«دراسات فى علم الاصول
»
آيه اللّه السيد على الشاهرودى (قده) مقدمة
وبعد فقد اودعت في كتابي هذا ما استفدته في الدورة الثالثة
من تحقيقات سيدنا زعيم الدراسة العلمية في ((جامعة
الشريعة)) النجف الاشرف، الذي اظهر من مخبئات حقائق
الاصول ماخفى على محققها،واستخرج دقائق الفروع من
معدنها، فوعت القلوب لطائف اشاراته،وحامت النفوس عليه
كالفراش على الضياء، المحقق البارع في العلوم العقلية والنقلية
استاذ المحققين آية اللّه في العالمين مولانا ((السيد ابوالقاسم
الخوئي)) مد اللّه ايامه الزاهية ونفع الامة الاسلامية
بافاداته القيمة. ورتبت الكتاب على مقاصد في كل منها امور
ومسائل، ومن المهيمن عز شانه نستمد العون والتوفيق في كل
الاعمال.
تمهيد
وكيف كان قد قسم شيخنا الانصاري(قدس سره)((1)) المكلف
بانه اذا التفت الى حكم شرعي فاما ان يحصل له القطع به، واما
يحصل له الظن به،واما يحصل له الشك، فجعل التقسيم ثلاثيا،
وعلى هذا التقسيم بنى كتابه على مقاصد ثلاث (الاول) في
القطع (والثاني) في الظن(والثالث) في الشك، ثم ذيلها
بخاتمة باحث فيها عن التعادل والتراجيح.
واورد صاحب الكفاية((2)) على هذا التقسيم حيث افاد انه لابد
وان يكون المراد من الحكم الاعم من الواقعي والظاهري،
لاشتراكهما في الاثر، فلا وجه للاختصاص، وكذلك لابد وان
يرادمنه الحكم الفعلي،
اذ لا اثر للقطع او الظن او الشك في
الحكم الانشائي، وعلى ذلك فلاوجه لتثليث الاقسام، بل
الصحيح ان يجعل التقسيم ثنائيا بان يقال:ان المكلف اذا التفت
الى حكم شرعي واقعي او ظاهري فاما ان يحصل له القطع به او
لا، وعلى الثاني لابد له من الرجوع الى ما يستقل به العقل من
متابعة الظن والعمل به على الحكومة لو تم ذلك كبرى بتمامية
مقدمات الانسداد وصغرى بحصول الظن الشخصي له
بالحكم الواقعي او الظاهري بمعنى الظن بالطريق، كالظن
بحجية الشهرة، والافالى الاصول العملية العقلية من قبح
العقاب بلا بيان والاشتغال والتخيير بحسب اختلاف الموارد، ثم
قال: وان ابيت الا عن تثليث الاقسام فالاولى ان يقال: ان
المكلف اما ان يحصل له القطع او لا،وعلى الثاني اما ان يقوم
عنده طريق معتبر اولا، لان لايتداخل الاقسام، فان الظن غير
المعتبر يكون محكوما بحكم الشك، والامارة ربما لاتوجب الظن
بل تكون مع الشك وهي مع ذلك حجة، اذ لايعتبر في حجيتها
عدم الظن بالخلاف، فكيف باعتبار الظن بالوفاق،فان ظهور
الامر حجة ولو لم يوجب الظن الشخصي اصلا، هذاحاصل ما
افاده بتوضيح منا.
ونقول: الانسب بمباحث الاصول هو الذي صنعه
الشيخ(قدس سره) وذلك لان الغرض من الاصول هو تحصيل
المؤمن فان المكلف بعد التفاته الى التكاليف والى انه عبد لا
يكاد يطمئن ويخرج من التحير الا بعدتحصيل المؤمن في
اعماله، وهذا هوغرض الاصولي، والمناسب لهذا الغرض هو
تثليث الاقسام، لان المؤمن الذاتي هو القطع، فان المكلف اذا
قطع بالاباحة يرى نفسه مامونا في الفعل والترك، واذا قطع
بالحرمة يكون مامونا في فرض الترك، واذا قطع بالوجوب يكون
مامونا في فرض الفعل، فالمؤمن الاول هو القطع، فلا بد من
البحث عنه في الاصول ولو استطرادا،
والمؤمن الثاني هو الظن،
وذلك لان مراد الشيخ(قدس سره) من الظن على ماصرح به
في اول بحث البراءة هو الكاشف المعتبر شرعا لاكل ظن،ومن
الواضح انه قطع تنزيلي وحجة، وهذا هو المؤمن الثاني، واذا
لم يحصل له هذا ولاذاك وبقى شاكا فحيث لا معنى لحجية
الشك وان يكون طريقا فلابد له من الرجوع الى الاصول العملية
الشرعية والعقلية، وهي تكون مؤمنا له، مثلا بعد ماثبت نجاسة
الماء المشكوك نجاسته المسبوق بها بحكم الاستصحاب يكون
المكلف مامونا في الاتيان بالتيمم بدل الوضوء عند انحصار الماء
به، وبالجملة في فرض الشك لابد له من تحصيل القطع بالحكم
الظاهري، وهو الحكم الذي اخذ في موضوعه الشك.
فما افاده من ان المراد من الحكم لابد وان يكون الاعم من
الظاهري والواقعي غير سديد، اذ القطع بالحكم الظاهري
لامورد له الا في فرض الشك في الحكم الواقعي والعلم بحكم
الشاك فكيف يجعل في عرض الحكم الواقعي، ومجرد وجود
الجامع بينهما لايوجب جعل التقسيم ثنائيا، والا فيمكن تصوير
الجامع بين القسمين ايضا وهوحصول المؤمن، فلا وجه
للتقسيم اصلا.
والحاصل التقسيم انما هو للاشارة الى مباحث الكتاب، فالاولى
ماافاده الشيخ لا ما ذكره في الكفاية.
وبما بينا ظهر الجواب عن تداخل الاقسام، لان المراد من الظن
هوالكاشف المعتبر شرعا، فلا يدخل في الشك، ولا يدخل الشك
فيه اصلا، والظن غير المعتبر يكون داخلا في الشك فقط.
