على من صدر عنه النوم والخالق والرازق والمحيى والمميت عليه تعالى بلحاظ صدور تلك الافعال عنه.

وقد ذكرنا ان صفه الذات المتحده معه تعالى ليس الا العلم والقدره والحياه، وهى قديمه، واما بقيه الصفات فهى من صفات الفعل وحادثه كنفس الفعل، اذ ليست تلك الصفه الا نفس الافعال، فكما ان الفعل حادث فالفاعليه والموجديه لها ايضاحادثه، والتكلم من هذا القبيل.

الثالث: ان الانسان حينما يريد الدخول على السلطان او على العالم يرتب فى قلبه ما يريد القائه بمحضر السلطان، وهو الكلام النفسى.

وفيه: ان ذلك ليس الا تصور، وهو موجود فى جميع الافعال الاختياريه.

الرابع: استشهدوا بالكلمات العرفيه وظواهر الايات كقوله تعالى: (واسرهايوسف فى نفسه ولم يبدها)((92))، وقوله تعالى: (ان تبدوا ما فى انفسكم اوتخفوه يحاسبكم به اللّه)((93))، الى غير ذلك.

وفيه: انه لا ربط بشىء من ذلك بالكلام النفسى كما هو واضح.

ومضافا الى جميع ما تقدم انه بالوجدان نرى انه ليس فى اللفظ الا امورسبعه:

الاول: الالفاظ المفرده، الثانى: معانيها، الثالث: الهيئه التركيبيه، الرابع: مفادها، الخامس: تصور المعنى، السادس:

التصديق بالنسبه نفيا او اثباتا، السابع:مطابقه الخبر فى مثل (زيد قائم)، للواقع، وليس شىء منها كلاما نفسيا كما هوظاهر غير محتاج الى التطويل، ويويد ما ذكر ان غير الاشعرى ممن سبقه ولحقه يستعملون الكلام اللفظ ى من غير ان ينتقلوا الى الكلام النفسى اصلا، فنحن لا نتصور للكلام النفسى معنى معقولا حتى نبحث عنه.

النقطه الرابعه: فى الجبر والاختيار
وهو من مهمات المباحث الكلاميه، ولولا ان صاحب الكفايه تعرض له فى المقام لما تعرضنا له، فذهب الاشاعره فرارا من لزوم الشرك بزعمهم الى ان افعال العباد كلها مخلوقه للّه تعالى، وليس لاراده العبدواختياره تاثير فيها اصلا، لان لا يلزم تعدد الالهه بعدد افراد الفاعلين، والتزموابان العباد كاسبون، والا فالفعل مخلوق له تعالى، غايته فى الاختياريه من الافعال اوجد اللّه القدره للعبد على اتيان العمل مقارنا لفعله من دون ان يكون مستندا اليها دون الفعل الغير الاختيارى، فتامل.

ولذا ذكر بعض المعتزله ان حمار الاشعرى اعقل منه، لانه يفرق بين الفعل المقدوروغير المقدور، فاذا وصل الى نهر صغير تمكن من عبوره حيث((94)) يطفر عنه بخلاف ما اذا وصل الى النهر العريض الذى لا يمكنه الطفره عنه، والاشعرى لايفرق بين الامرين، ومن الواضح ان لازم هذا القول هو نسبه الظلم اليه تعالى فى عقابه العباد على معاصيهم، فهم فرارا من الشرك بتخيلهم وقعوا فى الظلم.

وذهب جمع من الفلاسفه الى ما ذكر فى الكفايه من ان الافعال الاختياريه تكون مستنده الى الاراده، وبذلك فرقوا بين الفعل الارادى وغيره، الا انهم التزموابان اراده العبد تنتهى الى الاراده الازليه، وهذا ايضا جبر نتيجه.

واما المعتزله فذهبوا الى ان العباد مستقلون فى افعالهم، وعزلوا اللّه جل شانه عن التاثير فى ذلك زعما منهم كفايه العله المحدثه فى بقاء المعلول ايضا، وهم فرارا من الظلم وقعوا فى الشرك.

والاماميه تبعا لائمتهم (ع) ذهبوا الى الامر بين الامرين والمنزله بين منزلتين،بحيث لا يلزم شىء من المحذورين، وقد مثلنا سابقا للجبر بحركه يد المرتعش اذا شد بيده سيف وجىء بانسان تحت السيف، فان حركه يد المرتعش تكون غيراختياريه ولو كان ملتفتا الى ان من تحت السيف يقتل بذلك، بل ولو كان فى نفسه محبا لذلك ايضا، ومثلنا للتفويض بما اذا كان سبع فى سجن، فارسله السجان، وبذلك خرج عن قدرته واختياره، او بارسال حاكم الى البلدوتفويض امر البلد اليه بحيث لا يتدخل السلطان فى افعاله واحكامه وتصرفاته ولو كان قادرا على عزله كما كان ذلك متعارفا فى زمان الاستبداد، واما الامربين الامرين، فمثاله ما اذا فرضنا ان انسان مصاب بالفلج لا يقدر على الحركه اصلا، ولكن اوصل الطبيب السلك الكهربائى الى يده فتحركت ما دامت متصله بالسلك، فان المريض بعد ذلك يكون مختارا فى افعاله الا ان افاضه القدره عليه يكون من السلك آنا فانا، ففى كل آن هو غير مستغنى عن الطبيب ومهما رفع الطبيب يده عن (سويج) الكهرباء تفلج يد المريض وتسقط عن الحركه، وفى هذا الفرض لو فعل المريض فعلا بلا مسامحه يكون الفعل مستندا الى المريض لصدوره عن مشيئته واختياره، ويستند الى الطبيب ايضا، لانه كان بافاضه القدره عليه آنا فانا، وافعال العباد كلها من هذا القبيل، فان الانسان غيرمستغنى عن الموثر دائما.

