| «الرمز فى قصه ابراهيم»
احمد العبيدى بحث يستكشف الاشارات الرمزيه فى القصص القرآنى الاهداالى بقيه اللّه
وبقيه اسماعيل الذبيح
الى ذخر اللّه الذى ما زال ينتظر المجىء
الى القادم من صلب ذبيح الى صلب ذبيح
اليك ، يا سيدى . . يا وعد
يا صدق
يا ايها العزيز . . جئت ببضاعه مزجاه، فاوف لى الكيل، وتصدق على كلمه المركز
لا نضيف جديدا اذا نحن قلنا ان الامامه تعد امتدادا صريحا
وطبيعيا لفكره النبوه نفسها، وهو امتداد اعطى لهذه
القضيهالساخنه دوما اهميه استثنائيه ترقى فى قوتها وتماسك
جذورها الى مساله النبوه ذاتها، مع فارق واحد بينهما هو
انالنبى من يوحى اليه من اللّه وحيا مباشرا والامام من لم يحظ
بهذا النوع من الوحى والعلاقه.
وليس فيما نقوله هنا عن الامام ودوره اى اغراق فى القول او
مبالغه فى التعبير، فلقد اقترنت الامامه بالنبوه فى جميعادوار
الرسالات واغترفت من ذات المعين الذى صدرت عنه النبوه
ذاتها، حتى ليمكن القول ان القضيتين وجهان لاينفصل
احدهما عن الاخر ولا يمكن التعرف على احدهما دون الاخر
ولا يتقوم احدهما الا بالاخر ووجوده.
فحين نستعيد تاريخ الرساله الاسلاميه لنتعرف على موقع
الامامه من الرساله وصاحبها نجد ان من العسير علينا
حقاالوصول الى فهم كامل ومحيط بهذه الرساله ان نحن
حاولناالفصل بين هذين الوجهين المكملين لبعضهما. فالامامه
نمت وترعرعت فى احضان النبوه وعلى عينها رمزا
وفكراوممارسه.
رمزا فى كفاله النبى للامام قبل النبوه اذ ضمه وهو طفل الى
عياله وقام بنفسه على تربيته وتنشئته تنشئه تعبر اصدقتعبير
عن هذا الاقتران الذى لا انفكاك فيه بين هذين الاصلين، فلقد
استوهبه رسول اللّه من ابيه واستخلصه لنفسهوصنعه على
عينه او كان كما قال(ع): (ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر
امه، يرفع لى فى كل يوم من اخلاقه علماويامرنى بالاقتداء به.
ولقد كان يجاور فى كل سنه بحراء فاراه ولا يراه غيرى... ارى
نور الوحى والرساله. واشم ريحالنبوه ولقد سمعت رنه الشيطان
حين نزل الوحى عليه(ص) فقلت: يا رسول اللّه ما هذه الرنه؟
فقال: هذا الشيطان قد ايسمن عبادته. انك تسمع ما اسمع
وترى ما ارى الا انك لست بنبى ولكنك لوزير وانك لعلى خير).
نعم (ولكنك لوزير) هذا العباره هى التى تفسر لنا هذا الاهتمام
الاستثنائى والعنايه غير العاديه من جانب رسول اللّه(ص)بصبى
يصغره ثلاثين عاما، فيمضغ الشىء ويلقمه اياه ويشمه عرفه
ويكنفه فراشه ويرفع له كل يوم من اخلاقه علما.
(ولكنك لوزير) قالها(ص) مرارا وربى عليها عليا منذ كفله ودعا
الاخرين اليها فى مالا يحصى من الموارد والمواطن فلميقتصر
قولها على التلميح بها او الرمز اليها من خلال الكفاله والتنشئه
فحسب بل صدع بها الرسول الامين كرارا منذامره ربه باعلان
الدعوه وابلاغها. ولعل اول موطن رفع بها رسول اللّه صوته كان
يوم الدار (او الانذار) حيث صدع نبىاللّه يومها بالرساله والامامه
معا، وطلب من عشيرته الاقربين الايمان به والتصديق بنبوته
وضمن لمن يوازرهوينصره الخلافه من بعده، فاحجم القوم
عنها جميعا الا عليا الذى نالها(ع) دون عمومته واشراف قومه،
فكان ان قالله(ص) انت اخى ووصى وخليفتى من بعدى.
وكان قمه التعبير عن حاجه النبوه الى الامامه والارتباط بينهما
ما حصل يوم الغدير حين وقف(ص) يعلن الجموعالمحتشده
امتداد الرساله من بعده فى شخص على(ع) وتعيينه من قبل
اللّه اماما للامه وهاديا ووليا.
كما ان آخر بلاغ صدر منه(ص) عن هذا الاقتران كان فى اواخر
ايام حياته الشريفه، او ما صار يعرف فى التاريخ بعدذلك برزيه
يوم الخميس، حين طلب من القوم ان يحضروا له دواه وكتفا
فيكتب لهم مالو التزموا به وعملوا على وفقه لميضلوا بعده ابدا،
غير ان القوم عرفوا ما يريد، وادركوا ما يقصد فحالوا بينه وبين
الكتاب وقالوا: حسبنا كتاب اللّه!!
وما بين يوم الانذار وبين يوم الخميس - وهو كل عمر الرساله
الا قليلا - ايام ملاى بحوادث جسام وامور كبرى عظامتعرضت
فيها الرساله لاخطر الاحداث واشد الصعاب، تجاوزتها كلها
وخرجت منها شامخه الراس قويه البنيانراسخه الجذور كان لم
يفتا يشير فيها(ص) ويوكد، ويلمح ويصرح، بالقول تاره والفعل
اخرى على الامامه مفهوماومصداقا، حتى ليدخل فى روع
السامع ويقر فى عقله ان الامامه صنو النبوه وان لا نبوه تودى
رسالتها والغرض منهادون ان تمتد بعد رحيل النبى من خلال
الامامه، ودون ان تجسد قيمها فى شخص يلى رسول اللّه بعد
غيابه.
