وفى المناطق التى اتيحت لهم فيها الفرصه لان يبيدوا اهلها بالسيف او يشردوهم، اقدموا على ذلك، كما حدث فى كسروان.

اما فى جبل عامل فانه لم يكن من السهل عليهم ان يقتحموه بالسلاح الحربى، لذلك لجاوا الى التجهيل والافقار والاغواء والاضلال، ولكن لم يكتب لهم النجاح لصلابه العامليين فى عقائدهم وتمسكهم بمناهجهم. وحين ارادوا الاستعانه على محمد بن مكى بشهاده الشهود عليه، لم يجدوا، بعد جهود سبعين سنه، سوى سبعين رجلا يلبونهم. لذلك رايناهم يلجوون للاشهاد عليه، الى سكان السواحل من غير العامليين.

والدليل على انهم بذلوا جهدهم للاكثار من الشهود العامليين، وانهم فشلوا فى ذلك، عدم اكتفائهم من السواحليين بعشرات الشهود، بل جمعوا منهم المئات.

لقد راى المماليك، بتحريض من فقهاء السوء، فى نبوغ محمد بن مكى وما بدا يوسسه من معاهد ويقيم من مدارس حائلا دون استرسالهم فى الاغواء، ولاحت لهم، من خلال ما لمحوه وراء سعيه، طلائع نهضه علميه فكريه ادبيه، فلم يصبروا على ذلك وقرروا القضاء عليه فدبروا ما دبروا...

السربداريون والاستدعاء لتولى الهدايه وقد قام فى اقصى الشرق الاسلامى، فى خراسان، فى هذا الوقت بالذات، كيان كان ينقصه التوجيه العقائدى السليم، ولم يكن لديه من يقود هذا التوجيه، فاتجهت الانظار هناك، على بعد المكان، الى محمد بن مكى ليتولى الهدايه والارشاد.

لقد كان هذا الكيان كيان السربداريين، كما ذكرنا من قبل، وكان قد انتهى امر الحكم فيه الى على بن المويد، فارسل الى محمد بن مكى الرساله التاليه:

(بسم اللّه الرحمان الرحيم سلام كنثر العنبر المتضوع يخلف ريح المسك فى كل موضع سلام يضاهى البدر فى كل منزل سلام يضاهى الشمس فى كل مطلع على شمس دين الحق دام ظلاله بجد سعيد، فى نعيم ممتع ادام اللّه، تعالى، مجلس المولى الهمام، العالم العامل الفاضل الكامل السالك الناسك، رضى الاخلاق، وفى الاعراق، علامه العالم، مرشد الامم، قدوه العلماء الراسخين، مفتى الفرق، الفارق بالحق، حاوى الفضائل والمعالى، حائز قصب السبق فى حلبه الاعاظم والاعالى، وارث علوم الانبياء والمرسلين، محيى مراسم الائمه الطاهرين، سر اللّه فى الارضين، مولانا شمس المله والدين، مد اللّه اطناب ظلاله، بمحمد وآله، من دوله راسيه الاوتاد ونعمه متصله الامداد الى يوم التناد.

وبعد، فالمحب المشتاق، مشتاق الى كريم لقائه، غايه الاشتياق، وان يمن بعد البعد بقرب التلاق حرم الطرف من محياك لكن حظ‏ى القلب من محياك ريا ينهى الى ذلك الجناب، لا زال مرجعا لاولى الالباب، ان شيعه خراسان، صانها اللّه عن الحدثان، متعطشون الى زلال وصاله والاغتراف من بحر فضائله وافضاله، وافاضل هذه الديار قد مزقت شملهم ايدى الادوار، ومزقت جلهم او كلهم صروف الليل والنهار.

قال امير المومنين(ع): (ثلمه الدين موت العلماء)، وانا لا نجد فينا من يوثق بعلمه فى فتياه، يهتدى الناس برشده وهداه، فهم يسالون اللّه تعالى مشرف حضوره و الاستضاءه باشعه نوره والاقتداء بعلومه الشريفه والاهتداء برسومه المنيفه، واليقين بكرمه العميم وفضله الجسيم ان لا يخيب رجاءهم ولا يرد دعاءهم، بل يسعف مسوولهم، وينجح مامولهم، اذا كان الدعاء لخير محض على ايدى الكريم فلا يرد، قال اللّه تعالى: (والذين يصلون ما امر اللّه به ان يوصل).

ولا شك اولى الارحام بصله الرحم الاسلاميه الروحانيه، واحرى القرابات بالرعايه، القرابه الايمانيه ثم الجسمانيه، مهما عقدتا لا تحملهما الادوار والاطوار بل ستبقيان لا يهدمهما اعصار الاعصار.

ونحن نخاف غضب اللّه على هذه البلاد لفقدان الرشد وعدم الارشاد. والمامول من العامه الهام والكرامه التام ان يتفضل علينا ويتوجه الينا متوكلا على اللّه القدير، غير متعلل بنوع من المعاذير ان شاء اللّه تعالى، فانا بحمد اللّه نعرف قدره ونستعظم امره، ان شاء اللّه تعالى. والمتوقع من مكارم صفاته ومحاسن ذاته اسبال ذيل العفو على هذا الهفو، والسلام على اهل الاسلام.

المحب المشتاق على بن المويد).

من هو كاتب الرساله؟ هنا لنا ان نتساءل عمن كتب الرساله، هل كان الكاتب لها على بن المويد نفسه؟ لا نحسب ذلك، ولو فرضنا ان على بن المويد كان يجيد العربيه، فلا يمكن ان يكون اسلوب الرساله اسلوبه فهو اسلوب فقهائى، ما يوكد ان كاتبها ممن الفوا هذا النمط من الكتابه.

المرجح ان كاتب الرساله هو شمس الدين محمد الاوى، وهو من المتفقهين الذى الموا بالدراسات الاسلاميه، ويبدو انه كانت له صلات سابقه بالشهيد ابن مكى، وانه كان يراسله، وكان يرسل رسائله من خراسان الى العراق، الى من يعتمدهم هناك، ليرسلوها من العراق الى جبل عامل، وانه هو الذى اقترح على على بن المويد استدعاء الشهيد وسماه له بعد ان اقنعه بوجوب وجود من يقود الهدايه والارشاد فى الكيان السربدارى.

ولا بد من ان يكون الاوى قد ارفق رساله على بن المويد الى الشهيد برساله منه يوكد عليه فيها الاستجابه لدعوه امير السربداريين. وشارح كتاب (اللمعه) الشهيد الثانى زين الدين بن على، حين يوضح قول مولفه: (كتبته تلبيه لطلب احد المتدينين)، يبين ان المقصود بذلك هو شمس الدين محمد الاوى، من اصحاب السلطان على بن المويد، سلطان خراسان وضواحيها.

الشهيد يعتذر وازن الشهيد محمد بن مكى بين واجبه فى وطنه وواجبه فى خراسان، فلم يتردد فى عدم الاستجابه لدعوه على بن المويد، لان وطنه كان فى اشد الحاجه اليه. والامر هنا يختلف عما كان عليه بعد ذلك ايام الصفويين حين استدعوا العلماء العامليين فلبوا دعوتهم، لان جبل عامل، ايام الصفويين، كان مملوءا بالعلماء الذين كان يمكن ان يستغنى عن بعضهم فيتركوه الى ايران. فى حين ان محمد بن مكى كان وحيدا فى جبل عامل فى ايام السربداريين، لذلك لم يستجب لدعوه على بن المويد.

ولكنه لم يهمل واجبه حيال خراسان فكتب كتاب (اللمعه)، وارسله الى على بن المويد وصاحبه شمس الدين محمد الاوى.

وقد احتفظ الاوى بالنسخه المرسله اليه المكتوبه بخط محمد بن مكى نفسه، ويبدو انها ظلت النسخه الوحيده فى خراسان، فى حين ان احد رفاق الرسول المرسله معه (اللمعه) الى خراسان، وهو شمس الدين الذابلى، كان من طلاب العلم، وعلم من الرسول انه يحمل كتاب (اللمعه)، فاستنسخ لنفسه من الكتاب نسخه احتفظ بها لنفسه، ولما كان هذا الاستنساخ يجرى والمستنسخ على سفر، لذلك وقعت فى نسخته اغلاط، ولم يكن يسمح له الوقت بمطابقه نسخته على النسخه الاصليه.

وبقيت نسخه الاوى النسخه الوحيده فى خراسان، ولم تستنسخ عنها نسخ اخرى، ولم توزع، وطوى امرها، لانها وصلت الى خراسان عشيه بدء انهيار حكومه على بن المويد السربداريه وسيطره تيمورلنك على البلاد وزحزحه ابن المويد عن الحكم وانشغاله بنفسه ومصيره.

وكنا ذكرنا من قبل ان على بن المويد قتل فى احدى المعارك مع (اللر)، ولكن هناك من يقول ان تيمورلنك هو الذى قتله.

وبعد مرور مئه وخمسين سنه على تاليف كتاب اللمعه، قام العاملى الكبير زين الدين بن على بشرحه، ولا يزال هذا الكتاب بشرحه يدرس حتى اليوم فى الحوزات العلميه، ويعرف باسم (الروضه البهيه فى شرح اللمعه الدمشقيه).

وتشاء الاقدار ان يستشهد الشارح كما استشهد المولف، فيكون الكتاب الخالد حصيله علم شهيدين خالدين.

ويرى بعض من كتبوا عن الشهيد الاول انه ربما كان سبب رفضه الذهاب الى خراسان هو عدم رغبته بمصاحبه الملوك اصحاب السلطه، ولكن الحقيقه ان سبب الرفض هو حاجه بلاده اليه.

الاستشهاد يقول صاحب كتاب (تاريخ العراق بين احتلالين)((52))، ناقلا عن كتابى (الشذرات) و (الانباء)، فى احداث سنه 786ه(1384م) ما نصه:

(توفى فى هذه السنه محمد بن مكى. كان عارفا بالاصول والعربيه، فشهد عليه بانحلال العقيده واعتقاد مذهب النصيريه واستحلال الخمر الصرف، وغير ذلك، فضربت عنقه بدمشق فى جمادى الاولى، وضربت عنق رفيقه عرفه فى طرابلس، وكان على معتقده).

هذه هى التهمه التى وجهت الى العالم العظيم محمد بن مكى.

هذا العالم الذى رفض اغراءات الملوك بالالتحاق ببلاطاتهم، وآثر العيش فى القريه مع الفلاحين والفقراء، لينهض بمجتمعهم الذى اقعده الاحتلال الصليبى طوال عشرات السنين.

هذا العالم الذى هاجر فى صباه وشبابه الى البلاد العربيه طلبا للعلم، ليعود فيزود به شعبه فينقذه من الاميه والجهل.

هذا العالم الذى كان اساتذته علماء من مكه والمدينه وبغداد والقدس ودمشق والحله، رحل اليهم ودرس عليهم فاجازوه وروى عنهم.

هذا العالم يوجه اليه اولئك الطغاه هذه التهم ليستحلوا دمه! ويروى صاحب (امل الامل) قصه الاستشهاد على هذا الشكل:

(كانت وفاته سنه 786ه، التاسع من جمادى الاول، قتل بالسيف، ثم صلب، ثم رجم بدمشق، فى دوله بيدمر، وسلطنه برقوق، بفتوى القاضى برهان الدين المالكى وعباد بن جماعه، الشافعى، بعد ما حبس سنه كامله فى قلعه دمشق. وفى مده الحبس الف (اللمعه) الدمشقيه فى سبعه ايام، وما كان يحضره من كتب الفقه غير المختصر النافع. وكان سبب حبسه وقتله انه وشى به رجل من اعدائه، وكتب محضرا يشتمل على مقالات شنيعه، وشهد بذلك جماعه كثيره، وكتبوا عليه شهاداتهم، وثبت ذلك عند قاضى صيدا ثم اتوا به الى قاضى الشام، فحبس سنه، ثم افتى الشافعى بتوبته والمالكى بقتله، فتوقف فى التوبه خوفا من ان يثبت عليه الذنب وانكر ما نسبوه اليه. فقالوا: قد ثبت ذلك عليك وحكم القاضى لا ينقض، والانكار لا يفيد، فغلب راى المالكى لكثره المتعصبين عليه، فقتل ثم صلب ورجم ثم احرق قدس اللّه روحه. سمعنا ذلك من بعض المشايخ، وذكر انه وجده بخط المقداد تلميذ الشهيد).

وهكذا نرى ان صاحب (الامل) قد استند، فى ما رواه، الى ما سمعه من احد الرواه الذى روى ذلك عما كتبه المقداد.

على ان ما ذكره صاحب (الامل) يخلو من تفصيل ورد فى ما دونه (المقداد)، ولا ندرى هل كان ذلك من الراوى لصاحب (الامل) ام من صاحب (الامل) نفسه.

وقبل ان نتكلم عن هذا لا بد من القول ان ما ورد فى (الامل) من انه الف (اللمعه)، وهو محبوس فى القلعه، هو خلاف الواقع.

وقد تنبه لذلك الشهيد الثانى زين الدين بن على، فقال، فى كتاب (الروضه البهيه فى شرح اللمعه الدمشقيه)، وهو الكتاب الذى شرح فيه كتاب اللمعه، قال: (وما جاء فى امل الامل من انه صنف اللمعه فى الحبس غير صحيح، لما سمعت من انه صنفها بالتماس الاوى، وكان تصنيفها لسلطان خراسان سنه 782 قبل قتل الشهيد باربع سنوات).

اما صاحب كتاب (لولوه البحرين) فقد روى القصه نقلا عن مولف بخط ابى الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحرانى، الناقل لها عن بعض المجموعات بخط من يثق به، الناقل عن مولف بخط الشيخ جعفر بن كمال الدين البحرانى. القائل ما نصه:

(وجدت بخط شيخنا المبرور العالم العامل ابى عبد اللّه المقداد السيورى ما هذه صورته: كانت وفاه شيخنا الاعظم شمس الدين محمد بن مكى، قدس سره، بحضيره القدس، فى تاسع عشر جمادى الاولى سنه 786، وقتل بالسيف، ثم صلب، ثم رجم، ثم احرق بالنار ببلده دمشق، فى دوله بيدمر وسلطنه برقوق، بفتوى المالكى برهان الدين وعباد بن جماعه الشافعى، وتعصب جماعه كثيرن فى ذلك، بعد ان حبس فى القلعه الدمشقيه سنه كامله وكان سبب حبسه ان وشى به تقى الدين الجبلى الخيامى، بعد ظهور اماره الارتداد منه وانه كان عامليا «يقول اعيان الشيعه: فى النسخه (عاملا)، والظاهر انه (عامليا)» ثم بعد وفاه هذا الفاجر قام على طريقته شخص آخر اسمه يوسف بن يحيى وارتد عن مذهب الاماميه وكتب محضرا يشنع فيه على الشيخ محمد بن مكى، وكتب فى ذلك المحضر سبعون نفسا من اهل الجبل ممن يقول بالامامه والتشيع وارتدوا عن ذلك، وكتبوا خطوطهم تعصبا من ابن يحيى فى هذا الشان. وكتب فى ذلك ما ينيف على الالف من اهل السواحل (من غير الشيعه) واثبتوا ذلك عن قاضى بيروت، وقيل قاضى صيدا، واتوا بالمحضر الى القاضى عباد بن جماعه بدمشق، فانفذه الى القاضى المالكى وقال له: تحكم فيه بمذهبك والا عزلتك. فجمع الملك بيدمر الامراء والقضاه والشيوخ واحضروا الشيخ محمد بن مكى، قدس سره، بحضيره القدس وقرا عليه المحضر، فانكر ذلك، وذكر انه غير معتقد له، فلم يقبل منه. وقيل له: قد ثبت ذلك عليك شرعا ولا ينتقض حكم القاضى. فقال: الغائب على حجته، فان اتى بما يناقض الحكم جاز نقضه والا فلا، وها انا ابطل شهادات من شهد بالجرح، ولى على كل واحد حجه بينه، فلم يسمع ذلك منه ولم يقبل).

هنا تتجلى لنا حقيقتان: الاولى ان الرجل حوكم غيابيا اول الامر فحكم عليه فى غيابه من دون ان يستدعى وتسمع اقواله، واعتبر هذا الحكم مبرما لان حكم القاضى لا ينقض.

وثانيه الحقيقتين هى ما وصل اليه الحكم فى عهد المماليك من اصطفاء من يتلاعبون بالشريعه حسب اهوائهم واهواء الحكام، ثم من استهتار اولئك المتظاهرين بالمظهر الدينى، بالدين واحكامه وتوليهم القضاء باسمه وتشويههم له مموهين الظلم بالفاظ العدل، محورين القواعد الشرعيه عن حقائقها.

قالوا ان حكم القاضى لا ينقض. اذا صح هذا، فانه يكون اذا كان حكم القاضى غير بادى العوار وغير مصادم للشريعه. وهل تجيز الشريعه الحكم على احد من دون ان يستمع اليه؟ اللعبه الشيطانيه ثم بدات اللعبه الشيطانيه التى تنبه لها محمد بن مكى الذى ظل رابط الجاش متوقد الذهن، وهو فى هذا الموقف الذى تطيش فيه العقول ويتضعضع التفكير، وبعد سنه من السجن المتواصل.

1- ان القاضى عباد بن جماعه امر القاضى المالكى بان يتولى هو الحكم على ابن مكى، وهدده، اذا حاول التنصل، بالعزل.

وامام هذا التهديد باع القاضى دينه وقبل تولى الحكم. اما لماذا اختار ابن عباد، القاضى المالكى، فذلك من بعض قواعد اللعبه الشيطانيه كما سنبينه. وقد جرى هذا فى غياب محمد بن مكى.

2- بعد ان اطمان القوم الى ان القاضى المالكى هو الذى سيقول الكلمه الاخيره فى الحكم حاولوا ايقاع محمد بن مكى فى شباكهم والتحايل عليه. فقيل للقاضى عباد بن جماعه: انت شافعى المذهب، وانت الان امام المذهب وقاضيه فاحكم بمذهبك. جرى ذلك فى حضور محمد بن مكى.

اما لماذا فعلوا ذلك، فالواضح انهم قرروا سرا مع القاضى المالكى ان يتولى هو الحكم، ثم تظاهروا علنا بانهم تركوا الحكم للقاضى الشافعى، فهذه هى اللعبه الشيطانيه التى لم تنطل على محمد بن مكى، وهو فى ذلك الموقف الراعب.

ذلك ان المذهب الشافعى يجيز توبه المرتد فى حين ان المذهب المالكى لا يجيزها. وقد قرروا ان يطلبوا الى محمد بن مكى طلبا هو، فى ظاهره، هين لا تترتب على الاستجابه اليه ايه مسووليه ويكمن فيه الخلاص.

لقد طلبوا اليه ان يتوب. قال له عباد بن جماعه: (على مذهبى يجب حبسك سنه ثم استتابتك، اما الحبس فقد حبست، ولكن تب الى اللّه واستغفر حتى احكم باسلامك).

وكان ابن مكى حاضر الذهن فرد على عباد قائلا: (ما فعلت ما يوجب الاستغفار حتى استغفر).

لقد ادرك ما وراء هذا الطلب، فهو اذا استغفر يكون قد اعترف بالذنب وثبت عليه، ويبقى بايديهم قبول التوبه او رفضها.

واعاد عليه عباد الطلب محاولا اقناعه، فثبت ولم يقتنع.

كان هذا يجرى علنا، وهو جزء من المحاكمه.

هنا تقول الروايه ان عبادا ساره، اى كلمه همسا، بينه وبينه، بحيث لا يسمعهما احد، وتتم الروايه القول بان ابن جماعه قال له علنا بعد المساره: قد استغفرت فثبت عليك الحق. ثم قال للمالكى: قد استغفر، والان ما عاد الحكم الى.

ثم قال: الحكم عاد الى المالكى.

والذى يبدو ان ابن جماعه قد خدعه بان طلب اليه ان يستغفر سرا، فلا يطلع احد على ذلك الاستغفار فيحكم ببراءته، وان ما سهل على ابن جماعه اقناعه هو انهم اعلنوا من قبل ان الحكم فى هذه القضيه للقاضى الشافعى.

هذا ما يبدو، لان الحديث بينهما كان سرا لم يطلع عليه احد.

بهذه الاساليب كانت الاحكام تصدر عمن تلبسوا بلباس الدين، وعمن عهد اليهم تطبيق احكام الاسلام... اما القاضى المالكى المستعد لسفك دماء العلماء الاتقياء الورعين المجاهدين، فقد مهد لحكمه بان توضا وصلى ركعتين، ثم قال: قد حكمت باهراق دمه.

الى هذا الحد هان الوضوء وهانت الصلاه عند هولاء الجلادين...

قتلوه بالسيف ثم صلبوه ثم رجموه ثم احرقوه.