واما ما افاده من ان المراد من الحكم هو الفعلي دون الانشائي
فهو كماافاد، اذ لا معنى للحكم الانشائي كما سنبينه في اول
مبحث الظن ان شاء اللّه الا الحكم المجعول على موضوعه
المقدروجوده، ومن الواضح ان تعلق القطع بالحكم الانشائي
بهذا المعنى لا اثر له من حيث العمل به الا بعد فعلية موضوعه،
واما الحكم الانشائي بغير هذا المعنى والفعلية بغير وجود
الموضوع وامكان كون الحكم فعليا من جهة دون اخرى فلا يرجع شيء منها الى محصل كما ستعرفه ان شاء اللّه.
اذا عرفت ذلك فيقع البحث في المقصد الاول في امور:
مباحث القطع
الاولى : في ان طريقيته ذاتية او جعلية.
الثانية : في ان حجيته هل هي من لوازمه الذاتية او ببناء العقلاء
اوبحكم العقل؟
الثالثة : هل يمكن للشارع ان يمنع من العمل به او لا؟
ولا يخفى ان في كلام الشيخ(قدس سره) خلطا بين مقام
طريقية القطع ومقام حجيته((3)). هذا كله في الجهة الاولى.
واما الجهة الثانية:
الاول: ما اختاره في الكفاية((4)) وهو ان حجية القطع بمعنى
وجوب متابعته والعمل على طبقه من لوازمه الذاتية، بل زاد
على هذا مؤثريته في ذلك حيث قال: وتاثيره في ذلك لازم
وصريح الوجدان به شاهد.
الثاني: ان تكون ببناء العقلاء، وعليه تكون داخلة في
القضايا المشهورة باصطلاح المنطقيين، وهي القضايا التي بنى
عليها العقلاءحفظا للنظام وابقاءا للنوع، ومرجع جميعها الى
حسن العدل وقبح الظلم، وبما ان الشارع رئيس العقلاء ولم
يردع عن هذا البناء يكون ممضى عنده فيجب اتباعه.
الثالث: ان يكون بحكم العقل والزامه.
والتحقيق: ان القول الثالث لا يمكننا المساعدة عليه، لان
العقل ليس شانه الا الادراك، واما الالزام والبعث او الزجر فهو
من وظائف المولى وشئونه، نعم الانسان بما انه حيوان يكون
محبالنفسه فبحسب جبلته يتحرك نحو ما يراه منفعة لنفسه،
ويفر عما يراه ضررا على نفسه دنيويا كان او اخرويا، وبعبارة
اخرى: الحيوان بما هو حيوان يميل بفطرته الى مشتهيات نفسه
ويجتنب عما ينافر طبعه، ولكن هذا المعنى اجنبي عن الزام
العقل.
واما القول الثاني فالعقلاء وان بنوا على احكام وقضايا حفظا
للنظام وابقاء للنوع كما ذكر، اذ لولا قبح الظلم لتعدى كل قوي
على ضعيف واختل النظام، ولكنها اجنبية عن المقام.
اما اولا: فلان حجية القطع ولزوم الحركة على طبقه كانت
ثابتة في زمان وجود آدم(ع) وقبل وجود عقلاء في العالم.
وثانيا: ان حكمهم بتلك القضايا انما هو في الامور الراجعة الى
حفظالنظام، وليس متابعة اوامر الشارع في جميع الموارد
دخيلة في حفظالنظام، مثلا الاتيان بالصلاة ربما يقال: لادخل
له في ابقاء النوع، ولايلزم من تركه اختلال اصلا.
فالصحيح: هو القول الاخر وان يقال: ان وجوب متابعة القطع
انما هوبحكم العقل، لا بمعنى البعث من القوة العاقلة والزامها،
بل بمعنى ادراكه حسن متابعته وقبيح مخالفته وصحة ان
يعاقب المولى عبده المخالف لقطعه اذا كان مصادفا للواقع،
واستحالة ذلك اذا كان متابعا لقطعه وان كان مخالفا للواقع،
وكثيرا ما يطلق الحكم على الادراك العقلي كماهو واضح،
وعلى هذا فيكون من الامور النظرية لامن القضاياالمشهورة.
ولا يخفى ان التعبير بموافقة القطع ومخالفته لا يخلو عن
مسامحة، فان المراد موافقة المقطوع ومخالفته، وهذا هو المراد
من لزوم متابعة القطع عقلا، وهو من لوازم القطع القهرية لا
الجعلية،فان الادراك من الامورالتكوينية وهكذا متعلقه وهو
استحالة العقاب على تقدير موافقته وامكانه على تقدير
مخالفته، فان كلا من الامرين غير قابل للجعل التشريعي
فتلخص ان حجية القطع حكم عقلي نظري، ومن لوازم القطع
بهذا المعنى، فلا تكون مجعولة.
واما الجهة الثالثة:
فحيث ان صاحب الكفاية(قدس سره) تعرض لها بعدمبحث
التجري فنحن نتبعه في ذلك، ونحيل البحث عنها الى
ذلك المبحث.
ثم انك بعدما عرفت ان ذات القطع هو الانكشاف والطريقية
وان حجية القطع اي صحة احتجاج العبد به على مولاه
وبالعكس انما هي من لوازم القطع سواء كان قطعا حقيقيا اي
موافقا للواقع او خيالياوهو الجهل المركب، نقول: لا اختصاص
لحجية القطع بقطع المجتهد، بل قطع المقلد ايضا يكون حجة
له، فاذا قطع بالحكم يلزمه متابعته،وهكذا احكام الظن والشك
غير مختصة بالمجتهدين، بل يعم المقلدين،فلابد للمقلد ايضا
من تحصيل المؤمن لنفسه وهو اما القطع الوجداني او القطع
التنزيلي او الرجوع الى الاصول العملية، فاذا حصل له
القطع بالحكم الواقعي يعمل به، والا فلابد له من الرجوع الى ما
استقل به العقل من الاحتياط والرجوع الى المجتهد، فاذا قطع
بفتوى المجتهد اخذبها، والا فان كان عنده طريق معتبر فهو
والا فيعمل بالاصل العملي،مثلا اذا كان فتوى المجتهد عنده
معلوما سابقا وشك في تبدله يستصحب عدمه.