وهكذا كان.. فما كاد رسول اللّه(ص) يرتحل الى الرفيق الاعلى
حتى بدا - من سلوك القوم ومواقفهم يومذاك - وكان النبوهلم
تستوف اغراضها ولم تترك اثرها فى نفوس الناس يومذاك
وعقولهم وكان لابد ان يقوم مقام النبى شخص يكمل
مابداه(ص) وينجز مالم يتمه ((1))بل انك لتلمس هذه
الحاجهوتحس بها اعمق احساس حين تلقى نظره على حال
الامه يوم توفى رسول اللّه. فلقد هرع الناس يتناقشون امر
هذهالخلافه ويتنازعون بينهم ايهم اولى بها من سواه ومن
منهم احق بها من غيره، وتركوا رسول اللّه مسجى بين يدى
اهلهيتكفلون وحدهم جهازه: غسله وتكفينه ودفنه. ولو شئت
تفسيرا لهذا الموقف من قضيه الخلافه لما وجدت - لو
احسنتالظن - اقل من شعور القوم بالفراغ بعد رحيل نبيهم
ووجوب سد هذا الفراغ دون تاخير. والخشيه من شغور
هذاالمنصب.
ان كلمات وتعابير من قبيل: الامامه، البيعه، الخلافه، تولى
الامر، لتشير الى ما امتازت به الرساله الاسلاميه منخصوصيه
تميزها عن كثير مما تقدمها من الاديان والنبوات. وهذه
الخصوصيه هى صفه الشموليه للاسلام وقيمومههذا الدين
على الحياه. فالاسلام ليس مجرد عقيده ترضى تساولات
الانسان الحائره او تصيغ له تصوره عن اللّه،الكون، الانسان.
وتضم الى جانبها وصايا وتعليمات اخلاقيه تنظم سلوكه
الفردى فحسب. بل الاسلام عقيده واخلاقمثلما هو نظام
وشريعه تحتاج الى من ينفذها ويحكم نصوصها فى حياه الناس.
وهذه الشموليه تستدعى ان يكون لهاما يعبر عنها فى اصول
الاسلام واركانه، فتكيف فى اصل عقائدى يحفظ هذه الشموليه
ويضمن امتدادها، ويومنللشريعه ان تسير جنبا الى جنب
العقيده والاخلاق فلا تنفصل عنهما، بل ان التطبيقالامين
لنصوص الشريعه هو الذى يضمن سلامه العقيده وبقاء القيم
الاخلاقيه نقيه صافيه لا يعبث بها المنحرفون ولايزيفها
الطارئون على دين اللّه ورساله السماء.
فهل يا ترى تنبه القوم لامر غفل عنه رسول اللّه - حاشاه - حين
اندفعوا ونبيهم لما يدرج فى اكفانه بعد يناقشون بينهمامر
الخلافه؟ وهل اراد نبى اللّه للقوم حقا ان يقرروا امر رئاستهم
كيف شاءوا؟ فيبدوا صدر تاريخهم بعده بهذه البيعهالفلته
((2))وينهوه بالملك العضوض وتداول السفهاء رئاسه الامه
ولعبهم بمقدراتها؟
ان ما وقع بعد وفاه رسول اللّه(ص) من مفارقات واحداث
لاتتفق مع قيم الرساله وتعاليمها وما تلا ذلك من انحراف
كاملعن الاسلام ومبادئه حتى لم يبق من هذا الدين الا اسمه
ليشير بوضوح الى ما قررناه من ان هناك اصلا فى
الاسلاميحفظ اللّه به صفه القيمومه لهذا الدين ويناى به عن
الانكماش وتحريف المحرفين، فاللّه تعالى احرص على دينه من
انيجعله عرضه لتحريف العابثين وانتهاك المارقين بعد
سنوات قصار من رحيل نبيه، وهو سبحانه احرص على
هذاالدين من ان يسمحبانتكاس تجربته بعد انقطاع الوحى
وغياب انفاس الرساله، وليس هذا الاصل المهم من اصول الدين
سوى اصلالامامه الذى تحفظ به خاتميه هذا الدين وقيمومته
على الحياه.
ان اصلا له هذه الاهميه فى تثبيت دعائم الدين وترسيخ اركانه
بل وحفظ صورته على مر العصور وكر الازمان لايمكن ان يهمل
الحديث عنه فى كتاب اللّه فلا يرد له ذكر ولا تسنح له اشاره.
كيف والغرض الذى انزل القرآن وبعثالانبياء والرسل من اجله
لا يمكن تحققه بعيدا عن اصل الامامه وما تقتضيه من صفات
وشرائط فى الامام.
من هنا كانت محاوله الاستاذ العبيدى فى استكشاف هذا
الاصل من خلال القرآن الكريم وتسليط الضوء على ما
يحتفآياته البينات من ايحاءات ويكتنف اجواءها من رموز.
فالكاتب لم يكتف هنا بالطريقه المالوفه فى الاستدلال على
اصلالامامه من خلال معالجه الايات التى تشير بصراحه
ووضوح الى هذا الاصل فحسب. بل انه تعدى ذلك الى
استنطاقعدد كبير من الايات القرآنيه والاستئناس بدلالاتها
المباشره وغير المباشره لتقرير هذا الاصل والتطبيق على
مفرداتهومصاديقه. وقد اعتمد الكاتب لتحقيق هدفه المذكور
على قراءه القرآن قراءه واعيه ومتدبره تاخذ بنظر الاعتبار
انالقرآن كل واحد تترابط اجزاوه وتتكامل آياته وسوره. كما
تاخذ فى الحسبان بركه المعنى القرآنى ووفور عطائه مماقد لا
يكون واضحا لدى الكثير ممن يقفون عند المفرده فلا يتعدونها
الى غيرها ويتمسكون باللفظه لا يغادرونها الى ماسواها،
فالقرآن كما قال امير المومنين: ظاهره انيق وباطنه عميق، لا
تفنى عجائبه ولا تنقضى غرائبه ولا تكشفالظلمات الا به((3)).
