(وان امراه خافت من بعلها نشوزا او اعراضا فلا جناح عليهما ان
يصلحا بينهما صلحا والصلح خير واحضرت الانفس الشح وان
تحسنوا وتتقوا فان اللّه كان بما تعملون خبيرا)«النساء/128».القسم الرابع:فلسفه الصبر
عناصر الوجود الانسانى
توجد اساسا اربعه انواع من عناصر الوجود البشرى، وهى: (1)
العناصر البدنيه، (2) عناصر الحس، (3) عناصر القوه، (4)
العناصر الروحيه، وترتبط هذه العناصر مع الجسم الذى يمثل
الماده الاساسيه ومع الروح.
الصبر والنعمه
ان الموت والحياه هما من نعم اللّه الكثيره:
(فانقلبوا بنعمه من اللّه وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان
اللّه واللّه ذو فضل عظيم)«آل عمران/174».
تتغذى اجسادنا من نعم اللّه الذى يوفر لنا الضوء والمطر والغذاء
فى بيئتنا، ويمكننا من ذلك من خلال الحواس، من سمع وبصر
وذوق وشم ولمس، كما ان الغذاء الروحى هو من نعم اللّه ايضا
نحصل عليه من خلال تكليفه الانبياء والرسل بتعليمنا سبل
الصحه الروحيه ومفاهيم الاسلام، وان من واجبنا الا نستهين
بهذه النعم، بل علينا ان نتحلى بالصبر ونحمد اللّه على تفضله
علينا بهذه النعم، فالحياه كما الموت هى من اللّه كما تنص
على ذلك الايه الكريمه التاليه:
(الذى خلق الموت والحياه)«الملك/2».
ولكن نعم اللّه تتجاوز مفاهيم الحياه والموت والبرزخ والبعث
والحياه الابديه (انظر الشكل رقم 20 ص93).
الموت والحياه
ان الموت هو الباب او المدخل للحياه الابديه، اما الحياه فهى
مفتاح الموت، وعلى ضوء استعمال المرء لنعم اللّه فى هذه
الحياه يتحدد ما سيكون بانتظاره خلف هذا الباب، فاما الجنه او
النار، وسيكون السلام الابدى من نصيب اولئك الذين عاشوا
حياه طيبه والعقاب بانتظار من عاش حياه فاسده رديئه.
سيبعث الانسان حيا وما الموت الا خطوه نحو الحياه الابديه،
ويعتمد المستقبل الابدى على اعمال المرء وتصرفاته فى هذه
الحياه.يقدم لنا الاسلام اهدافا فى حياتنا الارضيه، ويجب علينا
تبنى هذه الاهداف او المبادى الساميه وتطبيقها لانها نعم من
عند اللّه، فالانسان يتمتع بحريه الاراده، وهى نعمه اخرى
تمكنه من اختيار طريق حياته، وهذا الاختيار هو الذى يحدد
النتيجه او مصير الانسان، لذا عليه ان يسعى الى الكمال مع
علمه بان ذلك بعيد المنال، ولكن محاولته بلوغ الكمال
وتحقيق الذات سيجازى عليها احسن الجزاء.
البرزخ والقيامه والحياه الابديه
ان البرزخ هو فتره ما بعد الموت وقبل حلول يوم الحساب
وزمانه، فالموت هو انفصال الروح عن الجسد، حيث تنتقل
الروح الى البرزخ وتصبح فيه اكثر ادراكا لحقائق الوجود، ويقع
البرزخ بين الحاضر والقيامه، وفى القيامه يبعث المرء بروجه
وجسده، ويصبح كل واحد منا مدركا اتم الادراك لوجود الخالق
عز وجل، وسيكشف فى هذا اليوم عن اعمال المرء الصالحه
والطالحه، فاما الذين صبروا فى حياتهم السابقه فسيبلغون
السعاده فى الجنه الابديه.