والحاصل: اصول الاقوال فى المقام اربعه:

الاول: ما ذهب اليه اكثر الفلاسفه من ان الافعال الاختياريه معلوله للاراده، فهى اراديه غير ان الاراده تنتهى الى ما ليس بالاختيار فهى غير اختياريه.

الثانى: ما ذهبت اليه الاشاعره من ان الافعال كلها مخلوقه للّه تعالى، وليس لقدره العبد واختياره تاثير فيها اصلا، وان العبد معرض ومحل للفعل نظير الجسم الذى يعرضه السواد، وانما الفرق بينهما فى ان خلق الفعل فى الانسان يكون مقارنالقدرته بخلاف خلق السواد فى الجسم.

الثالث: ما ذهب اليه المعتزله من استغناء العباد فى افعالهم عن الموثر، وانهم لايستمدون فيها من اللّه تعالى وان كان ايجاد مبادى الفعل فيهم ابتداء من اللّه، وهوقادر على اعدام ما اوجده فيهم من المبادى الا انه بعدما اعطاهم الحياه والقدره وبقيه المقدمات فما لم يسترجعها يكونون مستلقين فى اعمالهم.

154-157
الرابع: ما اختاره الاماميه من الامر بين الامرين.

اما الاشاعره فيرد عليهم:

اولا: انا بالوجدان نفرق بين حركه يد المرتعش وغيرها من الحركات الاختياريه، وبين حركه النبض وتحريك الاصبع اختيارا، والوجدان اعظم البراهين،فحينئذ نسال من الاشعرى ونقول: ما الفرق بين الحركه الاختياريه والغيرالاختياريه ؟فان قال: بعدم الفرق بينهما، فهو انكار للوجدان، واثبات المطلب على منكرالوجدانيات ممتنع نظير من انكر استحاله اجتماع النقيضين.

وان قال: بان الفرق بينهما بمقارنه الفعل الاختيارى مع القدره، نقول: ما المرادمن القدره ؟ ان اريد بها الاراده والاختيار على الفعل فمعها لا معنى لان يكون الفعل مخلوقا للّه تعالى مع صدوره عن اختيار الفاعل، وان كان المراد منها مجردالشوق وحب الفعل فهو غير موجب لاختياريه الفعل، ولذا لا تكون حركه النبض اختياريه مع ان الانسان يحبها وهو يشتاق اليها لانها سبب حياه الانسان، فما هو الفارق بين الفعلين ؟وثانيا:

انه على هذا المبنى يكون العقاب والثواب ظلما وقبيحا، نظير عقاب العبدعلى طول قامته، مع ان الاشعرى بنفسه يعاقب من ضربه بالحجر ولا يعاقب الحجر الواقع بنفسه من مكان مرتفع على راسه، وقد اورد هذا على رئيس الاشاعره، وهو ابو موسى الاشعرى، واجيب عنه بجوابين:

الجواب الاول: ان العقاب يكون على الكسب.

وفيه: انه ما المراد من الكسب ليكون العقاب عليه، ان اريد منه معناه المتعارف الظاهر من اللفظ فى الاستعمالات العرفيه كما فى قوله تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)((95)) وامثال ذلك فهو الفعل، والمفروض انه غير اختيارى،ولذا ذكر بعضهم انه معنى لا يعقل ولا يمكن بيانه، وقد وجهه بعضهم بوجهين:

احدهما - ان العقاب يكون على تقارن الفعل مع القدره.

وفيه: ان التقارن غير اختيارى ايضا، وليس العقاب عليه الا كالعقاب على تقارن امر غير اختيارى مع قصر قامه العيد او سواد وجهه.

ثانيهما - ما ذكره الباقلانى من ان العقاب والثواب يكون على الاطاعه والعصيان، فان للفعل حيثيتين، فانه بما هو فعل مخلوق للّه تعالى وبما هو اطاعه او عصيان يوجب الثواب او العقاب.

وفيه: ان الاطاعه والعصيان ليسا الا عنوانين انتزاعيين ولا حقيقه لهما الا بمنشاانتزاعهما، فالاطاعه تنتزع عن انطباق المامور به على الماتى به والمعصيه عن انطباق المنهى عنه عليه، ولا معنى للعقاب على ذلك.

وبعباره اوضح: ان كانت الاطاعه او العصيان فعلا مستقلا فننقل الكلام فيها، اذ لوكانت مخلوقه للعبد يلزم الشرك المتوهم عند الاشعرى، ولو كانت مخلوقه للّهفالعقاب لماذا ؟وان اريد من الكسب الاراده والاختيار فننقل الكلام فى ذلك ونقول: ان كان الاختيار فعلا نفسانيا مخلوقا للعبد فقد وقع المحذور وهو الشرك المتوهم عنده،وعليه فلماذا لم يكن اصل الفعل مخلوقا للعبد ؟! وان كان هو ايضا فعل اللّه تعالى فالعقاب عليه ايضا ظلم قبيح.