والحاصل: ان الفرق بين المجتهد والمقلد انما هو في ان متعلق
قطع المقلداو ظنه او شكه يكون ما افتى به مقلده وطريقه اليه
فتواه، بخلاف المجتهد فان متعلق قطعه وظنه وشكه هو
الحكم الواقعي وطريقه اليه هو الكتاب والسنة والعقل، والا
فظهور كلام المجتهد يكون حجة على المقلد ويتمسك
باطلاق كلامه كما يتمسك المجتهد بظهورات الكتاب والسنة.
وهكذا جميع الطرق العقلائية تكون حجة للمقلد ايضا على
ماعرفت، فلا وجه لتخصيص المقسم وهو المكلف في مقام
التقسيم بخصوص المجتهد.
نعم لا يتمكن المقلد من اجراء البراءة، لا من جهة عدم شمول
دليلهاله، بل لان المقلد لا يتمكن من ايجاد شرطها وهو
الفحص، وهذا ايضالا يوجب اختصاصها بالمجتهد، بل يكون
المقلدنظير المجتهد المحبوس غير المتمكن من الفحص،
فكما لا يجوز له الرجوع الى البراءة حينئذلا يجوز للمقلد ذلك
بملاك واحد وهو عدم الفحص هذا كله في المقلد.
16-19
وبالجملة في هذا الفرض لايتم ما ذكره في الكفاية((5)) من انه
لابد وان يراد من الحكم خصوص الفعلي اذ لا اثر للانشائي، نعم
انما يتم ذلك فيما اذا التفت الى الحكم المتعلق بنفسه.
وكيف كان فلو حصل له القطع بالحكم او الظن به من طريق
معتبر يفتي به، والا فلابد له من الرجوع الى الاصول العملية،
وهذا المقام من المشكلات من حيث ان الاصول العملية
جريانها بالقياس الى كل احد فرع حصول الشك له، مثلاالرجوع
الى الاستصحاب فرع ان يكون نفس ذاك المكلف متيقناسابقا
وشاكا لاحقا في الحكم الفعلي عليه، فكيف يفتي المجتهد
بمؤدى الاصول في فرع لايكون له مساس به ولا يكون فعليا
عليه مع ان المقلد الذي يريد ان يعمل ليس له يقين سابق ولا
شك لاحق بل لم يلتفت الى الحكم بعد اصلا، ولذا التجا
الشيخ(رحمه اللّه) الى نيابة المجتهد عن المقلد ولكن لابد وان
يسال(قدس سره) عن الدليل على هذه النيابة.
وحاصل الكلام في المقام ان المكلف اذا التفت الى حكم نفسه
فان حصل له القطع يكون منجزا، والا فان كان عنده طريق
معتبر فيعمل على طبقه، وان لم يكن هذا ولا ذاك فينتهي
الى الاصول العملية، وفي هذا الفرض لا فرق بين المجتهد
والمقلد الا في خصوص البراءة، فان المقلد لا يكون متمكنا من
احراز شرط اجرائها وهو الفحص، والافالاصول تجري في حق
المقلدكما تجري في حق المجتهد.
واما اذا التفت الى حكم غيره، اعني الحكم الكلي المجعول
بنحو القضية الحقيقية ويختص ذلك بالمجتهد، فان حصل له
القطع يكون اثره جوازالافتاء بما قطع به لا تنجز متعلقه عليه،
اذ لايكون متعلقا بحكم نفسه،والا فان كان له طريق معتبر
عنده فيفتي على طبقه ويكون قيام الطريق مجوزا لافتائه، فانه
لافرق بين قيام طريق معتبر على حكم وبين تعلق القطع به الا
في ان الثاني قطع وجداني والاول قطع تعبدي.وان لم يكن هذا
ولا ذاك وبقى شاكا، فان كان شكه مورداللاستصحاب بان كان
مسبوقا باليقين فهو ينقسم الى قسمين: لان الشك في الحكم
بعد كونه متيقناتارة: يكون من جهة احتمال النسخ،واخرى:
يكون من جهة الشك في سعة المفهوم وضيقه، كالشك
في حرمة العصير الزبيبي بسبب الشك في شمول دليل حرمة
العصير العنبي للزبيبي اويكون لغير ذلك.
اما في الاول فللمجتهد ان يجري الاستصحاب في يقينه
وشكه، فانه كان متيقنا بالحكم السابق المجعول ويشك في
ارتفاعه بالنسخ، فيفتي ببقائه بحكم الاستصحاب، ولا مجال في
هذاالفرض لاجراءالاستصحاب بلحاظ حال المقلد، اذ ليس له
يقين ولا شك.
واما في الثاني مثل مالو شك في طهارة الماء القليل المتنجس
المتمم كراونجاسته، فيمكن الحاقه بالقسم الاول، بان يجري
المجتهد فيه الاستصحاب بلحاظ يقينه وشكه في الحكم
الكلي كما في القسم الاول بعينه، ويمكن ان يجري الاستصحاب
بلحاظ حال المقلد ويقينه وشكه، فان المقلد على الفرض كان
عالما بنجاسة هذا الماء ويشك في طهارته بعد اتمامه كرا، لانه
مقلدلهذا المجتهد الذي هو شاك في ذلك،فيجري
الاستصحاب في حقه ويفتي له بمؤداه، وهكذا فيما اذا شك
في ثبوت بعض اقسام الخيار ونفوذ الفسخ الى غير ذلك وامثلته
كثيرة في الفقه،واما ان كان موردا للاحتياط كما في الشبهة
قبل الفحص مثلا، اوكان موردا للتخيير فالامر واضح، اذ لا فرق
في حكم العقل بلزوم الاحتياط في موارده بين المجتهد
والمقلد، فكلاهمامحكومان بذلك،وهكذا في حكمه بالتخيير،
والاشكال انما هو فيما اذا كان الشك مورداللبراءة فان حديث
الرفع وقبح العقاب بلا بيان انما يجريان عند الشك في الحكم
الفعلي بعد الفحص عن الدليل، والمفروض ان المجتهد
ليس شاكا في الحكم الفعلي فلابد وان يكون اجراء البراءة بلحاظ
حال المقلد، فان المقلد لهذا المجتهد الشاك لا محالة في مقام
العمل والالتفات الى وظيفته الفعلية يبقى شاكا في حكمه
الفعلي، والمفروض ان هذاالمجتهد قد فحص ولم يظفر على
دليل فيرشد مقلده الى ذلك ويعرفه مورد البراءة ويفتي له
بمقتضاها، مثلا اذا التفت المجتهد الى حكم الحائض وانه هل
يجوز لها الاجتياز في المسجد ام لا، فلا معنى لاجراءالبراءة عن
حرمته بلحاظ شكه، ولكن حيث ان هذه المراة تقلده فتتحير
في ظرف العمل وبعد مافحص المجتهد عن البيان ولم يظفر
به تكون المراة بنظره موردا لجريان البراءة فيفتي بها في حقها.