والقراءه المتدبره هى التى تغوص الى هذا الباطن وتحتاز تلك
العجائب وتقف على هاتيك الغرائب.
ومن هذا الفهم للسياق القرآنى ينطلق الكاتب لتقرير قضيه
الامامه مفهوما ومصداقا، فيجعل من قصه ابراهيم(ع)ورحلته
على درب الكمال والامامه منطلقا لهذه القضيه ويجد فى
تفاصيل هذه القصه وثناياها ما يشير الى مستقبلالرساله
الالهيه، فابراهيم واسماعيل(عليهماالسلام) هما محمد وعلى
صلوات اللّه عليهما فى دوريهما وما يقومان به فى سبيلالرساله
وما يجرى عليهما من احداث ووقائع. ويحتل مفهوم (الذبح)
و(الذبيح) جانبا مهما من قصته الرمز والتماهىبين هذه
الشخصيات العظيمه ويشكل - فى نظر الكاتب - ركنا اساسيا
فى حيثيات الامامه وشرائطها: فعلى(ع) هواسماعيل(ع): فى
تعريضه للذبح، وتكرار قصه الفداء والتضحيه به، فى تطهير
البيت والدعوه الى التوحيد، وفى كونهبذره الامامه ومحورا
لاكمال الدين واتمام النعمه. على هو اسماعيل هو دعوه ابراهيم
المجابه فيه وفى ابنائهالمعصومين من بعده.
ان (الرمز فى قصه ابراهيم) هو فى تقديرنا مسعى جدير
بالاهتمام. وجهد حقيق بالتامل..وقراءه واعيه للقرآن
الكريم،نتمنى ان تستمر وتوتى آكلها كل حين.
ختاما ندعو القارىء الكريم، الى معايشه هذا الجهد ومواكبه
افكاره وجدانيا حيث القرآن الكريم رحله للعقل
والروحوالوجدان. مركز الغدير للدراسات الاسلاميه
الاول: ان ننظر الى القرآن نظره شموليه، اى ان نلحظه بما هو
حقيقه واحده متكثره فى آيات والفاظ (ولو كانمن عند غير اللّه
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ((5))فالقراءه التجزيئيه لايات
القرآن والفاظه تبعد الفهم عن روحالقرآن وحقيقته، وبذلك
تفقد هكذا قراءه صلاحيتها على الاستنطاق التام.
الثانى: التزام ان لا يخرج الاستنطاق عن دائره عدل الكتاب
وهم اهل البيت(عليهمالسلام) وهو ما الزمنا به حديث
الثقلينالمتواتر عند الفريقين: (انى قد تركت فيكم الثقلين، ما
ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدى، واحدهما اكبر منالاخر،
كتاب اللّه جبل ممدود من السماء الى الارض، وعترتى اهل
بيتى، الا وانهما لن يفترقا حتى يردا علىالحوض)((6))، وعدم
الافتراق هذا، او التلازم بين الثقلين يثبت حقيقه ان فهم
القرآن لا يمكن ان ينطلق من غيرهماو يعود الى سواهم،
بمعنى ان الفهم الحق لا يمكن تحصيله الا منهم اولا، وهو ما
صرحت به آيات من الكتابالعزيز كقوله تعالى: (لايمسه الا
المطهرون)((7))، ومن المطهرون غيرهم؟، وثانيا فان آيات
الكتاببمجموعها او بجمعها لا تعدل عنهم معنى ودلاله
ومقصدا فاننا حيثما قرانا من الكتاب وجدناهم، وهذا واضحفى
عبارات احاديثهم عليهم السلام التفسيريه، اذ نجدهم يرجعون
اغلب الايات اليهم معنى، حتى قديستغرب المطالع - بدء -
لمثل تلك العبارات لبعد بعضها عن الظاهر الجزئى.. الا ان
ذلك بالامكان ان يصبحجليا بينا فيما لو كانت القراءه بتدبر،
كما سنرى بعض مصاديق ذلك خلال هذا البحث.
الثالث: ان القرآن لا يزال حيا غضا وكذلك سيبقى، لا يبليه
الزمن، لا تنقضى عجائبه ولا تنفذ اسراره، وسرذلك كونه تبيانا
لكل شىء وكونه كذلك موردا دائما للتفكر والتدبر، اذ يدعوا
الحق سبحانه خلقه على الدوامللتفكر فيه وتدبره، ولو نفذت
اسراره وكشف عن جميع مغازيه لبطلت بذلك دعوه التفكر
والتدبر فيه.
وبذلك جاء القرآن عميقا فى معانيه ومغازيه، فمن معانيه ما
اشير اليها بوضوح وتصريح، ولكن منها ما اخفىفيه بنحو
التلميح والترميز، وهو مقتضى عمقه وشموله وكونه تبيانا لكل
شىء.
فهل لاهل البيت(عليهمالسلام) وامامتهم حظ من ذلك فى
الكتاب العزيز وهم والكتاب لا يفترقان؟
نعم.. اما هم فالكتاب ملىء بهم وبفضائلهم وطهارتهم، واما
امامتهم فهذا البحث وبحوث لاحقه - ان شاء اللّهتعالى -
مساهمه للكشف عن ذلك، ولقد وجدنا فى بعض مفاصل قصه
ابراهيم النبى وابنه اسماعيل(عليهماالسلام) اشاراتمهمه
تترابط مع غيرها من آيات الكتاب لتكون فى المجموع نسيجا
فسيفسائيا تكتمل صورته شيئا فشيئا ثمليتضح الرمز حتى كانه
تصريح، وتاتى الاجابه على الابهام تداعيا طبيعيا لا يحتمل
تكلفا او تخرصا.