الجواب الثانى: عن اشكال الظلم هو انكارهم الحسن والقبح فى الافعال راسا،بدعوى: ان الافعال كلها مخلوقه للّه تعالى، وتصرفه يكون فى ملكه وسلطانه،والظلم انما هو التصرف فى سلطان الغير، فلا موضوع للظلم فى افعاله تعالى،وعلى هذا حملوا الايات النافيه للظلم عنه كقوله تعالى: (ان اللّه ليس بظلام للعبيد)((96))، فقالوا المراد منه انه لا معنى للظلم منه تعالى، لا انه معقول ولايفعله، فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا معنى لاثبات التكليف له تعالى بان يقال: يجب ان يفعل كذا وان لا يفعل كذا، اذ ليس للعبد تكليف المولى وبيان الوظيفه له والزامه بشىء، فلا مانع ان يدخل النبى فى اسفل دركات الجحيم ويدخل المشرك العاصى فى اعلى درجات الجنه الى آخر ما يسطروه من الخرافات.

ونقول: اما قولهم بانه ليس للعبد ان يحكم على المولى بشىء فهو حق، الا ان المراد من الحكم فى المقام ليس هو الالزام وجعل الوظيفه، وانما المراد منه الادراك، فالحكم بانه عادل كالحكم بانه عالم وقادر.

واما قولهم بان الظلم هو التصرف فى سلطان الغير ولا معنى له فى افعال البارى.

ففيه: انه مغالطه واشتباه بالغصب، فان الغصب هو التصرف فى سلطان الغير ولايعقل بالقياس الى مالك الملوك، واما الظلم فهو بمعنى الاعوجاج والخروج عن العداله والاستقامه الى حد الافراط او التفريط ولو فى ملكه او نفسه، مثلا ان الانسان على نفسه حقوقا فلابد وان يصرف مقدار من زمانه فى الامور الاخرويه ومقدارا منه فى الامور الدنيويه يقال انه ظلم نفسه، وهكذا لو كان للانسان عبدان وكان احدهما مطيعا لمولاه فى تمام عمره والاخر عاصيا له كذلك لو اثاب المولى العبد العاصى وعاقب المطيع فهو ظالم ويعد عند العقلاء مجنونا.

واما قولهم يجوز ان يدخل اللّه نبيه فى الجحيم ويخلد عدوه فى الجنه فهو ايضاكالمثال المتقدم مما لا يجوزه العقل والعقلاء ولو كان تصرفا فى ملكه وسلطانه.

هذا مضافا الى انه عليه يكون بعث الرسل وانزال الكتب لغوا، اذ لا مانع من ان يدخل جميع المومنين فى النار، ويسكن جميع الكفار فى الجنان، فلا يبقى لهذا دافع الا القول بان الوعد والوعيد ينفى ذلك، فانه لا يخلف الميعاد.

والجواب عنه واضح على مشربهم، اذ خلف الوعد بل الكذب الذى ليس الا ظلمافى الكلام لا يكون قبيحا، واما توهم ان عاده اللّه جاريه على ذلك.

ففيه انه متى عاشرنا مع اللّه تعالى وكم مده كنا معه حتى علمنا عادته فى الامورالدنيويه ؟ ومن رجع من الاخره واخبر عن عادته تعالى فيها ؟ فهذه الكلمات مماتضحك الثكلى.

ثم انهم استدلوا على مطلبهم بوجهين.

157-161
احدهما: عقلى.

ثانيهما: استظهار من ظواهر الكتاب كقوله تعالى: (واللّه خلق كل شىء)((97))،وافعال العباد شىء فهو خالقها، وغير ذلك مما دل على نفى الشرك.

وفيه: اولا: ان المسئله عقليه لا يمكن الرجوع فيها الى الظهورات.

وثانيا: يخالف هذه الظهورات ظهورات اخر على خلافها مما اسند الفعل فيها الى العبد كقوله تعالى: (ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان اساتم فلها)((98))، وقوله تعالى: (واذ نخلق من الطين كهيئه الطير)((99))، وقوله عز شانه: (تبارك اللّهاحسن الخالقين)((100))، وقوله تعالى: (وتخلقون افكا)((101)) الى غير ذلك،وقد صرح فيها باسناد الخلق الى اللّه تعالى، فلابد وان يراد من قول اللّه خالق كل شىء الاشياء الموجوده فى نفسها غير الافعال، واعجب من هذا استدلالهم بقوله تعالى: (واللّه خلقكم وما تعملون)((102))، فان صدر الايه (قال اتعبدون ماتنحتون واللّه خلقكم وما تعملون)، اى الذى تعملونه وهو الخشب فان ال (ما)موصول بمعنى ومعرفه صلته، فالمعنى اللّه خلقكم وما تنحتونه من الاخشاب لاان اللّه خلق نفس عملكم وفعلكم.

