«تاريخ
السنه النبويه الشريفه»
صائب الحميد
مدخل فى حجيه السنه
السنه النبويه الشريفه - قول النبى(ص)، وفعله،
وتقريره - ثانى
مصادر التشريع فى الاسلام، بعد القرآن الكريم.
والسنه النبويه بعد ثبوت صدورها عنه(ص)، حجه،
وحجيتها
ضروريه، من ضروريات الدين، من جحدها فقد كذب
بالدين،
وانكر القرآن الكريم، اذ انا لم نعرف ان القرآن
الكريم هو كتاب
اللّه تعالى، الا من قول النبى(ص)، فاذا لم يكن قوله
حجه، فلا
اثر للقرآن اذن!!
وان لم تكن السنه النبويه حجه، فلا معنى لجميع
العبادات
والاحكام التى جاء تفصيلها من طريق السنه فقط،
كصوره
الصلاه، واحكام الزكاه والصوم وحدودهما، ومناسك
الحج،
وغيرها من الاحكام التى امر بها القرآن الكريم، ثم
جاءت السنه
بتفصيلها ووضع حدودها وشرائطها!!
فحجيه السنه النبويه اذن من اكبر ضروريات الدين،
بلا ادنى
نزاع فى ذلك بين المسلمين، بل هى بديهيه لا تخفى على
غير
المسلمين ايضا.
القرآن الكريم يثبت حجيه السنه، ويلزم حفظها
واتباعها:
× قال تعالى: (قل ان كنتم تحبون اللّه فاتبعونى
يحببكم اللّه
ويغفر لكم ذنوبكم واللّه غفور رحيم) «آل عمران -3/31».
× وقال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه
واطيعوا الرسول
واولى الامر منكم فان تنازعتم فى شىء فردوه الى
اللّه
والرسول)«النساء -4/59».
× وقال تعالى: (من يطع الرسول فقد اطاع
اللّه) «النساء - 4/80».
فاتباع الرسول واطاعته تشمل اتباع سنته قطعا، مع
اتباع ما جاء
به من القرآن المنزل عليه من ربه، واتباع سنته
متوقف على
حفظها بداهه. والرد الى الرسول رد الى سنته، وهو
متوقف
بالكامل على حفظها بداهه.
× وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه
فانتهوا)«الحشر 59ر7».
× وقال تعالى: (وما كان لمومن ولا مومنه اذا قضى
اللّه ورسوله
امرا ان يكون لهم الخيره من امرهم)«الاحزاب - 33/36».
× وقال تعالى: (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما
شجر
بينهم ثم لا يجدوا انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا
تسليما)«النساء - 4/65».
وانما يكون حكم اللّه تعالى بيننا من خلال كتابه
الكريم وما انزل
فيه من احكام، وما يحكم به الكتاب فهو قضاء اللّه
تعالى بيننا،
والى هذا الامر الواضح يرجع قبول الامام على(ع)
بتحكيم
كتاب اللّه بينه وبين البغاه..
والامر هكذا مع السنه النبويه، وقد امرنا ان نرد
اليها نزاعاتنا
وخلافاتنا، فما حكمت به فهو قضاء رسول اللّه، والى
هذا الفهم
يرجع امر الامام على(ع) لعبداللّه بن عباس حين بعثه
للاحتجاج على الخوارج، حيث امره ان يحاكمهم الى سنه
رسول اللّه(ص)..، وكل ذلك، صغيره وكبيره، ماضيه
وحاضره،
رهن بحفظ السنه النبويه المطهره الشريفه.
امر النبى بحفظ السنه:
× قال(ص): (نضر اللّه امرا سمع منا حديثا فحفظه حتى
يبلغه
غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه الى من
هو
افقه منه).
× وكان(ص) فى بعض خطبه التى شحنها بالاحكام، من امر
ونهى وبيان، يكرر مرارا قوله: (الا فليبلغ الشاهد
الغائب) كما هو
ظاهر فى خطبته فى حجه الوداع، وفى خطبته بغدير خم.
وغير هذا كثير فى منزله السنه ولزوم حفظها، وهو
بديهى ايضا
فى شان ثانى مصادر التشريع، المصدر الذى كانت مهمته
الاولى التبيين عن المصدر الاول - القرآن- وتفصيله،
وترجمه
احكامه وتعاليمه فى الواقع المعاش، الامر الذى لا
يمكن ايكاله
الى مصدر آخر غير النبى(ص) وسنته، فحفظ السنه شرط
حفظ
الدين كله اذن.
ثم عزز النبى(ص) ذلك بلزوم صيانتها من اى دخيل فى قول
او عمل، فقال:
× (ان كذبا على ليس ككذب على غيرى، من يكذب على بنى
له بيت من النار).
× (من كذب على فليتبوا مقعده من النار).
× (من احدث فى امرنا هذا ما ليس منه، فهو رد).
(كل محدث بدعه، وكل بدعه ضلاله، وكل ضلاله فى النار).
حصيله واحده:
من قراءه لتلك المقدمات، اى قراءه، وباى اتجاه، سوف
نتوقع
حصيله واحده، وهى ان تدوين السنه فى عهد النبى(ص)
كان
امرا مالوفا، يزاوله بعض من قدر عليه من الصحابه،
وليس امرا
محتملا وحسب.
فهل لهذه الحصيله ما يويدها من الواقع فى ذلك
العهد، فتكون
حقيقه ثابته، تستوى عندها قراءتنا لتلك المقدمات
الصحيحه
على قوائمها؟!
ام الواقع خلاف ذلك؟! فتبقى تلك المقدمات الصحيحه
نظريات عائمه ليس لها قرار!
هذا ما نقراه فى بحثنا الاساس الاتى، حيث تداخل
الارقام،
وتعانق الادله، ورجوع الى العهد النبوى، الاصل،
بين فقره
واخرى.
تقسيم البحث:
فى لحاظ العناصر المشتركه وعوامل التمايز التى
تفصل بين
الادوار التاريخيه، فقد مرت السنه النبويه فى هذه
الحقبه
المنتخبه فى مرحلتين تختلفان كليا فى منهج التعامل
مع
السنه، وعلى اساس هذا الاختلاف والتمايز المنهجى
وقع
تقسيم البحث على مرحلتين: مثلت المرحله الاولى
خلافه ابى
بكر وعمر وعثمان، فامتدت ربع قرن بعد الرسول
مباشره، فيما
انحصرت المرحله الثانيه فى خمس سنين هى مده تولى
الامام
على(ع) الخلافه والزعامه السياسيه والاجتماعيه
والدينيه فى
الامه.
ودراسه كل مرحله تقع فى مباحث تولف مجتمعه الصوره
الكامله لتاريخ السنه فى تلك المرحله.
المرحله الاولىالسنه فى ربع قرن(11 35ه)
نتابعها فى مبحثين رئيسين، الاول: فى التدوين
والروايه،
والثانى: فى الموقع التشريعى.
المبحث الاول: التدوين والروايه
هنا ثلاث علامات فارقه، اجملها الذهبى، ونفصلها فى
نقاط مع
مزيد من التوثيق:
الفارقه الاولى: الاحتياط فى قبول الاخبار
قال الذهبى: كان - ابو بكر- اول من احتاط فى قبول
الاخبار..
ان (الجده) جاءت الى ابى بكر تلتمس ان تورث، فقال: ما
اجد
لك فى كتاب اللّه شيئا، وما علمت ان رسول اللّه(ص)
ذكر لك
شيئا! ثم سال الناس، فقام المغيره فقال: حضرت رسول
اللّه(ص) يعطيها - اى الجده - السدس.
فقال له ابو بكر: هل معك احد؟
فشهد محمد بن مسلمه بمثل ذلك، فانفذه لها ابو بكر.