ومع ذلك فانى اوكد عدم ادعاء التفسير، فللتفسير اهله، الا انها
- على ايه حال - محاوله لامتثال دعوه القراءهبتدبر ستاتى
بعدها محاولات اخرى - ان شاء اللّه تعالى - بذات السياق
والنسق، قد تشكل بمجموعها - اذااكتملت - مساهمه متواضعه
فى الوقوف على تناغم الوحده فى آيات الكتاب العزيز من جهه،
والسعىلاستجلاء العمق القرآنى من جهه اخرى، .. هذا فضلا
عما تتمخض عنه تلك البحوث من نتائج جوهريهوعرضيه آمل
ان تكون جديره بالملاحظه مع ما تفتحه الى جانب ذلك من
باب واسع يوسس لمنهجه فىالقراءه المتدبره التى هى فى حد
ذاتها امر فى غايه الاهميه للتعامل مع كلام اللّه الذى خصنا به.
تجدر الاشاره هنا الى ان البحث وان كان صغيرا فى حجمه الا
انه كتب بعباره مضغوطه مختصره قدتستوجب مزيدا من
التامل والتانى فى مطالعتها، ولعل ذلك نابع من ذات الرمزيه
التى يبحث عنها ومن عمقما يحاول قراءته واستشفافه.
اخيرا اقدم وافر شكرى وتقدرى للاخوه العلماء والفضلاء
والباحثين الذى جادوا بوقتهم فطالعوا البحثوقيموه وقوموه
فكان ذلك قره عين لى..
والحمد للّه رب العالمين وصل اللهم على محمد وآله، واعل
على بناء البانين بناءه واتمم له نوره..
احمد العبيدى
صيف عام (عليهماالسلام)199 م
الموافق لشهر ربيع الثانى / 1419 ه
بسماللّهالرحمنالرحيم
( وان من شيعته لابراهيم × اذ جاء ربه بقلب سليم × اذ قال
لابيه وقومه ماذا تعبدون × اافكا آلهه غير اللّه تريدون × فما
ظنكمبرب العالمين × فنظر نضره فى النجوم × فقال انى سقيم
× فتولوا عنه مدبرين × فراغ الى آلهتهم فقال الا تاكلون × مالكم
لاتنطقون × فراغ عليهم ضربا باليمين × فاقبلوا اليه يزفون ×
قال اتعبدون ما تنحتون × واللّه خلقكم وما تعملون × قالوا
ابنواعليه بنيانا فالقوه فى الجحيم × فارادوا به كيدا فجعلناهم
الاسفلين × وقال انى ذاهب الى ربى سيهدين × رب هب لى
منالصالحين × فبشرناه بغلام حليم × فلما بلغ معه السعى قال
يابنى انى ارى فى المنام انى اذبحك فانظر ماذا ترى قال يا
ابتافعل ما تومر ستجدنى ان شاء اللّه من الصابرين × فلما اسلما
وتله للجبين × وناديناه ان يا ابراهيم × قد صدقت الرويا
اناكذلك نجزى المحسنين × ان هذا لهو البلاء المبين × وفديناه
بذبح عظيم × وتركنا عليه فى الاخرين × سلام على ابراهيم
×كذلك نجزى المحسنين × انه من عبادنا المومنين × ) ((8))
تداعيات ومقدمات
ما زال ابراهيم الخليل يحاور قومه ويناورهم مذ كان فيهم فتى
غضا، وها قد شارف عقده العاشر على الانتهاء،ومسه الكبر، وهو
مذ لبث فيهم يدعوهم الى التوحيد ويسفه طريقتهم وافكهم،
اذ غير اللّه آلهه يريدون،فالمناظره قائمه معهم على اشد ما
تكون، لكن آيات الخليل تبقى ليس لها الى القلوب الموصده
طريق،فالطغيان كان قد القى على القلوب اقفالها، وابراهيم
فيهم يرى صدهم ويسمع كفرهم باللّه وآياته ويشهدشركهم
وهو مع ذلك دائب فى التبليغ، لا يوقفه صدهم، ولا يثنيه
كفرهم، ولا يحرفه شركهم، غير انه يعز عليهعنتهم وقد يئس
رشادهم، فيضيق صدره ان المحيط يضج بهم وبكفرهم،
ويشوشون وما يعبدون صفاء السبيلعليه، فانى له، وهو لا غايه
له الا اللّه خالقه، وحال الخليل الطهر والصفاء، وهولاء لا يروقهم
طهر ولا صفاء،فيعتل حالالخليل، وينتابه شعور انه سقيم،
(وقال انى سقيم)((9))، سقيم باعراضهم وبصدهم، سقيم بهم
ولا بد له البرء منهمومن اصنامهم، فراغ الى الاصنام اولا
يجذذها((10)) ليفضح اسطوراتها ويكشف لعبادها فقرها، عل
الحجه تتم عليهمفيرعووا، لكنهم قد اشرب الشرك فى قلوبهم،
واوغل الغى فى ضمائرهم.. فاقبلوا اليه يريدون به كيدا،
ينتقمونمنه لشركائهم.. لن يبرا منهم مالم يعتزلهم وما
يعبدون من دون اللّه، فهو خليل اللّه، وهم يشركون به
غيره..،فنجى اللّه خليله وجعلهم المكيدون..