واما العقلى فامران:

الاول: ان اللّه تعالى عالم بافعال العباد، والا لزم الجهل فى ذاته المقدسه، وهومحال، فاذا تعلق علمه بان زيدا يفعل العمل الكذائى وعمرا يتركه، فبالضروره لابد وان يتحقق ذلك، والا لانقلب علمه جهلا، وهو محال.

وهذا الوجه ذكره (الفخر الرازى)، وارعد بذلك حيث قال ما حاصله: انه لواجمع اهل العالم والعلماء لما اجابوا عن هذه الشبهه، وافترى على هشام وقال: الاان يختار ما ذهب اليه هشام من نسبه الجهل اليه تعالى.

وقد اضاف الى الشبهه بعضهم ما مضمونه ان اللّه تعالى اخبر عن دخول ابى لهب النار بقوله تعالى: (سيصلى نارا ذات لهب)، فلو لم يكن كفر ابى لهب ضرورياوامكن ايمانه، والايمان يجب ما قبله، يلزم الكذب والجهل فى ذاته المقدسه.

وفيه: ان العلم عباره عن الانكشاف، والانكشاف يتعلق الواقع المنكشف على ما هو عليه واقعا، فالعلم تابع للمعلوم، لا ان المنكشف تابع للعلم، نظير من وقف امام المرآت فان ما يرتسم فى المرآت يكون تابعا لصاحب الرسم لاالعكس، فالرسم يكون رسم انسان يتبع كون الواقف امام المرآه انسانا، لا ان الانسان انسان لان رسمه رسم انسان.

وبالجمله لا فرق بين علمه تعالى وعلمنا بالاشياء فى ذلك، فكما انا لو علمنا بان زيدا يصلى غدا لا يوثر ذلك فى فعله، وكلنا نعلم بانه فى الغد تطلع الشمس ولكن لا يوثر علمنا فى طلوعها، كذلك علمه تعالى بافعال عباده لا يوثر فى تحققها فهوعز شانه يعلم بصدور الفعل او الترك من العبد بقدرته واختياره، لانه يصدر منه كذلك.

واما ما ذكروه من قياس علمه تعالى بعلم البناء والخياط بعمله، وتاثير ذلك فيه.

ففيه: ان هذا العلم هو العلم الفعلى باصطلاح بعضهم اى ما يكون فى طريق للفعل وهو عباره عن تصور، فتحقق كل فعل اختيارى يكشف عن تعلق علم الفاعل به كشف المعلول عن علته، فهذا العلم موثر فى الفعل، ولكن لا ربط له بالعلم بمعنى انكشاف الواقع.

والذى يويد ما ذكرناه هو انه تعالى عالم بالملازمات وباستحاله الامور المستحيله كاجتماع النقيضين مع انه لا دخل لعلمه فى شىء من ذلك، فاستحاله اجتماع النقيضين ثابته لا من جهه علمه تعالى بذلك، هذا فى الحل.

والنقض: انه تعالى كما هو عالم بافعال العباد عالم بافعال نفسه من انزال المطر فى الوقت الخاص، وارسال الريح فى الزمان المعين، وخلق زيد فى الساعه الفلانيه الى غير ذلك، فيلزم ان يكون تحققها ضروريا، وان يكون جل شانه مضطرا فى افعال نفسه، ولا يلتزم به الاشعرى، وبالجمله بعد فرض تحقق الفعل من العبدوتعلق علم البارى به بهذا العنوان يكون صدوره منه ضروريا لكن من قبيل الضروره بشرط المحمول، واما فى حد نفسه فصدور الفعل الاختيارى وعدمه من العبد يكون بالنسبه اليه على حد سواء.

واما ما ذكروه من انه بعد تعلق علمه بصدور الفعل عن الشخص لو لم يكن ضروريا ينقلب علمه الى الجهل فاسد، اذ لو فرضنا تعلق علمه بصدور الفعل من العبد اختياريا فصدوره عنه بالاضطرار مستلزم لانقلاب علمه جهلا.

الثانى: ان نسبه الفعل والترك فى كل فعل اختيارى الى الفاعل يكون على حدسواء، لان المفروض ان الفعل ممكن فلابد فى تحقق احد طرفيه من ثبوت مرجح لذلك، والا لزم الترجيح بلا مرجح، فان ثبت مرجح لاحد الطرفين واوجب تحققه، فقد خرج الى حد الوجوب فيجب تحققه، وهذا هو المطلوب، والا فهوباق على حد الامكان وداخلا تحت قدره الفاعل، ولابد فى تحقق احد طرفى الممكن من مرجح، فان كان ذلك المرجح الثانى ايضا موجبا فقد ثبت المطلوب، والا فالفعل باق على امكانه الى ان يتسلسل او يتحقق مرجح موجب.

وفيه: ان هذه الشبهه ايضا موهونه بعد التامل.

