هذا اول وصف مستفيض لبقعه من جبل عامل يكتبه ابن جبير، بل اول وصف يكتبه رحاله يمر فى جبل عامل. والوادى لا يزال حتى اليوم يحمل الاسم نفسه الذى ذكره ابن جبير (وادى الاسطبل)، وفى ما يلى من اقوال ابن جبير، سنرى ان ما كتبه يعد اول وصف للوضع العام لحياه العامليين، واول نص عن وجود الشيعه فيه. فهو - وان لم يقل انهم شيعه-فان من تاخر عنه فى الزمن قليلا حين استرداد البلاد من الصليبيين، نص على انهم كانوا شيعه.

ثم يقول ابن جبير: (فاجزناه (وادى الاسطبل) الى حصن كبير من حصون الافرنج يعرف بتبنين، وهو موضع تمكيس القوافل وصاحبته تعرف بالملكه هى ام الملك صاحب عكه).

ولا نريد هنا ان نعرض لتاريخ الصليبيين فى تلك الحقبه، وفى تلك المنطقه بالذات، ولا من هى الملكه ومن هو ولدها فليس هذا الان من شاننا، وانما سنلم بذلك التاريخ الماما بقدر ما يتصل بموضوعنا.

ويتابع ابن جبير الحديث قائلا: (فكان مبيتنا فى اسفل ذلك الحصن...).

وبعد ان يتحدث عما جرى هناك من دفع الضرائب وغير ذلك...

يقول: (ورحلنا من تبنين سحر يوم الاثنين...).

وهنا يكون ابن جبير قد صار فى صميم جبل عامل، ولكن قافلته لم تسلك الطريق المستقيم الموصل الى صور ماره بالعديد من قرى جبل عامل حتى صور، بل سارت باتجاه عكا، ومع ذلك فهى ستمر بقرى عامليه حتى فلسطين...

ولم يستغرق الطريق من تبنين حتى مشارف عكا وقتا طويلا، فان القافله التى سارت من تبنين سحر يوم الاثنين، كانت فى اليوم نفسه تصل الى ضيعه من ضياع عكا على مقدار فرسخ منها فتبيت فيها ثم تغدو واصله عكا صباحا.

والذى يهمنا هو وصف ابن جبير لحال العاملين، حين مروره بهم، فى قراهم، فى تلك المسافه القصيره من تبنين حتى تخوم فلسطين.

يقول ابن جبير: (رحلنا من تبنين، وطريقنا كله على ضياع متصله وعمائر منتظمه، سكانها كلهم مسلمون، وهم مع الافرنج على حاله ترفيه، نعوذ باللّه من الفتنه، وذلك انهم يودون لهم نصف الغله عند اوان ضمها، وجزيه على كل راس دينار وخمسه قراريط، ولا يعترضونهم فى غير ذلك، ولهم على ثمر الشجر ضريبه خفيفه يودونها ايضا ومساكنهم بايديهم وجميع احوالهم متروكه لهم).

وقبل ان نتبين حقيقه هذا الوضع نريد ان نقول: ان هناك من حسب انه استطاع ان يجد، فى هذا القول، مغمزا يتهم فيه شيعه جبل عامل بالتعاون مع الصليبيين، فكان بذلك كمن ترك من الايه القرآنيه: (لا تقربوا الصلاه وانتم سكارى) «النساء/44»، ترك منها شطرها الثانى: (وانتم سكارى)، وعمل بشطرها الاول: (لا تقربوا الصلاه).

ان ابن جبير يتمم كلامه قائلا: (وكل ما بايدى الافرنج، من المدن بساحل الشام، على هذا السبيل: رساتيقها كلها للمسلمين، وهى القرى والضياع).

وعلى هذا فان كان هناك من مواخذه فانها تطول جميع مسلمى الرساتيق الساحليه لا الشيعه منهم فقط. والحقيقه هى ان الجميع بريئون من المواخذات. وكل ما فى الامر انه عندما دعا البابا اربان الثانى نصارى اوروبا الى الزحف الى القدس كانت جمهره المستجيبين من الفلاحين لا سيما من فرنسا.

وكان هولاء الفلاحون فى بلادهم مستعبدين شر الاستعباد، فلما وصلت جموع الصليبيين الى بلاد الشام وكانت بحاجه الى القوت، طلب الى الفلاحين المصاحبين لها ان يتولوا استنبات الارض فرفضوا ذلك خوفا من ان يعودوا الى حياه الرق التى كانوا عليها فى بلادهم، فاضطر قاده الصليبيين الى ان يتفقوا مع اصحاب الارض على بقائهم فى ارضهم وفق الشروط التى ذكرها ابن جبير، وقد شمل هذا البقاء وهذه الشروط التى ذكرها ابن جبير، جميع (رساتيق) المدن التى بساحل الشام ولم تختص بجبل عامل وحده. والذى يثير اهتمامنا فى قول ابن جبير فوق الذى تقدم ما جاء فى آخر كلامه: (وجميع احوالهم متروكه لهم).

فما هى هذه الاحوال التى ظلت متروكه لهم؟ هل كان، بين هذه الاحوال، الحال التعليميه؟ ولكن قبل ان نسال هذا السوال، علينا ان نسال: هل كان للشيعه فى جبل عامل يومذاك حال تعليميه؟ هذا ما نحاول هنا الاجابه عنه: من اقدم من وصلتنا اخباره، من العامليين، هو الشيخ جمال الدين ابراهيم بن الحسام ابى الغيث العاملى، وهو الذى رثى ابا القاسم بن الحسين العود الاسدى فى سنه 670ه 1271م. وابو القاسم هذا عراقى الاصل جاء الى حلب فى عهد النقيب عز الدين مرتضى، فاسى‏ء اليه اساءات مبعثها التعصب المذهبى، ما اضطره للنزوح الى جزين، حيث مات فيها سنه 679ه 1280م، ورثاه ابن الحسام بقصيده مطلعها:

عرج بجزين يا مستبعد النجف ففضل من حلها يا صاح غير خفى ولكى نعلم ما كان عليه امر جزين (العامليه) فى ذلك الحين نضطر لنقل ما ذكره الذهبى، فى مختصر تاريخ الاسلام، وهو يصف حادث حلب الفظيع واضطرار ابن العود للذهاب الى جزين: (... وتسحب ابن العود من حلب، ثم انه اقام بقريه جزين ماوى الرافضه فاقبلوا عليه).

ويمكن تحديد زمن انتقال ابن العود من حلب الى جزين بما ذكره ابو ذر فى كتابه (كنوز الذهب فى تاريخ حلب) الذى جاء فيه، وهو يتحدث عن هذه القصه: (وقال القاضى شهاب الدين محمود: انا اذكر هذه الواقعه وانا بحلب بعد سنه 650ه 1252م).

اذن فان جزين كانت حافله بالعامليين الشيعه بعد سنه 650ه 1252م.، وهذا يدل على انها كانت حافله بهم قبل هذا التاريخ، ونحن نعلم ان جلاء الصليبيين النهائى عن جبل عامل كان سنه 666ه 1267م، وكانوا قد جلوا قبل ذلك سنه 583ه 1187م. ثم عادوا.هذا باستثناء مدينه صور التى لم يجلوا عنها الا سنه 690ه 1291م.

ومن القدامى الذين وصلت الينا اخبارهم، من العلماء العامليين، الشيخ نجم الدين طومان بن احمد المنارى، والاخبار الواصله الينا عن هذا العالم العاملى ليست كثيره، ولكنها ذات اهميه كبرى، فالذين ذكروه قالوا انه توفى سنه 728ه 1327م، وانه رحل الى العراق لطلب العلم فى مدينه الحله وانه من اساتذه الشيخ مكى والد الشهيد الاول محمد بن مكى، وبين وفاه الشيخ طومان وبين جلاء الصليبيين اثنان وستون سنه، ولم يشر المورخون الى سنه مولد طومان، ولكن مهما افترضنا قصر حياته، ولعلها لم تكن قصيره بل طويله، فاننا نستطيع ان نستنتج ان رحلته الى العراق كانت خلال الاحتلال الصليبى، وليس من المعقول ان يرحل جاهلا، فلا بد انه كان على مقدار من التحصيل مهما كان شانه، وهذا يدل على ان دراسه كانت قائمه فى جبل عامل خلال الاحتلال، وان هذه الدراسه امكنها ان تعد طلابا للذهاب الى العراق لمواصله الدرس، وكان طومان واحدا منهم.

يمكن ان نضيف الى ذلك ان الذين ترجموا للشهيد الاول ذكروا انه ابن الشيخ جمال الدين مكى بن الشيخ شمس الدين محمد بن حامد. فقد وصف كل من ابيه وجده بالشيخ، ولقب الاول بجمال الدين والثانى بشمس الدين، ولم يوصف ابو جده ولم يلقب. ولنا ان نستدل بذلك على انهما كانا من اهل العلم مما لم يكنه ابو جده، والا لما وصفا ولقبا على عاده اهل العلم، ولم يوصف ولم يلقب ابو الجد.