هذا الخبر تضمن فوائد جليله، كان(الاحتياط فى قبول
الاخبار) اولها، وثم فائدتان لم يذكرهما الذهبى،
هما:
ا - فى عداله الصحابى:
ان هذا الاحتياط كان ازاء روايه الصحابى عن رسول
اللّه مباشره،
فالمغيره، الصحابى، كان يروى عن مشاهده قد يصحبها
سماع
ايضا، يقول: (حضرت رسول اللّه(ص) يعطيها السدس) ومع
ذلك كان ابو بكر يحتاط فى قبول روايته، حتى وجد لها
شاهدا
حضر ذلك او سمعه من رسول اللّه(ص).
وهذا مبدا متين، منسجم مع ما قرره النبى(ص) فى حفظ
السنه وصيانتها، وهو مخالف تماما لمبدا(عداله
الصحابى)
وقبول روايته مطلقا، واعفائه من قواعد الجرح
والتعديل.
وسوف نجد ان موقف ابى بكر هذا قد سلكه عمر، وسلكه
عثمان
وسلكه على(ع)، سلكوه جميعا ازاء روايه الصحابى عن
رسول
اللّه(ص) مباشره، ليتضح من هذا كله بما لا شك فيه: ان
مبدا
(عداله الصحابى) قد ولد متاخرا، ولم يكن له اثر حتى
نهايه
خلافه على(ع)، بل بعدها ايضا بزمن غير قليل!
قال الخطيب البغدادى فى الرد على من زعم ان العداله
هى
اظهار الاسلام وعدم الفسق الظاهر: يدل على صحه ما
ذكرناه
ان عمر بن الخطاب رد خبر فاطمه بنت قيس، وقال: (ما
كنا
لندع كتاب ربنا وسنه نبينا لقول امراه لا ندرى
احفظت ام لا!).
قال: وهكذا اشتهر الحديث عن على بن ابى طالب انه قال:
(ما
حدثنى احد عن رسول اللّه(ص) الا استحلفته) ومعلوم
انه كان
يحدثه المسلمون ويستحلفهم مع ظهور اسلامهم، وانه
لم يكن
يستحلف فاسقا ويقبل خبره، بل لعله ما كان يقبل خبر
كثير
ممن يستحلفهم مع ظهور اسلامهم وبذلهم له اليمين.
وكذلك غيره من الصحابه، روى عنهم انهم ردوا اخبارا
رويت
لهم ورواتها ظاهرهم الاسلام، فلم يطعن عليهم فى ذلك
الفعل، ولا خولفوا فيه، فدل على انه مذهب لجميعهم،
اذ لو
كان فيهم من يذهب الى خلافه لوجب بمستقر العاده نقل
قوله
الينا.
اذن فمبدا(عداله الصحابه) ليس له عين ولا اثر فى عهد
الصحابه، وسوف ياتى فى الفقرات اللاحقه مزيد من
الشواهد
الحيه على ذلك.
ب - فى علم الصحابى:
تحدث المغيره هنا عن قضاء النبى فى سهم الجده، وكان
قد
شهده بنفسه، وتحدث محمد بن مسلمه عن شهوده ذلك
القضاء ايضا، فى حين ما زال ذلك غائبا عن ابى بكر،
ونحو هذا
قد حصل مع عمر ايضا، فربما غابت عنه سنه مشهوره، كما
فى
قصته مع ابى موسى الاشعرى حين حدثه بحديث: (اذا سلم
احدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع) فقال له عمر: لتاتينى
على
ذلك ببينه او لافعلن بك!!
فانطلق الى مجلس من الانصار، فقالوا: لا يشهد الا
اصاغرنا!
فقام ابو سعيد الخدرى فشهد له عند عمر، فقال عمر:
خفى
على هذا من امر النبى(ص)، الهانى الصفق بالاسواق!.
فهذه سنه مشهوره كان يتعلمها اصاغر القوم، وقد خفيت
عليه..
وكذا غاب عنه حكم السقط، حتى اخبره المغيره ومحمد
بن
مسلمه بقضاء رسول اللّه(ص)، وغير ذلك ايضا.
فهذه نافذه مطله على حقيقه واقعه، وهى ان الصحابى
ليس
بوسعه ان يحيط بجميع السنه، اقوال النبى وافعاله
وتقريراته،
فمنها ما يغيب عنه، فلا يشهده، ولا يسمع به بعد ذلك
الا فى
نازله كهذه..
وايضا فهم فى ما يشهدونه على تفاوت كبير فى الحفظ
والوعى:
قال البراء بن عازب: ما كل الحديث سمعنا من رسول
اللّه(ص)،
كان يحدثنا اصحابنا، وكنا مشتغلين فى رعايه الابل.
وقال مسروق - التابعى- : جالست اصحاب محمد(ص) فكانوا
كالاخاذ، الاخاذه تروى الراكب، والاخاذه تروى
الراكبين،
والاخاذه لو نزل بها اهل الارض لاصدرتهم، وان
عبداللّه - يعنى
ابن مسعود - من تلك الاخاذ.
ومسروق ايضا قال: شاممت اصحاب محمد(ص) فوجدت
علمهم انتهى الى سته: على، وعمر، وعبداللّه، وزيد،
وابى
الدرداء، وابى.. ثم شاممت السته فوجدت علمهم انتهى
الى
على وعبداللّه!.
وانهى غيره علم الصحابه الى سته ايضا، هم المتقدمون
باعيانهم الا ابا الدرداء فقد ابدله بابى موسى
الاشعرى، ثم انهى
علم السته الى على وعمر.
وخلاصه القول عند ابن خلدون: ان الصحابه كلهم لم
يكونوا
اهل فتيا، ولا كان الدين يوخذ عن جميعهم، وانما كان
ذلك
مختصا بالحاملين للقرآن، العارفين بناسخه
ومنسوخه،
ومتشابهه ومحكمه، وسائر دلالاته، بما تلقوه من
النبى(ص)، او
ممن سمعه منهم وعن عليتهم، وكانوا يسمون لذلك:
(القراء)
لان العرب كانوا امه اميه.
الفارقه الثانيه: المنع من التحديث
قال الذهبى: ان الصديق جمع الناس بعد وفاه نبيهم،
فقال انكم
تحدثون عن رسول اللّه(ص) احاديث تختلفون فيها،
والناس
بعدكم اشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول اللّه شيئا،
فمن
سالكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فاستحلوا
حلاله وحرموا
حرامه!.
فهنا اكثر من مشكله ظاهره، منها:
ا - ما يعود الى (عداله الصحابى) فيعزز ما ذكرناه
آنفا.
ب - ظهور الاختلاف بين الصحابه فى نقل السنه، الى
القدر
الذى دعا ابا بكر الى منعهم من ذكر شىء من حديث
رسول
اللّه(ص).
لكن هناك من الاختلاف ما لا ضير فيه، كاختلاف اللفظ
مع
حفظ المعنى تاما، كحديث (من كذب على فليتبوا مقعده
من
النار) ويروى (من قال على ما لم اقل فقد تبوا مقعده
من النار)
فهما شىء واحد وان اختلف اللفظ، وليس فى هذا محذور
بلا
خلاف، والحديث كله قد يكون عرضه لهذا، اذ الغالب ان
الصحابى انما يسمع الحديث من النبى(ص) مره، فاذا
نقله من
حفظه بعد زمن غير يسير، فهو عرضه لاختلاف اللفظ.
وليس هذا مطردا فى كل الاحوال، فرب لفظ اذا تبدل
باخر
فقد بعض دلالاته، او جاء اللفظ بدلاله زائده لم تكن
من
الحديث!
وهناك اختلافات اخرى خطيره، مصدرها وهم الصحابى او
نسيانه، او سماعه طرفا من الحديث فقط، ونحو ذلك،
ولقد رد
كثير من الصحابه اختلافات ظهرت من هذا النوع، فمن
ذلك:
× حديث عمر وابن عمر: (ان الميت يعذب ببكاء اهله
عليه)
فردته عائشه، فقالت: انكم تحدثون عن النبى غير
كاذبين،
ولكن السمع يخطى، واللّه ما حدث رسول اللّه ان
اللّه يعذب
المومن ببكاء اهله عليه! حسبكم القرآن (ولا تزر
وازره وزر
اخرى)«الانعام - 6/164» انما قال: (انه ليعذب، بخطيئته
وذنبه،
وان اهله ليبكون عليه).
