فيما كان ابن عمر يقول: (صلاه السفر ركعتان، من ترك السنه فقد كفر) رفعه مره الى رسول اللّه(ص) وروى مره موقوفا عليه. الذى نزل به القرآن: (الطلاق مرتان) «البقره - 2/229» بينهما رجعه، فان تراجعا بعد الطلاق الثانى ثم طلقها ثالثا (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) «البقره - 2/230». اما ان يكرر لفظ الطلاق ثلاث مرات، فهذا طلاق واحد، والتكرار هذا (لعب بكتاب اللّه) كما وصفه النبى(ص)!. ولقد كان هذا النوع الاخير من الطلاق، والمعروف بالطلاق الثلاث فى مجلس واحد، معدودا طلاقا واحدا على عهد رسول اللّه(ص) وابى بكر وسنتين من خلافه عمر، حتى قال عمر: ان الناس قد استعجلوا فى امر قد كان لهم فيه اناه، فلو امضيناه عليهم! فامضاه عليهم. فهذا الذى امضاه عمر، ومضى عليه اصحاب المذاهب الاربعه، ولم يخالف فيه الا نفر من فقهائهم (شذوا فى ذلك)! منهم ابن تيميه وابن القيم، ووافقهم بعض المتاخرين، هذا الحكم سوف يترتب عليه حكم آخر هو فى غايه الخطوره والشناعه: فالطلاق الثالث لا رجعه بعده حتى تتزوج المراه رجلا آخر، ويقع بينهما طلاق بائن، بخلاف الطلاق الاول اذ لهما ان يتراجعا ما لم تنقض العده، فبحسب اجتهاد عمر اعط ى الطلاق - الذى كان اولا بحكم القرآن والسنه - حكم الطلاق الثالث، فمنع رجوع الزوجين، واوجب نكاحا جديدا! واغرب ما قاله المتاخرون فى تبرير هذا الاجتهاد، قول ابن القيم بان هذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان!! هذا القول الذى جعل فتوى الصحابى تشريعا مقابلا للكتاب والسنه!! كذا قال ابن القيم صراحه، قال: (فهذا كتاب اللّه، وهذه سنه رسول اللّه(ص)، وهذه لغه العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفه رسول اللّه(ص)، والصحابه كلهم معه فى عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عدهم العاد باسمائهم واحدا واحدا لوجد انهم كانوا يرون الثلاث واحده اما بفتوى واما باقرار... ولهذا ادعى بعض اهل العلم ان هذا اجماع قديم، ولم تجمع الامه على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتى به، قرنا بعد قرن، والى يومنا هذا) فذكر جماعه من الصحابه افتوا بهذا بعد فتوى عمر، مخالفين رايه، ماضين على ما كان على العهد الاول، منهم: على، وابن عباس، والزبير، وعبد الرحمن، وابن مسعود، ثم ذكر بعض التابعين وتابعيهم، ثم قال: (والمقصود ان هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنه والقياس والاجماع القديم، ولم يات بعد اجماع يبطله، ولكن راى امير المومنين عمر رضى اللّه عنه ان الناس قد استهانوا بامر الطلاق، كثر منهم ايقاعه جمله واحده، فراى من المصلحه عقوبتهم بامضائه عليهم.. فراى عمر ان هذا مصلحه لهم فى زمانه، وراى ان ما كانوا عليه فى عهد النبى(ص) وعهد الصديق وصدرا من خلافته كان الاليق بهم... × فهذا مما تغيرت به الفتوى لتغير الزمان! × وعلم الصحابه - رضى اللّه عنهم - حسن سياسه عمر وتاديبه لرعيته فى ذلك، فوافقوه على ما الزم به.. × فليتدبر العالم الذى قصده معرفه الحق واتباعه من الشرع والقدر: فى قبول الصحابه هذه الرخصه والتيسير على عهد رسول اللّه(ص) وتقواهم ربهم تبارك وتعالى فى التطليق، فجرت عليهم رخصه اللّه وتيسيره شرعا وقدرا. فلما ركبت الناس الاحموقه وتركوا تقوى اللّه.. اجرى اللّه على لسان الخليفه الراشد والصحابه معه، شرعا وقدرا، الزامهم بذلك وانفاذه عليهم... وهذه اسرار من اسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول ابناء الزمن!. فهذا مصدر جديد من مصادر التشريع لم يعرفنا به القرآن، ولا عرفنا به النبى، بل الذى عرفنا به القرآن والسنه هو خلاف ذلك تماما! فهل عرفنا القرآن او السنه ان اللّه تعالى سوف ينسخ احكاما منزله بعد موت النبى، بوحى جديد من نوع آخر، فيجرى على لسان الخليفه الراشد احكامه الجديده الناسخه لاحكام القرآن والسنه؟! اليس هذا من جنس عقائد غلاه الباطنيه بائمتهم؟! × × × المرحله الثانيه السنه فى عهد الامام على(ع)(35 - 40ه) على(ع) له مع السنه علاقه اخرى، يميزها بعدان: البعد الاول: علمه بها.. علما شموليا وتفصيليا، مستوعبا لافرادها، عارفا بحدودها ومواقعها، وليس هذا محض ادعاء، بل حقيقه ثابته لم يكن يخفيها، فلطالما افصح عنها فى خطب بليغه يلقيها على الملا العظيم وفيهم كثير من الصحابه الذين عاشوا معه ومع الرسول، وعرفوه وعرفوا غيره من الصحابه، فمن ذلك قوله فى كلام يصنف فيه رواه الحديث