وقد راينا ان والد الشهيد هو تلميذ الشيخ طومان الذى عاش فى الاحتلال، فيكون جد الشهيد قد درس فى جبل عامل خلال الاحتلال.

وهكذا نستطيع القول ان العامليين تغلبوا على محنه الاحتلال وعلى ما حملتهم اياه تلك المحنه من ضيق وتضييق، وقد راوا ان يوسسوا مدارسهم وان يحتفظوا بوجودهم كاملا لا ينقصه الجهل المودى الى الذوبان والانحلال، وان يظلوا امناء على رسالتهم الفكريه الاصيله.

وهكذا يمكننا ان نجيب عن السوالين الذين طرحناهما فى اول الكلام: انه كان للشيعه فى جبل عامل، خلال الاحتلال الصليبى، حال تعليميه، وان هذه الحال من الاحوال التى قال ابن جبير انها كانت متروكه لهم... واذا صح هذا الذى نقوله فانه يبقى علينا ان نحدد هذه الحال، وان نقدر انتاجها العلمى.

الذى نستنتجه، من مجرى الاحداث، ومن الاسماء التى وصلتنا من تلك الحقبه، هو ان كل ما استطاع العامليون ان يفعلوه هو ان يحاربوا الاميه اولا، ثم ان تخرج مدارسهم من يلمون بقواعد اللغه العربيه مع شى‏ء من مبادى‏ء الفقه واحكامه، وان الامر لم يعد هذا. وعندما يكون بين ولاده الشهيد سنه 734ه 1333م وبين جلاء الصليبيين جلاء نهائيا عن جبل عامل (سنه 690ه 1291م) 56 سنه ندرك لماذا سافر الشهيد الى العراق لطلب العلم وهو لم يتجاوز السادسه عشره من عمره. فتلك المده الممتده من سنه 690ه 1291م الى سنه 734ه 1333م. لم تستطع ان تعد اساتذه اكفياء يمكنهم تخريج طلاب مزودين باكثر من المبادى‏ء الاولى من العلوم الاسلاميه وعلوم اللغه العربيه، فكان على من يريد الاستزاده من المعرفه وبلوغ المراتب العليا فى الفقه وعلوم الدين ان يمضى بعيدا الى العراق، حيث معاهد العلم العليا فى النجف الاشرف وفى الحله.

ظهور تيمورلنك

فى الوقت الذى كان فيه امر برقوق قد انتظم، واستقرت له الامور فى مصر ومعها بلاد الشام، كان ظهور تيمورلنك.

ووردت الاخبار الى مصر بان تيمورلنك اخذ تبريز وشيراز، وركب برقوق الى الشام، وجاءه فى حلب قاصد من عند (ابن عثمان)، ومعه مطالعات مضمونها ان يكون هو (ابن عثمان) والظاهر برقوق يدا واحده على دفع تيمورلنك، فاجابه الظاهر الى ذلك، ورد له الجواب بما يطيب به خاطره، ثم حضر اليه قاصد (طقتمش خان)، صاحب بسطام، وعلى يده مطالعات تتضمن ما قاله (ابن عثمان) فاجابه الظاهر الى طلبه. وكان تيمورلنك قد كتب الى الظاهر برقوق يطلب اليه تسهيل الحركه التجاريه واقامه علاقه بين البلدين، لكن سلطان المماليك استخف بتيمورلنك ورد عليه بقتل رسله ((35))فارسل هذا اليه كتابا ثانيا مملوءا بالتهديد والوعيد، ينكر عليه قتل رسله، فرد عليه برقوق بكتاب مماثل.

كتاب تيمور الى الملك الظاهر برقوق بعد قتل رسله((36))

(بسم اللّه الرحمن الرحيم، قل: اللهم، فاطر السموات والارض، عالم الغيب والشهاده، انت تحكم بين عبادك فى ما كانوا فيه يختلفون، اعلموا اننا جند اللّه فى ارضه، مخلوقون من سخطه، مسلطون على من يحل عليه غضبه، لا نرق لشاك ولا نرحم عبره باك، قد نزع اللّه الرحمه من قلوبنا، فالويل ثم الويل لمن لم يكن من حزبنا. قد خربنا البلاد، ويتمنا الاولاد، واظهرنا فى الارض الفساد، خيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، وسهامنا خوارق، وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، وجارنا لا يضام. من سالمنا سلم، ومن رام حربنا ندم، فان انتم قبلتم شرطنا واطعتم امرنا فلكم مالنا وعليكم ما علينا، وان خالفتم وعلى بغيكم تماديتم فلا تلوموا احدا الا انفسكم، وذلك بما كسبت ايديكم، فالحصون لا تمنع، والعساكر لا ترد ولا تدفع، لانكم اكلتم الحرام وضيعتم الجمع فابشروا بالذله والهوان (...فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون فى الارض بغير الحق وبما كنتم تفسقون) «الاحقاف/20». وتقولون انه قد صح عندكم اننا كفره، فقد ثبت عندنا انكم فجره، وقد سلطنا عليكم من بيده امور مدبره، واحكام مقدره، فعزيزكم عندنا ذليل وكثيركم لدينا قليل، وقد اوضحنا لكم الخطاب، فاسرعوا برد الجواب قبل ان يكشف الغطا، ويدخل علينا منكم الخطا، وترمى الحرب نارها، وتلقى اوزارها، وتدهون منا باعظم داهيه، ولا يبقى لكم باقيه وينادى عليكم منادى الفناء (هل تحس منهم من احد او تسمع لهم ركزا)«مريم/98» الان قد انصفناكم اذ راسلناكم، فردوا رسلنا بجواب هذا الكلام، والسلام).

فكان جواب برقوق انه امر بقتل الرسل فقتلوا.

ويستوقفنا هذا الكتاب المرتبط بالاحداث السابقه امام عده ظواهر فيه:

1- وجود كتاب عرب، او مستعربين بلغاء، فى ركاب تيمور، يكتبون مثل هذا الكتاب، ويستشهدون فيه بايات القرآن الكريم، ويتحدثون حديث الفقه ممزوجا بحديث الجبروت.

2- على الرغم من ان الذين ذكروا هذا الكتاب لم يقولوا ان تيمور ارسله الى برقوق بعد قتل برقوق لرسل تيمور اول مره، فنحن نرى ذلك لان قول تيمور فى كتابه: (تقولون انه قد صح عندكم اننا كفره فقد ثبت عندنا انكم فجره) صريح فى انه جواب على نعت برقوق لهم بالكفره.

3- الاستهانه بالاقرار بانهم لا يرقون لشاك ولا يرحمون عبره باك، وانهم قد نزع اللّه الرحمه من قلوبهم، وبانهم خربوا البلاد ويتموا الاولاد واظهروا فى الارض الفساد، والتباهى بهذا، يدلك على الحال التى وصل اليها حكام المسلمين، والصحيح ان نقول الحال التى استمر عليها اولئك الحكام منذ ما قبل العام الهجرى 41 حتى العام 796ه، اى منذ صدور الاوامر من معاويه بن ابى سفيان الى قائديه بسر بن ارطاه وسفيان بن عوف بالقتل العام والنهب العام فى الانبار والحجاز واليمن، ومجازر زياد بن سميه ومجازر الحجاج بن يوسف واستمرار ذلك حتى عهد تيمورلنك. والفرق بين من سبق تيمور، منذ العالم 41ه حتى العام 796ه، ان هذا لم ينافق كما نافق من سبقه ولم يدع ما ليس فيه، بل كان صريحا واضحا معلنا حقيقه نفسه! صحيح ان هذا الذى يعلنه تيمور انما يراد به التهديد والوعيد، ولكن الصحيح ان التباهى به شى‏ء فظيع، والذى يتفق فيه الطغاه منذ العام 41ه حتى العام 796ه وما بعده انهم جميعهم يقولون انهم جند اللّه.

4- نفهم من مجرى الاحداث ان تيمور لم يكن البادى‏ء بالشر، ولنا ان نقول: انه لم يكن فى ذهنه غزو بلاد الشام لولا قتل برقوق لرسله، وان المسوول عن ذلك الغزو وما جره على بلاد الشام من الويلات هو الظاهر برقوق بخروجه على ابسط قواعد الاعراف الانسانيه العالميه، من ان الرسل لا تقتل.

جواب ‏الظاهر برقوق((37))

(بسم اللّه الرحمن الرحيم، قل: اللهم مالك الملك، توتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، وبيدك الخير انك على كل شى‏ء قدير. حصل الوقوف على كتاب مجهز من الحضره الايلخانيه والسده العظيمه الكبيره السلطانيه قولكم انكم مخلوقون من سخطه مسلطون على من يحل عليه غضبه وانكم لا ترقون لشاك ولا ترحمون عبره باك وقد نزع اللّه الرحمه من قلوبكم، فذلك من اكبر عيوبكم وهذه صفات الشياطين لا صفات السلاطين (قل يا ايها الكافرون لا اعبد ما تعبدون) «الكافرون/1-2». ففى كل كتاب لعنتم، وعلى لسان كل رسول بالسوء ذكرتم، وبكل قبيح وصفتم، وعندنا العلم بكم من حين خلقتم وانتم الكفره كما زعمتم، الا لعنه اللّه على الكافرين. نحن المومنون حقا لا يدخلنا عيب ولا يخامرنا ريب. القرآن على بيتنا نزل، والرب بنا رحيم لم يزل.