والحاصل مما ذكرناه ان حق التقسيم ان يكون هكذا بان يقال:
المكلف اذا التفت الى حكم نفسه، فاما ان يحصل له القطع فهو
منجز له، واماان يحصل له طريق معتبر فكذلك، والا فيرجع الى
الاصول العملية،واذا التفت الى حكم كلي فان قطع بالحكم
فاثره جواز الافتاء به، وان حصل عنده طريق معتبر فكذلك، والا
فينتهي الى الاصول العملية،فان كان الشك مورداللاستصحاب
وكان من قبيل الاول له ان يجري الاستصحاب بلحاظ يقينه
وشكه، وان كان من قبيل الثاني فله اجراءالاستصحاب بلحاظ
حال المقلد كما له اجرائه بلحاظ حال نفسه،وهكذااذا كان
موردا للاحتياط او التخيير، واما ان كان مورداللبراءة فلا مناص
من اجرائها بلحاظ حال المقلد فقط بعدما يراه موردا لها، وهكذا
كله واضح.
الامر الثاني :التجري
والبحث فيه يقع من جهات:
الجهة الاولى : الجهة الفرعية، وهي حرمة الفعل المتجري به.
الجهة الثانية : الجهة الاصولية. والبحث عنها ايضا يكون
من وجهين.
احدهما: دعوى شمول اطلاق الادلة لما تعلق به القطع ولو
كان مخالفاللواقع.
وثانيهما: دعوى ثبوت المصلحة او المفسدة في ما تعلق به ولو
كان مخالفا للواقع، وحيث ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح
والمفاسدعلى مسلك العدلية فمن جهة الملاك يستكشف
العقل حرمة ذلك الفعل او وجوبه شرعا.
والفرق بين الوجهين ظاهر، فان الدليل على الاول يكون لفظيا
وهوالاطلاق على تقدير ثبوته، وعلى الثاني يكون حكم العقل،
ولذايختص الاول بمااذا كانت الشبهة موضوعية، ولا يعم الشبهة
الحكمية،بخلاف الثاني فانه تعم الشبهة الموضوعية والحكمية
معا. ومرادنا من الشبهة الموضوعية في المقام ليست الشبهة
الموضوعية باصطلاح الشيخ(قدس سره) بل مرادنا منها ماكان
الشك فيها في الانطباق وسعة المفهوم وضيقه، والتعبير بها
غير خال عن المسامحة.
وبالجملة الوجه الثاني يجري فيما اذا كان متعلق القطع موردا
للشك في الانطباق، كما اذا تعلق القطع بموضوع الحكم او
بمتعلقه، وفيما اذا لم يكن كذلك كما اذاتعلق بنفس الحكم،
كالدعاء عند رؤية الهلال اذا قطع المكلف بوجوبه ولم يات به،
وشرب التتن اذا قطع بحرمته واتى به، ثم تبين الخلاف
في القطع وانكشف مخالفته للواقع، بخلاف الوجه الاول فانه انما
يجري في خصوص الشك في الانطباق وثبوت اطلاق يحتمل
شموله لما تعلق به القطع.
ثم لا يخفى انه لا ينبغي البحث عن الجهة الاولى، اي عن
الحكم الفرعي في قبال البحث عن الجهة الثانية اعني
الاصولية، وذلك لان ثبوت الحكم الفرعي وعدمه يبتني على
هذين الوجهين.
عدم اختصاص التجري بمخالفة القطع المخالف للواقع
الجهة الثالثة :
وفيه: ان هذا انما يتم على القول بالسببية والموضوعية، فانه
بناء على ذلك يكون في موردها احكاما ينتهي امدها بانكشاف
الخلاف،ولكن هذا القول فاسد لا يعبؤ به وان كان منسوبا الى
بعض قدماءالاصحاب، لاستلزامه التصويب الباطل او المحال
على بعض الوجوه.
والصحيح ان المجعول في باب الطرق والامارات انما هو
الطريقية وتتميم الكشف، وجعلها طريقا تاما نظير القطع، ولا
يستفاد من ادلة اعتبارها ازيد من ذلك، ولو سلمنا ان مفاد
الادلة هوجعل الحكم المماثل فالمجعول انما هو الحكم
الطريقي الناظر الى الواقع الذي يوجب مخالفته العقاب لو
صادف الواقع لا مطلقا، وهكذا الكلام في الاستصحاب.
فالصحيح جريان التجري في موارد قيام الطرق والامارات
مطلقا.
الكلام في الجهة الاصولية لبحث التجري
ويستدل لشمول الاطلاقات لذلك بمقدمات:
دعوى شمول اطلاق الادله لما تعلق به القطع
ولوكان مخالفا للواقع
الاولى:
الثانية: ان السبب لحركة العضلات نحو العمل والداعي لتعلق
الارادة بشيء انما هو نفس القطع والانكشاف، غايته بما انه
طريق ومظهرللواقع لابما انه صفة نفسانية، وجهة كونه مطابقا
للواقع او مخالفاوجهلا مركبا اجنبية عن محركيته وباعثيته او
زاجريته وان كان الانسان يرى ان محركه هو الوجود الواقعي،
ولذا لو قطع الانسان بوجود الاسد يفر ولو لم يكن هناك اسد
واقعا،وبالعكس لو كان هناك اسد وهو لا يعلم به لا يفر ولو
افترسه، وهكذا في الحركة نحوالمحبوب، فان العطشان لو
قطع بوجود الماء في مكان يتحرك نحوه ولوكان في الواقع
سرابا، وبالعكس لو كان الماء عنده وهو لا يعلم به ربمايموت من
العطش ولا يتحرك نحوه، فالتاثير والتاثرات الروحية والارادية
ليست كالتاثرات الطبيعية المترتبة على مؤثرها قهرا
نظيرالاحراق المترتب على وجود النار الذي لا يتوقف حصوله
منها على قطع وارادة او نحو ذلك، وانما هي تابعة للصور
العلمية، فان الروح اسير الارادة، ومرجح الارادة كما عرفت هو
القطع واليقين موافقاكان للواقع او مخالفا، وهذا واضح جدا، فما
افاده المحقق النائيني(قدس سره) من ان المحرك هو وجود
المقطوع بما تعلق به القطع غيرصحيح((7)).