ووفقا لايات القرآن الكريم، فان الحياه بعد الموت هى خلق ثان،
والحياتان (الولاده والبعث) كلاهما من نعم اللّه، وان امل
الانسان بتجاوز الموت ليس املا بالهروب او بتجنب الموت،
ولكنه الامل بالبعث. وفى البعث سيمنح البشر اجساما جديده
ليشاركوا فى الخلق الجديد، وهذا ممكن لان اللّه يعلم كل انواع
الخلق، والوجود كله معتمد على اراده اللّه، والولاده والبعث هما
نعمتان جليتان، ولا يرتبط بعث الجسد باى شكل من الاشكال
بديمومه الروح، لان الجسد والروح كلاهما معتمدان على اراده
اللّه فى الخلق.
وعلينا ان لا نهمل معنى المصطلح (النعمه) لان كل اعمال اللّه
هى نعم:
(وان تعدوا نعمه اللّه لا تحصوها ان الانسان لظلوم
كفار)«ابراهيم/34». ان كل اشكال الكمال فى هذه الارض
والعالم كله هى نعم من عند اللّه.النفس البشريه
يعلمنا القرآن ان البشر ليسوا فقط اتحاد جسم وروح، اذ يوجد
عنصر آخر غير الروح ويختلف عن الجسد، وهذا العنصر يسميه
القرآن ب-(النفس) وجمعه (انفس او نفوس)، وتشير النفس هنا
الى الذات الفرديه وكذلك الى الروح الانسانيه، ويصفها القرآن
الكريم بالاماره (يوسف: 53) واللوامه (القيامه: 2) والمطمئنه
(الفجر: 27).
(وما ابرىء نفسى ان النفس لاماره بالسوء الا ما رحم ربى ان
ربى غفور رحيم)«يوسف/53».
(ولا اقسم بالنفس اللوامه)«القيامه/2».
(يا ايتها النفس المطمئنه)«الفجر/27».
النفس الشريره (الاماره بالسوء)
ان هذه هى النفس التى تامرنا بالشر، وتحثنا على الامور التى
تعارض بلوغ الانسان الكمال الاخلاقى او الحصول عليه. واذا
اتبع الانسان اوامر هذه النفس فانه يكون عند الحد الادنى من
الصبر.
انفس اللوامه (الواعيه)
ان هذه هى النفس التى تحاسب ذاتها فى سبيل تحقيق
الصلاح، وهذه النفس التى تلوم وتحاسب نفسها هى الموثر
الثانى للافعال البشريه، وهى تلوم الانسان اذا اقترف الذنوب ولا
تقبل منه الاستسلام لرغباته وشهواته الدنيويه، وهى ترغبه فى
ان يكون فى احسن احواله ويمارس الاخلاق الكريمه والحميده،
ولانها تلومه على السلوك الردى فقد سميت بالنفس اللوامه،
وبوجودها يكون الانسان واعيا بضروره الصبر ويجاهد من اجل
تحقيقه، وتحاول النفس ادراك الصفات الاخلاقيه العاليه
وترفض مخالفتها ولكنها قد لا تحقق النجاح الكامل.
النفس المومنه
ان النفس المومنه هى نفس الشخص المومن التى تقوده الى
معرفه اللّه واتباع دينه. وهنا، وفى هذه المرحله، تكون نفس
المرء خاليه من انواع الضعف ومفعمه بالقوى الروحيه، ولها
ارتباط قوى باللّه، وهكذا يتم تحقيق الصبر باعلى درجات
النجاح.الصبر وعناصر الوجود الانسانى
تشتمل العناصر الطبيعيه على التراب والهواء والنار والماء، اما
عناصر الحواس فهى السمع والبصر واللمس والذوق والشم،
وتتكون عناصر القوه من الذكاء والغضب والشهوه والمخيله. اما
العناصر الروحيه فهى الايمان والصلاه والصوم والاحسان والحج
والجهاد والاخلاق والايمان (انظر الشكل رقم 21 ص94)
ويتفاعل الصبر مع هذه العناصر لانه مصدر عناصر القوه
والعناصر الروحيه.