وكان ذلك آخر المطاف معهم، فلا امل فيهم.. وفى ذلك
المطاف، كان ابراهيم مع كل موقع يرتقى عالما فىسلم
الصعود، فاتخذه اللّه فى البدء عبدا، ثم نبيا ثم مرسلا، ثم فى آخر
المطاف اتخذ اللّه ابراهيم خليلا((11)).. ومقامالخله مقام رفيع،
ومقام الخله قره عين الخليل.. فهل بعد ذلك المقام مقام؟،
وهل غير ذلك المطاف مطاف،وقد ناهز العمر المائه الا
عاما((21))، وهو سقيم بهولاء وما يعبدون؟
لكن من ذاق اللذه يطمع بالمزيد، وهو طمع محمود، طمع
اختص به الصديقون والمقربون، وطمع الخليل فىالوصول
يوصله ويقرب له البعيد يملا له ثغرات الياس المحيطه
بالطريق، يبرئه من سقمه، فنواها الخليلمعتزلا قومه وما
يعبدون من دون اللّه متوجها الى الحبيب حاجا اليه، والحج فى
نفسه مقام لا يبلغه الا مناستطاع، وكان الخليل قد استطاع..
وحج ابراهيم كشف وصعود، ففيه وصل الخليل، وفيه رويه
الملكوت، وفيهيهدى ليكون للناس اماما، وهو ما ترنو اليه عين
الخليل حيث هو خليل، وفى الوصل لذه الخليل، فاعلنها
اولاعلى الظالمين كاخر ما يسمعون منه، ليعلمهم بالرحيل:
(وقال انى ذاهب الى ربى سيهدين).. بدايه الرحله..
(رب هب لى منالصالحين)، فبشرته الملائكه عن اللّه (بغلام
حليم) اجابه للدعاء، وابراهيم لم يرزق من زوجتيه الولد
قبلذاك، فادهش للبشرى، ولم يكن من شانالخليل ان يخفى
دهشته، فقال مسفرا لمن بشره من الملائكه:(ابشرتمونى على
ان مسنى الكبر فبم تبشرون)((15))، وما ان ولد اسماعيل بكر
الخليل حتى شرعا حجهما، وما لبثالوليد حتى بدا البلاء، وحج
ابراهيم مع البلاء صنوان يدور البلاء مع حجه حيثما دار.
يامر الرحمن خليله ان يحمل اسماعيل وامه - هاجر - الى واد
غير ذى زرع، واسماعيل لما يبلغ الفطام، فكيفذاك، وقد رزقه
بعد طول انتظار، وبشر به بعد ياس، والامر عسير؟.. لكن
ابراهيم كان قد اسلم وجهه للّه، (اذقال له ربه: اسلم، قال:
اسلمت لرب العالمين)((16))، وذاك مقام كان قد بلغه منذ
حين، لكن سنه التمحيص جاريه،وابراهيم يراد له مقام كريم..،
ففعل ما امر، واحتمل الاثنين يصحبه الامين جبرئيل على
البراق..
لم يدر فى البدء اى بقعه ستكون، وكيف هى؟ وهل فيها ما يقوم
الحياه؟.. لكنه اسلم، وليس من شان من اسلمللمسبب ان يسال
عن الاسباب (وكان ابراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر
ونخل وزرع الا وقال: يا جبرئيل، الىهاهنا؟ فيقول جبرئيل: لا،
امض، امض، حتى وافى مكه ووضعه فى موضع البيت... فلما
سرحهم ابراهيم ووضعهم وارادالانصراف الى ساره - زوجته
الاخرى - قالت له هاجر: يا ابراهيم لم تدعنا فى موضع ليس
فيه انيس ولا ماء ولا زرع، فقالابراهيم عليه السلام: اللّه امرنى
ان اضعكم فى هذا المكان...)((17))، فمضى(ع) تاركا خلفه
الضعيفين فى مكان لا انيس ولاماء ولا زرع فيه، وقلبه قلب
نبى، قلب كله رحمه، لكن قلبه ذاك خال الا من اللّه.. فلا وجود
للاغيار فيه، وهوخليل الرحمن،.. فتولى عنهم وهو لا يلوى على
شىء الا ان يرفع يد الخله ويكلهم اليه تعالى: (ربنا انى انزلتمن
ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاه
فاجعل افئده من الناس تهوى اليهم وارزقهم من
الثمراتلعلهم يشكرون)((18))، واستجاب له ربه، فانبجست
لهم اول الامر عين زمزم، (وعكفت الطير والوحش على
الماء...)((19))،فعجب الناس لتعكف الطير والوحش فهوت
اليهم بنو جرهم (فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم فانست
هاجرواسماعيل بهم)((20))، وابراهم يراجعهم فى هذه الاثناء
مره ومرتين، (فلما رآهم ابراهم(ع) فى المره الثالثه، نظر الى
كثرهالناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا...)((21)).وتمضى
السنون تلو السنين ويكبر اسماعيل شبيه ابيه، وقد نبا اللّه عنه
خليله انه عليم، حليم، من الاخيارالصالحين، لكن اشخص ما
فى اسماعيل، كونه حليما، (والحلم صفه لانضباط النفس
وسكون الطبع والطمانينهوالصبر فى مقابل ما لا يلائم
الطبع)((22))، ولم يحب اللّه تعالى هذا الاسم - الذى هو من
اسمائه تعالى - فى كتابهالعزيز - لاحد من اوليائه سوى
اسماعيل وابيه، فما اعزهمن اسم ويا لها من صفه، هى من
اشرف الصفات واجل الملكات التى ترقى الانسان الى اعلى
المقامات بسكونوطمانينه، ولعل هذا ما اهل اسماعيل لان
يختاره الحق تعالى للدخول فى دائره البلاء الابراهيمى
المتعددالمراحل والمقامات، وقد كان اهلا له بصبره، فالصبر
لب الحلم ومعدنه.. وابراهيم كان قد علم - فيما نباه اللّه- انه
اهل البلاء، واهل الصبر، واهل الحلم... المرتبه الاولى.. مرتبه البناء
المرتبه الثانيه.. مرتبه التطهير
وفى ثانيه مراتب الاسلام، فى مرحله التطهير يدخل الايمان
القلب، ويهيمن عليه، ( قولوا اسلمنا ولما يدخلالايمان فى
قلوبكم...)((30))، ويامر الحق ابراهيم مع اسماعيل ليطهرا بيته
- الكعبه والقلب - من رجس ونجس الشركوالمشركين،
فالايمان اذا دخل القلب بعد التطهر من الشرك، ايما كان ذلك
الشرك - جليا كان او خفيا، خارجياكان او باطنيا، غيريا كان او
انانيا - صار القلب مذعنا متوجها الى اللّه، ويئين اوان القلب
ليستجيب لنداء الحقللخشوع: (الم يان للذين آمنوا ان تخشع
قلوبهم لذكر اللّه)((31))، والخشوع احساس بالحضور، ومن
الاحساسبالحضور ينقلب القلب من البيت الى صاحب البيت،
ومن القلب الى الساكن فى القلب، ومن (فولوا وجوهكمشطره)
((32))الى (اينما تولوا فثم وجه اللّه)((33))، وياخذ ابراهيم مع
اسماعيل بتطهير البيتين، ويرفع ابراهيم شعاره الخالدكنتيجه
للتطهير: (انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض
حنيفا وما انا من المشركين)...