الثالثة: ان الارادة التشريعية حيث تتعلق بالفعل الصادر عن
ارادة المكلف واختياره لا بفعله الاضطراري فلا محالة تكون
محركة لارادته، بمعنى ان المولى يريد تحقق اختيار المكلف
في افق النفس،فالمطلوب للمولى هو هذا، واذا فرضنا ان ارادة
العبد تتبع قطعه، فلامحالة يكون متعلق بعثه هو ما يتعلق به
قطعه، وهكذا في النهي، فكان المولى يبعث نحو ما تعلق به
القطع ويزجر عما تعلق به القطع سواء كان قطعه موافقا للواقع
او مخالفا له، ونسبة عصيان التكليف الى من كان قطعه موافقا
للواقع او كان مخالفا تكون على حدسواء، فان مطابقة القطع
ومخالفته تكونان خارجتين عن تحت اختيارالمكلف، ولا معنى
لاناطة العقاب على الخارج عن الاختيار.
وبالجملة حاصل المقدمة الاولى هو ان التكليف لابد وان
يتعلق بالحصة الاختيارية من حيث الموضوع والمتعلق، فما هو
في حيزالتكليف في قولك ((لاتشرب الخمر)) مثلا انما هو
شرب مافرض خمريته لا ما هو الخمر واقعا اختيارا، وهكذا في
قولك ((اكرم عالما))متعلق الطلب هو ما فرض انه اكرام العالم
لا الاكرام الواقعي فانه خارج عن قدرة المكلف واختياره.
وحاصل المقدمة الثانية ان مايكون مرجحا لاختيار العبد وداعيا
لارادته انما هو الصور الذهنية بماانها طريق سواء كان مطابقا
للواقع او لم يكن. وحاصل المقدمة الثالثة وهي العمدة في
المقام ان متعلق غرض المولى حيث يكون الفعل الصادر عن
اختيار المكلف لا محالة يكون متعلق ارادة المولى وتحريكه هو
اختيار المكلف لا العمل الخارجي، وقد عرفت بمقتضى المقدمة
الثانية ان للقطع والصور الذهنية موضوعية في تحقق
الاختيار،وليس الوجود الواقعي دخيلا في ذلك.
والمتحصل من جميع المقدمات ان متعلق تكاليف المولى في
الحقيقة هواختيار ما تعلق القطع بانطباق الموضوع او المتعلق
عليه فعلا او تركافقول المولى: ((لا تشرب الخمر)) يكون
زاجراعن اختيار شرب مقطوع الخمرية وقوله: ((اكرم عالما))
باعث الى اكرام ما فرض عالميته وايجاد ما قطع بكونه اكرام
العالم، فيشمل اطلاق الادلة صورة مصادفة القطع للواقع
ومخالفته، فكل من الشخصين اللذين صادف قطع احدهما
الواقع وخالف قطع الاخر اختار شرب ما فرض خمريته وما هو
مبغوض المولى، وجهة المصادفة وعدمها قد عرفت انهاخارجة
عن اختيار المكلف وقدرته ولم يكن في حيز الطلب، وهذاغاية
ما يمكن من توضيح المقدمات.
ونقول: في المقدمة الثالثة نقضا وحلا.
اما نقضا، فبالواجبات فانه اذا فرضنا ان متعلق التكليف هو
الاختيارففي قوله: ((صل في الوقت)) مثلا يكون الواجب
اختيار ما قطع بكونه صلاة في الوقت، فاذا صلى باعتقاد دخول
الوقت فبان خلافه لابدوان يلتزم بسقوط التكليف لحصول
المامور به وهو اختيار الصلاة في الوقت. وبعبارة اخرى: نسال
هذا المستدل ونقول: ان التجري هل يختص بالمحرمات او
يجري في الواجبات ايضا؟ مثلا لو افطر في يوم باعتقاد انه من
شهر رمضان ولم يكن منه في الواقع، هل يكون متجريابذلك ام
لا؟ من الواضح انه متجر وعاص، ولازم كونه متجريا ان يكون
الواجب اختيار صوم ما قطع بكونه من رمضان ليكون
تركه عصيانا، ولازم ذلك هو الالتزام بالاجزاء في امتثال الحكم
العقلي ايضا، ولم نر احدا من الفقهاء التزم بذلك. نعم الاجزاء في
امتثال الاوامر الظاهرية موردخلاف بينهم، واما مورد القطع
بالحكم خطافالظاهر انه لا خلاف بينهم في عدم الاجزاء.
واما حلا: فالاحكام الشرعية انما تكون تابعة للمصالح
والمفاسد،وظاهر الادلة ان المصلحة والمفسدة في نفس
العمل، ولازم ذلك ان يكون البعث نحو نفس العمل والزجر عن
نفسه دون اختياره سواءكان اختياريا او غير اختياري، غاية الامر
حيث ان العقل يحكم بقبح تكليف العاجز او ان نفس التحريك
يقتضي قدرة المكلف على التحرك منه فلا محالة يخصص
العقل تكاليف المولى بصورة القدرة،هذا على مسلك القوم
القائلين باعتبار القدرة في التكليف الفعلي، واماعلى مسلكنا
من عدم اعتبارها فيه وان القدرة ماخوذة في حكم العقل
بالامتثال فالامراوضح.
والحاصل: ان الاختيار يكون ماخوذا في تكاليف المولى بنحو
المعنى الحرفي اي طريقا الى العمل الخارجي لابنحو المعنى
الاسمي والموضوعية، وكم فرق بين القسمين. وبهذا يظهر
ان صحة العقاب على تقدير المصادفة وعدمها على تقدير عدم
المصادفة لا يوجب دخول الامر الخارج عن الاختيار في حيز
الطلب اصلا، وعدم العقاب في فرض عدم المصادفة انما هو
من جهة عدم تحقق المخالفة والعصيان وعدم الاتيان بما فيه
المفسدة ولو كان عن غير اختيار. هذاكله في الوجه الاول.