فنقول: نحن لا شغل لنا بالالفاظ والاصطلاحات، بداهه ان نزاع الجبروالتفويض غير مبنى على وضع لفظ الاراده ونظائره، بل نريد ان نتامل الواقع ونرى ما يتحقق فى انفسنا وجدانا عند صدور الفعل عنا، لا شبهه فى انه:

اولا: لابد لنا من ملاحظه الفعل وتصوره، ثم بعد ذلك لابد من ادراك كون الفعل والترك ملائما لاحدى قوانا الظاهريه او الباطنيه وربما يعبرون عنه بالتصديق بالفائده، ثم ادراك ما يترتب عليه من المفسده ودفعها او توطين النفس عليها، ثم نشتاقه ونميل اليه، وبعد ذلك نرى ان لنا قدره على الفعل وعلى الترك، وبعد ذلك ليس الا اعمال القدره فتحريك العضلات من دون ان يكون هناك مرجح الى كونه ملائما للطبع، ونعم ما عبروا عن اعمال القدره بالاختيار اى طلب الخير والملائم للطبع، فلو كان هناك مرجح موجب لم يكن مجال للاختيار اصلا، ولا ملزم للالتزام بوجوب المرجح الملزم غير الملائمه للطبع اصلا.

وما قيل: من استحاله الترجيح بلا مرجح فليس معناه الا توقف كل فعل على فاعل كما يشير اليه قوله تعالى: (ام خلقوا من غير شىء ام هم الخالقون)((103))، ولذا نرى بالوجدان انا اذا وصلنا فى سيرنا الى طريقين فى احدهما سبع يفترس من ذهب اليه، وفى الاخر رجل يقيم بشوون المسافرين، فمن جهه ملائمه الثانى لطبعنا وحبنا لحياتنا نسير فيه، ولكن مع ذلك لنا القدره فى الذهاب من الطريق الاخر وتكون قدرتنا بالنسبه الى السير من الطريق الثانى كالقدره على ان نسيرفى الطريق الاول، وهذا ظاهر واضح.

وبالجمله نرى بالوجدان انا نفرق بين حركه نبضنا مثلا، وتحريك اصبعنابالاختيار، والاول يتحقق ولو لم نكن ملتفتين اليه وشاعرين به بخلاف الثانى،فانه لابد فى تحققه اولا: من الالتفات اليه، ولذا ربما يموت الانسان جوعا اوعطشا مع وجود الطعام والشراب عنده لعدم التفاته اليهما، وثانيا: الى ملائمته لاحدى القوى والى عدم مزاحمته بما ينافى النفس من الجهات الاخر، فيشتاقه ويميل اليه ثم بعد ذلك يبنى على فعله او على تركه بسبب ملائمه ذلك لاحدى قواه،ولا يبعد ان يكون هذا هو المراد من الاراده او المشيئه او الاختيار، فيقال:اردت ففعلت، وفى الفارسيه يقال: (خواستم پس كردم) وربما يكون البناءمتعلقا بامر حالى كما قد يتعلق بامر استقبالى فيقال اريد زياره الحسين (ع) يوم عرفه، اى انا بانى على ذلك ومتهىء له فى نفسى، وربما يعبر عنه بعقد القلب.

ثم ان المراد من الاراده المستنده الى غير ذوى الشعور، كما فى قوله تعالى:(جدارا يريد ان ينقض)((104))، هو ايضا البناء والتهيو غايته ان التهيو هناك يكون طبعيا، فان كل ثقيل يميل الى الارض طبعا لو لم يكن له مانع، وفى الفعل الاختيارى البناء اختيارى، وهذا هو المراد من القصد والجزم والعزم ونحو ذلك من العبارات والاحاطه بجميع مزايا لغات هذه الكلمات غير ميسور لنا، وماذكرناه هو الذى نراه فى انفسنا، ثم بعد ذلك تعمل النفس قدرتها فى ايجاد الفعل خارجا، ويكون المرجح لذلك مجرد ملائمه ما اختارته مع بعض قواها، وليس فى نفسنا وراء ذلك شىء اصلا، وكان توهم الاشعرى ناشى من مغالطه واضحه وهى الخلط بين مرجح الوجود ومرجح الايجاد، فمرجح الوجود لابد وان يكون موجبا ويستحيل صدور الفعل من غير فاعل، وهذا بخلاف مرجح الايجاد فان ادنى مرجح يكفى فى ترجيح الفاعل الفعل على الترك او العكس وهو الملائمه للطبع، ولذا لو سئل الفاعل عن سبب فعله يقول فعلته لكونه موافقا لميلى وشهوتى، فلا نعنى بالفعل الاختيارى الا الفعل المسبوق بالعلم او القدره وليس فى مقدماته سوى الالتفات وادراك ملائمته للطبع والبناء، ثم اعمال القدره وهوالفعل او الترك.

واما معنى لفظ الاراده والاختيار لغه
واما معنى لفظ الاراده والاختيار لغه، فالاراده مشتقه من الرود ومنه الرائد، اى طالب الماء والكلاء، وهى على ما فى اللغه تستعمل تاره: بمعنى المشيئه وهى بمعنى اعمال القدره، واخرى: فى التهيو للفعل، ولذا ربما تسند الاراده الى الجدار كمافى قوله تعالى: (جدارا يريد ان ينقض)((105)) اى كان مشرفا على ذلك، ولم نر من ذكر من معانيه الشوق الاكيد المحرك للعضلات.

واما الاختيار فهو بمعنى طلب الخير او قبوله، والروايات ايضا تساعد ما ذكرنا،ففى بعضها سال الامام (ع) عن الراوى: (اتقول افعل ذلك، ثم انشاء اللّه قال: نعم، فقال (ع): اتقول افعل ان علم اللّه، قال: لا)، فيظهر من بيانه (ع) ان الاراده انما هى بمعنى المشيئه التى هى من افعاله تعالى لا صفاته، ثم ان المشيئه اعنى اعمال القدره بنفسها مقدوره، والفعل المترتب عليها مقدور بسببها، وقد اشير الى ذلك فى قوله (ع): (ان اللّه خلق المشيئه بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشيئه) فظاهره ان المشيئه بنفسها مقدوره وسائر الافعال بها، ومن الغريب ما حكاه فى الوافى عن الميرالداماد من تفسيره الروايه بان المراد انه تعالى خلق مشيئه العباد بنفسها ثم خلق سائر الافعال بها، ولا ندرى باى وجه استظهر ذلك من الروايه.

وكيف كان لم يرد دليل على ان الاراده تجىء بمعنى الشوق المحرك للعضلات، لنقع فى محذور الجبر، بل المحرك للعضلات هو النفس والروح.

ثم لا يخفى ان المشتاق اليه حقيقه وما هو المقصود واقعا انما هو الفعل الجوارحى،واما قصده والعزم او الجزم والبناء عليه وغير ذلك من الافعال الجوانحيه فليست مقصوده بالاستقلال، وانما هى امور آليه نظير الواجب النفسى او الغيرى، ولذاكثيرا ما تكون مغفولا عنها، فنريد ان ندعى ان الفعل الجوارحى الاختيارى مايكون مسبوقا بالعلم والقدره، وهذا هو الميزان فى الاختياريه وغيرها.

ثم ان هنا للاشعرى شبهه ثالثه، حاصلها: ان الاراده الازليه لو كانت متعلقه بصدور الفعل من العبد فيصدر لا محاله، وان كانت متعلقه بعدم صدوره فلا يصدربالضروره، وهذه الشبهه هى التى ذكرها المحقق الخراسانى((106)) فاجاب عنهابان الاراده الازليه انما تعلقت بصدور الفعل او بعدمه عن الفاعل بالاختيار.

ونقول: هذا الجواب ليس الا جواباعن الشبهه فى مقام اللفظ والاصطلاح، ولايرفع الاشكال واقعا، فان تعلق الاراده الازليه بصدور الفعل عن اختيار العبدلازمه ضروريه الصدور والاختيار، نعم حيث ان الفعل حينئذ يكون مسبوقابالاراده يكون اختياريا اصطلاحا.

والصحيح فى الجواب ان الاراده بمعنى البناء والمشيئه وما شئت فعبر انما تتعلق بفعل نفس الانسان فاذا التفت اما ان يريد فعل شىء او تركه. واما الفعل الاختيارى للغير فلا معنى لتعلق اراده الانسان به اصلا، وعليه فما يصدر من العبد اضطرارا من غير اختياره كحركه النبض مثلا لا مانع من تعلق الاراده الازليه به وجودا او عدما، واما الفعل الصادر عن اختياره فلا تتعلق الاراده الازليه به اصلا من قبيل السالبه بانتفاء الموضوع، اذ لم يكن مجال لتعلقها به، وماورد من قبيل قوله تعالى: (وما تشاءون الا ان يشاء اللّه)((107)) فالمراد منه ظاهر بعد ما بيناه، فان معنى مشيئته بالنسبه الى الافعال الاختياريه للعبد انما هوالاقدار آنا فانا، والافاضه دائما كالسلك الكهربائى بحيث لو انفصل اقل من آن ينطفى الضوء ويخمد النور، وهذا معنى كلمه (لا حول ولا قوه الا باللّه)، فتحصل بحمد اللّه اندفاع شبهات الاشاعره بحذافيرها.

164-165
واما الفلاسفه فذهبوا الى ان الافعال الاختياريه معلوله للاراده تترتب عليهاكترتب الصفره على الوحل، لا فرق بينهما الا فى ان الاول مسبوق بالاراده ولذايسمى بالاختيارى دون الثانى، زعما منهم ان كل فعل لابد له من عله تامه موجبه، لان الشىء ما لم يجب لم يوجد، وهذا هو الوجه الذى يستلزم الجبروالقول بقدم العالم لجريان هذا الكلام هناك ايضا، وقد ذكر العلامه (قدس سره) فى منهجه ان الفرق بين الفلسفه والاسلام هو ذلك، فان الفلاسفه يقولون بان كل فعل متوقف على موجب، لانه ما لم يجب لم يوجد، بخلاف الاسلام اذ ليس من هذه العناوين كعنوان العليه والمعلوليه فى الاخبار عين ولا اثر، والمذكور فيها انماهو احتياج الفعل الى الفاعل والى الصانع، واحتياج الخلق الى الخالق.

وبالجمله الفارق المذكور فى كلامهم لا يكون موثرا فى دفع شبهه الجبر وقدم العالم مثقال ذره، وانما هو فرق اصطلاحى لمجرد التعبير.

فالجواب الصحيح عن كلامهم هو ما تقدم من ان ما يتوقف عليه الفعل انما هوالفاعل ولو كان مختارا، فان شاء يعمل قدرته ويجعلها فعلها اى بفعله، وان لم يشالم يفعله، نعم لابد وان يكون ذلك لفائده مترتبه عليه، اما راجعه الى نفسه او الى غيره، واما الموجب فلم يدل دليل على اعتباره لا شرعا ولا عقلا.

وبهذا تندفع شبهه الجبر وشبهه قدم العالم، وما تخيلوه من ترتب عقول عشره وان المخلوق الاول هو العقل الاول، ثم بقيه العقول بحسب الترتيب الى ان ينتهى الامرالى النفوس الفلكيه، ثم الى عالم الطبيعه، فان كل ذلك مبنى على الجبر وان الشىء مالم يجب لم يوجد، والا فالبارى فاعل مختار اذا راى المصلحه فى ايجاد شىءقبل الف سنه يوجده فى ذلك الظرف، واذا راى المصلحه فى ايجاده بعد الف سنه يوجده فى ذلك الزمان، فلا يلزم القدم، وهذا هو الذى يستفاد من الاخبار ويراه الانسان وجدانا ولذا ذكر الشيخ فى الرسائل ان ضروره الاديان قد دلت على حدوث العالم، فان كانت هناك شبهه، كاستحاله الخلق المعلول عن العله، فهى شبهه فى مقابل البديهيه((108)).

ثم بما ذكرناه ظهر الخلل فى كثير من عبارات الكفايه فى المقام، ونحن نتعرض الى موردين منها:

احدهما: ما ذكره من انقسام الاراده الى التكوينيه والتشريعيه،
فان الاراده على ما عرفت بمعنى البناء القلبى، ولا يعقل تعلقه بفعل الغير. نعم ربما يتعلق الشوق بذلك، واما العزم والمشيئه والبناء فلا، وعليه فالفاعل دائما تكون ارادته تكوينيه، غايته تاره: تتعلق بالفعل الخارجى التكوينى، واخرى بالجعل وتشريع الحكم،فالفرق فى المتعلق.

ثانيهما: ما ذكره((109)) من ان اختيار السعاده والشقاوه بالاخره ينتهى الى الذاتى ولا يسئل عنه، فان الاختيار فعل النفس ولا معنى لكونه ذاتيا ولذا يتخلف ويتبدل، فربما يكون الانسان فى اول عمره يختار المعاصى وفى اواخر عمره يختارالطاعات وربما ينعكس الامر، فالتخلف اقوى دليل على عدم كونه ذاتيا.

ثم ان بعض اعاظم تلامذته وجه كلامه ببيان مقدمه، وحاصل ما ذكره: ان الاعراض تاره: تكون لازمه اما من عوارض الماهيه، واما من عوارض الوجود، واخرى: تكون مفارقه اتفاقيه كالبياض بالقياس الى الجسم، فما كان من قبيل الاول لا يحتاج الى جعل مستقل، بل لا معنى لجعله مستقلا، بل ينجعل بجعل ملزومه.

واما القسم الثانى فجعله يكون بجعل مستقل، ثم طبق هذه المقدمه على المقام،وذكر ان العلم بالنسبه الى الانسان يكون من العوارض المفارقه، ولذا لا يكون الانسان عالما، ثم يعلم.

و اما الاختيار فهو من لوازمه، فان الانسان الملتفت الشاعر من
اول وجوده يكون مختارا، فثبوت الاختيار فى الانسان غير محتاج الى جعل مستقل، وعليه فحيث ان الاختيار فعل العبد ويكون دخيلا فى تحقق فعله الاختيارى يستندالفعل الى العبد، وحيث ان بعض اسبابه وهو العلم والادراك يكون جعله من اللّهتعالى يستند الفعل اليه جل شانه، وهذا معنى امر بين امرين، وفى كلامه صغرى وكبرى وتطبيقا نظر.

والحاصل: انه تلخص مما ذكر ان افعال العباد ليست مخلوقه للّه تعالى كما ذهب اليه الاشاعره، ولا هى معلوله للاراده كما ذهب اليه الفلاسفه، بل هى فعل العبدصادره باختياره.

نعم القدره على ذلك آنا فانا تكون من اللّه تعالى، حتى فى حال العصيان، وهذامعنى الامر بين امرين، كما ورد فى الروايات، وفى بعضها سئل عن الامام ماحاصله: انه هل يكون الفاعل هو اللّه، فقال (ع) ما مضمونه: هو اعدل من ذلك،فقال: فالعبد هو الفاعل، فقال (ع): هو اعجز من ذلك.

ومنشا ما ذهب اليه الفلاسفه انما هو ذهابهم الى احتياج كل فعل الى عله تامه يستحيل تخلفها عن المعلول، وقد ذكرنا انه لا دليل عليه، وانما الفعل يحتاج الى الفاعل ليس الا، وبهذا ظهر ما فى الكفايه من الخلل، وذكرنا من مواردهاموردين:

الاول: تقسيمه الاراده الى التكوينيه والتشريعيه، فان ذلك على مسلكهم من ان الاراده من الصفات تام، حيث لا معنى لها فى البارى الا العلم، فعلمه تعالى تاره: يتعلق بما له دخل فى النظام الاتم فيعبر عنه بالاراده التكوينيه، واخرى: بما له دخل فى مصلحه شخص خاص ويسمى بالاراده التشريعيه، ولكن على مااخترناه من ان الاراده هى من افعال النفس، فالاراده دائما تكون تكوينيه،والفرق يكون فى متعلقها.

الثانى: ما ذكره من انتهاء الاراده الى الذات، والذاتى لا يعلل، فان اللّه تعالى ماجعل المشمش مشمشا، بل اوجده، فانه لا معنى لان تكون الاراده جنسا ولافصلا للانسان، وقد وجه كلامه بعض اعاظم تلاميذه بذكر مقدمه، وهى: ان الاعراض، تاره: تكون من اعراض الماهيه، واخرى: من اعراض الوجود،وعلى الثانى اما تكون دائمه، واما تكون مفارقه، وجعل العرض اللازم مطلقايكون بتبع جعل معروضه وليس له جعل مستقل، بخلاف العرض المفارق فانه مجعول بجعل مستقل، ثم طبق ذلك على المقام وذكر ان الاختيار من عوارض الانسان الغير المفارقه بخلاف العلم والشوق، فالاختيار غير مجعول فى الانسان مستقلا بخلاف العلم، والفعل المتوقف على هاتين المقدمتين من حيث دخل العلم المجعول من اللّه تعالى فيه يكون مستندا اليه، ومن حيث توقفه على الاختيارالذى ليس بمجعول مستقلا يستند الى الفاعل، وهذا معنى الامر بين امرين، انتهى.

وهو غير تام صغرى وكبرى وتطبيقا.

اما كبرى فلان تقسيم العارض بمعنى اللاحق، لا الانتزاع الى عارض المهيه والوجود وان كان من الفلاسفه الا انه غير تام، فان الماهيه ليست بشىء اصلا،فهى ليست حرف فكيف يمكن ان يلحقها امر آخر، بل العرض دائما يعرض الوجود، غايته تاره:

يعرض كلا الوجودين الخارجى والذهنى كالزوجيه للاربعه مثلا، ويسمى بلازم الماهيه ايضا، واخرى: يعرض احد الوجودين دون الاخركالمعقولات الثانويه والحراره للنار.

واما ما ذكره من ان العرض اللازم يكون مجعولا بجعل المعروض.

ففيه: انه لا ريب فى تغاير العارض والمعروض وتعددهما خارجا وان كلا منهماموجود له وجود خاص به، وحيث ان الايجاد والوجود متحدان ذاتا واختلافهمايكون بالاعتبار، فكل وجود ايجاد لو قيس الى فاعله، فلا محاله يكون هناك ايجادان ويستحيل اتحادهما.

ومع التنزل عن ذلك، نقول: ما المراد من الاعتبار الذى جعله من العوارض الدائميه وما المراد من العلم الذى جعله مفارقا ؟ فان كان المراد من الاختيارقابليه الاختيار، فجميع صفات الانسان تكون كذلك، فان الكاتب بالقوه والعالم بالقوه والصانع بالقوه، تكون من لوازم الانسان الغير المنفكه عنه حتى عرف الانسان فى المنطق بالكاتب بالقوه، فما وجه الفرق بينهما ؟ وان اراد من الاختيارالاختيار الفعلى الذى هو محل كلامنا فهو مفارق بالنسبه الى الانسان، فانه ربمايريد شرب الماء وربما لا يريده، فكيف يكون لازما له، وهو يتخلف عنه.

هذا مضافا الى انه نسلم جميع ما تقدم، ولكن نقول: لو كان هناك فعل مترتب على مقدمتين. احداهما: تكون مجعوله بجعل المولى تبعا، والاخرى: تكون مجعوله بجعله استقلالا، فمع ذلك كيف يمكن ان يكون الفعل اختياريا مع ان كلتامقدمتيه كانتا بغير اختياره ؟ وهل هذا الا مجرد تسميه واصطلاح، فالشبهه لاترتفع بهذا التوجيه، فدافع الشبهه منحصر بما ذكرناه واستفدناه من ائمتنا (ع)،وهو الامر بين الامرين.

واما التفويض فلا نطيل الكلام فيه، فانه مبنى على ان الوجه فى احتياج الممكن الى الموثر هل هو حدوثه او امكانه ؟ والصحيح هو الثانى، وعليه فالحادث فى بقائه ايضا محتاج الى الموثر لبقاء ملاك حاجته وهو الامكان، هذا تمام الكلام فى التفويض.

تنبيهان
الاول:
ان قولك فى الصلوات (بحول اللّه وقوته اقوم واقعد) يشير الى ما ذكرناه من الامر بين الامرين، وان افاضه القدره دائما يكون من المولى، وهكذا جميع مبادى الفعل من الادراك والحب والاشتياق والقدره يكون منه تعالى، وان البناءوالاختيار يكون من العبد، ولذا اسند الفعل فى قول (بحول اللّه اقوم) الى نفس العبد، والحول والقوه الى اللّه تعالى، واما قوله تعالى: (ولا تقولن لشىء انى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء اللّه)((110))، فقد ذكر بعض المفسرين ان الاستثناءيكون من المنهى عنه، وان المعنى هو النهى عن قول انى فاعل ذلك غدا بتا،وعدم النهى عنه اذا انضم اليه قول الا ان يشاء اللّه، ولكنه محتاج الى التقدير وهوخلاف الظاهر، بل الظاهر ان يكون المراد هو النهى عن مجموع تلك الجمله بان يكون الاستثناء ايضا مقولا القول، فقول الا ان يشاء اللّه يكون هو المنهى عنه،وذلك لان ظاهره التفويض.