فقد طهر القلب فما فيه من شرك، وطهر البيت فما فيه من
ديار من المشركين، وصار التوجه اليه دون معيق،فالبيت -
الكعبه - بعدما رفعت قواعده لابد ان يطهر، لان بناء البيت
وتوجيه الناس اليه لابد ان يعقبه اخراجالشرك والمشركين
منه، وتطهيره من رجسهم، كيلا تشوب الدين شائبه شرك
تصد عن الطريق، فطبيعه المشركباللّه المنحرف عن دينه،
الصد عن سبيله، (وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم
مهتدون)((34))، وطبيعهالشيطان ان يملا الطريق بالضجيج،
وان يقعد فى كل صراط مستقيم... ثمره التطهير...
وهل يمهد الا بقمع الاشواك، ورفع ما يصد عن السبيل، وبذل
الجهد عليه؟ (ياايها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ
عليهم)((35))، لكنه جهاد اصغر، لانه جهاد تمهيد، وجهاد فى
السبيل، فالجهادفى سبيل اللّه يعنى ان يكون الانسان سليما
وبريئا ليكون قابلا للسلوك ويعنى ايضا ان يكون السبيل خلوا
ممايصد عن السبيل، وقد تخطى - ابراهيم والذين معه اى
اسماعيل - هذه المرتبه، وبرىء من سقمه الذى كان قدالم به،
فيعلن هنا - هو والذين معه - براءتهم على رووس الاشهاد: (اذ
قالوا لقومهم انا برءآء منكم ومما تعبدون مندون اللّه، كفرنا بكم
وبدا بيننا وبينكم البغضاء ابدا حتى تومنوا باللّهوحده...)((36))،
ولقد اعطى ابراهيم ببراءته تلك، الجواب الواقعى لما ساله اللّه:
(اذ قال له ربه اسلم)، (اسلاماتخيريا تشريعيا، يكون الرضا
والتسليم والاحتساب والصبر والحب والبغض فى اللّه من
لوازمه)((37))، (قال اسلمتلرب العالمين)... وبذلك يكون
واسماعيل - معا - قد رفعا قدما اخرى، هى فى حقيقتها مرتبه
اخرى فى سيرهاسلامهم.. وها قد تهيئا لبلوغ الكمال، ولكن بعد
حين.. المرتبه العليا الثالثه.. مرتبه الكمال
التمحيص فى حقيقه مرتبه الكمال
وابراهيم(ع) بعد ما استجاب لدعوه ربه (اذ قال لهربه اسلم
قال: اسلمت لرب العالمين) بقيت امامه عمليه التثبيت، ولكن
لابد ان يكون للابتلاء والتمحيص نحوتناسب مع خطوره ما يراد
تثبيته من مقام ومرتبه، او ما يراد ترتيبه عليه فيما بعد من
تنصيب، اذ الابتلاءوالتمحيص تاهيل، وما اريد لابراهيم(ع) هو
ان يكون اسوه فى سلامته وطهارته وخضوعه لربه، التى
معهنيبلغ ابراهيم مع ولده الحاله القصوى من عمليه التكامل
فى مرتبتها الثالثه، والتى يترتب على اجتيازها المنحهالالهيه
الكبرى فى (انى جاعلك للناس اماما)((42))، التى هى فى
ذات الوقت تضاهيها، وتتطابق معها..
(والذى نجده فى كلامه تعالى، انه كلما تعرض لمعنى الامامه،
تعرض معها للهدايه تعرض التفسير، قال تعالىفى قصص
ابراهيم(ع): (ووهبنا له اسحاق ويعقوب نافله وكلا جعلنا
صالحين. وجعلناهم ائمه يهدون بامرنا)((43))، وقالسبحانه
(وجعلنا منهم ائمه يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا
يوقنون)((44))، فوصفها بالهدايه وصف تعريف،ثم قيدها
بالامر، فبين ان الامامه ليست مطلق الهدايه، بل هى الهدايه
التى تقع بامر اللّه، وهذا الامر هو الذىبين حقيقته فى قوله:
(انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون فسبحان الذين
بيده ملكوت كل شىء..)((45))، وبالجملهفالامام هاد يهدى
بامر ملكوتى يصاحبه)((46)).