وقد استدركت عائشه كثيرا على احاديث ابن عمر وابى
هريره
وانس ابن مالك وغيرهم، جمعها الزركشى فى كتاب اسماه
(الاجابه لايراد ما استدركته عائشه على الصحابه).
× ورد الزبير رجلا كان يحدث عن رسول اللّه(ص)، فقال
له: انت
سمعت هذا من رسول اللّه؟! قال الرجل: نعم.
قال الزبير: هذا واشباهه مما يمنعانى ان اتحدث عن
النبى! قد
لعمرى سمعت هذا من رسول اللّه، وانا يومئذ حاضر،
ولكن
رسول اللّه ابتدا بهذا الحديث فحدثناه عن رجل من
اهل
الكتاب، فجئت انت بعد انقضاء صدر الحديث، فظننت انه
حديث رسول اللّه!.
× ومن هذا الصنف ما ذكر فى اختلاط احاديث ابى هريره
عن
النبى(ص) باحاديثه عن كعب الاحبار!.
× ومنه قول عمران بن حصين: (واللّه ان كنت لارى انى
لو
شئت لحدثت عن رسول اللّه يومين متتابعين، ولكن
بطانى عن
ذلك ان رجالا من اصحاب رسول اللّه سمعوا كما سمعت،
وشهدوا كما شهدت، ويحدثون احاديث ما هى كما يقولون!
واخاف ان يشبه لى كما شبه لهم، فاعلمك انهم كانوا
يغلطون -
وفى روايه: يخطئون - لا انهم كانوا يتعمدون).
هذه نبذه عن اختلاف الصحابه فى الحديث، الذى سيكون
سببا
فى اختلافات اكبر حين ينتقل الى المواضيع
المستفاده من
الحديث، فى العقيده والفقه والتفسير، وغيرها من
نواحى
المعرفه، وهذه كلها سوف تكون بلا شك محاور نزاع
الاجيال
اللاحقه، وهذا ما رآه ابو بكر، فلجا الى قراره
الاخير فى المنع
من الحديث والاكتفاء بالقرآن.
لكن هل كان المنع من روايه الحديث النبوى والرجوع
اليه فى
الفتيا هو الحل الامثل لهذه المشكله؟!
هذا على فرض كونه من صلاحيات الخليفه، وان الخليفه
مخول ان يوقف السنه النبويه متى شاء، روايه وفتيا،
وتدوينا
ايضا كما سياتى!
اما اذا كان هذا كله فوق الخليفه وصلاحياته، فثمه
ما ينبغى
التوقف عنده طويلا اذن!
ج - والمشكله الثالثه التى يثيرها حديث ابى بكر، هى:
ما
سيعقب قرار المنع من ضياع لبعض السنن، كثيرا كان او
قليلا!
خصوصا حين يمضى الامر هكذا لعده سنين.
× فى عهد عمر
استمر هذا المنع من الحديث زمن عمر كله، ولم يقتصر
حكمه
على ابى هريره وكعب الاحبار اللذين اتهمهما فى
الحديث،
وتوعدهما بالطرد الى ديارهما الاولى ان هما لم يكفا
عن
الحديث..
بل سرى الى رجال من كبار الصحابه، منهم: عبداللّه بن
مسعود، وابو الدرداء، وابو مسعود الانصارى، فقال
لهم: قد
اكثرتم الحديث عن رسول اللّه! فحبسهم فى المدينه.
وسرى ايضا الى امرائه، فقد كان ياخذ عليهم العهد
باجتناب
الروايه عن رسول اللّه(ص)، وربما بالغ فى هذا فمشى
مع عماله
بعض الطريق يودعهم، ثم يذكر لهم انه انما خرج معهم
لاجل
هذه الوصيه: (انكم تاتون اهل قريه لهم دوى بالقرآن
كدوى
النحل، فلا تصدوهم بالاحاديث فتشغلوهم، جردوا
القرآن،
واقلوا الروايه عن رسول اللّه، وانا شريككم)!
فلما قدم بعضهم العراق، قالوا له: حدثنا. قال: نهانا
عمر.
حتى توفى عمر على هذه السيره سنه 24ه.
وهذه السيره ايضا جاءت على خلاف الحديث الذى رواه
ابو
موسى الغافقى عن رسول اللّه(ص) انه قال: (عليكم بكتاب
اللّه،
وسترجعون الى قوم يحبون الحديث عنى - او كلمه تشبهها
-
فمن حفظ شيئا فليحدث به، ومن قال على ما لم اقل
فليتبوا
مقعده من النار) وقال ابو موسى: هذا آخر ما عهد الينا
رسول
اللّه(ص)!.
× فى عهد عثمان:
خطب الناس، فقال: (لا يحل لاحد يروى حديثا لم يسمع به
فى
عهد ابى بكر ولا فى عهد عمر، فانه لم يمنعنى ان احدث
عن
رسول اللّه ان لا اكون من اوعى اصحابه، الا انى
سمعته يقول:
من قال على ما لم اقل فقد تبوا مقعده من النار).
لكن عثمان لم يتبع شده عمر وسيرته فى هذا الامر،
فاطلق
الصحابه الذين حبسهم عمر فى المدينه، وقد ذكر فيهم
مع ابن
مسعود وابى الدرداء وابى مسعود الانصارى، ثلاثه
آخرون، هم:
صادق اللهجه ابو ذر، وعبداللّه بن حذيفه، وعقبه بن
عامر، فكل
هولاء لم يلتزموا امر عمر فى ترك الروايه عن رسول
اللّه(ص).
لنعرف من ذلك ان قرار المنع لم يكن اجماعا، وانما
كان رايا
يراه الخليفه فيحمل الصحابه عليه، ثم لم يكن جميعهم
ممن
استجاب لهذا الامر وتقيد به، فكان تمردهم هذا سببا
فى حفظ
الكثير من السنن التى قد يطالها النسيان حين تاتى
عليها
السنون وهى فى طى الكتمان.
حديث المنع والنبوءه الصادقه:
د - وآخر المشكلات، وربما اخطرها دلاله، اننا نجد فى
هذا
النص المنقول عن ابى بكر، اول ظهور لتلك النبوءه
الصادقه
التى اخبر بها النبى الاعظم(ص) فى تحذيره الخطير
وقوله
الشهير: (يوشك الرجل متكئا على اريكته، يحدث بحديث
من
حديثى، فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه عز وجل، فما
وجدنا فيه
من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه!
الا وان
ما حرم رسول اللّه مثل ما حرم اللّه).
انظر ثانيه فى نص حديث ابى بكر: (... فلا تحدثوا عن
رسول اللّه
شيئا، فمن سالكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب اللّه،
فاستحلوا
حلاله، وحرموا حرامه)!
انه ظهور مبكر جدا لتلك النبوءه، ولقد كان حديث
النبى(ص)
يشعر بقرب ظهورها، اذا استهل الحديث بقوله: (يوشك)
ولم
يقل: (ياتى على الناس زمان) كما فى اخباره عن الغيب
البعيد.
الفارقه الثالثه: منع تدوين الحديث
قالت عائشه: جمع ابى الحديث عن رسول اللّه(ص)، وكانت
خمسمئه حديث، فبات ليلته يتقلب كثيرا، فلما اصبح
قال: اى
بنيه، هلمى الاحاديث التى عندك، فجئته بها، فدعا
بنار
فحرقها! فقلت: لم احرقتها؟ قال: خشيت ان اموت وهى
عندى
فيكون فيها احاديث عن رجل قد ائتمنته ووثقت به، ولم
يكن
كما حدثنى، فاكون قد نقلت ذاك!.
لكن هذه الحيطه وهذه الدقه ينبغى ان لا تتجاوز
احاديث
سمعها من بعض الصحابه يحدثون بها عن رسول اللّه(ص)،
كما
هو صريح فى قوله: (فيكون فيها احاديث عن رجل قد
ائتمنته
ووثقت به، ولم يكن كما حدثنى).
اما الاحاديث التى سمعها هو مباشره من النبى(ص) فهى
فى
منجاه من ذلك، الا ان يقال انه لم يميز بين ما سمعه
هو
مباشره، وما نقل له! وهذا غير وارد، وحتى لو حصل مع
بعضها
فلا يمكن حصوله مع جميعها حتى لم يعد يعرف حديثا
واحدا
سمعه من فم النبى(ص)!
فلماذا اوقع الاحراق على الجميع؟!
لعل هذا الاضطراب هو الذى حمل الذهبى على تكذيب
الخبر،
فقال: فهذا لا يصح، واللّه اعلم.
فاذا لم يصح هذا، فلم يثبت عن ابى بكر غيره فى شان
تدوين
الحديث النبوى الشريف، الا ما ورد فى كتابته بعض
كتب
النبى(ص)، والتى ضمنها جمله من السنن، ككتاب فرائض
الصدقه - الزكاه - الذى كتبه ابو بكر الى عماله، فجعل
اوله: (ان
هذه فرائض الصدقه التى فرض رسول اللّه(ص) على
المسلمين، التى امر اللّه عز وجل بها رسول اللّه(ص)
فمن سئل
من المسلمين على وجهها فليعطها...) الكتاب.
فهذا يعنى ان تدوين الحديث على اصل الاباحه، وهى
مستفاده
حتى من الحديث الاول على فرض صحته، فمبادره ابى بكر
بجمع الحديث وتدوينه فى كتاب دليل على انه لم يعرف
فيه
الا الاباحه، ثم لما احرقه لم يكن احراقه لورود
النهى عن كتابه
الحديث، وانما لخشيه تطرق الوهم اليه!
ومضى الامر على هذه الحال حتى جاء عمر، فاراد ان
يكتب
السنن، فاستفتى اصحاب النبى(ص) فى ذلك، فاشاروا
عليه
بان يكتبها، ثم بدا له ان لا يكتبها.. ثم بعث الى
الامصار: من كان
عنده شىء فليمحه!.
وحدث مالك بن انس: ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب هذه
الاحاديث، او كتبها، ثم قال: لا كتاب مع كتاب اللّه!.
هذه ايضا ادله كافيه على عدم ورود شىء فى النهى عن
تدوين
السنه، والا لما هم عمر بكتابتها، واستشار الصحابه
فاجمعوا
على كتابتها.
فما كان المنع اذن الا براى رآه عمر، ولم ينسبه الى
النبى(ص).
وراح الصحابه من وراء الخليفه يكتبون الحديث
والسنن، ما
سمعوه من النبى(ص) وما حدثهم به اخوانهم عنه(ص)، حتى
كثرت عندهم الكتب، فبلغ خبرها عمر، فقام فيهم
خطيبا،
فقال: (انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب،
فاحبها الى
اللّه اعدلها واقومها، فلا يبقين احد عنده كتابا
الا اتانى به، فارى
فيه رايى).
فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا
يكون فيه
اختلاف، فاتوه بها، فاحرقها بالنار!.
كتابه السنه تصد عن القرآن!!
تلك هى اهم الحجج التى تمسك بها المانعون من تدوين
السنه، ومن روايه الحديث ايضا، خشيه ان يشغلهم ذلك
عن
القرآن، كما انشغل اهل الكتاب بكتب احبارهم عن كتاب
ربهم!.
لكن هل يصح ذلك؟! وما السنه - بالدرجه الاولى - الا
تبيان
للقرآن وتفصيل لاحكامه!!
نترك الجواب للصحابى الفقيه الذى بعثه عمر بن
الخطاب الى
البصره يفقه اهلها: عمران بن حصين..
× كان عمران بن حصين جالسا ومعه اصحابه، فقال له
رجل: لا
تحدثونا الا بالقرآن.
فقال عمران: ادنه! فدنا منه، فقال له: ارايت لو وكلت
انت
واصحابك الى القرآن، اكنت تجد فيه صلاه الظهر
اربعا، وصلاه
العصر اربعا، والمغرب ثلاثا، تقرا فى اثنتين؟!
ارايت لو وكلت انت واصحابك الى القرآن، اكنت تجد
الطواف
بالبيت سبعا، والطواف بالصفا والمروه؟!
ثم قال: اى قوم! خذوا عنا، فانكم واللّه ان لا تفعلوا
لتضلن!.
× والتابعى ايوب السختيانى كان يقول: (اذا حدثت
الرجل
بالسنه، فقال: دعنا من هذا وحدثنا بالقرآن. فاعلم
انه ضال
مضل)!.
× وقال مكحول والاوزاعى: (الكتاب احوج الى السنه، من
السنه
الى الكتاب).
ولعل هذا من الواضحات التى ينبغى الا ينازع فيها.
وبعد ذلك فان السنه انما تدعو الى القرآن: تلاوته،
والتدبر فيه،
وفهمه، والائتمام به باتباع امره وارشاده، وتحذر
من تركه
ومخالفته ومجافاته.
فليست اذن بشاغله عن القرآن، ولا لقارىء القرآن
عنها غنى.
اذن ثمه فرق كبير بين موقع السنه من القرآن، وموقع
كتب
الاحبار والرهبان من التوراه والانجيل!
× ومما يثير الدهشه والاستفهام، انه فى الوقت الذى
كان يشدد
فيه على المنع من روايه الحديث بحجه شغل القلوب
بالقرآن
وحده، كانت تصدر فى الوقت ذاته وصايا بتعلم الشعر
والاهتمام
به!
فقد كتب عمر بن الخطاب الى ابى موسى الاشعرى - عامله
على البصره- : (ان مر من قبلك بتعلم العربيه، فانها
تدل على
صواب الكلام، ومرهم بروايه الشعر، فانه يدل على
معالى
الاخلاق).
ترى والحديث النبوى، الا يدل على صواب فهم القرآن،
ومعرفه
الاحكام والسنن، ومعالى الاخلاق؟!
وايما اشغل للناس عن القرآن ومعرفته: روايه الحديث،
ام روايه
الشعر؟!
الا يثير هذا استفهاما لا تحمل له كل اخبار المنع من
التدوين
وما قيل فى تبريرها جوابا؟!
اهو مجرد تناقض بين قولين؟! ام الامر كما ذهب اليه
السيد
الجلالى، حين راى ان السبب الحقيقى لمنع روايه
الحديث هو
صد الناس عن احاديث تذكر بحقوق اهل البيت(ع)
ومنزلتهم،
لما فى تذاكرها وتداولها من آثار غير خافيه على
الخليفه!.
فلنقل اذن: ان (مصلحه امن الدوله) هى التى اقتضت منع
روايه احاديث النبى(ص)، وليس شيئا آخر تعود فيه
التهمه الى
الحديث النبوى نفسه، كما فى هذا العذر الذى راى
الحديث
يصد عن القرآن!!
او تعود فيه التهم والطعون على القرآن الكريم نفسه!
كما فى
العذر الاخر، الاتى:
اختلاط السنه بالقرآن:
هو ثانى اهم الحجج التى فسر بها المنع عن تدوين
السنه.
فاذا كان فى الصحابه من يقع فى مثل هذا الوهم، كالذى
حصل
فى دعاء الخلع، ودعاء الحفد، وسنه الرجم، وعدد
الرضعات،
وغيرها.
فان هذا كله قد حسمه جمع القرآن فى المصحف المرتب،
وقد
حصل هذا مبكرا جدا بعد وفاه الرسول(ص)، فلم يبق بعد
ذلك
ادنى قيمه لوهم يحصل من هذا النوع، فهذه الاوهام
المنقوله
فى الصحاح والسنن عن بعض الصحابه، لم توثر شيئا،
ولا زادت
فى القرآن ولا نقصت منه.
اما اذا حصل الوهم والخلط بعد جيل الصحابه، فهو
اولى ان
يهمل ولا يعتنى به.
ان التمسك بمثل هذه الشبهه يوقع اصحابه باكثر من
تناقض:
× فمره يناقضون ما سلموا به من انتهاء جمع القرآن فى
مصحف
على اتم صوره، وعلى شرط التواتر..!
× ومره يناقضون ما سلموا به من اعجاز القرآن، وان
الحديث
النبوى ليس معجزا، بل ولا الحديث القدسى معجز!
× ومره يناقضون ما احتجوا به لسلامه القرآن من ادنى
تغيير او
تحريف، من قوله تعالى: (انا نحن نزلنا الذكر وانا له
لحافظون)«الحجر-5/91» فكيف يخشون اختلاط الحديث
بالقرآن؟! وقد نزلت هذه الايه قبل هذا العهد تقول
لهم: اكتبوا
احاديث نبيكم، واكتبوا العلم ولا تخشوا اختلاط ذلك
بالقرآن،
لانا (نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون).
ومهما كان فلا تنجو هذه الحجه من ان تمس سلامه
القرآن
الكريم، وهذا ما لا يريده اصحابها بحال، ولكن
اوقعهم به من
حيث لا يشعرون دفاعهم عن هذه السيره وما راوه من
لزوم
تبريرها، والحق انه ليس شىء من ذلك بلازم، فما كل
راى
يتخذه صحابى يلزمنا تبريره والدفاع عنه، ولا كل
قرار يتخذه
الخليفه كذلك!
خلاصه ونتائج:
من هذه القراءه السريعه لتاريخ السنه فى ربع قرن
تحصل ان
السنه فى هذا العهد كانت تواجه معركه حقيقيه متصله
الحلقات:
× فالرجوع اليها فى الفتيا قد صدر فيه المنع مبكرا.
× و التحدث بها و نشرها لمن لم يسمعها صدر فيه اكثر
من قرار
بالمنع.
× ومن عنى بالحديث ونشره صدر بحقه قرار الحبس فى
المدينه مع الانذار والتهديد.
× وما كتب منها تعرض للاحراق والاتلاف، دون تمييز
بين
الاحكام والفرائض، وبين الاداب والمفاهيم
والعقائد، فكان
الاحراق والاتلاف يقعان على الكتاب بمجرد العثور
عليه، دون
ادنى نظر فيه، كما مر عن عمر فى ما جمعه من كتب
الحديث
التى كتبها بعض الصحابه.
وروى شىء من ذلك عن عبداللّه بن مسعود، فى حديث
عبد
الرحمن الاسود عن ابيه، قال: جاء علقمه بكتاب من مكه
او
اليمن، صحيفه فيها احاديث فى اهل البيت، بيت
النبى(ص)،
فاستاذنا على عبداللّه فدخلنا عليه فدفعنا اليه
الصحيفه، فدعا
الجاريه ثم دعا بطست فيه ماء، فقلنا له: يا ابا عبد
الرحمن،
انظر، فان فيها احاديث حسانا.. فجعل يميثها فيها
ويقول: (نحن
نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا
القرآن)«يوسف
- 12/3» القلوب اوعيه فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها
بما سواه!!.
لكن قد ثبت عن ابن مسعود ايضا خلاف ذلك، اذ اخرج
ابنه عبد
الرحمن كتابا وحلف انه خط ابيه بيده.
فهذان موقفان متناقضان لابن مسعود من التدوين، على
فرض
صحه الروايتين معا، ويمكن تفسير هذا التناقض
بوجوه، منها:
ا - انه قد عدل عن رايه، فاجاز الكتابه، وكتب بنفسه
بعد ان كان
يمنع منها.
ب - ان يكون قد كتب لنفسه خاصه لاجل ان يحفظ فلا
ينسى،
كما كان يفعل بعضهم اذ يكتب ليحفظ ثم يمحو ما كتب.
ج - ان يكون واثقا بحفظه وصحه ما يكتبه، شاكا بضبط
غيره
الى حد جعله كالمتيقن من تسرب الوهم والغلط اليهم،
لشده
اعتداده بضبطه، كما هو شانه المعروف فى القرآن
الكريم اذ
كان قد غضب غضبا شديدا على عثمان حين اسند مهمه جمع
المصحف الى زيد بن ثابت ولم يسندها اليه، فكان يقول:
لقد
قرات من فى رسول اللّه(ص) سبعين سوره وزيد له ذوابه
يلعب
مع الغلمان!.
د - ان يكون موقفه من تلك الصحيفه التى اماثها عائدا
الى
موضوعها، فهى صحيفه جمعت احاديث فى موضوع واحد، وهو
موضوع منازل وفضائل اهل البيت عليهمالسلام،
فاماتها لاجل
اختصاصها بهذا الموضوع، وليس لكونها صحيفه جمعت
شيئا
من الحديث النبوى. ولعل هذا هو اضعف الوجوه، خصوما
حين
ينسب الى عبداللّه بن مسعود الذى ورد عنه حديث كثير
فى
فضائل اهل البيتعليهالسلام، وقد اثبت فى مصحفه
(يا ايها
الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك ان عليا مولى
المومنين وان
لم تفعل فما بلغت رسالته)«المائد - 5/67».
ه - ان يكون معتقدا جواز التدوين فكتب بناء على
اعتقاده هذا،
وهو فى الوقت ذاته متحفظ من نشر كتب الحديث لعله كان
يراها، وقد كشف هنا عنها بقوله: (القلوب اوعيه،
فاشغلوها
بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه).
ولاجل ذلك اتلف الكتاب الذى رآه. وهذا هو الراجح فى
تفسير
موقفه، يدل عليه نفس حديث ولده عبد الرحمن، فهو حين
اخرج لهم الكتاب كان يحلف لهم انه بخط ابيه، فهذا
كاشف عن
ان الظاهر من حال ابيه والمعروف عنه هو المنع من
تدوين
الحديث، وهذا هو الذى الجاه الى القسم.
ومع اى واحد من هذه الوجوه الخمسه فان الثابت فى
قناعه
ابن مسعود هو ان الاصل فى السنه جواز التدوين، وان
المنع
منه كان لراى رآه وليس هو بامر من النبى(ص)، وهذا
بعينه هو
المستفاد من موقف ابى بكر وعمر.
× ولو رضينا بكل ما قيل فى تبرير هذه السياسه
والاعتذار عنها،
فهل ستجيب تلك التبريرات على بضعه اسئله تطرحها هذه
الحاله؟!
ومن هذه الاسئله:
1 - لماذا السنه؟: هل ترك النبى سنته للاحراق
والاتلاف؟! ام
تركها نورا وتبيانا وهدى ودستورا؟!
2 - منزله السنه: هل يحق للصحابه مجتمعين تطويق السنه
النبويه ومحاصرتها بهذه الطريقه او بما هو ادنى
منها؟!
3 - الامانه على السنه: هل وجد الصحابه الذين واجهوا
السنه
بهذه الطريقه، او الذين تحفظوا عن روايتها خشيه
الوهم، هل
وجدوا انفسهم مستامنين على السنه النبويه وحفظها
وصيانتها
ونشرها وتعليمها لمن لم يعلم، وتبليغها لمن لم
يبلغه منها الا
القليل فى عصرهم، ولمن لم يبلغه منها شىء من
الاجيال
اللاحقه؟!
4 - السنه لمن؟: هل الاجيال اللاحقه ملزمه بهذه السنه
النبويه
بكاملها؟! ام كانت السنه خاصه بجيل الصحابه
ليحتفظوا بها
لانفسهم عن طريق التورع عن الحديث! او سدا لباب
الاختلاف
فى الروايه! او خشيه الانشغال عن القرآن! او خشيه
الهلاك كما
هلك اهل الكتاب؟!
المبحث الثانى: الموقع التشريعى
والبحث هنا لا بد ان يقع فى قسمين، يتناول الاول مدى
تتبع
السنه لاجل العمل بها والتزام حدودها وضوابطها،
ويتناول
الثانى ما كان على خلاف ذلك، ليس على مستوى التجميد
والتعطيل اذ هما داخلان فى الاول، بل على مستوى
الخرق
والاستبدال باحكام جديده فى المسائل ذاتها التى
اجابت عنها
السنه عملا وقولا، مما يمكن ادراجه تحت عنوان
(الاجتهاد فى
قبال النص).
القسم الاول:
له شواهد كثيره ايجابا وسلبا، وقد تقدم فى المبحث
الاول
الشىء الكافى منها، اذ هناك بلا شك تطبيق لكثير من
السنن،
وتمسك بها، ورجوع اليها، وتتبع لها، فكثيرا ما تعرض
المساله
على الخلفاء فيستدعون نفرا من علماء الصحابه
يسالونهم ان
كانوا قد سمعوا فيها شيئا من رسول اللّه(ص) فيقضون
به. وقد
حفظت كتب السنن من امثله هذا الشىء الكثير، وربما
كان ما
اهملته اكثر، لانه انما يجرى وفق العاده المتوخاه
والمجرى
الطبيعى لنظم الحياه وفق المنهج الدينى، ومن طبيعه
التاريخ
انه لا يعنى كثيرا بالامر المالوف والمعتاد وما
يجرى وفق السير
الطبيعى للحياه.
وفى الجانب السلبى من هذا القسم تقدمت ايضا شواهد
مهمه،
كان ابرزها قرار ابى بكر بمنع الفتيا بالسنه
والاكتفاء بالقرآن،
وقرار عمر بمنع روايه السنه وحبس الرواه لها.
من هنا راينا ان الحديث فى هذا القسم قد استوفى ضمنا
فى
المبحث الاول، لنبسط القول بالقدر المناسب فى
القسم الثانى.
القسم الثانى: الاجتهاد فى قبال النص
وهذا اول انواع الراى الباطل، كما احصاها ابن
القيم، وقال: وهذا
مما يعلم بالاضطرار من دين الاسلام فساده وبطلانه،
ولا تحل
الفتيا به ولا القضاء وان وقع فيه من وقع بنوع تاويل
وتقليد.
غير ان هذا النوع من الراى قد ظهر فى هذا العهد
ايضا، ظهر
تحت عنوان النظر الى المصلحه كما يقدرها صاحب
الراى!
اى ان المجتهد هنا يرى ان المصلحه - مصلحه الدوله
والامه -
هى الاصل، وان نصوص الكتاب والسنه ما جاءت الا
لرعايه
مصالح العباد، فعندما يرى ان النص القرآنى او
الحديثى يضر
بالمصلحه، وان المصلحه بتعطيله واستبداله بما
يوافقها،
عندئذ يفتى بما يراه بديلا عن النص!
والمشكله هنا تقع مره فى تشخيص المصلحه، ومره فى
تقدير
مدى موافقه او مناقضه الحكم لها.
ولقد كان هذا ظاهرا فى فقه عمر اكثر ما يكون، وربما
ظهر منه
ذلك حتى بين يدى النبى(ص)! كالذى كان يوم الخميس،
قبيل وفاه النبى(ص)، والنبى يقول: (ايتونى اكتب لكم
كتابا لا
تضلوا بعدى) فيصيح عمر بالحاضرين: (ما له؟! اهجر؟!
حسبنا
كتاب اللّه!)! وما زال يمنع منها حتى كثر التنازع
فغضب النبى
واخرجهم من عنده.
فعل هذا عمر حين قدر ما كان النبى يضمره، وقدر ان
ذلك
سوف لا يحقق المصلحه، وان المصلحه فى خلافه! هذا ما
قاله
هو فى تفسير موقفه.
اذن راى لنفسه الحق فى الوقوف امام النبى وامره! حين
راى
انه كان اقدر من النبى على تشخيص المصلحه واصدار
الاحكام
المناسبه!
ولو جاز ذلك التصور، فى منطق ما، وكان الذى قدره عمر
هو
الاوفق بالمصلحه، لكانت تلك هى المصلحه العاجله
الظاهره
له، دون المصلحه الحقيقيه التى كره عمر
بواكيرها.وماذا لو
كره نفر من قريش ما اراده النبى اليوم لحفظ الدين
وصونه؟!
الم يكن ذلك النفر قد كره دعوه النبى فى ايامها
الاولى، ثم
صار بعد يقاتل دونها؟!
الم يكن منهم من كره النبى ودعوته وافنى خيله ورجله
فى
محاربتها حتى اسقط فى يديه يوم دخلت عليه جيوش
النبى
مكه؟!
فهل كانت المصلحه فى ما يحبون؟! ام كان الخير كله فى
ما
يكرهون؟!
ولئن كان الذى رآه عمر مصلحه عاجله، هو حقا كما رآه،
فلسريعا ما كان مفتاحا لمفسده واى مفسده!
انه الباب الذى كان مهيئا لكل ذى ضغينه على هذه
الرساله
وصاحبها ان يقتحموه الى حيث يطمحون، الم يكن هو
الباب
الى (الرزيه، كل الرزيه)؟!
هذا ما قاله حبر الامه ابن عباس، وهو الذى نقشته
الاحداث
على جبين التاريخ الاسلامى، احب ذلك احد ام كره!
× ولقد اخذ عمر على نفسه مره رده على النبى(ص) بحسب
تقديره للمصلحه، وذلك فى قصه الحكم بن كيسان، اذ
جىء به
اسيرا الى النبى(ص)، فجعل النبى(ص) يدعوه الى
الاسلام،
فاطال، فقال عمر: علام تكلم هذا يا رسول اللّه؟!
واللّه لا يسلم
هذا آخر الابد، دعنى اضرب عنقه ويقدم على امه
الهاويه!
فكان النبى(ص) لا يقبل على عمر، حتى اسلم الحكم!
قال عمر: فما هو الا ان رايته اسلم حتى اخذنى ما تقدم
وما
تاخر، وقلت، كيف ارد على النبى(ص) امرا هو اعلم به
منى، ثم
اقول انما اردت بذلك النصيحه للّه ولرسوله؟!
قال عمر: فاسلم واللّه، فحسن اسلامه، وجاهد فى
اللّه حتى قتل
شهيدا ببئر معونه ورسول اللّه راض عنه، ودخل
الجنان!.
هذا ما قاله عمر باخلاص عن نفسه: (كيف ارد على النبى
امرا
هو اعلم به منى، ثم اقول انما اردت بذلك النصيحه
للّه
ولرسوله؟!)
فكيف يحق لمن جاء بعده ان يتمسك بهذه المقوله ذاتها
التى
انكرها عمر على نفسه، كلما وقف على مساله لعمر رد
فيها على
النبى(ص) او رد فيها نصا من نصوص القرآن الكريم؟!
× واخرى:
اللّه تعالى فى كتابه الكريم قد عنف عمر، وابا بكر
معه،
لتقديمهما الراى بين يدى النبى(ص) بغير اذن منه،
وبحسب
تقديرهما للمصلحه! عنفهما بايات شداد:
قال تعالى: (يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى
اللّه ورسوله
واتقوا اللّه ان اللّه سميع عليم) «الحجرات - 49/1».
(يقول: لا تعجلوا بقضاء امر فى حروبكم او فى دينكم
قبل ان
يقضى اللّه لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف امر اللّه
وامر
رسوله)، (نهوا ان يتكلموا بين يدى كلامه).
قال تعالى فى الايه اللاحقه: (يا ايها الذين آمنوا
لا ترفعوا
اصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر
بعضكم
لبعض ان تحبط اعمالكم وانتم لا تشعرون) «الحجرات -
49/2»
.. وقصتها انه قدم وفد تميم، منهم الاقرع بن حابس،
فكلم ابو
بكر النبى(ص) ان يستعمله على قومه، فقال عمر: لا تفعل
يا
رسول اللّه! فتكلما حتى ارتفعت اصواتهما عند
النبى(ص)،
فنزلت الايات.
قال ابن ابى مليكه: كاد الخيران ان يهلكا، ابو بكر
وعمر! رفعا
اصواتهما عند النبى(ص).. القصه.
وهذا الذى يخشى ان تكون عاقبته حبط الاعمال، انما
هو
التقديم بالراى بغير اذن منه، ورفع الصوت فوق صوته،
فكيف
مع رد امره وتعطيل شىء من سننه؟!
ايحق مع كل هذا ان يقال انهما ارادا المصلحه
والنصيحه للّه
ولرسوله؟!
هذا قول مختلف عن قول اللّه عز وجل: (لا تقدموا بين
يدى اللّه
ورسوله) و (لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبى).. (ان
تحبط
اعمالكم وانتم لا تشعرون).
فكما لا يصح هذا الاعتذار لما وقع فى عهد النبى(ص)
وايام
صحته ونشاطه، فلا يصح شىء منه ايضا مع ما وقع ايام
مرضه
وبعد وفاته!
وبعد وفاته، وفى ربع قرن، ظهر شىء كثير من هذا
النوع من
الاجتهاد، اجتهاد مع وجود النص، ومن اشهره:
1 - المنع من روايه الحديث:
وقد حث عليها النبى كثيرا، واوصى بها، وامر بها:
(نضر اللّه امرءا سمع مقالتى فبلغها، فرب حامل فقه
غير فقيه،
ورب حامل فقه الى من هو افقه منه).
(الناس لكم تبع، وسياتيكم اقوام من اقطار الارض
يتفقهون،
فاذا اتوكم فاستوصوا بهم خيرا، وعلموهم مما علمكم
اللّه).
(يوشك الرجل متكئا على اريكته يحدث بحديث من حديثى،
فيقول: بيننا وبينكم كتاب اللّه، فما وجدنا فيه من
حلال
استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه!! الا وان
ما حرم
رسول اللّه مثل ما حرم اللّه).
2 - المنع من تدوين الحديث:
وقد اباحه النبى لاصحابه:
حين كان عبداللّه بن عمرو بن العاص يكتب حديث
النبى،
فقالت له قريش: اتكتب عن رسول اللّه كل ما تسمع؟!
وانما هو
بشر! يغضب كما يغضب البشر!! فذكر ذلك للنبى، فقال
له(ص)
وهو يشير الى شفتيه الشريفتين: (اكتب، فوالذى نفسى
بيده ما
يخرج مما بينهما الا حق).
وشكا اليه صحابى كان يسمع الحديث فلا يحفظه، فقال
له(ص): (استعن بيمينك) واشار بيده الى الخط.
وكما فى كتبه الكثيره فى المدينه والى عماله، وهى
مشحونه
بالسنن.
× ولقد امر بكتابه الحديث ايضا، فقال: (قيدوا العلم
بالكتاب).
وقال: (اكتبوا لابى شاه) وقد طلب ابو شاه ان يكتب له
خطبته(ص) بمنى.
وقال: (ايتونى بكتاب، اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده).
وكثير غير هذا، وقد تقدم بحثه آنفا، فهل يصح ان يقال
ان
المنع من روايه الحديث وتدوينه انما كان لمصلحه
الدين
والامه؟!
3 - سهم ذوى القربى من الخمس:
وقد نزل به القرآن، واعطاه النبى(ص) لبنى هاشم وبنى
المطلب، فمنعه ابو بكر وعمر! ونقلاه عن موضعه الى
موضع
آخر فى بيت المال باجتهاد راياه، وربما منح عثمان
بعضه
لبعض قرباه من بنى اميه، مع ان عثمان هو الذى كان قد
سال
النبى(ص): لم لم يعطهم - اى بنى اميه - شيئا مع
قرابتهم،
فيما اعطى بنى المطلب مع بنى هاشم؟!
فقال له النبى(ص): (انما بنو هاشم وبنو المطلب شىء
واحد).
ثم استقر راى ابى بكر وعمر عند فقهاء المذاهب: ابى
حنيفه
ومالك واحمد، وخالفهم الشافعى والطبرى فاثبتا حق
قربى
الرسول فيه.
4 - سهم المولفه قلوبهم:
نزل به القرآن، وعمل به النبى(ص)، فمنع منه عمر فى
مطلع
خلافه ابى بكر، فوافقه ابو بكر! فترك هذا الباب لا
ينظر اليه!
واغرب ما فى هذا الباب دعوى الاجماع، لسكوت الصحابه
وعدم
مخالفه احدهم! ناسين ان هذا الامر لم يرفع الى
الصحابه لينظر
ما يقولون، ولا خرج مخرجا يوحى بوجود مطمع فى
تعديله او
مناقشته، وانما صدر امرا سلطانيا لا ترديد فيه: جاء
نفر من
مولفه المسلمين الى ابى بكر يطلبون سهمهم، فكتب لهم
به،
فذهبوا الى عمر ليعطيهم واروه كتاب ابى بكر، فابى
ومزق
الكتاب، فرجعوا الى ابى بكر، فقالوا: انت الخليفه
ام عمر؟! فقال:
بل هو، ان شاء!!
فاى محل الان لمراجعه صحابى ومعارضته؟! وكيف يسمى
مثل هذا اجماعا؟!.
اما دعوى ان عثمان وعليا لم يعطيا احدا من هذا
الصنف، فقد
اجيب عنها، بانها (لا تدل على ما ذهبوا اليه من سقوط
سهم
المولفه قلوبهم، فقد يكون ذلك لعدم وجود الحاجه الى
احد
يتالفوه آنذاك، وهذا لا ينافى ثبوته لمن احتاج اليه
من الائمه،
على ان العمده فى الاستدلال هو الكتاب والسنه، فهما
المرجع
الذى لا يجوز العدول عنه بحال).
وفسر بعضهم راى عمر بانه اجتهاد منه، اذ راى انه ليس
من
المصلحه اعطاء هولاء بعد ان ثبت الاسلام فى
اقوامهم، وانه لا
ضرر يخشى من ارتدادهم عن الاسلام.
وعلى هذا فلا يعد سهم المولفه قلوبهم ساقطا ليقال
بمعارضه
الكتاب والسنه، وانما توقف العمل به لانتفاء
موضوعه، واذا ما
وجدت الحاجه اليه عاد للظهور فى اى زمان ومكان.
وبهذا قال بعض فقهاء الجمهور، وهو جيد حين يكون
تقدير
الموضوع دقيقا وحكيما، فيكون حكمه حكم سهم (الرقاب)
المخصص لتحرير الرقيق، حين يمر على المسلمين عهد
ليس
فيهم رقيق يطلب عتقهم، فسوف يتوقف العمل بهذا السهم
ولكن من غير ان يكون ذلك ناسخا للحكم.
لكن السوال ما زال قائما: هل كانت عله هذا الحكم هى
ضعف
الاسلام وحاجته الى قوه هولاء، لا غير، لينتفى عند
انتفاء علته؟!
قال بعض فقهاء الجمهور: ان المقصود من دفعها اليهم
ترغيبهم فى الاسلام لاجل انقاذ مهجهم من النار، لا
لاعانتهم
لنا حتى يسقط بفشو الاسلام.
وقال محمد رشيد رضا: (اننا نجد دول الاستعمار
الطامعه فى
استعباد جميع المسلمين وفى ردهم عن دينهم، يخصصون
من اموال دولهم سهما للمولفه قلوبهم من المسلمين،
فمنهم
من يولفونه لاجل تنصيره واخراجه من حضيره الاسلام،
ومنهم
من يولفونه لاجل الدخول فى حمايتهم ومشاقه الدول
الاسلاميه والوحده الاسلاميه، ككثير من امراء
جزيره العرب
وسلاطينها!! افليس المسلمون اولى بهذا منهم؟!).
فليس الامر اذن منوطا بعله واحده استطاع عمر
استنباطها
بدقه، فوقف الحكم عليها.
ولقد قسم فقهاء الاسلام المولفه قلوبهم الى اصناف
عديده، لا
يكاد يخلو زمان من بعضها، ولا تشترك صفاتهم بالصفه
التى
اعتمدها عمر فى اجتهاده، بل لكل صنف صفته الخاصه،
ولقد
كان تصنيفهم قائما اساسا على اختلاف صفاتهم، حتى
جعلوهم
سته اصناف على هذا الاساس.
واخيرا، حتى عند الرضا بما قيل فى تصحيح اجتهاد
عمر، فان
مثله لا يصلح جوابا عن اجتهاده وابى بكر السابق فى
اسقاط
سهم ذوى القربى من الخمس وصرفه الى اى جهه اخرى، فان
اللّه تعالى الذى انزل هذا النص انزله على علم
بمصالح عباده،
وحكمه فى وضع الاشياء فى مواضعها، علم وحكمه غنيان
عن
استدراكات البشر، سواء كانوا حكاما او لم يكونوا،
بل كل
استدراك من هذا القبيل فهو رد على اللّه تعالى،
وليس تقديما
بين يديه وحسب!!
5 - متعه النساء ومتعه الحج:
قال عمر بن الخطاب فى خطبه له: (متعتان كانتا على عهد
رسول اللّه(ص) انا انهى عنهما واعاقب عليهما: متعه
النساء،
ومتعه الحج).
اما متعه النساء: فقد نزل بها القرآن: (فما استمتعتم
به منهن
فاتوهن اجورهن) «النساء - 4/24».
واخرج الطبرى ان فى قراءه ابى بن كعب وابن عباس: (فما
استمتعتم به منهن - الى اجل مسمى - فاتوهن اجورهن).
واذن النبى(ص) بها، قال عبد اللّه بن مسعود: كنا نغزو
مع
رسول اللّه(ص) ليس لنا نساء، فقلنا، الا نستخصى؟
فنهانا عن
ذلك، ثم رخص لنا ان ننكح المراه بالثوب الى اجل. ثم
قرا
عبداللّه: (يا ايها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما
احل اللّه لكم
ولا تعتدوا ان اللّه لا يحب المعتدين) «المائده -
5/87».
وجاء عنه من وجه آخر انه قال: (كنا ونحن شباب، فقلنا:
يا
رسول اللّه، الا نستخصى؟...) الحديث، ولم يقل: كنا
نغزو!.
وقال جابر بن عبداللّه الانصارى: (استمتعنا على عهد
رسول اللّه
وابى بكر وعمر).
وقال: (كنا نستمتع بالقبضه من التمر والدقيق،
الايام، على
عهد رسول اللّه(ص) وابى بكر، حتى نهى عنه عمر فى شان
عمرو بن حريث).
وذكر البيهقى: ان ربيعه بن اميه استمتع بامراه
فحملت منه،
فخرج عمر يجر رداءه فزعا، فقال: هذه المتعه! ولو كنت
تقدمت
فيها لرجمت!.
فهذه الاخبار الصحيحه كلها هى الموافقه لقول عمر:
(متعتان
كانتا على عهد رسول اللّه، انا انهى عنهما واعاقب
عليها)
وشاهده على ان ما ورد فى تحريمها مرفوعا الى
النبى(ص) لم
يصح عنه.
واما متعه الحج: فهى الاخرى نزل بها القرآن: (فمن
تمتع
بالعمره الى الحج فما استيسر من الهدى) «البقره -
2/196»
وامر بها النبى(ص) فى حجته الوحيده بالمسلمين،
المعروفه
بحجه الوداع.
× قيل لعبداللّه بن عمر فى متعه الحج: كيف تخالف
اباك وقد
نهى عن ذلك؟!
فقال: ويلكم! الا تتقون اللّه؟! ان كان عمر نهى عن
ذلك
فيبتغى فيه الخير؟! فلم تحرمون ذلك وقد احله اللّه
وعمل به
رسول اللّه(ص)؟ افرسول اللّه احق ان تتبعوا سنته، ام
سنه
عمر؟!.
× قال عروه بن الزبير لابن عباس: الا تتقى اللّه!
ترخص فى
المتعه؟!
قال ابن عباس: سل امك يا عريه!
فقال عروه: اما ابو بكر وعمر فلم يفعلا.
قال ابن عباس: واللّه ما اراكم منتهين حتى يعذبكم
اللّه،
نحدثكم عن رسول اللّه(ص) وتحدثون عن ابى بكر وعمر!!
او
قال: اراهم سيهلكون، اقول: قال رسول اللّه، ويقولون:
قال ابو
بكر وعمر!!.
وقد اخرج مسلم نحو هذا النزاع بين ابن عباس وابن
الزبير،
فيدعو ابن عباس الحضور ان يسالوا ام ابن الزبير،
فيسالونها
فتصدق قوله.. ثم ذكر للحديث وجهين آخرين، فى احدهما
ذكر (المتعه) ولم يقل متعه الحج، وفى الاخر يقول
راويه: لا
ادرى متعه الحج او متعه النساء؟.
× وجمع الامر كله عمران بن حصين فقال: نزلت آيه
المتعه فى
كتاب اللّه - يعنى متعه الحج - وامرنا بها رسول
اللّه(ص)، ثم لم
تنزل آيه تنسخ آيه متعه الحج، ولم ينه عنها رسول
اللّه(ص)
حتى مات، قال رجل برايه بعد ما شاء!.
وعلى قرار المنع منها - خلافا للكتاب والسنه - سار
عثمان
ايضا، وتابعه معاويه فى ايامه، حتى ظن الناس - وفيهم
صحابه
- انها السنه! كالضحاك بن قيس، وهو صاحب معاويه
ويزيد ثم
صاحب ابن الزبير بعدهما، فقد ذكر متعه الحج فقال: لا
يصنع
ذلك الا من جهل امر اللّه!
فقال له سعد بن ابى وقاص: بئس ما قلت يا ابن اخى! قال:
فان
عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك!
قال سعد: قد صنعها رسول اللّه(ص) وصنعناها معه.
هكذا تصبح السنن فى نظر هولاء حين يعتريها التغيير،
وتتوالى
عليها العهود!
× اما اصل هذا الموقف من متعه الحج فهو اقدم من عهد
عمر،
وان له سرا خطيرا وقد كشف عنه البخارى ومسلم عن ابن
عباس، قال: كانوا يرون - اى فى الجاهليه - ان العمره
فى اشهر
الحج من افجر الفجور فى الارض. ويجعلون المحرم
صفرا،
ويقولون: اذا برا الدبر، وعفا الاثر، وانسلخ صفر،
حلت العمره
لمن اعتمر.
فقدم النبى(ص) واصحابه صبيحه رابعه مهلين بالحج،
فامرهم
ان يجعلوها عمره، فتعاظم ذلك عندهم! فقالوا: يا رسول
اللّه!
اى الحل؟! قال: (الحل كله).
وفى حديث البراء، قالوا: كيف نجعلها عمره وقد
احرمنا بالحج؟!
فقال لهم(ص): (انظروا الذى آمركم به فافعلوه) فردوا
عليه
القول، فغضب، ثم انطلق حتى دخل على عائشه غضبان،
فرات
الغضب فى وجهه، فقالت: من اغضبك؟! اغضبه اللّه!
قال: (وما لى لا اغضب وانا آمر بالامر فلا اتبع؟!).
فهل يصح ان يقال: كان هذا الخلاف والرد على الرسول
اجتهادا، ولاجل المصلحه التى رآها هولاء الصحابه؟!
6 - صلاه المسافر:
صلى عثمان وعائشه فى السفر تماما، ولم يقصرا، فيما
كان
القرآن والسنه بالقصر.
اتمها عثمان بمنى، وفعلها معه طوائف، وكان ابن عمر
اذا صلى
معه اربع ركعات، انصرف الى منزل فاعادها ركعتين!
وسئل عروه بن الزبير: لم كانت عائشه تتم فى السفر
وقد
علمت ان اللّه تعالى فرضها ركعتين؟!
فقال: تاولت من ذلك ما تاول عثمان من اتمام الصلاه
بمنى!
واعتل عثمان بمنى فاتى على، فقيل له: صل بالناس.
فقال: ان
شئتم صليت بكم صلاه رسول اللّه(ص). يعنى ركعتين.
قالوا: لا، الا صلاه امير المومنين! يعنون عثمان،
فابى.
|