انما النار لكم خلقت، ولجلودكم اضرمت اذا السماء انفطرت.

ومن اعجب العجب تهديد الرتوت باللتوت والسباع بالضباع والكماه بالكراع. ونحن خيولنا برقيه وسهامنا يمنيه وسيوفنا شديده المضارب وذكرنا فى المشارق والمغارب. ان قتلناكم فنعم البضاعه وان قتلنا فبيننا وبين الجنه ساعه (ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل اللّه امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون) «آل عمران/169». وقولكم: قلوبنا كالجبال وعددنا كالرمال، فالقصاب لا يبالى الغنم، وكثير الحطب يكفيه قليل من الضرم (كم من فئه قليله غلبت فئه كثيره باذن اللّه واللّه مع الصابرين) «البقره/249». الفرار الفرار من الرزايا لا من المنايا ونحن من الطمانينه على عاده الامينه، ان قتلنا فشهداء، وان عشنا كنا سعداء (فان حزب اللّه هم الغالبون) «المائده/56». ابعد امير المومنين وخليفه رسول رب العالمين تطلبون منا طاعه، لا سمعا ولا طاعه. وطلبتم ان نوضح لكم امرنا قبل ان ينكشف الغطا ويدخل علينا الخطا. هذا الكلام فى نظمه تركيك وفى سلكه تفكيك، لو كشف لبان بعد البيان اكفر بعد ايمان واتخاذ رب ثان؟! (لقد جئتم شيئا ادا× تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا) «مريم/89-90» قل لكاتبك الذى وضع رسالته ووصف مقالته وصل كتاب كصرير الباب او كطنين الذباب (سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا) «مريم/79»).

يقول الدحلانى: فلما وصل الكتاب الى تيمور غضب غضبا شديدا. وحين نقارن بين الكتابين نرى ان الاسلوب البيانى فيهما واحد، وان لا تعقيد فى تركيبهما ولا قعقعه الفاظ وتكلف اسجاع، فاذا ورد السجع وكثيرا ما يرد يرد مقبولا. وحين نتصور بعد المسافه ما بين مصدر الكتابين يتبين لنا ان ذاك البعد البعيد، بين حاضرتى الملكين، لم يمنع من تقارب اسلوب الكتابه بينهما.

وهذان الكتابان يمثلان ظاهره من ظواهر تاريخ الادب العربى فى العصور جديره بالتتبع والتقصى والدرس من المختصين بذلك التاريخ.

على ان الطرافه، فى كتاب برقوق، هى انه يبداه مهذبا، فيذكر (الحضره الايلخانيه والسده العظيمه الكبيره السلطانيه). ثم ينصرف عن هذا التهذيب، فيقول اقوالا من اقلها عنفا واقذاعا:

(فى كل كتاب لعنتم، وبكل قبيح بالسوء وصفتم).

ومع ان الملكين ليسا عربيين فقد كان تراسلهما باللغه العربيه، وهذا يدلنا على ان الامر كما نقول اليوم: ان اللغه العربيه كانت فى ذلك العصر هى اللغه الرسميه... كانت اللغه الرسميه مع زوال سلطان العرب وانقضاء ملكهم.

ويصح لنا القول: ان تيمور كان يجهل اللغه العربيه وان شعبه كان شعبا غير عربى. ومع ذلك فان كتابه كتب باللغه العربيه على عكس برقوق فقد كان لا يجهل العربيه لانه، وان كان غير عربى، فانه نشا وعاش فى وسط شعب عربى.

وقد كان الظاهر برقوق قد استعد للقاء تيمور، فعن تاريخ ابن اياس انه، فى سنه 789ه/1387م، حضر الى الابواب الشريفه الامير طغاى، وكان قد توجه الى بلاد الشرق لمعرفه اخبار تيمورلنك، فاخبر السلطان ان جاليش (اعلام) تيمور قد وصل الى الرها وكسر قرا محمد امير التركمان، وان بوادر عسكره قد وصلت الى ملطيه، فامر السلطان بعقد مجلس بالقصر الكبير، وطلب القضاه الاربعه والخليفه وشيخ الاسلام عمر البلقينى واعيان المشايخ المفتين والامراء، فتكلم السلطان فى اخذ مال الاوقاف، فلم يوافق شيخ الاسلام ولا القضاه الاربعه على ذلك، فشكا السلطان خلو الخزائن، فوقع جدال عظيم ودافعوا السلطان واغلظوا له، ثم اتفقوا على ان يوخذ من الاوقاف اجره الاماكن وخراج الاراضى سنه كامله، ورسم السلطان لمحتسب القاهره ان يتولى جبى الاموال من الناس، ورسم باخذ زكاه الاموال من التجار، وندب الى ذلك القاضى الحنفى. وفى رجب سنه 789ه /1387م، خرجت التجريده من القاهره فى تحمل زائد واستمرت من الصبح الى قريب الظهر. واشتد الامر على الناس، وجبيت الاموال منهم غصبا بالعصا فى يوم واحد، ثم جاءت الاخبار برجوع تيمور الى بلاده وان ولده قتل، فسكن الناس، ورسم السلطان برد ما اخذ منهم.

وفى هذا النص الذى اخذناه بكامله عده امور تلفت النظر:

1- ان الخليفه يدعى كسائر الناس الى الموتمر الذى عقده برقوق، ثم لا يكون له راى فى كل ما يجرى، فقد لزم الصمت وترك الاخرين يتجادلون ويقررون.

2- وجود منصب دينى كبير يسمى من يتقلده (شيخ الاسلام).

وعلى هذا فليس الاتراك العثمانيون هم الذين اوجدوا هذا المنصب فى عهدهم، بل سبقهم اليه المماليك. واذا كنا قد عرفنا صلاحيه شيخ الاسلام العثمانى فاننا نجهل صلاحيه شيخ الاسلام المملوكى.

3- استقلال راى شيخ الاسلام وآراء القضاه الاربعه وشجاعتهم فى الوقوف بوجه السلطان، ومنعه من الاستيلاء على الوقف، فى حين ان الخليفه لم يبد ولم يعد فى هذا الامر وسلم به.

ولم يكتف شيخ الاسلام والقضاه الاربعه بمعارضه السلطان بل دافعوه واغلظوا له، بنص ابن اياس.

4- غربه الشعب عن هذا كله، فالناس يرون ان يطلب منهم الاموال لتغذيه حرب لا ناقه لهم فيها ولا جمل، بل ان السلطان اوقعهم فيها بطغيانه حين قتل رسل تيمورلنك، وكانوا فى غنى عن ذلك لهذا تمردوا على دفع الاموال، ولم تجب منهم الا بالعصا.

اما رجوع تيمور عن قصد برقوق بعد ان كان متوجها اليه، فقد ذكر ابن عربشاه سببه كما يلى: فى 7 ذى القعده سنه 796ه /1393م، رحل تيمور واستصحب معه الملك الطاهر صاحب ماردين وحبسه فى مدينه (سلطانيه)، وحبس معه من امرائه الامير ركن الدين و عزالدين السليمانى واستنبوغا وضياء الدين، وضيق عليه ومنعه من مكاتبه اهله بحيث بقى سنه لا يعرف له خبر. ثم وفدت الملكه الكبرى الى سلطانيه وخففت عنه، واذنت له بمراسله اهله ونصحته بالدخول فى طاعه تيمور. قال:

(وكان سبب خروج تيمور انه بلغه ان فيروز شاه سلطان الهند قد توفى وليس له ولد، واحوال بلاد الهند مضطربه، فراى ان توجهه الى بلاد الهند والاستيلاء عليها اولى من مجيئه الى الديار المصريه فكر راجعا الى بلاد الهند واستولى عليها. ولما بلغ برقوق رجوع تيمور الى بلاده رجع هو الى مصر ورجع القان احمد بن اويس الى بغداد).

على ان رجوع تيمور عن قصد بلاد الشام كان رجوعا موقتا، فهو لا يمكن ان ينسى الاهانه التى لحقته بقتل برقوق لرسله وما وجهه اليه من شتائم فى رسالته.

انه، فى الاصل، لم يكن ينوى غزو بلاد الشام التى كانت تابعه لحكم برقوق فى مصر، بل على العكس من ذلك، تودد اليه وراسله مراسله تحمل طابع الت‏الف كما راينا فى ما تقدم من القول.

استقرار تيمور

عندما قصد تيمور بغداد هرب السلطان احمد بن اويس، المتغلب عليها، الى الشام، وذلك فى شهر شوال من سنه 795ه. ووصلها تيمور فى 21 منه، ثم خرج منها قاصدا ديار بكر واذربيجان وتساقطت بعد ذلك عده مدن فى يده.