ان منصب الامامه يتحصل بصبر يبلغ حد الحلم،ويتقوم بيقين
يصل حد (عين اليقين)، (وجعلنا منهم ائمهيهدون بامرنا لما
صبروا وكانوا باياتنا يوقنون)، والصبر سابق على اليقين مود
اليه، والا، فلليقين موانع تصد عنه،ومشاغل تحبس من العروج
اليه، لخصتها آيات القرآن وجمعتها فى الاموال يقارنها الاولاد..
والاموال والاولاد تعبير جامع لاصول جميع المتعلقات
الدنيويه، اذ انهما ادنى - بمعنى الدنو - ما يكونان منالانسان
فى حياته، وهما الاقرب لان يكونا داخلين فى ملكه وسلطته
وتصرفه، حتى ليحسب الانسان - اذا ماغفل - انهما فى عرض
ملك اللّه لا فى طوله، فيقول:
(انما اوتيته على علم عندى...)((47))، وقد ورد اللفظان -
الاموال والاولاد - متقارنين فيما ينيف على العشرين موردافى
كتاب اللّه العزيز، قد سبق فى الجميع المال الاولاد، ولعل
تعليل ذلك، ان معنى (المال)، هو كل ما دخل فىملك
الانسان، فهو اعم من الاولاد، فللوالد نحو ولايه وتسلط بما
يشبه التملك على ولده - وان كان للولداستقلال بنحو ما - كما
ان الولد بهذا اللحاظ جزء المال، وتقديم المال عليه من باب
تقديم الاعم على الاخصكما هو مقتضى القاعده وهذا التسلط
والتملك على الاثنين - اموالا واولادا - هو ما عمق الارتباط
والتعلق،وجعلهما مورد اللعب والزينه والتفاخر والتكاثر، التى
تشكل بمجموعها معنى (الحياه الدنيا) فى مقابل(الاخره)،
(اعلموا انما الحياه الدنيا لعب ولهو وزينه وتفاخر بينكم وتكاثر
فى الاموال والاولاد)((48))، بهما يفتن الانسان،فيفوته ما عند
اللّه، (انما اموالكم واولادكم فتنه واللّه عنده اجر عظيم)((49))،
وبهمايتلهى فيغفل عن ذكر اللّه، فيكتب فى الخاسرين، (يا ايها
الذين آمنوا لا تلهكم اموالكم ولا اولادكم عن ذكر اللّه ومن
يفعلذلك فاولئك هم الخاسرون)((50))، وفى التلهى بهما،
والتكاثر فيهما يحرم الانسان بلوغ اليقين، (الهاكم التكاثر ×
حتىزرتم المقابر × كلا سوف تعلمون × ثم كلا سوف تعلمون ×
كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم × ثم لترونها
عيناليقين)((51)).
فلما كان هناك تكاثر، وانغمار فى الاموال والاولاد وتله بهما
عن اللّه، لم يكن لليقين طريق الى القلب ليرىالجحيم وغير
الجحيم، وانسدلت عليه ستائر الظلمات، (اذا اخرج يده لم يكد
يراها)((52))، وانسد عليه سبيل سلوكهوهو بعد لم يتخط
مرتبه ولم يبلغ مقاما، لان (حب الدنيا راس كل خطيئه)،
فالانشغال بغيره يعنى التلهى عنه، وفىالتلهى عنه الاعراض
عن ذكره جل ذكره، وفى الاعراض عن ذكره ضنك وعمى،
(ومن اعرض عن ذكرى فان لهمعيشه ضنكا ونحشره يوم
القيامه اعمى)((53))...
وفى قبال ذلك فى الطرف الاخر، قلوب مبصره، تلك التى
تشهد نارها وجنتها قبل قيامتها، (فهم والجنه كمن قدرآها
فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها
معذبون)((54))، وذلك بعد قطع دابره تعلق القلب بكل ما
سوى اللّه،واخلاء القلب تماما من ذكر سوى ذكر اللّه، فلا يرى
شيئا الا ويرى اللّه قبله ومعه وفيه وبعده ويراه ظاهرا فىكل
شىء((55))، فيسلم القلب من الاغيار والاكدار، و(يلقى اللّه
وليس فيه احد سواه)((56))، (يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من
اتىاللّه بقلب سليم)((57))...
فيظهر هنا ان اليقين - الذين يعنى ان ليس فى البين سانحه
شك - مرادف للتسليم، وهو معنى الاسلام،(فالاسلام هو
التسليم، والتسليم هو اليقين)((58))، فمن بلغ اليقين بلغ
التسليم، ومن بلغ التسليم كان مظهرا حقاللاسلام... خصائص الذبح الابراهيمى
الاولى: ان الامر الذى جاء ابراهيم: (ان اذبح اسماعيل)، يتضمن
امرا مقدرا لاسماعيل: (ان اقبل الذبح)،فالبلاء والتمحيص اذن
لم يختص بابراهيم فقط، وانما شمل الاثنين معا، اذ لو فرض
امتناع اسماعيل عن قبولالذبح، لسقط الامر فيما يخص
ابراهيم، وكذا لو فرض عصيان ابراهيم لامر الذبح لما تعدى
التكليف لاسماعيلفيمتحن بالذبح، ولهذه النكته ثمره تتضح
فيما بعد.
والثانيه: ان الترتيب المنطقى للتجاوب مع امر الذبح، هو ان
يقبل اسماعيل الذبح اولا، ثم يقوم ابراهيم (ع) بعدذلك بعمليه
الذبح فى صورتها الفعليه، وهذا ما حدا بالخليل ان يعرض الامر
اولا على اسماعيل: (قال يا بنىانى ارى فى المنام انى اذبحك
فانظر ماذا ترى)، وعرضه عليه الامر لم يكن لشكه فى تصديقه
وخضوعه وتسليمه،بل لم يدر فى خلد ابراهيم من اسماعيل
عناد او امتناع، وهو الذى خبر اسماعيل - فيما نباه اللّه - انه،
غلام عليمحليم من الاخيار الصالحين، وهو هو اسماعيل الذى
درج معه مدارج السعى، فكان معه اذ يرفع القواعد منالبيت،
وكان معه اذ يضرعان الى اللّه: (ربنا واجعلنا مسلمين لك)،
وكان بمعيته فى التطهير والبراءه، وكانا معافى انساك
المناسك ورويتها، فهو معه فى مراتبه ومقاماته مطيعا وخاضعا
ومسددا، ولن تتخلف تلك المعيهآخرالشوط، وقد كانت منذ
بدئها حتى منتهاها من اللّه بامره، والى اللّه بهديه، لكن ابراهيم
يريد لقلبه ان يطمئن،وذلك ديدن الخليل، وقد فعل مثله لما
سال ربه ان يريه احياء الموتى ليطمئن قلبه بما انعقد فيه من
ايمان يقربقدره اللّه على ذلك، (واذ قال ابراهيم رب ارنى كيف
تحيى الموتى قال اولم تومن قال بلى ولكن ليطمئن
قلبى)((59)).. فياتيهجواب الذبيح: (قال: يا ابت افعل ما تومر
ستجدنى ان شاء اللّه من الصابرين). فاطمان قلب الخليل
لجواب الذبيح،وجواب الذبيح لم يفجع قلب ابيه اذ (قال يا ابت
افعل ما تومر)، ولم يقل: (اذبحنى)، اذ هو امر، ذبحا كان، او
لميكن، فحقيقه الامر الالهى كان قد طغى لديه على طبيعه
ذلك الامر وتفاصيله فى عمليه الذبح، كما اراد بقولهذاك الشد
على قلب ابيه الخليل، والزياده فى سكينته.. ليكونا فى تلك
الاثناء بالذات قد استوعبا الامر الالهىوعزما عليه، بنحو يشد
احدهما على الاخر، فان فى امر الذبح خصوصيه تفرقه عما
امتثلاه قبلا.. اما البناء،فان متعلق الفعل كان خارجا عن
ذاتيهما، وبناء كل منهما مستقل عن الاخر، وانكان هناك
اشتراك، فهو اشتراك فى المتعلق وفى الهدف الذى هو
خارجى، وكذا مع امر التطهير فالاستقلالظاهر، ان كان
خارجا، اذ يطهران البيت الحرام من الشرك والمشركين، او
كان باطنا اذ يخليان قلبيهما منالتعلقات، وكلبحسبه، وان
كان اشتراك فى نوع الفعل وهدفه، وكذا البراءه وغيرها.. واما مع
امر الذبح، فلا بدلهما ان يندمجا فى فعلهما وتتحد ارادتاهما
بنحو يكون الفاعل فيه عين المفعول، والمفعول عين الفاعل -
وهناتتضح ثمره الامر الاول - ، اذ لا بد ان تقترب المعيه التى
كانت بينه فيما سبق بين ابراهيم واسماعيل، حتى تبلغالذوبان
فيصير الاثنان اراده واحده وعزما واحدا، وفعلا واحدا، وهو
معنى: (فلما اسلما)، اى خضعا برتبهواحده قدما بقدم، لم
يتقدم احدهما على الاخر، بل هما حقيقه واحده متفرقه فى
شانين. بلوغ الكمال..
الاول: ذوبان الاثنين معا فى الامر الالهى.
والثانى: الخضوع التام فى كل منهما مستقلا، فابراهيم يسلم
بقطع كل علاقه له بغير اللّه، واسماعيل يسلم فىافناء ذاته فى
طاعه اللّه، وقد لخص البارى تعالى فى مطلع آيات القصه - جريا
على داب القرآن - المرتبه التىبلغها ابراهيم - وهو مركز القصه
وقطبها - بقوله: (وان من شيعته لابراهيم اذ جاء ربه بقلب
سليم)، اى (ليس فيهاحد سوى اللّه)، وكذلك فعل مع
اسماعيل، فاسماعيل لما وعد اباه بالصبر على امر الذبح، علق
صبره على مشيئهاللّه، وقد قدم الحق تعالى قبل سرد القصه، ان
مشيئته تعالى اقتضت ان يكون حليما، فقال فى
البشرى:(فبشرناه بغلام حليم)، والتقديم فى الموردين يوكد،
ان بلاء الذبح انما كان لتثبيت واثبات وتبيين ما كانا بلغاهقبلا،
فهو بلاء مبين (ان هذا لهو البلاء المبين).
فالذبح اذا لم يكن بذاته هدفا، انما اراد اللّه ان يعلم من ابراهيم
واسماعيل التصديق، فحصول التصديق فىالنفس مبدوه
اليقين وماله العمل، (واليقين هو التصديق والتصديق هو
الاقرار والاقرار هو الاداء والاداء هو العمل)((60))،وابراهيم
صدق الرويا اذ تكررت، فعزم على الذبح، اما اسماعيل، فما ان
عرض ابوه عليه امر الذبح حتى كانتصديقه بان الرويا امر من
الحق تعالى بديهيا فى سياق جوابه لابيه اذ قال: (يا ابت افعل ما
تومر)، ولما تبينالتصديق من الاثنين، كان حقا على اللّه ان
يوقف الاداء: (وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرويا)، وقد دلل
واقعابراهيم بعد امر الايقاف على ان تصديقه كان بمثابه ادائه
وان لم يفعل، فهو (يتمنى ان لو ذبح! اسماعيل بيده ولميومر
بذبح الكبش مكانه)((61))، لكن الذبح لم يكن هدفا، (وفديناه
بذبح عظيم). معالم التسليم
قطف الثمار
آثار قطف الثمار
الاتمام ونيل العهد فى ذريه ابراهيم |