دعوى ثبوت المصلحة او المفسدة في ما تعلق
به القطع ولو كان مخالفا للواقع
واما الوجه الثاني فتارة يقال: ان تعلق القطع بانطباق عنوان
ذي مصلحة على شيء يوجب طرو المصلحة في ذلك الشيء،
كما ان القطع بانطباق عنوان ذي مفسدة يوجب حدوث
المفسدة فيه.
وفيه: ان المصالح والمفاسد من التاثير والتاثرات الواقعية
والقطع بانطباق عنوان على شيء لايوجب سلب آثاره التكوينية
عنه ولاايجاد اثر فيه، مثلا اذا قطع الانسان بان هذا السم
الخارجي ماءفشربه يترتب عليه الموت وهلاك النفس، ولا
يتخلف عنه اثره بمجردانكشاف مائيته، وهكذا في العكس، وهذا
واضح وجدانا، ثم لو سلمناامكان حدوث المصلحة او المفسدة
في الشي عند القطع بطرو عنوان عليه في بعض الموارد بنحو
الموجبة الجزئية فاثبات ان المورد الخاص من تلك الموارد
محتاج الى دليل.
واخرى يقرب الاستدلال بنحو آخر ويقال: ان التجري يكون
كاشفاعن سوء سريرة العبد وانه في مقام الطغيان على المولى،
وهذا يوجب قبح الفعل المتجري به او حدوث مفسدة فيه.
والجواب عن هذا اوضح من سابقه، فان القبح الفاعلي لا
يوجب القبح الفعلي، ومجرد كون الفعل كاشفا عن سوء سريرة
فاعله لا يكون من العناوين المقبحة للفعل. وبالجملة القبح
الفاعلي في التجري مسلم لكنه اجنبي عن القبح الفعلي.
وتحقيق الكلام في المقام يقتضي التكلم عن جهات ثلاثة.
هل القطع من العناوين المقبحة والمحسنة او لا؟
وقدعرفت الجواب عنه بان المصالح والمفاسد يكونان من قبيل
الامور التكوينية والاثار والخواص المترتبة على الاشياء والادوية،
فكما لا يتغير ذلك بتعلق القطع وعدمه كذلك
المصالح والمفاسد.
الثانية: ان الفعل المتجري به يكون كاشفا عن سوء سريرة العبد
وانه بصدد الطغيان على مولاه فيكون فيه القبح الفاعلي،
ويسرى ذلك الى نفس الفعل المتجري به ويوجب قبحه
ايضا.والجواب عنه ان قبح المنكشف لا يوجب قبح الكاشف، كما
ان حسن المنكشف لا يوجب حسن الكاشف في الانقياد.
الثالثة: ان نفس الانكشاف وتعلق القطع بشيء لا يوجب
تعنونه بالحسن او القبح، وبعبارة اخرى: عنوان القطع يكون من
العناوين المحسنة والمقبحة وان لم يكن موجبا لحدوث
مصلحة اومفسدة في متعلقه؟
والكلام في هذه الجهة ايضا يقع في نقطتين: احداهما: في بيان
ان القطع من العناوين المقبحة والمحسنة او لا؟ ثانيتهما: في
انه بعد صحة هذه الدعوى هل يستتبع ذلك حكما شرعيا
لقاعدة الملازمة ام لا؟
اما الاولى: فادعى المحقق النائيني(قدس سره) ان عنوان
القطع ليس موجبالتعنون متعلقه بالحسن والقبح اصلا، وافاد
ان هذا وجداني ولم يستدل على مدعاه بشيء((8)). ولكن
المحقق الخراساني(قدس سره) برهن على ذلك،وحاصل ما
افاده: ان العناوين المحسنة والمقبحة لابد وان تكون
من العناوين الاختيارية، وعنوان القطع لا يكون كذلك، فان
الفاعل انمايقصد الفعل بعنوانه الواقعي لا بعنوان انه مقطوع
الحرمة او الوجوب او الخمرية مثلا، وبهذا العنوان لا يكون
مقصودا، بل لا يكون غالباملتفتا اليه((9)).
ولا يخفى ما في كلامه(قدس سره) فانه لا وجه للترقي عما
ذكره من ان الفاعل انما يقصد الفعل بعنوانه الواقعي لا بعنوان ...
الخ، بقوله: بل لا يكون غالبا ملتفتا اليه، وذلك لان مراده من
عدم كون عنوان المقطوع مقصودا لو كان عدم كونه داعيا له
كما هو ظاهر كلامه فهو وان كان صحيحا، اذ داعي شارب
الخمر للشرب ليس الا جهة اسكاره لا ،ل،العنوان كونه مقطوع
الخمرية،ولكن لا يعتبر في الجهات المحسنة اوالمقبحة ان
يكون داعيا في مقام العمل، ولذا ضرب اليتيم مع الالتفات الى
انه يتالم ويتاذى يكون ظلما وقبيحا ولو لم يكن بداعي
الايلام والايذاء، بل كان بداعي امتحان العصا مثلا، وان كان
المراد عدم كونه ملتفتا اليه فلا وجه للترقي والاستدراك بقوله
بل لا يكون ... الخ.، لان احد الامرين يرجع الى الاخر. هذا مضافا
الى ان اصل البرهان غيرتام، وذلك لان الالتفات الى العناوين
الموجبة للحسن او القبح وان كان معتبرا كما افاد ولكن عنوان
المقطوعية يكون ملتفتا اليه دائما،غاية الامر بالالتفات
الاجمالي غالبا والتفصيلي في بعض الموارد، بل القطع هو
الملتفت اليه اولا ومتعلقه يكون ملتفتا اليه ثانيا وبالتبع،فكيف
يمكن ان يكون مغفولا عنه.
واما ما افاده المحقق النائيني(قدس سره) من الوجدان فالظاهر
ان خلافه وجداني، وذلك لان المراد من الحسن والقبح في
المقام هو العقليان منهما اي ادراك العقل حسن تحسين
العقلاءوتوبيخهم فاعل الفعل،وان المدح والذم منهم واقع في
محله،وملاك هذا الحكم العقلي ليس الا انطباق عنوان العدل
او عنوان الظلم على الفعل، ومن الواضح ان هذا العمل المقطوع
مبغوضيته بنفسه يكون تعديا على المولى وخروجا عن زي
العبودية والوظيفة وظلماعليه، كما ان العمل المقطوع وجوبه
مصداقا للعدل خصوصا اذا كان عملا شاقا وتبين عدم وجوبه
بعد الاتيان به.