وسار احمد بن اويس الى الرحبه ((38))فحلب، فلما بلغ الظاهر برقوق وهو فى مصر خبره ارسل اليه الاقامات ووجه اليه من يستقبله من الامراء، وذلك كرها بتيمور.

ووصل الى برقوق رسول السلطان بايزيد العثمانى حاملا له هدايا عظيمه، واخبره بامر تيمور وحذره من الغفله فى امره.

فاوعز برقوق الى والى القاهره بالنداء للعسكر بالعرض فى الميدان، وتكررت المناداه ثلاثه ايام بان لا يتاخر عن العرض كبير ولا صغير.((39)) وكان تيمور قد استولى على ديار بكر والرها، وارسل الى القاضى برهان الدين احمد، حاكم سيواس وقيصريه وتوقات، ان يخطب باسم محمد خان بن (سيور غاتمش خان) واسم تيمور ويضرب السكه باسمه، فلم يجبه القاضى بشى‏ء، بل قتل بعض رسله وقطع رووسهم وعلقها فى اعناق من بقى منهم وشهرهم وارسل قسما منهم الى الظاهر برقوق وقسما الى السلطان بايزيد العثمانى، فارسل اليه بايزيد يشكره على ذلك.

فلما بلغ تيمور ما جرى على رسله غضب غضبا شديدا.

ثم وصل احمد بن اويس الى مصر فى ربيع الاول سنه 786ه مستصرخا الظاهر برقوق، فنادى برقوق فى عسكره بالتجهيز الى الشام((40)) واستخلف على القاهره النائب سودون، وارتحل على تعبئه، ومعه احمد بن اويس، ودخل دمشق آخر جمادى الاولى، وكان قد اوعز الى جلبان نائب حلب بالخروج الى الفرات واستنفار العرب والتركمان للاقامه هناك رصدا للعدو، فلما وصل دمشق وفد عليه جلبان ثم رجع، وبعث برقوق العساكر مددا له.

وكان تيمور قد شغل بحصار ماردين فاقام عليها شهرا وملكها، وامتنعت عليه قلعتها فارتحل الى ناحيه بلاد الروم ومر بقلاع الاكراد فاغارت عساكره عليها واكتسحت نواحيها.وبرقوق لهذا العهد وهو شعبان سنه 796ه /1393م مقيم فى دمشق. ويقول ابن اياس: ان برقوق وصل دمشق مع القان احمد بن اويس يوم الاثنين 12 ربيع الاخر فنزل بالقصر الابلق الذى فى الميدان، ثم توجه الى حلب، فحضر اليه قاصد من السلطان بايزيد بن عثمان بان يكون هو (بايزيد) وبرقوق يدا واحده على دفع تيمور. ثم حضر اليه قاصد طقتمش خان صاحب بسطام بمثل ذلك فاجابهما بالقبول، وبلغه وهو بحلب ان جاليش عسكر تيمور قد وصل البيره.

نظره فى هذه الاحداث

نرى، فى ما سبق عرضه، انه اذا كان تيمور قد فعل ما فعل من القتل فى بلاد الشام، فان القاضى برهان الدين احمد، حاكم سيواس، قد سبقه الى ذلك وجراه عليه واوجد له المسوغ.

فهذا القاضى الحاكم الذى يستحل قتل الرسل، ثم يعلق رووس من قتلهم فى اعناق من لم يقتلهم ويشهرهم ويرسل بعضهم بهذه الحاله الى برقوق، وبعضهم الى السلطان العثمانى، هو نظير لتيمور فى ارتكاب الفظائع، ومتفوق عليه فى سفك الدماء، ومشجع له على المجازر، وقد اوجد له الاعذار فى هذا.

والسلطان العثمانى والسلطان المملوكى، اللذان سرهما هذا العمل وارضاهما، شريكان فى تشجيع المجازر البشريه الجماعيه! فعلينا الا نصم تيمور وحده، بل ان نصم هذين الحاكمين اللذين هللا للمجزره وان نوجه الوصمه الكبرى الى القاضى الحاكم برهان الدين باشد مما نوجهها الى تيمور، لان تيمور، فى ما فعل، منتقم لرسله القتلى وغير مبتدى‏ء بالقتل.

نحن لا نسوغ اعمال تيمور بل نستنكرها اشد الاستنكار، ولكننا ندعو الى الا يسكت الساكتون عن بعض المجازر، ثم يضجون لبعضها الاخر.

ولم يكن القاضى برهان الدين وحده هو الذى قتل رسل تيمور، بل ان (برقوق)، هو الاخر فعل الامر نفسه، ما اثار غضبه ونقمته وجعله يصمم على غزو بلاد الشام.

ونحن نقرر ان المسوولين عما اصاب بلاد الشام من فجائع على ايدى تيمور انما هما القاضى برهان الدين والظاهر برقوق.

ولم يخجل هذا الذى لقب نفسه باللقب الدينى العظيم: برهان الدين، وهو يحمل هذا اللقب، من ان يدنس الدين الذى جعل من نفسه برهانه بسفك دماء الابرياء وتعليق رووس القتلى على صدور الاحياء والطواف بهم من بلد الى بلد.

ثم ان مما يلفت النظر هذا التحالف العثمانى المماليكى مع آخرين على تحدى تيمور بعد استفزازه.

عوامل اخرى وهناك عوامل اخرى حفزت تيمور على غزو بلاد الشام، منها ما اشار اليه ابن حجر فى ما حكى، انه ذكر فى حوادث سنه 798ه.

ان (اطلمش)، قريب تيمور، قبض عليه قرا يوسف التركمانى، صاحب تبريز وارسله الى الظاهر برقوق فاعتقله. وقال فى حوادث سنه 799ه. (وصلت كتب من تيمور فعوقت رسله بالشام وارسلت الكتب التى معهم الى القاهره ومضمونها التحريض على ارسال قريبه اطلمش الذى اسره قرايوس. فامر السلطان برقوق ان يكتب اطلمش الى قريبه كتابا يعرفه فيه ما هو عليه من الخير والاحسان بالديار المصريه. وارسل برقوق ذلك مع جوابه، ومضمون الجواب: اذ اطلقت من عندك من جهتى اطلقت من عندى من جهتك والسلام).

هذا راى (ابن حجر)، ولكن يظهر، من غير ابن حجر، ان تيمور كان غاضبا على اطلمش وانه طلبه ليعاقبه. ويروى صاحب كتاب (عجائب المقدور) قصه قتل رسل تيمور مع روايته قصه (اطلمش)، كما يروى ذلك صاحب (البدر الطالع).

ارسل تيمور، وهو فى (عينتاب)، رسولا الى النواب فى حلب طلب فيه منهم ان يطيعوا امره ويكفوا عن القتال وان يخطبوا باسم محمود خان وباسمه وان يرسلوا اليه (اطلمش)، زوج بنت اخت تيمور الذى اسره التركمان وارسلوه الى مصر، فلم يجب الى شى‏ء مما طلبه وقتل سودون نائب دمشق الذى كان يومئذ موجودا فى حلب، مع بقيه نواب البلاد الشاميه، رسول تيمور قبل ان يسمع كلامه وضرب راسه على رووس الاشهاد.

وعن ابن حجر ان الكتاب كان الى نائب حلب وانه قال فيه: (انا وصلنا فى العام الماضى الى البلاد الحلبيه لاخذ القصاص ممن قتل رسلنا بالرحبه ثم بلغنا موته (يعنى الظاهر برقوق)، وبلغنا امر الهند وما هم عليه من الفساد فتوجهنا اليهم فاظفرنا اللّه تعالى بهم ثم رجعنا الى (الكرج) فاظفرنا اللّه بهم، ثم بلغنا قله ادب هذا الصبى ابن عثمان فاردنا عرك اذنه وكان عمر بايزيد يومئذ فوق الثلاثين ودون الاربعين فشغلنا بسيواس وغيرها من بلاد ما بلغكم، ونحن نرسل الكتب الى مصر فلا يعود جوابها، فنعلمهم ان يرسلوا قريبنا اطلمش، فان لم يفعلوا فدماء المسلمين فى اعناقهم والسلام).

فامر نائب حلب بضرب اعناق رسل تيمور. فلما علم تيمور ان رسله قتلت زحف من عينتاب على حلب، ثم بعد ذلك الى دمشق، فجرى فيها ما جرى من اهوال الحريق والقتل والنهب...

واقام فى دمشق ثمانين يوما، ثم غادرها عائدا الى بلاده. وبذلك يتاكد ان غرضه كان الانتقام لقتل رسله لا فتح البلاد وحكمها.

ونحن كما قلنا نعتبر ان المسوول عن محنه بلاد الشام لا تيمور وحده، بل ان المسووليه تقع اولا على القاضى برهان الدين احمد والظاهر برقوق وسودون نائب دمشق.