الى اربع طبقات، ثم يقول فى مقارنه بينه وبين غيره من الصحابه: (وليس كل اصحاب رسول اللّه(ص) من كان يساله ويستفهمه، حتى ان كانوا ليحبون ان يجىء الاعرابى والطارى فيساله(ع) حتى يسمعوا، وكان لا يمر بى من ذلك شىء الا سالته عنه، وحفظته). وفوق هذا قد كانت هناك عنايه ربانيه خاصه ترعاه، فاذا انزل اللّه تعالى قوله: (وتعيها اذن واعيه) «الحاقه - 69/12» قال رسول اللّه(ص): (سالت اللّه ان يجعلها اذنك يا على) فكان على يقول: (ما سمعت من رسول اللّه(ص) شيئا فنسيته). ويبرهن للناس على علمه التفصيلى الدقيق بالسنه، كما هو فى الكتاب، فى خطاب ياخذ بمجامع القلوب، ما سمع الناس نظيرا له من صحابى غيره قط، فيقول: (وخلف -نبيكم - فيكم ما خلفت الانبياء فى اممها اذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ولا علم قائم: كتاب اللّه، مبينا: حلاله وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وامثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه.. مفسرا مجمله، ومبينا غوامضه.. بين ماخوذ ميثاق علمه، وموسع على العباد فى جهله.. وبين مثبت فى الكتاب فرضه، ومعلوم فى السنه نسخه.. وواجب فى السنه اخذه، ومرخص فى الكتاب تركه.. وين واجب بوقته وزائل فى مستقبله.. ومباين بين محارمه: من كبير اوعد عليه نيرانه، او صغير ارصد له غفرانه.. وبين مقبول فى ادناه موسع فى اقصاه). هذه ابواب من السنن فتحت على علوم جمه توفر عليها، مع بصيره لا يخشى عليها لبس ولا توهم. فهذه صوره عن علمه الشمولى والتفصيلى بالسنه، تلك المرتبه التى لا يشاركه فيها احد من الصحابه، ومن هنا اشتهر عن تلميذه ابن عباس قوله: اعط ى على تسعه اعشار العلم، وانه لاعلمهم بالعشر الباقى!. البعد الثانى: منهجه فى التعامل مع السنه.. والمنهج هو الذى سيحدد عنده موقع السنه، وطريقته فى التعامل معها روايه وتدوينا.. لقد كانت السنه عنده فى المكان الذى وضعها اللّه ورسوله به، حاكمه غير محكوم عليها، لا تنسخها(مصلحه) فالمصلحه كل المصلحه فى تحكيمها واتباعها، ولقد ضحى بالخلافه مره حفاظا على السنه ان تنتهك او يساء الفهم فى حقيقه مكانتها. رفض ان يبايعوا له بالخلافه على عقد يقرن بسنه النبى سننا اخرى، اذ عرض عليه عبد الرحمن بن عوف ان يبايع له على (كتاب اللّه وسنه رسوله وسيره الشيخين ابى بكر وعمر) فرفض ان يقرن الى كتاب اللّه وسنه رسوله شيئا آخر، فضحى بالخلافه حفظا لمكانه السنه فى درس بليغ لم تقف هذه الامه على جوهره حتى اليوم! ورفض ان يشترى استقرار الحكم ايام خلافته بمداهنه اهل البدع والانحراف الذين انتهكوا السنن وعطلوا الحدود، فى درس عبقرى يظنه القشريون حتى اليوم اخفاقا سياسيا!! ورفض ان يعزز جيشه بكتيبه جاءت تبايع له على خلاف السنه يوم خرج عليه المارقون، قالوا: نبايعك على كتاب اللّه وسنه رسوله وسيره الشيخين! فرفض ان يقرن بكتاب اللّه وسنه رسوله شرطا ولو ادى رفضه الى تمرد هولاء والتحاقهم بالمارقين. ورفض ان يعامل اعداءه ولو مره بخلاف السنه، وهم يمكرون وينكثون ويغدرون. انه الرجل الذى كان منهاجه منهاج القرآن والسنه، لقد كان التجسيد الحى لكتاب اللّه وسنه رسوله. ووفق هذا المنهج سوف نرى له - وباختصار شديد - مواقف وسياسه اخرى مع السنه غير التى رايناها قبله، فلقد دخلت السنه فى عهده بحق فى مرحله اخرى من تاريخها. وسوف نتناول هذه المرحله فى ثلاثه مباحث بايجاز تغنى فيه الشواهد الحيه عن السرد الطويل: انه قبل كل شىء كان كاتبا للحديث بين يدى النبى(ص)، واذا كان قد اشتهر عنه امر الصحيفه (صحيفه على) التى كتبها من حديث رسول اللّه(ص)، وكان يحملها معه فى قائم سيفه، وذكرها البخارى ومسلم واصحاب السنن بطرق شتى، فلم تكن هى كل ما كتبه على من حديث النبى(ص)، بل كان له صحف اخرى غير هذه، وكان له كتاب كبير ليس فيه الا احاديث الرسول(ص) عرف ب(كتاب على) وهو غير تلك الصحيفه التى اختلفوا فى حجمها. × قالت ام سلمه: (دعا النبى باديم، وعلى بن ابى طالب عنده، فلم يزل رسول اللّه(ص) يملى وعلى يكتب، حتى ملا بطن الاديم وظهره واكارعه). مشهوره جدا انباء الحصيفه، لا يكاد يخلو منها واحد من كتب الحديث والسنن، البخارى وغيره، نقلوا منها نصوصا متفرقه، بعضها اشبه بعناوين لما تحويه، وبعضها فيه تفصيل، وقد جمع ابن حجر العسقلانى كثيرا مما نقل عن تلك الصحيفه، وقال: الجمع بين هذه الاحاديث ان الصحيفه كانت واحده، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها، ونقل كل واحد من الرواه عنه ما حفظه. وجمع الدكتور رفعت فوزى ما نقل عن هذه الصحيفه فى كتب الحديث السنيه، فى كتاب اسماه: (صحيفه على بن ابى طالب عن رسول اللّه(ص): دراسه توثيقيه فقهيه). حديث ام سلمه المتقدم يصف كتابا اكبر من هذه الصحيفه التى لا تفارق قائم سيفه، او قراب سيفه! واصبح (كتاب على) علما يتكرر فى احاديث اهل البيت عليهم السلام ، كتاب كبير كانوا يحتفظون به ويتوارثونه: × اخبر احمد بن حنبل ان كتابا كهذا كان عند الحسن بن على يرجع اليه. × واخرج الامام محمد الباقر(ع) هذا الكتاب امام طائفه من اهل العلم، منهم: الحكم بن عتيبه، وسلمه، وابو المقدام، فراوه كتابا مدرجا عظيما، فجعل ينظر فيه حتى اخرج لهم المساله التى اختلفوا فيها، فقال لهم: (هذا خط على واملاء رسول اللّه(ص)) ثم توجه الى الحكم بن عتيبه فقال له: يا ابا محمد! اذهب انت وسلمه وابو المقدام حيث شئتم يمينا وشمالا، فواللّه لا تجدون العلم اوثق منه عدم قوم كان ينزل عليهم جبريل(ع)!. × وعرض هذا الكتاب ايضا الامام الصادق(ع)، والامام الهادى على بن محمد بن على الرضا(ع)، غير مره، يقول: انه بخط على، واملاء رسول اللّه(ص)، نتوارثه صاغرا عن كابر). دعوه صريحه يعلنها على الملا فى مواضع كثيره: × خطب الناس مره، فقال: (قيدوا العلم، قيدوا العلم) يكررها.. اى اكتبوه واحفظوه لئلا يدرس. × وقال فى خطبه اخرى له: (من يشترى منى علما بدرهم؟). قال ابو خيثمه: يعنى يشترى صحيفه بدرهم يكتب فيها العلم.. فاشترى الحارث صحفا بدرهم ثم جاء بها عليا(ع) فكتب له علما كثيرا. وكانت الكتابه عند على وبين يديه مشهوره، حدث بها غير الحارث كثير، منهم الشعبى، وعطاء، وابو رافع وولداه عبيداللّه وعلى وكانا كاتبين عند على(ع)، والاصبغ بن نباته، وغيرهم. وعبداللّه بن عباس ايضا، وكان يكتب الحديث ويامر بكتابته ايضا. × عادت الحياه اذن الى السنه النبويه، وتبدد خطر ضياعها ونسيانها.. تلك هى امانه الرساله ووعيها. تقرا فى احاديثه اهتماما كبيرا ورعايه لامر الكتابه، فى اروع صوره لوعى حضارى بامر الكتابه آنذاك: × يقول: (الخط علامه، فكل ما كان ابين كان احسن). × ويقول للكاتب: (الق دواتك، واطل شق قلمك، وافرج بين السطور، وقرمط بين الحروف). × ويقول: (اطل جلفه قلمك، واسمنها، وايمن قطتك، واسمعنى طنين النون، وحور الحاء، واسمن الصاد، وعرج العين، واشقق الكاف، وعظم الفاء، ورتل اللام، واسلس الباء والتاء والثاء، واقم الزاى وعل ذنبها، واجعل قلمك خلف اذنك يكون اذكر لك). المبحث الثانى: الروايه، قبل التدوين، دخلت عهدا جديدا، رفع عنها الحظر، ودعيت الى سماعها طوائف الناس: × قال على(ع) لاصحابه: (تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس)!. × وخطب فى الناس مره فقال: (خرج الينا رسول اللّه(ص) فقال: اللهم ارحم خلفائى - ثلاث مرات - قيل: يا رسول اللّه، ومن خلفاوك؟ فقال: الذين ياتون من بعدى، يروون احاديثى وسنتى ويعلمونها الناس)!. × وكم قام على فى الناس فذكرهم احاديث قد غابت عنهم زمنا طويلا، منع التحديث بها لربع قرن! كمناشدته فى الرحبه بحديث الغدير، وتذكيره بحديث (ان منكم من يقاتل على تاويل القرآن...) واحاديث فى ذكر اهل البيت وفضلهم، والحديث الذى اعاده على الزبير يوم الجمل، وغيرها كثير.. هكذا كان عهده مع السنه روايه وتدوينا، فهما السبيل الى نشرها وحفظها، والا فمصيرها النسيان والضياع! فى اثناء فتحه لباب الروايه والتدوين كان يكثر التحذير من الكذب على رسول اللّه(ص)، فيقرع اسماعهم بين الحين والحين بحديث النبى(ص): (من كذب على فليتبوا مقعده من النار). وحتى من كذب عليه فى الرويا فادعى مناما يكذب فيه على النبى(ص). هذه الحرفه التى تستدرج اصحابها شيئا فشيئا نحو الكذب والسخريه والاساطير، كانت ممنوعه فى الاسلام، واول ما ظهرت فى عهد عمر بن الخطاب حين اذن لتميم الدارى بالجلوس فى المسجد للقصه! فكان تميم الدارى اول قاص ماذون فى الاسلام! وتميم الدارى هذا هو الرجل النصرانى الذى قدم فى عشره من قومه من ارض فلسطين الى النبى(ص) فى العام التاسع للهجره، بعد فتح مكه بعام، وهو صاحب قصه (الجساسه) التى يرويها عنه مسلم واحمد هذه القصه التى لم يحدث بها احد من الصحابه خلا فاطمه بنت قيس! ولا حفظها عنها سوى الشعبى، رغم ما فيها من الوصف الخطير والتهويل، اذ تقول: ان منادى رسول اللّه(ص) نادى: الصلاه جامعه، فهرع الناس الى المسجد، وكانت هى فى من حضر، فقام النبى على المنبر خطيبا وهو مستبشر، يزف اليهم بشرى، فيقول: (ليلزم كل انسان مصلاه - ثم قال: - اتدرون لم جمعتكم؟ جمعتكم لان تميما الدارى كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع واسلم، وحدثنى حديثا وافق الذى حدثتكم عن مسيح الدجال)! ثم ينقل لهم بنفسه ما حدث به تميم الدارى من انه قذفت به السفينه الى جزيره لا يدرى ما هى! فراى فيها دابه لا يعرف قبلها من دبرها من كثره شعرها! وهذه الدابه تتكلم، فكلمته بلسان طليق! وامرته ان يتوجه الى رجل فى دير فى تلك الجزيره، فتوجه اليه فوجده مكبلا باصفاد الحديد! فحدثه هذا الرجل باشياء من الغيب! ثم عرفه بنفسه، انه المسيح الدجال!! هذا الخبر، على هذه الصوره، ينبغى ان يرويه غير واحد، فالنبى يجمع له الناس ويامرهم ان يلزموا اماكنهم حتى يحدثهم بحديث مصدق لحديثه! ومنذ ذلك الحين والبحر يمخر كل يوم مرات، تجويه السفن المدنيه والعسكريه، وتحلق فوقه الاقمار الصناعيه، ولم يزل امر هذه الجزيره مجهولا! وما بلغ دارون واصحابه نبا هذه الدابه الناطقه باللسان العربى!! لكن البسطاء وذوى القلوب الغافله طفقوا يستلهمون من هذه القصه العبر، فوجدوا فيها درسا متقدما فى الدرايه، فهى مثال رائع لروايه الفاضل عن المفضول، فهذا رسول اللّه(ص) يحدث عن نصرانى اسلم لتوه! وايضا فقد كشفت عنهم كربا وحلت لغزا كان يحيرهم وهم يقراون: (واذا وقع القول عليهم اخرجنا لهم دابه من الارض تكلمهم ان الناس كانوا باياتنا لا يوقنون) «النمل -27/82» حتى اتاهم تميم بنبا (الجساسه) هذه! وقالوا: انما سميت الجساسه لانها تجس الاخبار للمسيح الدجال!!. × فلما اسلم قال لرسول اللّه(ص): ان اللّه مظهرك على الارض كلها، فهب لى قريتى من بيت لحم! فقال له النبى: هى لك.. وكتب له بها، فلما فتحت فلسطين جاء تميم بالكتاب الى عمر، فقال عمر: انا شاهد ذلك.. فامضاه! وذكروا ان النبى قال له: (ليس لك ان تبيع) فهى فى ايدى اهله الى اليوم. ولم تجعل هذه الارض فى بيت المال، لا صرف ريعها فى الكراع والسلاح.. فلا الارض كانت فدكا، ولا تميم كان فاطمه الزهراء!! لكن هل احتاج النبى الى بشرى تميم هذه ليهب له تلك القريه؟! ام ان تميما قد احرز لغده ثمن اسلامه كما فعل النبى مع المولفه قلوبهم؟! لا غرابه، فان تميما لم يزل فى المدينه حتى قتل عثمان، فلما قتل عثمان فر تميم الى الشام!!. ذلك لانه حسن اسلامه جدا! فهو لا يطيق ان يرى عليا فى الخلافه! ولا يسعه الا جوار معاويه! ولاجل تاكيد حسن اسلامه وعظمه ايمانه، قالوا: انه كان يختم القرآن كله فى ركعه!! هكذا، كله فى ركعه واحده!! واساطير مضحكه نسجوها حول تميم، صاحب القصص والاساطير. قالوا: كان عمر يسميه (خير المومنين)! لقد جاءه رجل كان قد اذنب ذنبا، فلبث فى المسجد ثلاثا لا ياكل، ثم جاء عمر فقال: تائب من قبل ان تقدر عليه. فقال له عمر: اذهب الى خير المومنين فانزل عليه. فذهب الرجل طوعا الى تميم الدارى، فهو خير المومنين لا يشك هذا الرجل!!. وذات ليله خرجت نار بالحره، ناحيه المدينه، فجاء عمر الى تميم، فقال: قم الى هذه النار! قال: يا امير المومين، ومن انا؟! ومن انا؟! فلم يزل عمر به حتى قام معه، فانطلقا الى النار، فجعل تميم يحوشها بيده حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها، فجعل عمر يقول: ليس من راى كمن لم ير! قالها ثلاثا! هاتان اسطورتان يرويهما معاويه بن عجلان، قال الذهبى: رجل قالوا انه لا يعرف. لكن ابن حجر العسقلانى سماه (معاويه بن حرمل) وعده فى الصحابه، وقال: هو صهر مسيلمه الكذاب! وكان مع مسيلمه فى الرده، ثم قدم على عمر تائبا! ثم يقول ابن حجر عن هذه القصه: (له قصه مع عمر فيها كرامه واضحه لتميم، وتعظيم كثير من عمر له)!!. ومن هنا يستدلون على وثاقه تميم وعلو منزلته.. من شهاده صهر مسيلمه الكذاب الذى كان معه فى الرده!! واما قصته هو عن (الجساسه) ومسيح الدجال، فلولا ما حظ ى به صحيح مسلم من قداسه لما ارتاب فيها عاقل! وهذه القداسه هى التى حالت دون السوال: كيف صحح مسلم هذه الروايه؟! ان مسلما رجل نشا فى وسط يوثق رجالا وياخذ عنهم الحديث، فوثقهم مسلم.. لقد وثقهم ذلك التاريخ الذى عرفناه، وعرفنا كيف وثقهم! وحين تغفل هذه الحقيقه فقط تنفذ مثل هذه الاساطير... واغرب ما فى الدفاع عن هذه القصه، دفاع الناقد الدكتور الذهبى الذى عاد الى فقرات من القصه نفسها، واكثر فقراتها محل للتهمه والريبه، ليجعلها دليلا على صحتها، اذ يقول.. (وهل يتصور من رسول اللّه(ص) وهو المويد بوحى السماء ان يتقبل من رجل يلوث الاسلام بمسيحياته حديثا كحديث الجساسه، ثم هو لا يكتفى بذلك بل يجمع اصحابه ويحدثهم به ويقرر من فوق منبره صدق حديثه؟!)!!. فانظر كيف اخذ اهم علامات كذب الروايه ليجعله الشاهد على صدقها!! فمن قال لك ان النبى(ص) قد قام مصدقا لهذه الروايه؟! هل سمعته من احد غير هذه الروايه نفسها؟! ان مثل هذه القصه ليست مما يرتاب العقل فى تكذيبها بعد المسح العلمى الدقيق، انها تماما من قبيل روايات تقول: ان الارض تقف على قرن ثور، والثور على ظهر حوت، وهو النون التى فى قوله تعالى: (ن والقلم وما يسطرون) «القلم - 68/1»!! فاذا كان يصدقها بالامس ناس عمدتهم وثاقه الرواه، فليس لهذه الوثاقه اليوم محل امام الكشف العلمى الدقيق والمباشر.. ولا يعاب فى ذلك المتقدمون! ولكن يعاب الذين قرضوا القرن التاسع عشر والقرن العشرين وما زالوا يلتمسون ذلك وراء وثاقه الراوى واهميه المصدر، بدلا من ان يضع ذلك كله موضع الاختبار بناء على هذه الحقائق الملموسه. وتميم هذا هو الذى ابتدا
فاستاذن عمر ان يقص، فاذن له بعد ان رده اولا، فهو اول قاص ماذون فى الاسلام،
فكان يقوم فى المسجد كل جمعه يعظ اصحاب رسول اللّه! قبل ان يخرج عمر الى
الجمعه.. فلما جاء عثمان طلب منه تميم ان يزيده، لان موقفا واحدا فى الاسبوع لا
يكفيه، فزاده عثمان يوما آخر يتحف فيه اصحاب رسول اللّه بمزيد من مواعظه! لكن
فى تلك السنين كان التحدث باحاديث رسول اللّه(ص) ممنوعا! وكان خيار الصحابه من
اولى السابقه والجهاد يحبسون فى المدينه اذا ما حدثوا خارجا عنها بشىء من سنن
النبى ومواعظه!! ان لتميم سرا هو من صنف سر كعب الاحبار، لكن تميما تقدم على
كعب حين ادرك النبى فسمى صحابيا! ولما قتل عثمان لم يعد امر تميم بتلك الدرجه
من الخفاء، انه لم يات عليا يستاذنه فى المضى على شانه، او يستزيده، كلا، بل
ترك المدينه كلها، ضاقت عليه بما رحبت ارض يحكمها على، فليس امامه الا الشام فى
اجواء تنتظر تميما ونظراءه، فخرج الى الشام دون ان يضيع مزيدا من الوقت! لقد
كان عمر يمنع من القصص، ويكذب محترفيها، حتى اقنعه تميم فى نفسه خاصه، لكن عليا
لم ياذن بشىء من ذلك، ولم
يكن تميم بالرجل الساذج او الغبى الذى يلتمس مثل ذلك من
على! ولا هو بتارك مهنته، فترك بلادا تدين لعلى، قافلا الى
حيث تنفق سلعته، وله فى كنف معاويه اوسع جوار!
× والذى لا نزاع فيه ان القصص قد انتشرت فى اواخر عهد عثمان، وبرز قصاصون يقصون فى المساجد، حتى طردهم على(ع)، كما اثبته المروزى وغيره. والشيخ الغزالى يثبت ذلك ايضا، ويقول: ان عليا(ع) منع القص فى المساجد، ولم ياذن الا للحسن البصرى. والشيخ ابو زهره يثبت ذلك بشكل اكثر وضوحا، فيقول: ظهر القصص فى عهد عثمان رضى اللّه عنه، وكرهه الامام على(ع) حتى اخرج القصاصين من المساجد، لما كانوا يضعونه فى اذهان الناس من خرافات واساطير، بعضها ماخوذ من الديانات السابقه بعد ان دخلها التحريف وعراها التغيير! قال: وقد كثر القصاص فى العصر الاموى، وكان بعضه صالحا وكثير منه غير صالح، وربما كان هذا القصص هو السبب فى دخول كثير من الاسرائيليات فى كتب التفسير وكتب التاريخ الاسلامى.. وان القصص فى كل صوره التى ظهرت فى ذلك العصر كان افكارا غير ناضجه تلقى فى المجالس المختلفه، وان من الطبيعى ان يكون بسببها خلاف، وخصوصا اذا شايع القاص صاحب مذهب او زعيم فكره او سلطان، وشايع الاخر غيره، فان ذلك الخلاف يسرى الى العامه، وتسوء العقبى، وكثيرا ما كان يحدث ذلك فى العصور الاسلاميه المختلفه. فلماذا لا يكون كلا الامرين قد ارادهما تميم الدارى: دخول الالاسرائيليات والاساطير فى التفسير والتاريخ، وظهور الخلافات والنزاعات بين المسلمين؟! لماذا اذن فر من على الى معاويه؟! والامران اللذان ارادهما تميم، ونشط فيهما كعب الاحبار ايضا فى عهد عثمان، وساهم فيهما آخرون، كلاهما قد اراد على(ع) ان يقطع دابرهما، ويخيب آمال هولاء الذين يكيدون للاسلام واهله كل شر، ويظهرون بمظاهر النسك التى الفوها فى اليهوديه والنصرانيه. المبحث الثالث: فى غير الروايه والتدوين، تحدثنا الاخبار الدقيقه عن مشكلات اخرى قد تعرضت لها السنه، فتداركها على: 1 - قال ابو موسى الاشعرى: (لقد ذكرنا على بن ابى طالب صلاه كنا نصليها مع رسول اللّه(ص)، اما نسيناها، او تركناها عمدا)!!. اذن هذه الصلاه ايضا قد اصيبت فى صورتها، وطريقه ادائها؟! ثمه شهاده اخرى على ذلك، شاهدها الصحابى الجليل ابو الدرداء، الذى توفى فى خلافه عثمان!. × قالت ام الدرداء: دخل على ابو الدرداء مغضبا، فقلت: من اغضبك؟! قال: (واللّه لا اعرف فيهم من امر محمد(ص) شيئا الا انهم يصلون جميعا)!. اذن كل شىء قد تغير عن امر محمد(ص) ولم تعد تر تلك السنن التى ميزت المجتمع ايام الرسول، ولم يبق فيهم الا صوره الاجتماع فى الصلاه، الاجتماع وحده، لا سنن الصلاه التى تحدث عنها ابو موسى الاشعرى. 2 - وقبل قرانا صلاه عثمان وعائشه فى السفر تماما، لا يقصران، وقد ابى على ذلك، وانكره نفر من الصحابه، وحين مرض عثمان فى تلك الاثناء ودعوا عليا للصلاه بهم، قال: (ان شئتم صليت بكم صلاه رسول اللّه(ص)). فقال اكثرهم: لا، الا صلاه امير المومنين!! وهكذا تتغير السنن وتختفى لتحل محلها محدثات ينصرها كثير وكثير من السلف، ثم تصل الى اللاحقين فياخذون عن سلفهم برضا وتسليم لفرط حسن الظن بهم حتى اعفاهم من النقد ومن ضوابط التحقيق والنظر! 3 - وقصه على مع صلاه التراويح جماعه، ايام خلافته، هى الاخرى من هذا القبيل، فحين امر(ع) بتفريقهم ليعديهم على ما كان ايام رسول اللّه(ص)، قالوا: (وا سنه عمراه)!!. فهم يعلمون انها سنه عمر، وان الذى يدعوهم اليه على(ع) هى سنه النبى!! تقرا ذلك صريحا فى صحيح البخارى، وغيره، انها سنه عمر. وفى صحيح البخارى ان عمر لما جمع الناس عليها قال: (نعم البدعه هذه!). قال القسطلانى فى شرحها: سماها بدعه لان رسول اللّه(ص) لم يسن لهم، ولا كانت فى زمن الصديق، ولا اول الليل، ولا هذا العدد)!. 4 - وتقرا فى اوليات عمر: (هو اول من حرم المتعه) وتقدم حديثها، واما قول على(ص) فيها فهو المشهور: (لولا ان عمر نهى عن المتعه ما زنى الا شفى) او (الا شقى). 5 - وفى اوليات عمر ايضا: (واول من جمع الناس على اربع تكبيرات فى صلاه الجنائز). اخرج احمد من حديث حذيفه بن اليمان، انه صلى على جنازه فكبر خمسا، ثم التفت الى الناس، فقال: (ما نسيت ولا وهمت، ولكن كبرت كما كبر رسول اللّه(ص))!، يريد ان يذكرهم بامر نسوه واستبدلوه بامر محدث مضوا عليه حتى نسوا الامر الاول، وكم توجع حذيفه لهذا النسيان او التناسى! ومثله ثبت عن زيد بن ارقم، كبر على الجنازه خمسا، فاستنكروا عليه، فقال: (سنه نبيكم).. (ولن ادعها لاحد بعده).. (ولن ادعها ابدا). والتكبيرات الخمس هى التى مضى عليها على(ع)، ومثله صنع الامام الحسن(ع)، وعليها فقه اهل البيت(عليهم السلام) . 6 - ومع عثمان، فى امر الزكاه، بعث اليه على(ع) بكتاب فيه حكم النبى(ص) فى الزكاه، بعثه بيده ولده محمد ابن الحنفيه، فقال له عثمان: اغنها عنا!! فرجع بها الى ابيه(ع)، فقال له: ضع الصحيفه حيث وجدتها. هذه سنن طرا عليها هذا النحو من التبديل والتغيير، فكان تداركها لاحياء السنه النبويه الثابته هو من اهم ما وضعه على(ع) نصب عينيه وهو يتولى الحكم: (لنرد المعالم من دينك). وهكذا استعادت السنه روحها ودورها فى ايامه، ليكون ذلك طريقا الى حفظها من الضياع وحفظ مكانتها فى التشريع. × الاستاذ الدكتور نور الدين عتررفى كتابه (منهج النقد فى علوم الحديث). × محمود ابو ريه رفى كتابه (اضواء على السنه المحمديه). × الدكتور محمد سلام مدكورر فى كتابه (مناهج الاجتهاد فى الاسلام). الاولى: قال بها الدكتور نور الدين عتر حين نسب منع تدوين السنه الى اجماع الصحابه! فبعد ان نقل رغبه عمر فى التدوين اولا، واستشارته الصحابه واشارتهم عليه بالتدوين، ثم تبدل راى عمر، قال: وقد اعلن عمر هذا على ملا من الصحابه رضوان اللّه عليهم واقروه، مما يدل على استقرار امر هذه العله فى نفوسهم!. وهذا القول ناشىء عن رويه مثاليه اولا، وفيه مصادره لاراء الصحابه ثانيا. فالرويه التى تصور سكوت الصحابه امام اى قرار تصدره الخلافه، على انه اجماع اقرارى، رويه مثاليه، وهذا الخبر هو واحد من اهم الادله على ذلك، فقبل شهر واحد فقط من صدور هذا القرار كانوا قد اعطوا رايهم المويد لتدوين السنه بالاجماع، ولم يظهر فى ذلك ادنى خلاف حتى صدر قرار الخليفه بعكسه، فبعد ان اعطوه الراى ثم عزم على خلافه فلا محل اذن للمعارضه. واذا زعمنا ان سكوتهم كان اقرارا كاشفا عن الاجماع، فما هى قيمه اجماعهم السابق على خلافه؟! هل سيبقى هذا التصور على شىء من قيمه (اجماع الصحابه)؟ لا فى هذه المساله وحدها، بل فى كل مساله! وثمه دليل عملى على عدم اقرار الصحابه بقرار المنع: لقد راحوا من وراء الخليفه يكتبون الحديث والسنن، حتى كثرت عندهم الكتب، فوصل خبرها الى عمر، فقام فيهم خطيبا، فقال: (ايها الناس، انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب، فاحبها الى اللّه اعدلها واقومها، فلا يبقين احد عنده كتابا الا اتانى به، فارى فيه رايى). فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بها، فاحرقها بالنار!. فما زال الصحابه اذن عند اجماعهم الاول، وما زال عمر عند رايه المخالف. والثانيه: ما خلص اليه محمود ابو ريه فى اثبات النهى عن تدوين السنه، وانصياع الصحابه لهذا الامر انصياعا تاما، ليقضى على السنه كلها بالضياع، ولم يبق منها الا حديثين صحا عنده، وبلغا التواتر، وهما: حديث النهى عن التدوين، وحديث (من كذب على فليتبوا مقعده من النار) موكدا عدم ورود كلمه (متعمدا) فى هذا الحديث، ليجعل من الكذب عليه روايه الحديث بالمعنى! متمسكا بادله حاكمه عليه، لا له. فكل ما ورد عن ابى بكر وعمر والصحابه فى عهديهما كان صريحا جدا بعدم ورود النهى عن تدوين السنه من قبل النبى(ص).. اضف الى ذلك ما هو ثابت من تدوينها بامر النبى(ص) او باذنه، ومن ذلك: × الصحيفه التى كانت فى قائم سيفه(ص) فيها بعض السنن، ثم صارت عند على(ع). × وما ثبت من كتابه عبداللّه بن عمرو بن العاص، قال: فنهتنى قريش وقالوا: اتكتب كل شىء تسمعه ورسول اللّه(ص) يتكلم فى الرضا والغضب؟! فامسكت عن الكتابه، فذكرت ذلك لرسول اللّه(ص) فاوما باصبعه الى فمه وقال: (اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه الا حق). × وقول ابى هريره: ان عبداللّه بن عمرو كان يكتب، وكنت لا اكتب. × وحين طلب ابو شاه اليمانى من النبى(ص) ان يكتبوا له خطبه النبى(ص) يوم فتح مكه، وكان ابو شاه قد شهدها، فقال النبى(ص): (اكتبوا لابى شاه). × وحديث انس عن رسول اللّه(ص): (قيدوا العلم بالكتاب). × وكان انس قد كتب حديثا كثيرا بين يدى رسول اللّه(ص)، وحفظه حتى وقت متاخر من عهد الصحابه، فكان يملى الحديث، حتى كثر عليه الناس يوما يطلبون الحديث، فجاء بمجال من كتب، فالقاها، ثم قال: (هذه احاديث سمعتها وكتبتها عن رسول اللّه(ص) وعرضتها عليه). × وكتب رسول اللّه(ص) اكثر من كتاب فى الصدقات، والديات، والفراض، والسنن، لعماله. × وقال(ص) فى مرضه الاخير: (هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده). وغير هذا كثير، وقد تناولت الكتابه فى عهده(ص) قسما كبيرا من الحديث يبلغ فى مجموعه ما يضاهى مصنفا كبيرا من المصنفات الحديثه. اما موقف الصحابه من الكتابه فقد عرفناه، وقد ذكر ابن عبد البر وغيره عددا كبيرا من كتب الصحابه، ومنهم عبداللّه بن مسعود الذى عدوه فى المانعين من الكتابه، فقد اخرج ابنه عبد الرحمن كتابا وحلف انه خط ابيه بيده. واما حديث ابى سعيد الخدرى الذى يرفعه الى النبى(ص): (لا تكتبوا عنى شيئا الا القرآن، فمن كتب غير القرآن فليمحه) والذى عدوه اصح ما ورد فى النهى عن كتابه الحديث، وهو اصح حديث عند ابى ريه، فقد رآه كثير من المحققين موقوفا على ابى سعيد، وليس حديثا عن النبى(ص)، وهذا قول البخارى وآخرين. بل ثبت عن ابى سعيد نفسه خلافه، حين شهد انه كان يكتب التشهد - تشهد الصلاه - عند النبى(ص). والثالثه: مقوله الدكتور محمد سلام مدكور. اذ مثل لاختلاف الصحابه فى فهم النص بما وقع بالنسبه لتدوين السنه، لما قال النبى(ص) فى ما رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى: (لا تكتبوا عنى غير القرآن، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه، وحدثوا عنى ولا حرج، ومن كذب على فليتبوا مقعده من النار). قال: فقد اتجه فقهاء الصحابه فى ذلك الى وجهتين متعارضتين: × فريق منهم، وكانت له الغلبه: فهموا ان ذلك نهى عام وليس قاصرا على كتاب الوحى! فامتنعوا عن تدوين السنه، اذ العبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب... وقالوا: ان ما دونه بعض الصحابه منها انما كان تدوينا موقتا حتى يحفظه ثم يمحى المكتوب بعد ذلك. × بينما ذهب الفريق الاخر الى ان ذلك كان خاصا بكتاب الوحى دون سواهم، خشيه ان يختلط بالقرآن ما ليس منه، بدليل انه اباح الكتابه عند امن الاختلاط، كما ثبت فى حديث عبداللّه بن عمرو.. وهذا التفصيل كله لا يقوم على حجه صحيحه، بل الحجه الصحيحه تنقضه بكامله، كما سنتابعه فى الفقرات الاتيه: ا - الحديث الذى رواه مسلم عن ابى سعيد الخدرى، تقدم انه موقوف عليه وليس من حديث النبى(ص) كما قال البخارى وغيره. ب - ان الفريق الاول، والذى كانت له الغلبه، لم يحتج يوما ما بان النبى(ص) قد نهى عن كتابه السنه، فهذا لم يحدث منهم البته. ج - ان هذا الفريق نفسه قد باشر تدوين السنه احيانا ابتداء، كما صنع ابو بكر، او امر بتدوينها وشاور الصحابه على ذلك فاجمعوا على كتابتها دون تردد. وفى ذلك كله لم يظهر لهذا الحديث المروى عن ابى سعيد ذكر ولا اثر.. بل فعلهم هذا، وهم الفريق المانع، لهو اوضح دليل على ان النبى(ص) لم يمنع من تدوين السنه قط، لا منعا خاصا ولا عاما. د - الحديث المذكور عن ابى سعيد الخدرى يقول فيه ايضا: (وحدثوا عنى ولا حرج) وهذا الفريق الغالب قد منع عن التحديث عنه(ص) بنفس القوه التى منع فيها عن التدوين! فكيف يدعى انهم امتنعوا عن التدوين تمسكا بنهى النبى عنه؟! فماذا عن روايه حديثه وسنته التى امر بها على اى حال الا ان يقعوا بالكذب؟! ه - ان الاعتذار بخوف اختلاط القرآن بالسنه اعتذار واه ومتهافت، وقد مر نقده مفصلا. و - ان هذا التمييز بين كتاب الوحى وغيرهم فى شان كتابه السنه تمييز لم يعرف فى عهد الصحابه قطعا، ولا يستطيع احد نسبته اليهم بصدق، وانما هو من تبرير المتاخرين دفعا لما يلزمهم من تخطئه المانعين من كتابه السنه، ليس اكثر من ذلك. وهنا ملاحظتان تجدر الاشاره اليهما. 1 - المقولات الثلاث هذه جامعه لغيرها متضمنه لها، لذا اكتفينا بذكرها عن غيرها. 2 - نسبه هذه المقولات الى الاعلام المذكورين لم تات من كونهم اول من قالوا بها، فهى آراء قديمه تتصل بعصر التابعين، وبعضها بعصر الصحابه، لكن الاعلام المذكورين انتخبوها من بين الروى وحاولوا تدعيمها بالدليل والبرهان، فحظيت على ايديهم بالرواج نظرا لاهميه وسعه انتشار كتبهم التى تضمنتها، وعلى هذا الاساس الاخير كان تصنيفنا. 1 - كان تدوين الحديث امرا مالوفا يمارسه الصحابه فى عهد النبى(ص)، برضا منه، وباذنه احيانا، وبامره احيانا اخرى. اما روايه الحديث ونشره فقد امر بها النبى(ص) امرا صريحا ومكررا. 2 - ظهر فى عهد ابى بكر اول امر بالمنع من الحديث، لعله او اخرى. 3 - احرق ابو بكر كتابا يضم خمسمه حديث كان قد كتبها بيده، وهذا اول كتاب حديث احرق. 4 - واصل عمر المنع من الحديث، موكدا ذلك بعهوده على عماله، وبحبسه بعض الصحابه فى المدينه حين لم يامن امتثالهم امره. 5 - احرق عمر مزيدا من كتب الحديث، جمعها من عدد كبير من الصحابه. 6 - ابتدا عثمان سيرته مع الحديث بقوله: (لا يحل لاحد يروى حديثا لم يسمع به فى عهد ابى بكر ولا فى عهد عمر). لكنه لم يدقق فى ذلك كما فعل ابو بكر وعمر، فلا احرق شيئا من كتب الحديث، ولا تتبع كتابه ورواته، بل على العكس، فقد وجد ابو هريره وكعب الاحبار خاصه فى عهده ما لم يحلما ببعضه فى عهد عمر. 7 - وافق الخلفاء على المنع نفر قليل من الصحابه لا يتجاوزون الاربعه: عبداللّه بن مسعود، وابو سعيد الخدرى، وابو موسى الاشعرى، وزيد بن ثابت. 8 - كانت السيره المذكوره سببا فى ضياع حديث ليس بالقليل، ان اقتصر حفظه على هذه المصادر التى احرقت واتلفت، ليس على يد ابى بكر وعمر فقط، بل مارس غيرهم نحو ذلك، فقد جاء علقمه بصحيفه من اليمن او من مكه، فيها احاديث فى اهل البيت، بيت النبى(ص)، فدخل ومعه جماعه على عبداللّه بن مسعود، قالوا: فدفعنا اليه الصحيفه، فدعا بطست فيه ماء! فقلنا: يا ابا عبد الرحمن، انظر فيها، فان فيها احاديث حسانا! قالوا: فجعل يميثها فيها!. وكتب ابو برده، عن ابيه - ابى موسى الاشعرى - كتبا كثيره، فقال له ابوه: ائتنى بكتبك، فلما اتاه بها غسلها!. 9 - وعلى خلاف ذلك فان الاكثرين من الصحابه ما زالوا على الامر الشرعى بروايه الحديث والاذن بكتابته، فحدثوا وكتبوا، منهم من عرضت كتبه للاحراق او الغسل، ومنهم من حفظها عن عيون الخليفه فبقيت بعده، كما هو مشهور عن: صحيفه على(ع)، وصحيفه جابر بن عبداللّه الانصارى، وكتاب ابى رافع مولى رسول اللّه، وكتب انس بن مالك، وصحيفه سعد بن عباده، وصحيفه عبداللّه بن عمرو، وكتاب عبداللّه بن مسعود الذى اخرجه ابنه عبد الرحمن، وكتاب اسماء بنت عميس، وكتاب محمد بن مسلمه الانصارى، وغيرها. 10 - الامام على(ع) اول حاكم يدعو الى كتابه السنه، ويحث الكتاب ان يكتبوا ما يحدثهم به ويمليه عليهم، وينشر على الملا احاديث نبويه كانت طيله ربع قرن ممنوعه منعا مغلظا. وهو فى نفس الوقت يسد الابواب على الكذابين والمشبوهين، فلا يجدون تحت سلطانه متنفسا، فاما ان يرعووا ويستقيموا، واما ان يسكتوا ويكفوا فرقا، واما ان تضيق صدورهم فيفرون الى الشام، حيث معاويه الذى يشترى منهم دينهم بما يطمعون به من دنيا!
|
|---|