والظاهر ان ما ذكره مبني على الخلط بين القبح العقلي
والحرمة والمبغوضية الشرعية، ولا ملازمة بين الامرين،
وسيتضح انشاء اللّه،فانه ربما لا يكون الفعل قبيحا عقلا وهو
حرام واقعا كما في مواردالجهل، وربما ينعكس كما في المقام
وتفصيل الكلام في ذلك: هو انه اختلفت كلمات القدماء في ان
حسن الاشياء وقبحها هل يكونان ذاتيين نظير خواص الاشياء
وآثارهاالمترتبة عليها، او انهما بحكم الشرع ومع قطع النظر
عن ذلك ليس في شيء حسن ولا قبح، او يكونان بحكم العقل
ويختلفان بالوجوه والعناوين؟
والحق من الاحتمالات هو الاخير، وذلك لان احتمال كون
الحسن والقبح ذاتيا وامرا واقعيا نظير المصالح والمفاسد ينافي
ما نراه وجدانامن اختلافهما باختلاف الوجوه والاعتبارات،
اذالكذب لو كان منجيا يكون متصفا بالحسن ومع عدمه يكون
قبيحا، وايلام المولى وهتكه في حد نفسه يكون قبيحا، واما لو
كان بعنوان انجائه من القتل يكون حسنا ويمدح عليه فاعله،
ومن الواضح انهما لو كانا ذاتيين كالخواص لم يكونا قابلين
للتخلف.
واما احتمال ان يكونا بحكم الشارع كما عليه الاشاعرة فهو
مستلزم لسد باب اثبات نبوة الانبياء، وما اخبر اللّه تعالى به من
الوعدوالوعيد، الى غير ذلك من التوالي الفاسدة المترتبة على
انكارالحسن والقبح العقليين التي لا يمكن الالتزام بها من
عاقل، اذ من الضروري انه لولا قبح اجراء المعجز على يد مدعي
النبوة كذبا لم يكن لاثبات نبوة من ياتي بالمعجز طريق، اذلا
دافع لاحتمال كذبه ولو اتى بالف معجز خارق للعادة بعدما
فرضنا انه لاقبح في اجرائها بيد الكاذب،وهكذا لو لم يكن
الكذب وخلف الوعد قبيحا لم يكن لنا طريق الى الجزم بتحقق
وعده تعالى شانه.
وبالجملة التوالي الفاسدة المترتبة على هذا المسلك مما
يضحك الثكلى،فلا يحتمل صحته اصلا، فيبقى الاحتمال
الثالث، وهو ان يكونا من الاحكام العقلية العملية، بمعنى ادراك
العقل استحقاق الفاعل للمدح والثناء او الذم واللوم، وعلى هذا
فالحسن والقبح العقليان يكونان مختصين بالافعال الاختيارية،
ولا يجريان فيما يصدر عن غير اختيار،اذ لا معنى لمدح العبد
على انقاذابن المولى في حال النوم، كما لا معنى لحكم العقل
بقبح ضرب العبد مولاه في حال الاغماء. نعم حسن الشيء
وقبحه بمعنى كونه ذا منفعة او مضرة، او كونه ذا مصلحة
اومفسدة، او كونه منافرا للطبع او ملائما لا ينحصران
بالامورالاختيارية، كما لا يكونان اختياريين، ولذا تقول: مدحت
اللؤلؤ على صفائها، ولكنهما اجنبيان عن الحسن والقبح
العقليين.
ولا يخفى ان حكم العقل بحسن شيء او قبحه انما يكون
بانطباق عنوان العدل والظلم عليه، فما يكون حسنا بحكم
العقل اولا ومن دون حاجة الى ان يدخل تحت عنوان آخر هو
العدل،وما يكون قبيحا كذلك هوالظلم، والاول هو الحسن ذاتا
كما ان الثاني هو القبيح ذاتا، بخلاف سائر الامور والافعال،
فالقبيح منه لا يتصف بالقبح عقلا الا بعدانطباق عنوان الظلم
عليه، والحسن منه لا يتصف بالحسن الا بعدانطباق عنوان
العدل عليه، والعدل لغة بمعنى الاستقامة، واستقامة كل شيء
يكون بحسبه، ومنه العادل اي من له ملكة الاستقامة
وعدم الخروج عن جادة الشرع.
اذا عرفت ذلك نقول: لا فرق في نظر العقل في قبح الاتيان بما
هومقطوع الحرمة بين ان يكون مصادفا للواقع او مخالفا له، اذ
لا تفاوت بين الصورتين في صدق عنوان الظلم وهتك
المولى والجراة عليه على ذلك الفعل، فان الظلم والقبح لا
يدوران مدار الحرمة الواقعية، ولذا في صورة الجهل لا يكون
الفعل قبيحا مع ثبوت الحرمة واقعا، وانمايدوران مدار هتك
حرمة المولى والجراة عليه الثابتة في الصورتين.والذي يشهد
لما ذكرناه تسالمهم على حسن الفعل المنقاد به عقلاومدح
فاعله على ذلك من غير خلاف ولا فرق بين الانقياد
والتجري في حكم العقل في الاول بالحسن وفي الثاني بالقبح.
فما افاده المحقق النائيني من عدم قبح الفعل المتجري به غير
تام.
الكلام في ان قبح الفعل لايكون ملازما لحرمته شرعا
وقد ذكرنا في جوابه ان القطع ملتفت اليه بالالتفات
الحضوري، اذالقطع بنفسه حاضر لدى النفس، نعم تصور
القطع والعلم به تفصيلامفقود غالبا، ويكفي في قبح الفعل
الالتفات الى عنوانه القبيح بهذاالمقدار. ثم انه لو تم هذا البرهان
فهو مختص ببعض موارد التجري وهوفرض تعلق القطع
بالموضوعات، ولا يجري في فرض تعلق القطع بالحكم، كما لو
قطع بحرمة شرب التتن فشربه، فان الالتفات الى القطع بالحكم
غالبا يكون موجودا في مقام العمل. هذا كله في النقطة الاولى.
واما الثانية فالحق فيها ان قبح الفعل لا يكون ملازما لحرمته
شرعا،بل يكون على ما هو عليه واقعا، وقضية كل ما حكم به
العقل حكم به الشرع اجنبية عن حكم العقل بمعنى ادراكه قبح
الفعل او استحقاق فاعله للذم، وانما هي في حكم العقل بمعنى
ادراكه المصالح والمفاسد المستتبعة للحكم الشرعي. وبعبارة
اخرى: الحسن والقبح بالمعنى الاول يكونان في طول الحكم
الشرعي ومن توابعه، ولا يكونان مناطا له، بخلاف الحسن والقبح
بالمعنى الثاني، فانهما يكونان ملاكاللحكم الشرعي، فاذا احرز
العقل وجود المصلحة الملزمة غيرالمزاحمة في فعل كما في
حفظ النفس المحترمة مثلا فبالملازمة يستكشف ثبوت الحكم الشرعي بوجوبه، ولا يبعد ان
يكون مدرك وجوبه هوهذا الحكم العقلي، اذ لم نجد ما يدل على وجوبه من الادلة
اللفظية،وهكذااذا احرز وجود مفسدة ملزمة في شيء يستكشف
ثبوت الحرمة فيه، فهذه القضية المشهورة اي الملازمة لاربط
لها بالمقام، وانماهي في مرحلة ادراك علل الاحكام وملاكاتها
لا ادراك مافي مرتبة معلولاتها كحسن الاطاعة وقبح العصيان،
فان هذا الحسن والقبح فرع ثبوت الحكم الشرعي المولوي،
وثبوت حكم شرعي مولوي في هذه المرتبة لغو لا اثر له، اذ
العقل وهو الباعث والزاجر الداخلي يكون مستقلا بذلك، فمعه لا
حاجة الى الحكم المولوي، ومع عدمه لافائدة فيه لوضوح انه
لولا حكم العقل بصحة عقاب المولى عبده على العصيان لما
حصل للمكلف خوف من العقاب ولما امتثل التكاليف اصلا،
ولهذه الجهة حملوا الاوامر الواردة في مقام الاطاعة على
الارشاد دون المولوية.
هذا مضافا الى انه يستحيل ان يكون هذا القبح في المقام
مستتبعاللحكم الشرعي، وذلك، لان القبح الذي يتوهم
استتباعه للحكم الشرعي لو كان خصوص القبح الثابت لعنوان
التجري اي مخالفة القطع المخالف للواقع بهذا العنوان، ففيه.
اولا: انه لا وجه لهذا الاختصاص، لما عرفت من ان حكم
العقل بالقبح بالقياس الى صورة مصادفة القطع للواقع
ومخالفته يكون على حد سواء، وملاكه وهو الهتك والجراة على
المولى يكون موجودا في كلتا الصورتين.
وثانيا: لازم هذا ان يكون المحرم مخالفة القطع بعنوان كونه
مخالفاللواقع، وهذا الحكم غير قابل للمحركية اصلا، لان من
مبادي قدرة المكلف على الامتثال المعتبرة عندهم في
صحة التكليف هو الالتفات الى الموضوع، والالتفات الى هذا
العنوان يكون مساوقا لزواله نظيرالالتفات الى النسيان، فكما لا
يمكن تكليف الناسي بهذاالعنوان كذلك لا يمكن تكليف
القاطع بعنوان مخالفة قطعه للواقع، فعلى مسلك المشهور لا
يصح هذا التكليف.
واما لو كان القبح المستتبع للحكم المولوى الشرعي القبح
الجامع الثابت في التجري والمعصية الواقعية فلازمه التسلسل
وان يكون هناك احكام غير متناهية وعصيانات غير متناهية
وعقوبات غيرمتناهية، وذلك لان العصيان لو كان حراما شرعا
فحرمته ايضا حكم شرعي فعصيانها ايضا قبيح فلابد وان يكون
حراما، وهكذا الى مالانهاية له، والتجري قبيح فلابد وان يكون
حراما،فعصيانه ايضا كذلك وهكذا الى ان يتسلسل، ومن
البديهي انا اذا راجعنا وجداننا لا نرى في انفسنا ارادات او كراهات عديدة في البعث
نحو شيء واحد اوالزجر عنه. هذا
مضافا الى انه لايبعدان يكون ذلك مستلزما لعدم الفرق بين
المعاصي من حيث العقوبة، فانها في جميعها غير متناهية
على الفرض.
ثم لا يخفى ان هذا القبح العقلي وان لم يكن مستتبعا للحكم
الشرعي لكنه يستلزم حكم العقل باستحقاق العقاب عليه كما
في المعصية الواقعية، لما بيناه في ملاك حسن الافعال
وقبحها، ولايبعد دعوى تساوي التجري المحض والمعصية
الواقعية من حيث مقدار ما يستحقه العامل من العقاب، فان
ملاك ذلك وهو الهتك فيهما على حد سواء.واما ما افاده في
الفصول((10)) من الامثلة لبيان الفرق بين التجري والعصيان
في استحقاق العقاب، فهو اجنبي عن المقام، وانما هو في
مقام التشفي المستحيل في حقه تعالى، نعم من حيث التشفي
ربما يختلف العقاب بنظرالعقلاء بينما اراد العبد قتل ابن المولى
وصادفه او ارادذلك ولكنه صادف عدوه، ولكن مع قطع النظر
عن التشفي لا فرق بين الصورتين من حيث الاستحقاق.
وبالجملة استحقاق العقاب يكون على نفس التجري اعني
الفعل المتجري به، لا على العزم والاختيار كما افاده في
الكفاية((11))، ووقع لذلك في اشكال استلزامه استحقاق
العقاب على امرغير اختياري،والجواب عنه بان ذلك يكون من
تبعات البعد عن المولى والشقاوة الذاتية التي هي نظير انسانية
الانسان وحمارية الحمار، وغير قابل للتعليل، وقد مر الجواب
عما ذكره في المقام في بحث الطلب والارادة مفصلا فراجع.
وبما تقدم ظهر الحال في الجهة الثالثة ايضا:
تنبيهات :
|