ومن اللافت للنظر ان ابن الشحنه يروى ما يلى: انه وجد منقوشا على رخامه بالجامع النورى بحماه ما خلاصته: (سبب نقش هذا ان اللّه تعالى يسر لنا فتح البلاد والممالك حتى انتهينا الى بغداد، فارسلنا قصادنا الى ملك مصر بانواع التحف والهدايا، وكان قصدنا ان تتاكد الصداقه بيننا فقتل قصادنا من غير موجب، ثم قبض التراكمه على اناس من جهتنا وارسلوهم الى سلطان مصر برقوق فسجنهم وضيق عليهم فلزم من هذا انا توجهنا لاستخلاص متعلقينا من ايدى مخالفينا واتفق لذلك نزولنا بحماه فى العشرين من ربيع الاخر سنه 803/1400م).

ونرى ان تيمورلنك الذى لم يكن لديه من وسائل الاعلام فى ذلك الوقت ما يجعله يظهر عذره للراى العام فى غزو بلاد الشام، ويسوغ فعل ما فعل سوى رخامه فى مسجد تقصده الجماهير فى كل يوم جمعه، فتقرا وتطلع وتذيع بين الناس ما قرات وطالعت.

وقد ابان، فى بيانه هذا، انه قصد اول الامر مصادقه برقوق والتحبب اليه، فارسل رسله حاملين انفس الهدايا معربين عن عواطف الصداقه ومشاعر المحبه، ولكن برقوق قابل ذلك بقتل الرسل الذين تحرم قتلهم جميع شرائع العالم واعرافه.

ثم ان برقوق رفض اطلاق اقرباء تيمورلنك الذين قبض عليهم التركمان وارسلوهم اليه، بل ضيق عليهم وسجنهم.

ثم يعلن تيمورلنك، فى ختام بلاغه، انه انما قدم الى بلاد الشام لتخليص اقربائه. ولكن لماذا اختار حماه لتكون المكان الذى ينقش على جدار مسجده الجامع بلاغه هذا؟ الذى يلوح لنا ان هذا الاختيار انما كان لان مدينه حماه يتوسط موقعها بلاد الشام، وهو موقع تتقاطع فيه طرق الذاهبين الى جميع جهات بلاد الشام.

فتوى (برهان الدين) باهراق دم العالم العظيم وشى‏ء آخر لا بد من قوله، وهو انه كان بين قتلى الهجوم التيمورى على دمشق برهان الدين المالكى، وهو الذى افتى بقتل الشهيد محمد بن مكى.

ان برهان الدين هذا الذى فوض اليه فى ساعه من الزمن امر الحياه والموت، افتى فى تلك الساعه باهراق دم العالم العظيم، فماذا كان يمكن ان يكون من امر دماء الوف العلماء وغير العلماء لو فوض اليه الامر اياما، بل ساعات، انه افتى بقتل مثل محمد بن مكى لانه لم يكن يملك الا الفتوى فسلطها على رقاب العلماء المسالمين الوادعين، فماذا كان يمكن ان يكون من شانه لو انه ملك الجيش الذى يملكه تيمور، وكان بيد اعوانه السيوف التى كانت بايدى جنود تيمور؟ اننا نستطيع ان نتخيل المذابح التى كانت ستحصل، والدماء التى كانت ستجرى! ومن مفارقات هذا الكون ان هذا السفاح هو الاخر يحمل اسم (برهان الدين)! وما قلناه فى برهان الدين هذا، نقوله فى برهان الدين الاول: ان من لا يبالى بان يقطع رووس الرسل ويعلقها فى اعناق رفاقهم ويطوف بهم فى البلاد، لا يبالى بان يقطع رووس الالوف لو ملك من القوى ما يمكنه من ذلك! فالسفاح ليس تيمورلنك وحده - كما قلنا - بل ان السفاحين قبل تيمورلنك وبعد تيمورلنك هم هولاء المتسترون بالدين، المتظاهرون بالورع والتقوى! بيدمر الخوارزمى بيدمر الخوارزمى هو الذى كان نائب برقوق فى دمشق حين قبض على الشهيد واقتيد الى دمشق وصدر الامر بقتله، واذا كان الحكم المملوكى بامره برقوق هو المسوول الفعلى عن تلك الفظائع، فان المسوول المباشر هو بيدمر الذى كان بيده الحل والعقد فى دمشق، وهو الامر بالمحاكمه والامر بالتنفيذ، لذلك راينا الشهيد يرسل اليه، وهو فى سجن قلعه دمشق، قصيده يقول فيها:

يا ايها الملك المنصور بيدمر بكم خوارزم والاقطار تفتخر لا تسمعن فى اقوال الوشاه فقد باءوا بوزر وافك ليس ينحصر ليس لدينا الكثير من اخبار بيدمر هذا، وقد برز اسمه بانه حين كان نائب حلب توجه الى سيس وحاصر اهلها فطلبوا الامان فتسلمها وكذلك المصيصه، وفتح عده قلاع ثم رجع الى حلب وانه، وهو نائب دمشق، اظهر العصيان وملك قلعه دمشق وقتل نائب القلعه، وقد وافقه على ذلك جماعه من النواب فاضطرب السلطان بمصر لهذه الاخبار وخرج قاصدا الشام، ولما بلغ دمشق ارسل امانا فقبض عليه وقيده.

وآخر ظهور لاسمه كان انه عصا على السلطان واجتمع اليه مقدمو البلدان، فارسل اليه السلطان جيشا، وبعد حصار شهرين تسلم دمشق وقبض عليه وقتله.((41)) وهكذا فان الذى افتى فى دمشق بقتل محمد بن مكى قتل فى دمشق، والذى امر بسجنه بقلعه دمشق وقضى بقتله فى دمشق، قتل هو الاخر فى دمشق.

ويلفت النظر هنا تلقيب (بيدمر) بالخوارزمى.. فمن اين جاءته هذه النسبه؟ وما صلته بخوارزم؟ نرجح انه من بقايا اولئك الخوارزميين الذين انفصلوا عن بلادهم بعد مقتل جلال الدين منكبرتى وتفرقوا فى آسيا الصغرى وبلاد الشام، وما زالوا فى التنقل حتى بلغوا سنه 634ه/1236م الى مناطق الايوبيين، فاستخدمهم الصالح ايوب بن الكامل، وكان فى آمد وحصن كيفا وحران وغيرها نائبا عن ابيه، وما زالوا فى تقلب احوال حتى نازلوا حمص مع صاحب حماه الملك المظفر.

وكثر عبثهم وفسادهم، وساروا سنه 638ه/1240م. الى قرب حلب، فواجههم توران شاه ابن صلاح الدين بالعساكر الحلبيه فهزموه هزيمه قبيحه واستولوا على اثقال الحلبيين. ثم ساروا الى منبج، وفعلوا من القتل والنهب وارتكبوا من الفواحش ما لا يحصى، ومضوا على تلك الحال الى الجبول وتل عزاز وسرحين والمعره. وجرت لهم احداث ووقائع ليس هنا مكان الافاضه بها، من ذلك حصارهم لدمشق خمسه اشهر وما اصابها بسبب هذا الحصار من الحريق والموت جوعا والبلايا الشديده، حتى قال المورخون: وجرى بدمشق امور شنيعه بشعه جدا.((42)) على انه حينما قام الصراع بين خلفاء صلاح الدين الايوبى بسبب تقسيمه المملكه الواحده الى ممالك بين اخوته واولاده، وراح هولاء الخلفاء يستنجدون بالصليبيين لينصروهم بعضهم على بعض. وقام النزاع بين الصالح ايوب صاحب مصر وعمه الصالح اسماعيل صاحب دمشق، تحالف هذا مع الصليبيين لينصروه على الصالح ايوب وسلمهم القدس واعاد مملكه الصليبيين الى ما كانت عليه قديما بما فيها الاردن، ولكى يبرهن على صدق نيته تجاه الصليبيين بادر فورا الى تسليمهم القدس وطبريه فضلا عن عدد آخر من قلاع الشام التى كانت بايدى المسلمين.

فاسرع الصليبيون الى تسلم بيت المقدس، وحصنوا قلعتى طبريه وعسقلان استعدادا للخطوه التاليه، وهنا وعدهم الصالح اسماعيل بانه اذا ملك مصر اعطاهم بعضها. فقبلوا هذا العرض واتجهوا صوب غزه عازمين على غزو مصر. وهنا لم يجد الصالح ايوب سلطان مصر امامه قوه يمكنها ان تسعفه اسعافا سريعا سوى الخوارزميه فطلب معونتهم، فراى الخوارزميه فى ذلك فرصه تتيح لهم منفذا لدخول بلاد الشام فاندفع نحو عشره آلاف منهم فى طريق دمشق ولما وجدوا هذه المدينه قويه التحصين، استولوا على طبريه، ثم نابلس، ومنها قصدوا بيت المقدس).((43)) وكانت بيت المقدس يومئذ اشبه بمدينه مفتوحه ضعيفه التحصين فاقتحمها الخوارزميه فى 5 ربيع الاول سنه 642ه (11 تموز سنه 1244م) واستولوا عليها بسهوله.