مفاهيم الخلق والاخلاق
ان الخلق هو التكوين، اما الاخلاق فهى الصفات الحميده ولا
يقصد بها الميول الطبيعيه، فلكل عمل او حدث طبيعى صفه
ذاتيه هى بمثابه خلق، فمثلا البكاء ظاهره طبيعيه اما الصفه
الذاتيه او الاخلاقيه التى قد تهيج البكاء فنسميها الرقه، وكذلك
فان الانسان يدافع عن نفسه ضد هجمات اعدائه، وتحرك هذا
العمل البدنى صفه داخليه او اخلاقيه تسمى بالشجاعه. لا
يرغب المرء احيانا فى رد العدوان والهجوم على المعتدى
بالمقابل ويصبر على ذلك، وتسمى الصفه الذاتيه او الاخلاقيه
المعبره عن هذه الحاله بالتحمل او الصبر.
لنتامل الايه الكريمه التاليه:
(وانك لعلى خلق عظيم)«القلم/4».
تدل هذه الايه على ان كل الاخلاق او الصفات العليا، مثل
الرحمه والشجاعه والعدل والاخلاص، مجتمعه كلها فى شخص
النبى محمد(ص)، وكل الصفات الطبيعيه للانسان، مثل
التواضع، النزاهه، الصبر، العفه، الورع، الشجاعه، الكرم، الصبر
والتحمل عندما تكون تحت امره العقل هى صفات داخليه او
اخلاقيه.الصبر: وصفه للطهر
سنركز اهتمامنا هنا على عناصر القوه، اذ اننا بحاجه الى علاج
يحول نقاط ضعفنا واسرافنا الى عناصر قوه، ينتج الضعف او
الاسراف عندما لا نكون مسيطرين على قوى النفس البشريه
وهى: (1) قوه الذكاء، (2) قوه الغضب، (3) قوه الرغبه، (4) قوه
المخيله. ان العلاج اللازم لتحويل نقاط الضعف الى نقاط قوه
هو الصبر، لانه اساس هذه القوى ومصدرها اضافه الى كونه
مصدر الصحه النفسيه (الشكل رقم 22، ص95).
قوه الذكاء
ان طريقه استعمال قوه الذكاء تحدد مستوى وجودها، فغياب
استخدام العقل والمنطق مثلا يودى الى الجهل، اما
استخدامهما فهو مصدر الحكمه. ان تحويل الضعف الناتج عن
الجهل الى قوه الحكمه يتم من خلال الصبر، وبناء على هذا،
يرتبط الصبر بقوه الذكاء، فالصبر اذا هو ميزه الذكاء الذى هو
مصدر العقل البشرى.
ويرتبط الصبر ايضا بالمبدا الاسلامى للطهر الذى يعنى طهاره
النفس والذات وكذلك طهاره القلب والعقل، فكلما ازداد ذكاء
الانسان ازداد حكمه وقوه وكان اكثر قدره على مجابهه
الصعاب.
تنتج العواطف السلبيه من ضعف فى قوه الذكاء (اى الجهل) او
الاستعمال المتطرف واللااخلاقى لهذه القوه (اى الدهاء
والحيله)، والنهايه الحتميه للمرء الذى ينحدر الى مستوى
الجهل او الحيله هى انعدام الاستقرار العاطفى، اى انه يتجاوز
حدود التفكير والسلوك العقلانى.
تواجه المصاعب الناس خاصه اثناء المرض او اوقات المحن،
ويتعاملون معها بصور وطرق مختلفه، والخاسرون هم
الجاهلون او المحتالون الذين لا يدركون كيفيه التعامل مع
هذه المصاعب بصوره صحيحه، اما الرابحون فهم الصابرون
الذين يعرفون كيفيه التعامل مع هذه المصاعب والشدائد
بحكمه.
قوى الغضب والشهوه والمخيله
يمكن التغلب على الجبن بالشجاعه او القوه (قوه الغضب)
وعلى الكسل بالنشاط (قوه الشهوه)، كما يمكن التغلب على
التحيز بالعداله (قوه المخيله). من الواضح ان الجبن والكسل
نقيصتان بالشجاعه والصبر. ومن ناحيه اخرى، فان الاسراف فى
الخصال الحميده مثل الشجاعه الى حد التهور او عدم الاكتراث
بالمعاناه قد يكون مكروها. نحن نعتبر الشجاعه صفه حميده
مستمده من السيطره على النفس، ونعتبرها احيانا الصفه
الحميده او الخلق الحميد الوحيد المتاتى من السيطره على
النفس، وهذا يقلل من اهميه الصبر ودوره الى حد غير مقبول.
ان الفاشلين اخلاقيا، من مثيرى الحروب والفتن، هم اولئك
الذين لا يمتلكون الصبر على الغضب او بالاحرى الدرجات
العليا من الغضب، وكذلك الذين يفتقرون الى الشجاعه فى
مجابهه مخاوفهم والسيطره عليها. ومن الواضح ان الصبر
يحقق الرضا والقبول، او بالتحديد، الاستسلام عند ضحايا
الاستغلال مثل الفقراء.
لنتطرق الى العلاقه الوثيقه بين الصبر وفكره ان ينذر الانسان
نفسه لفعل الخير، فاذا اعتبرنا ان الخير هو نوع من الخدمه
نقدمها للاخرين فعلينا ان ندرك ان مشاعر مثل الغضب او عدم
الارتياح والتذمر عند قيامنا بتقديم الخدمه هى مشاعر سلبيه
يجب مقاومتها لانها تهدد بانحرافنا عن فعل الخير، ومن دون
شك فان السماح لهذه المشاعر بالسيطره على افكارنا وافعالنا
سينهى علاقتنا بفعل الخير، وكلما اقتنعنا بانه بالامكان التغلب
على هذه المشاعر قل احتمال التفكير او التشكيك بقدراتنا
على فعل الخير.
وكما ذكرنا سابقا، فان الشجاعه مستمده من الصبر. ان الصبر
على الاهواء او المصاعب التى تواجهنا مثل هجوم عدو وصمودنا
امامه وعدم هروبنا جبنا هو شجاعه حقيقيه، لذا يوجد فرق
كبير بين شجاعه البشر وشجاعه الحيوانات المتوحشه،
فالحيوان المتوحش يتحرك باتجاه واحد فقط عندما تتم اثارته،
اما الانسان الذى يمتلك شجاعه حقيقيه فقد يختار المجابهه،
او عدم المقاومه، حسب شروط الموقف.
توجد امثله كثيره على كون الصبر وسيله لتنقيه هذه القوى
الاربع للنفس البشريه، وتوفر هذه الامثله صوره وفهما
واضحين لاسباب فقدان الناس السيطره على مكنون نفوسهم
بسبب افتقارهم الى خاصتى الصبر والطهر. ان من المهم جدا
تطهير نفوسنا بالصبر حتى تكون هذه النفوس طاهره ونقيه
من كل الموبقات والشرور وخاضعه للفضائل الاخلاقيه، وبهذه
الطريقه فقط نستطيع تهيئه نفوسنا للاخلاص للّه بصوره
مطلقه، وفى هذه الحاله، يكون هدف جهادنا هو النقاء والطهر.
واذا سرنا على الطريق القويم فانه سيقودنا حتما الى مرتبه
رفيعه فى تطبيق الاسلام.
اننا نبلغ اعلى درجه من قوه المخيله بفضل الصبر، والعدل هو
اساس كل القيم الاخلاقيه، وهو الذى يوضح كل القوى الاربع
للنفس البشريه، وهو ايضا الذى يجب ان يسيرنا افرادا
ومجتمعات:
(لقد ارسلنا رسلنا بالبينات وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم
الناس بالقسط وانزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس
وليعلم اللّه من ينصره ورسله بالغيب ان اللّه قوى
عزيز)«الحديد/25».
تشير هذه الايه الكريمه الى ثلاث هبات الهيه هى: الكتاب،
والميزان، والحديد، وترمز هذه الهبات الى العناصر الثلاثه التى
تحافظ على تماسك المجتمع، ويبرز العدل دائما بوصفه وسيله
تضمن لكل فرد الحصول على استحقاقه، وهو ايضا جوهر
علاقتنا الغيبيه مع اللّه، لان اعمالنا فى هذه الدنيا، ووفقا
لمقياس العداله، ستحدد نوع جزائنا او عقوبتنا من الاخره،
ويتطلب عدل النفس الامتناع عن اقتراف المنكر، وهكذا فاننا
عندما نتوصل الى مرتبه الطهر بواسطه الصبر نكون قد بلغنا
ايضا درجه العدل.
ويوجد ايضا عدل اجتماعى، اى العدل فى توفير الحقوق
الاجتماعيه للاخرين فى المجتمع واحترامها، ويفترض بنا الا
نتعدى على حقوق الاخرين حتى تترسخ العداله فى المجتمع،
وقد سعى الانبياء والرسل الى زرع التقوى فى نفوس البشر
حتى يهيمن الحق والعدل على المجتمعات.
وختاما، فان من العدل، ايضا، ان نذكر احباءنا واعزاءنا الذين
توفاهم اللّه الى رحمته الواسعه، وهذا الامر يرتبط ايضا بالفضائل
الاخلاقيه التى يتحلى بها الفرد مثل العطف والاحسان، وبلوغها
يتم ايضا عن طريق الصبر.
وفى ما يتعلق بالصبر علينا ان نتجنب ثلاثه امور هى:
1- نبذ الكسل وانعدام الامل، وبدلا من ذلك مواجهه المصاعب
والشدائد بقوه وشجاعه.
2- عدم الركون الى الملل.
3- ان نوقع اللوم على انفسنا اذا ما اسانا.
وهذه امور يدركها الصابرون، وعندما سال النبى محمد(ص)
بعض اصحابه عن درجه ايمانهم اجابوا بانه الصبر فى المحن،
وشكر اللّه على نعمه والقبول بما هو خارج عن ارادتهم
وسيطرتهم، وقد وصف الرسل بانهم حكماء وعالمون.القسم الخامس:علم النفس الاجتماعى للصبر
الصبر والمعرفه
ينتج عن تفاعل الصبر والتنوير، او الهدايه، اعلى درجات السمو
الروحى التى يمكن بلوغها، ويوصف القرآن بالكتاب المنير الذى
يهدى الى السلوك الاقوم:
(فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك، جاءوا بالبينات والزبر
والكتاب المنير)«آل عمران/184».
ويجب عدم الخلط بين التنوير الاسلامى وبين ما يسمى بعصر
التنوير الذى يشير الى حركه فكريه فى اوروبا اثناء القرن الثامن
عشر.
عصر التنوير (المضاد للاسلام)
يطلق عصر التنوير على الحركه الفكريه التى راجت، فى القرن
الثامن عشر فى دول اوروبا وبالاخص انجلترا وفرنسا والمانيا
وايطاليا، حيث عمد الكتاب الاوروبيون الى تحدى الفكر الدينى
المسيحى بهدف تخليص العقول من الاهواء ومن ربقه
السلطات غير المسووله والاضطهاد الفكرى للكنيسه او الدوله،
وكان لهذه الحركه التى شككت فى التقاليد والقوالب الفكريه
المهيمنه واسست الاتجاه نحو الفرديه والتجريبيه نتائج كثيره
منها دينيه وسياسيه وعلميه واخلاقيه وحتى جماليه، وقد كان
من بين رواد الحركه واتباعها ملحدون اكدوا على ضروره
تخليص العقل البشرى من هيمنه الفكر السلطوى المتحجر،
وحتى الذين لم يصل به نبذ الدين الى حد الكفر بوجود اله
مطلق دعوا الى احترام حق الانسان فى تسيير اموره وتقرير
مصيره حسب استطاعته. وقد هدد هذا الهجوم العنيف على
الكنيسه المسيحيه وعقائدها وجود الديانه المسيحيه نفسها.
التنوير الاسلامى
يعنى التنوير بالنسبه للمسلمين شيئا، او طريقا مختلفا، يجب
علينا، نحن المسلمين، ان نستعمل قوانا العقليه لايجاد
الحقائق الثابته لان التقليد الاعمى مرفوض، ويجب على
الانسان ان يتساءل ان كانت افكاره وقيمه متجانسه مع التشريع
الالهى المبين فى القرآن الكريم، ومن المستحيل للعقل ان
يتجاوز ويتخطى حدود الاسلام لانه لا يوجد تناقض بين العقل
والاسلام، بل على العكس فالعقل يودى بنا الى طريق الاسلام،
ويحثنا الاسلام على طلب العلم من المهد الى اللحد، بينما
كان المرء وفكره مقيدين قبل ظهور الاسلام، وعندما كان المرء
يواجه بتناقض بين عقيدته (غير الاسلاميه) وعقله كان يفرض
عليه اتباع العقيده ورفض العقل، ما ولد قيودا على النفس
البشريه (وهذا ما تصدت له حركه التنوير فى اوروبا)، ولكن
الاسلام فتح ابواب العقل بتاكيده على ان كل المعرفه
والحقيقه تنبع من اللّه، لذا فان البحث عن المعرفه والحقيقه
يقودنا الى الاسلام.
كان عصر التنوير، فى القرن الثامن عشر، رده فعل على القيود
الدينيه على التفكير العقلى، اما الاسلام فلا يضع مثل هذه
القيود او الحدود لانه الثمره المتكامله للعقل، فاللّه هو مصدر
النور والمعرفه، وحتى يكون الانسان متنورا فى الاسلام يجب
عليه ان يحصل على المعرفه الروحيه فى بحثه عن الحقيقه
والفهم والحكمه، وهذا البحث يتطلب التزاما عقليا ولا يتم
ذلك الا اذا صبر الفرد.
ان المنظور الواقعى للتنور وطلب المعرفه الذى يقدمه لنا
الاسلام يتيح للانسان فهم نفسه بشكل افضل ويحرره من
الجهل والضياع فى الوقت نفسه، وهكذا اصبح الانسان قادرا
على اثبات هويته وكرامته.
ان الجبن وعدم الصبر نقيصتان مقارنه بالشجاعه والصبر،
ولناخذ مثلا انسانا اصيب بالعمى من مستهل حياته، وليس
لديه امل باسترجاع بصره، ولكن تبقى امكانيه تمتعه بحياه
طيبه، وفيما عدا فقدانه البصر فان صحته جيده ولديه اموال
ومن حوله اناس طيبون يحبونه، ولكنه قد يخاف من معامله
الاخرين له. لقد كان فى الماضى - وقبل اصابته بالعمى - يرثى
لفاقدى البصر ثم صارت ترعبه فكره كونه انسانا مثيرا للشفقه،
ويدفعه الخوف من المهانه الى الهروب والاختفاء عن العالم،
ومع ان هناك من يوكد له بان باستطاعته استرجاع سيطرته
السابقه على حياته والعيش المستقل لو بذل بعض الجهد
وتمسك بالمرونه، ولكنه يشك فى قدرته على تعلم طريقه
جديده من الحياه، وسيبقى ضائعا لانه خائف من محاوله التعلم
واحتمال الفشل اكثر من الخوف نفسه.
يفتقر الاعمى، فى هذا المثال، الى الصبر على المهمه العسيره
التى تواجهه بسبب فقدانه البصر، ولا يوجد قدر من الشجاعه او
الحظ يعوضه عن افتقاره لفضيله الصبر. ان ما يحتاجه هو
التنوير من خلال الصبر لانه يودى الى تهذيب المشاعر التى
تهدد الفرد بفقدان السيطره على عمل الخير واختيار افضل
السبل فى مثل هذه الظروف. ان الشجاعه تهذب وتسيطر على
الخوف الذى قد يجعل المرء جبانا، وكذلك الثقه العاليه التى
تجعلنا متهورين. ومن خلال الصبر نسيطر على الغضب وفقدان
الامل بحيث نستطيع الالتزام بالخير فى وجه فقدان الصبر او
عدم الاكتراث.
يتفاعل الصبر والتنوير من خلال فضائل الحق والفهم والمعرفه
والحكمه، وتزداد قوه هذا التفاعل بوجود الادراك الذاتى
واحترام الذات.
الادراك الذاتى او صوره الذات
ان لادراك الذات تاثيرا قويا على سلوك الفرد، وقد يكون ذلك
اقوى مصدر للتاثير، ويمتلك الانسان استعدادا ومقدره للسعى
من اجل تحسين وضعه.
(وان ليس للانسان الا ما سعى)«النجم/39».
يطور الانسان صورته، او نموذجه الذاتى، حتى يحصل على
الثقه ويشعر بالرضا عن نفسه، ولكن توجد حدود يجب عدم
تجاوزها، ومن ذلك ان يسعى الى تحسين هذا النموذج خارج
الحدود التى وضعها الاسلام، وبالتالى فقد يصبح انانيا، بخيلا،
مقامرا او سكيرا او غير ذلك ويحكم على نفسه بالفشل (لانه
سعى الى تقليد نماذج غير اسلاميه ارضاء لضغوط اجتماعيه
مثلا)، اذا يجب ان تتجه صوره الذات، او نموذجها، الى تحقيق
الصبر والكمال ضمن الاسلام، واحدى طرق التوصل الى ذلك
هى عمل الخير.
(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان اللّه لمع
المحسنين)«العنكبوت/69».
الثقه بالنفس
ان السيطره على الميل الى الثقه بالنفس والاعتداد بها تساعد
فى تكوين صوره الذات وتشكيلها، ويعنى هذا ان ينظر المرء الى
الحياه وما يحيط به باحترام وحب، وكلما ازدادت ثقتنا بانفسنا
واحترامنا لها ازداد قدرتنا على ان نكون مسلمين صالحين،
والذين يتمتعون بهذه الخصله مستعدون للتجربه والمخاطره،
وكل خطوه تعلمهم شيئا جديدا، ولكن علينا ان ندرك ان ذلك
يتطلب صبرا ايضا.
ان التحلى بالصبر والتحمل شرط اساسى لتطورنا كمسلمين،
وينبع هذا الصبر والقوه من احترام الذات ايضا الذى يساعد فى
المحافظه على توازننا الداخلى واستخلاص العبر من تجاربنا،
وهو اخيرا يوفر لنا مجموعه من التوقعات، تعلمنا وتهيئنا
للتصرف تحت ظروف مختلفه، وتساعدنا على ادراك تصرفات
الاخرين وفهمها فى ظروف مختلفه.
تحقيق الذات
ان بلوغ اعلى درجات الايمان والعمل فى الاسلام يتطلب
التزاما وصبرا، فيجب علينا اولا ان نكون ملتزمين لكى نستطيع
تخصيص وتبين الجهد الكافى وبذله لتعلم مبادى الاسلام
وفهمها، وهذا يودى الى تحقيق الذات والى الرضا النفسى،
وتبين المعرفه والفهم الاتجاه المناسب لبلوغ هذه الغايه، اما
الحكمه فتساعد فى الوصول بتحقيق الذات الى اعلى مستوى
ممكن.
(وانزل اللّه عليك الكتاب والحكمه وعلمك ما لم تكن تعلم،
وكان فضل اللّه عليك عظيما)«النساء/113».