على ان الخوارزميه لم يلبثوا ان استاءوا من الصالح ايوب فتغيرت نياتهم واتفقوا على الخروج عليه، فثاروا بالشام، ولكنه تمكن من انزال الهزيمه بهم بين بعلبك وحمص، فتبدد شملهم ولم تقم لهم قائمه بعد ذلك.((44)) ويبدو ان بيدمر هذا هو من بقايا اولئك الخوارزميين.

حياه‏الشهيدالاول حياه‏الشهيد الاول محمد بن مكى الرحله فى طلب العلم ولد الشهيد محمد بن مكى سنه 734ه/1333م.، وهاجر الى العراق للدراسه سنه 750ه/1349م، اى انه ترك جبل عامل وعمره ست عشره سنه.

وكما قلنا، فى ما تقدم من الكلام، فان جبل عامل كان غير بعيد العهد عن الاحتلال الصليبى، فلم يكن فيه تدريس عال يستطيع معه طالب العلم ان يبلغ فى الطلب غايته، لذلك كان حتما على الطالب ان يقصد، وهو فى سن مبكره، مناهل العلم...

على انه لا بد لنا من التساول عما ورد من انه قال عن نفسه انه يروى عن نحو اربعين شيخا لقيهم فى مكه والمدينه وبغداد ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل ابراهيم... لا بد لنا من التساول عن الزمن الذى لقى فيه هولاء العلماء فى بلدانهم، وفيما عدا بغداد التى نستطيع التاكد من انه لقى علماءها خلال رحلته الى العراق، فاننا نتردد فى الجزم بشى‏ء فى هذا الامر. ولو ان لدينا ما يحسم لنا الراى لافدنا فوائد تاريخيه عظيمه..

اذا كان لقى هولاء المشايخ قبل سفره الى العراق، فمعنى ذلك ان الدراسه فى جبل عامل خلال الاحتلال الصليبى وبعد هذا الاحتلال حتى نشوء محمد بن مكى، كانت لا تعدو دراسه (الكتاتيب) التى لا توهل لاكثر من التخلص من الاميه، واخذ بعض القواعد النحويه الابتدائيه. ولذلك اضطر محمد بن مكى لترك موطنه يافعا والتنقل فى البلدان التى يجد فيها من يتلقى عليه بدايه الدروس العاليه، فلما تمكن من شى‏ء من هذا توجه الى العراق لياخذ الفقه عن علماء الشيعه بعد ان تلقى ما تلقى عن غيرهم.

وان ما ورد فى سيرته من انه مكث فى العراق طالبا خمس سنين((45))يويد هذا الراى، فخمس سنين هى مده توهل الطالب لدراسه الفقه واصوله.

فان صح هذا فمعناه ان صبا محمد بن مكى تقضى فى الترحل فى مختلف البلاد نشدانا للعلم، وانه فى ذلك العمر الغض كان يركب الصعب ليصل الى بغيته، فلم يكن يومذاك من السهل على من هو فى مثل سنه ان يمضى من جبل عامل الى مختلف البلدان، بل ان من هو فى تلك السن فى حاجه الى الرعايه البيتيه.

وهنا لنا ان نتساءل: ماذا كان شان الاب فى هذه المسيره العلميه الشاقه؟ وما كان دوره فى تنشئه هذا الابن المبكر فى نبوغه؟ ان من اهم النواقص فى سيره محمد بن مكى ان احدا ممن كتبوا عنه لم يعرض للكتابه عن ابيه فى تفصيل، ومن هنا فان ثغره كبيره تعترضنا ونحن نسعى لجمع شتات سيرته. وذكر فى (اعيان الشيعه) ان والده كان من افاضل العلماء واجلاء مشايخ الاجازه. فما هى التفاصيل عن مكى هذا؟.. بل اكثر من ذلك من هى الاسره التى تسلسل منها ونشا فيها؟..

وكل ما نعرفه ان اباه يحمل، الى جانب اسمه، لقبين: هما:

(الشيخ) و (جمال الدين)، وفى هذا ما يعنى ان اباه كان معدودا من رجال العلم كما ذكر فى (اعيان الشيعه).

وكذلك جده لابيه الذى ذكر اسمه (محمد) مقرونا باللقبين العلميين: (الشيخ) و (شمس الدين). ثم تنقطع الالقاب العلميه فى اسم ابى جده وما بعده من آباء، فيذكر واحد باسم (حامد) وآخر باسم (احمد) غير مقرونين باى لقب علمى...

وهكذا فان لنا ان نستنتج بان الحياه العلميه لاسره الشهيد محمد بن مكى تبدا بجده محمد.

فى العراق فى بعض ما ورد عن اخباره الدراسيه، انه قصد العراق ليدرس على (العلامه الحلى) الحسن بن يوسف بن المطهر، وانه عندما وصل مدينه (الحله) وجد ان الحسن قد توفى، فراى ان يتيمن بالقراءه على ولده فخر الدين محمد، من دون ان يكون فى حاجه الى هذه القراءه.

وقد رد السيد محسن الامين، فى موسوعته (اعيان الشيعه)، هذا القول قائلا: (ان هذا غير صحيح لان العلامه الحلى توفى سنه 723ه/1323م. قبل ولاده الشهيد بثمانى سنين).

ونقول، زياده على ذلك: ان السن الذى كان قد بلغها حين سفره الى العراق، وهى سته عشر عاما لا تجعله مستغنيا عن الدراسه على فخر الدين محمد بن الحسن، بل هو انما قصد العراق ليدرس على فخر الدين وامثاله ممن هو فى اشد الحاجه لحضور دروسهم.

وقد اجازه فخر الدين فى داره بمدينه الحله سنه 751ه/1350م.

وممن درس عليهم فى الحله: (ابن نما). وهذا الاسم: (ابن نما) يطلق على جماعه من العلماء عرفوا به. وهم، كما جاء فى (رياض العلماء)، (سلسله جليله من الفقهاء فى الحله، ولكثرتهم واشتهار كل واحد منهم بكونه (ابن نما) وشيوع اسقاط الاب، بل بعض الاجداد ايضا فى النسب كثيرا ما يشتبه حالهم ويغلط فيهم ويوضع احدهم موضع الاخر، حتى ان ذلك صدر من فحول العلماء...)((46)).

فاى ابن نما منهم هو الذى درس عليه محمد بن مكى؟ لقد هدانا الى الحقيقه ما اورده هو نفسه فى كتابه (شرح الاربعين حديثا) حين قال عن الحديث الثالث: (ما اخبرنى به الشيخ الفقيه الصالح جلال الدين ابو محمد الحسن بن احمد...

فى شهر ربيع الاخر سنه 752ه/1351م، بالحله عن والده نظام الدين احمد عن جده...) وجاء فى (امل الامل): (الشيخ جلال الدين ابو محمد الحسن بن نظام الدين احمد بن نجيب الدين محمد بن جعفر بن هبه اللّه بن نما الحلى كان فاضلا يروى الشهيد عنه...) وممن اجازه: محمد بن القاسم الحلى المعروف ب(ابن معيه)((47)). ومما يلاحظ ان فخر الدين محمد بن الحسن اجازه سنه 751ه/1350م، اى ان دراسته عليه كانت سنه واحده وانه استاذه الاول، وان ابن نما اجازه بعد ذلك بسنه، فهو استاذه الثانى الذى درس عليه سنه واحده ايضا. واذا عرفنا انه بقى فى العراق خمس سنين، فمعنى ذلك ان السنوات الثلاث الاخرى مضت فى الدرس عند اساتذه مختلفين).((48)) اما اساتذته فى غير العراق فقد ذكر بعض اجازاته انه يروى عن اربعين شيخا من غير الشيعه، ولم يصل الينا من اسمائهم غير اسم الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف القرشى الشافعى الكرمانى.

وحين نتجاوز اساتيذه الى تلاميذه يبدو لنا جانب من تفوق الرجل ومكانته العلميه الرفيعه، فانه وهو المهاجر طالب علم وتلميذ درس، يعود معلما للعلماء ومدرسا للفضلاء، فنحن نرى بين تلاميذه: المقداد السيورى، والشيخ حسن بن سليمان صاحب (مختصر البصائر)، والسيد بدر الدين حسن بن ايوب الشهير بابن نجم الدين الاعرجى، والشيخ شمس الدين محمد بن نجده الشهير بابن عبد العالى، والشيخ زين الدين على بن الخازن.

وهولاء هم ما بين حلى وكربلائى ونجفى، من المشاهير فى فقههم وتاليفهم، تلقوا العلم على الطالب العاملى الذاهب لطلب العلم فى سن هى دون العشرين.

فى جبل عامل عاد محمد بن مكى من العراق الى جبل عامل بعد قضاء خمس سنين فيه، وله من العمر احدى وعشرون سنه. وكان جبل عامل بعد رحيل الصليبيين قد بدا يلم شعثه، وبدا خطواته خطوه بعد خطوه حتى قيض اللّه له بعد سبعين سنه من رحيلهم هذا الشاب العائد من العراق متبرعا بالعلم والعقل والاخلاص، فكان له فضل انهاض الجبل ووضعه على طريق نهضه علميه ادبيه فكريه ظلت تتعاظم وتترسخ حتى وصلت الى هذا العصر متتابعه الحلقات، متواصله الخطوات.

وعى محمد بن مكى الحياه فى وقت كان فيه جبل عامل يحاول النهوض مما اوقعه فيه الصليبيون، فى وقت اخذ فيه العامليون يحاولون استعاده مكانتهم فى العلم والادب والشعر، وقد كانت خطواتهم بطيئه وسيرتهم متعثره لانها لم تجد الرجل الكف‏ء الذى يمسك الزمام بيد الحزم، فيقود نهضتهم قياده بارعه شجاعه، فنحن لا نعثر خلال السنين السبعين التى انقضت على رحيل الصليبيين على رجل بارز له سمات من عرفناهم بعد ذلك من تفوق علمى او شعرى او فكرى يرفعه الى مقام القياده فى هذه الميادين حتى ظهور شمس الدين محمد بن مكى.

على اننا، ونحن نقول هذا القول، لا نجحد ابدا فضل اولئك العلماء، المجهول منهم والمعلوم، الذين اذا كانوا لم يبلغوا جبل عامل الى مكان الرياده ومقام القياده، فحسبهم من الفضل انهم واصلوا الدراسه وانشاء المدارس جيلا بعد جيل ممهدين بذلك الطريق امام الرجل المومل والقائد العتيد حتى اذا جاء لم يعسر عليه شق ذلك الطريق بنظر بعيد وعزم شديد وقياده حكيمه واخلاص لا حد له.

لقد عاد من العراق مملوء الوطاب علما ومعرفه ونضوجا فكريا وتجربه وحكمه، عاد ليوسس الجامعه فى جبل عامل وليربى العلماء ويخرج الشعراء ويوهل الحكماء، فكان له ما اراد.

مولفاته وعدا عن ذلك فقد انصرف الى التاليف حتى بلغت مولفاته العشرين كتابا منها:

1-القواعد والفوائد، وهو كتاب موجز فى الفقه يشتمل على ضوابط كليه اصوليه وفرعيه تستنبط منها احكام شرعيه.

2-الدروس الشرعيه فى فقه الاماميه. قال هو فى اجازته لابن الخازن انه خرج منه مجلد واحد. ولكنه كتب فيه بعد ذلك اكثر الفقه ولم يتمه.

3غايه المراد فى شرح الارشاد، فى الفقه.

4-شرح التهذيب الجمالى فى اصول الفقه، اى تهذيب جمال الدين الحلى.

5 اللمعه الدمشقيه: موجز فى الفقه، وسياتى الحديث عنها مفصلا.

6-الرساله الالفيه فى الصلاه.

7-رساله فى التكليف وفروعه.

8-الاعتبار فى الحج والاعتمار.

9-جامع البين فى فوائد الشرحين، جمع فيه بين شرحى تهذيب الاصول للسيد عميد الدين والسيد ضياء الدين.

10-البيان فى الفقه لم يتم.

11-الباقيات الصالحات.

12-شرح اربعين حديثا.

13-كتاب المزار.

14-الدره الباهره من الاصداف الطاهره.

15-المسائل المقداديات.

16-شرح قصيده ابى الحسن على بن الحسين الشهير بالشهفينى.

شعره كما كان ينظم الشعر، فمن ذلك قوله:

بلينا بقوم اهل مكر وعندهم دهاء، فهم امثال حمر فواره اذا شئت ان تحظ‏ى بجاهل عندهم تجاهل، وان اوتيت علم فواره فى هذين البيتين يتمثل لنا جزء من المعاناه التى كان يكابدها محمد بن مكى فى محاولته النهوض بشعبه، فهو كان يصطدم بمن هم اعداء كل نهوض، وهم موجودون فى جميع العصور.

فهو يجهر بانه بلى بهم...، وهذا يدل على انهم واجهوه وواجهم، وانهم بعض البلاء الذى كان يعترضه فى طريقه، وان مواجهتهم له لم تكن سهله فهم مكارون وعندهم دهاء، وان مصيبته فيهم سببها علمه الذى سعى اليه للعمل به، وهذا ما لا يرضيهم ويجعلهم يحاربونه. فهو مخير بين امرين: بين ان يتجاهل ويكتم العلم ولا يعمل به فتكون له عندهم الحظوه والجاه، وبين الا يكون كذلك فيمكرون به ويخططون بدهاء للتخلص منه.

فى اعتقادى ان فى هذين البيتين مفتاح الحل لما رواه صاحب (امل الامل) من ان سبب حبسه وقتله انه وشى به رجل من اعدائه وكتب محضرا يشتمل على مقالات شنيعه، وشهد بذلك جماعه كثيره وكتبوا عليه شهاداتهم.

اذا كان صاحب (امل الامل) لم يصرح بان الرجل العدو هو مواطن عاملى من الجبل، ولم يسمه. فان ما وجد بخط المقداد السيورى، وهو الذى ذكر صاحب (اللولوه) انه وجد فى بعض المجموعات بخط من يثق به منقولا من خط جعفر بن كمال البحرانى انه وجد بخط المقداد السيورى: ان الواشى هو تقى الدين الجبلى الخيامى.

وهكذا نرى ان المقداد السيورى قد سماه ونسبه الى جبل عامل بقوله: (الجبلى)، ثم خصص النسبه فقال: (الخيامى) و(الخيام) التى جاءت نسبته اليها بلده معروفه فى جبل عامل.

وقد ذكر المقداد السيورى بعد كلمه (الخيامى) جمله وردت فيها كلمه: (عاملا) مصحفه عن (عامليا) كما استظهر ذلك (اعيان الشيعه)، وهو استظهار صحيح اكيد فكلمه: (عاملا) لا معنى لها هنا. وانما اراد المقداد ان يوكد ان الواشى كان عامليا، بعد ان ذكر نسبته الى الجبل والى (الخيام).

وتقى الدين الجبلى الخيامى كان هو المناوى‏ء الاول لمحمد بن مكى، الواشى به. ومات قبل ان ينال من محمد منالا. وخلفه فى تزعم معادى ابن مكى من يسميه المقداد: يوسف بن يحيى.

وبعد ان يصف المقداد استشهاد محمد بن مكى يقول: (... بعد ان حبس فى القلعه الدمشقيه سنه كامله، وكان سبب حبسه ان وشى به تقى الدين الجبلى الخيامى بعد ظهور اماره الارتداد منه وانه كان عامليا((49)). ثم بعد وفاه هذا الفاجر قام على طريقته شخص آخر اسمه يوسف بن يحيى وارتد عن مذهب الاماميه، وكتب محضرا يشنع فيه على الشيخ محمد بن مكى وكتب فى ذلك المحضر سبعون نفسا من اهل الجبل ممن يقول بالامامه والتشيع وارتدوا عن ذلك وكتبوا خطوطهم تعصبا من ابن يحيى فى هذا الشان، وكتب فى ذلك ما ينيف على الالف من اهل السواحل من المتسننين واثبتوا ذلك عند قاضى بيروت وقيل قاضى صيدا).

هذا النص الذى حفظه صاحب اللولوه، ماخوذا عن المقداد السيورى، يرينا حقيقه ماساويه عاشها ابناء جبل عامل. فهولاء العامليون الذين استطاعوا التغلب على الضغط الصليبى فحفظوا كيانهم واستمسكوا بعقائدهم، واجهوا بعد الجلاء الصليبى ضغطا من نوع آخر مارسه عليهم المماليك، فكان عليهم ان يعودوا من جديد للصبر على الشدائد ومقاومه الاضطهاد بقواهم المعنويه، لتظل عقائدهم التى ارتضوها لانفسهم سليمه.

يصف المقداد، فى ما دونه، الواشى الاول بمحمد بن مكى بان وشايته جاءت بعد ظهور اماره الارتداد منه. ثم يصف الواشى الاخر بانه ارتد عن مذهب الاماميه. ثم يصف الذين كتبوا محضر التشنيع على محمد بن مكى بانهم كانوا ممن يقول بالامامه والتشيع ثم ارتدوا عن ذلك، ويقول ان عددهم كان سبعين...

ولنا ان نقول ان حركه الارتداد هذه لم تكن بنت ساعتها، وان ارتداد هولاء المرتدين كان نتيجه محاولات طويله امتدت حوالى سبعين سنه، اى منذ جلاء الصليبيين وحلول المماليك محلهم.

فالذى يبدو جليا هنا ان عمليه اضطهاد واسعه للعامليين قام بها المماليك لتحويل ابناء جبل عامل عن عقيدتهم استعملت فيها مختلف اساليب الوعد والوعيد والترهيب والترغيب، وان ثمره هذه العمليه التى طال امدها سبعين سنه كان ارتداد سبعين عامليا عن مذهبهم، فاستغلوا للشهاده على محمد بن مكى.

ولو ان الذين ارادوا هلاك محمد بن مكى وجدوا فى جبل عامل اكثر من هذا العدد من الشهود لسجلوا اسماءهم مع السبعين.

ولكنهم لم يجدوا فلجاوا الى الساحليين الذين لم يكونوا على مذهب الجبليين فسهل عليهم ان يشهد من هولاء على محمد بن مكى الف شاهد.

اذن فالوعد والوعيد والترهيب والترغيب، والاضطهاد بجميع انواع الاضطهاد، ووسائل الترويع التى لجا اليها المماليك طوال سبعين سنه لم تنجح الا بتحويل سبعين رجلا! واذا قسمنا هذا العدد على عدد السنين خرجنا بنتيجه ان كل ما نجح به المماليك هو كسب رجل واحد فى كل سنه.

والذين يجعلون من شهاده من شهد من العامليين ماخذ عار على العامليين، نقول لهم: ان الامر على العكس فان لا يجد المماليك بعده جهود سبعين سنه الا سبعين رجلا من الاتباع فهذا موضع تمجيد للعامليين لا موضع تعيير.

ويبدو جليا ان محمد بن مكى، منذ عودته من العراق، قد وقف بصلابه امام اضطهاد المماليك للعامليين وامام ما يبذلونه من جهد فى تحويلهم من حال الى حال. وانه عانى منهم ما عانى لذلك رايناه يقول فى بيتيه المتقدمين ما قال.

ومن شعره قصيدته الفائيه التى تصور ما كانت عليه حال المسلمين من تسلط شيوخ الصوفيه على الحياه الاسلاميه ما وصفه الدكتور جعفر خصباك فى كتابه (العراق فى عهد المغول الايلخانيين)((50))، قائلا: (ونشطت الصوفيه الممتزجه بالخرافه فابعدت الناس عن تفهم واقعهم المرير واشغلتهم بخيالات غريبه واوهام مضلله).

فكان من رساله محمد بن مكى الوقوف فى وجه هولاء والعوده بالاسلام الى صفائه ونقائه، والنهوض بالمسلمين من حياه التواكل والتخلف، والعمل بسنه الماضين فيقول واصفا المسلمين وحياتهم:

بالشوق والذوق نالوا عزه الشرف لا بالدلوف ((51))ولا بالعجب والصلف ومذهب القوم اخلاق مطهره بها تخلقت الاجساد فى النطف صبر وشكر وايثار ومخمصه وانفس تقطع الانفاس باللهف والزهد فى كل فان لا بقاء له كما مضت سنه الاخيار والسلف قوم لتصفيه الارواح قد عملوا واسلموا عرض الاشباح للتلف ما ضرهم رث اطمار ولا خلق كالدر حاضره مخلولق الصلف لا بالتخلف بالمعروف تعرفهم ولا التكلف فى شى‏ء من الكلف وبعد ذلك يصف ما عليه الناس فى عصره:

يا شقوتى قد تولت امه سلفت حتى تخلفت فى خلف من الخلف ينمقون‏تزاوير العزور لنا بالزور والبهت والبهتان والسرف ليس التصوف عكازا ومسبحه كلا ولا الفقر رويا ذلك الشرف وان تروح وتغدو فى مرقعه وتحتها موبقات الكبر والسرف وتظهر الزهد فى الدنيا وانت على عكوفها كعكوف الكلب فى الجيف الفقر سر وعنك النفس تحجبه فارفع حجابك تجل ظلمه التلف وقف على عرفات الذل منكسرا وحول كعبه عران الصفا فطف وادخل الى خلوه الافكار مبتكرا وعد الى حاله الاذكار فى الصحف وقيمه هذا الشعر ليست فى ناحيته الفنيه، ونحن لم ناخذه لندلل به على شاعريه محمد بن مكى. وانما قيمته انه صوره من صور عصر ناظمه، ونحن لا ندعى لصاحبه بالشاعريه المجيده، وانما نستدل به على ما كان يعتمل فى نفس صاحبه من التفكير فى مصائب الامه ووصف عللها والدعوه الى اصلاح ما اعترى حياتها من خلل، والتصدى لذلك والدعوه الى مقاومته والخروج عليه.

معركه متعدده الجبهات وهكذا نرى ان معركه محمد بن مكى كانت متعدده الجبهات، وانه كان يقاتل من اجل تحقيق عده امور: كان يقاتل لنشر العلم فى قومه العامليين. ويقاتل لحفظ عقائدهم. ويقاتل جور الحكام الظالمين واتباعهم. ويحارب (ممخرقات) فريق من المتصوفه وشعوذاتهم وروحهم الانهزاميه.

وبذلك كثر اعداوه والساعون لهلاكه والقضاء عليه، وقد ورد فى ما نقل عما ذكره المقداد السيورى (ان ممن تعصب عليه وساعد فى احراقه رجل يقال له: محمد بن الترمذى مع انه ليس من اهل العلم وانما كان تاجرا فاجرا).

فمن هو ابن الترمذى هذا؟ وما شانه فى التعصب على العالم العامل وهو مجرد تاجر لا شان له فى العلم؟! ولماذا بلغ به التعصب على ان يساعد فى احراقه؟! ثم ما هو نوع هذه المساعده؟ هل سعى مع الساعين فى ان لا يكتفى بقتله، بل ان يحرق جثمانه بعد القتل زياده فى التشفى، ام ان مساعدته كانت بالاشتراك فى احراق الجثمان الطاهر؟! ثم اين كان مجال تجاره هذا التاجر الفاجر؟ هل كانت فى دمشق؟ ام كانت فى الجبل؟ ام كانت فى الساحل؟ ثم ما هى حقيقه هذا الاصل الذى ينمى اليه: الترمذى؟ الذين سجلوا هذا الخبر لم يوضحوا شيئا من هذا الذى نتساءل عنه. لذلك فكل دلالته تنحصر فى مقدار ما بلغ اليه الحكم المملوكى من فساد وشر ساعد عليه فقهاء السوء!. هولاء الفقهاء الذين كانوا اعلم الناس بما انطوى عليه محمد بن مكى من علم غزير وسيره نقيه وتقوى وصلاح. ولكن ذلك كله لا شان له عندهم ما دام لا يرى بعض ما يرون!..

العبد الداعى حسين بن احمد ومما يلفت النظر هنا شهره محمد بن مكى بجميل الصفات لا فى بلاد الشام وحدها بل الاقطار الاسلاميه كلها التى اتصل الناس فيها به. فمن ذلك ما ورد فى (مجموعه الجبعى) من ان حسين بن احمد المدنى من مدينه الرسول(ص) كتب الى الشيخ شمس الدين محمد بن مكى (فى حاجه رساله صورتها من صدرها).

الى الشيخ شمس الدين اهدى تحيه تضارع ضرع المسك والمسك عاطر الى معدن التقوى الى معدن النهى الى الروض طابت من جناه الازاهر اسبغ اللّه عليه العوارف، وصرف عن جنابه الصوارف، وابقاه شمسا للدين كما يدعى وكمالا للمومنين يشيد اصلا ويستنتج فرعا.

وعلى الرغم من غموض عباره (فى حاجه رساله صورتها من صدرها)، فالخبر يدل على ان حسين هذا كان قد لقى محمدا بن مكى فى المدينه خلال اقامته فيها طلبا للعلم، وعرف ما عرف من صفاته التى اوجزها فى بيتيه المتقدمين.

العوده الى جبل عامل لقياده مسيره النهوض بعد ان تجهز محمد بن مكى، بما تجهز به من العلم فى العراق وغير العراق، عاد الى جبل عامل لينهض به مما عراه من جراء الاحتلال الصليبى الطويل. وانقضاء سبعين سنه على رحيل الصليبيين، عن جبل عامل، لم تكن كافيه للنهوض به، لان من شروط النهوض ان تتولى الدعوه اليه قياده تتوافر فيها شروط الانهاض، من علم غزير وعقل كبير واداره حازمه واخلاص.

وهذا ما يبدو ان الاقدار لم تعده لجبل عامل طوال السنين السبعين الماضيه، حتى نشا محمد بن مكى وشب ودرس وتعلم، وعاد ليقود البلاد فى مسيرتها التعليميه، هذه المسيره التى وجدت فيه من يمضى بها قدما فى معارج النهوض.

المماليك ومحاربتهم مذهب اهل البيت وكنا قد اشرنا، فى ما تقدم من القول، الى ان المماليك، بما هم فيه من جهل وتعصب، غرسه فيهم فقهاء السوء، كانوا قد عملوا على محاربه عقائد العامليين وصرفهم عما هم عليه من تعلق ب‏ال البيت‏ن<ع59>3<ع15>، وظلوا طوال السنين التى اعقبت جلاء الصليبيين وحلولهم فى البلاد يعملون جاهدين فى هذا الميدان، وبذلك حالوا دون قيام المدارس العامليه، ونتيجه لهذا حالوا دون بروز العلماء فى الجبل، فرايناه يكاد يخلو طوال تلك الحقبه ممن يصح ان ننسبه الى العلم او الفكر او الادب.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية