الفصل الثانى: طرق تولى الامام فى الصدر
الاول
(اترون الامر الينا نضعه حيث نشاء؟ كلا واللّه انه
لعهد معهود
من رسول اللّه(ص) الى رجل فرجل، حتىينتهى الى
صاحبه)((101))
وقال الامام على بن موسى الرضا(ع): (... انما يوصى بامر
اللّه عز
وجل ... لا واللّه ما هو الا عهد من رسولاللّه(ص) رجل
فرجل
مسمى)((102))
فتمسك اهل البيت(ع) بالنص ورفضوا غيره من الطرق او
الاراء،
لخطوره منصب الامامه بعد رسولاللّه(ص) وانه
لايناله الناس
بعقولهم او آرائهم او يقيموا اماما باختيارهم. وذهب اهل السنه الى ان رسول اللّه(ص) ترك الامر الى
الامه
ولم ينص او ينصب شخصا بعينه، فللامه حقالاختيار،
وقد تبنوا
هذه النظريه اعتمادا على الواقع، فعندهم ان الامام
او الخليفه
بعد رسول اللّه(ص) هو ابوبكر، وقداختاره المسلمون
المجتمعون فى سقيفه بنى ساعده، ثم رضى الاخرون به،
ثم
رجعوا الى القول بالنص فىخصوص استخلاف ابى بكر
لعمر،
ووضعوا نظريه اختيار اهل الحل والعقد وان قلوا
اعتمادا على
مبدا الشورىالذى وضعه عمر بن الخطاب، ثم سايروا
الواقع فى
وضع النظريه فقال الماوردى: (لو عهد الخليفه الى
اثنين
اواكثر ورتب الخلافه فيهم... جاز، وكانت الخلافه
متنفذه الى
الثلاثه على مارتبها، فقد استخلف رسول اللّه(ص)
علی جيش
موته زيد بن حارثه، وقال: فان اصيب فجعفر بن ابى
طالب فان
اصيب فعبد اللّه بن رواحه ... واذا فعلالنبى(ص) ذلك
فى
الاماره جاز مثله فى الخلافه... هذا سليمان بن
عبدالملك عهد
الى عمر بن عبدالعزيز، ثم بعدهالىيزيد بن
عبدالملك. ولئن لم
يكن سليمان حجه، فاقرار من عاصره من علماء التابعين
ومن لا
يخافون فى الحقلومه لائم هو الحجه، وقد رتبها
الرشيد فى
ثلاثه من بنيه فى الامين ثم المامون ثم الموتمن عن
مشوره
منعاصره من فضلاء العلماء)((103)). واضافوا الى ذلك نظريه الغلبه، وتنازل بعضهم عن شرط
الفقاهه والعداله، وجوزوا قياده وامامه
الجاهلوالفاسق اعتمادا
على الواقع((104)). فكانت آراوهم مبنيه على تبرير الواقع واقرار
فقائهم لما جرى
من احداث ومواقف، ثم حاولوا بعد ذلك انيضعوا ادله
وبراهين
لتدعيم النظريه، بالاعتماد على آيات الشورى
الوارده فى
القرآن الكريم، او على الرواياتالمرويه عن رسول
اللّه(ص) فى
اهميه الشورى.
المبحث الاول:النص
فالامر اليه تعالى فى اختيار من يخلف النبى او
الرسول فى
امته، وفيما يلى نستعرض الادله والشواهد
التىنبرهن على
اساسها ان النص على امام باسمه وشخصه ضرورى فى
ادامه
سير الرساله، وانجاح حركتها فىارض الواقع.
اولا : الوصيه فى سيره الانبياء السابقين
والوصيه فيما تقدم لم تكن وصيه محدوده بحدود تقسيم
المال، او رعايه العائله فقط كما هو المتعارففى
الوصيه
العاديه، وانما كانت وصيه قائمه على اساس
الاستمرار فى اداء
الدور والتكليف الالهى للموصى، وهو القيام بهدايه
الناس
وتنظيم شوونهم، وربطهم بالمنهج الالهى فى الحياه،
لتحصينهم من الانحراف بالسيرعلى خطى الانبياء
السابقين،
وكانت الوصيه بامر من اللّه تعالى، وكانت مقتصره
على الابناء او
على افراد الاسرهالواحده، فهى محصوره فى سلاله
واحده
ينتهى اليها الاوصياء، وهذه السنه الالهيه قد
استمرت فى عهد
خاتمالانبياء والمرسلين محمد(ص) ولم تتخلف او
تختلف
عمن سبقها من السنن.
ثانيا : الوصيه فى سيره رسول اللّه(ص)
عن سلمان الفارسى انه قال: قلت: يا رسول اللّه ان لكل
نبى
وصيا، فمن وصيك؟ فسكت عنى، فلما كان بعدرآنى، فقال:
تعلم من وصى موسى قال «سلمان»: نعم يوشع بن نون،
قال(ص): لم، قلت. قال: لانه كاناعلمهم يومئذ، قال(ص):
(فان وصيى، وموضع سرى، وخير من اترك بعدى، وينجز
عدتى، ويقضى دينى علىغ بنابى طالب).((113))
وعن انس بن مالك، ان رسول اللّه(ص) قال له: (اول من
يدخل
عليك من هذا الباب امام المتقين، وسيدالمسلمين،
ويعسوب
الدين، وخاتم الوصيين). فقال انس: قلت: (اللهم اجعله
رجلا
من الانصار وكتمته)، اذ جاءعلى، فقال: (من هذا يا
انس؟)،
فقلت: (على)، فقام مستبشرا فاعتنقه... قال على: (يا
رسول اللّه
لقد رايتك صنعتشيئا ما صنعت بى من قبل؟)، قال: (وما
يمنعنى، وانت تودى عنى، وتسمعهم صوتى، وتبين لهم ما
اختلفوا فيهبعدى).((114))
وعن ابى ايوب الانصارى، ان رسول اللّه(ص) قال
لفاطمه: (اما
علمت ان اللّه عز وجل اطلع الى اهل الارض،فاختار
منهم اباك
فبعثه نبيا، ثم اطلع الثانيه، فاختار بعلك، فاوحى
اللّه الى،
فانكحته واتخذته وصيا).((115))
وعن بريده ان رسول اللّه(ص) قال: (لكل نبى وصى ووارث،
وان
عليا وصيى ووارثى).((116))
وعن عبد اللّه بن عباس انه قال: (كنا نتحدث ان رسول
اللّه(ص) عهد الى علىغ سبعين عهدا لم يعهدها
الىغيره).((117))
وعن الامام محمد الباقر عن آبائه عن رسول اللّه(ص)
انه قال:
(ان اول وصى كان على وجه الارض هبه اللّه بنآدم،
وما من
نبى مضى الا وله وصىغ... وان على بن ابى طالب كان
هبه اللّه
لمحمد، وورث علم الاوصياء، وعلم منكان قبله...).((118))
وعن الامام جعفر الصادق(ع) عن آبائه عن رسول اللّه(ص)
انه
قال لعلىغ(ع): (لولا انى خاتم الانبياء لكنتشريكا
فى النبوه،
فان لا تكن نبيا، فانك وصى نبى ووارثه، بل انت سيد
الاوصياء،
وامام الاتقياء).((119))
وقد استعمل الصحابه والتابعين مصطلح الوصى فى
اشارتهم
الى علىغ بن ابى طالب(ع)، وقد شاعاستعماله
بحقه(ع)،
وتظافرت الروايات والاقوال فى ذلك، ومنها قول مالك
الاشتر
له(ع): (قد سمعنا كلامك يااميرالمومنين، ولقد اصبت
ووفقت،
وانت ابن عم نبينا وصهره ووصيه).((120))
واحتج عمران بن حصين الخزاعى، وابو الاسود الدولى
على
عائشه بالقول: (الم يبايع الناس لابن عمنبيهم ووصى
رسولهم).((121))
وتظهر الوصيه واضحه فى اقوال الصحابه واشعارهم فى
تبيان
فضائل على(ع) ومقاماته الساميه، ففىمعركه الجمل
كان بعض
الصحابه من الانصار يوكدون الوصيه فى اشعارهم،
ومنها:
قول الهيثم بن التيهان:
ان الوصى امامنا وولينا
برح الخفاء وباحت الاسرار.((122))
وقول حجربن عدى الكندى:
يا ربنا سلم لنا عليا
سلم لنا المبارك المضيا
بل هاديا موفقا مهديا
واحفظه ربى واحفظ النبيا
فيه فقد كان له وليا
ثم ارتضاه بعده وصيا((123)). وظهرت كلمه (الوصى) فى اشعار معاديه(ع) حيث خرج احد
اصحاب الجمل وهو يقول:
نحن بنوضبه اعداء على
ذاك الذى يعرف قدما بالوصى
وفارس الخيل على عهد النبى
ما انا عن فضل على بالعمى((124))
والتركيز على الوصيه ظاهره بارزه فى اقوال اهل
البيت(ع)
واحتجاجاتهم، ومن ذلك خطبه: الحسن بنعلى(ع) بعد
استشهاد ابيه(ع) جاء فيها: (... ايها الناس من عرفنى
فقد
عرفنى، ومن لم يعرفنى فانا الحسن بن علىغ،وانا
ابن
الوصىغ...)((125))
ووردت الوصيه فى خطاب الحسين بن على(ع) فى العاشر من
محرم حيث قال: (... الست ابن بنت نبيكموابن وصيه
وابن
عمه، واولى المومنين باللّه...)((126))
ومن خلال هذا الروايات يتضح لنا ان الوصيه ليست
وصيه
شخصيه وفرديه، وانما هى وصيه عامهليقوم الموصى
اليه مقام
الموصى وهو رسولاللّه(ص) فالقرائن المقارنه تدل
على ذلك. ففى روايه سلمان الفارسىعلل رسول اللّه(ص) اختيار
على(ع)
وصيا له بملاك الاعلميه، والوصيه الشخصيه لا يشترط
فيها
الاعلميه، ولو كانتشخصيه لكان العم اولى بها، وهو
العباس بن
عبدالمطلب عم رسول اللّه(ص)، والقرينه الاخرى ان
مولف
(شرحالمقاصد) قرا عباره (قاضى دينى) بكسر الدال((127))،
ولا يوثر على صحه الروايه ما قاله فيها انها مخالفه
للاجماع،وانها لو صحت لما خفيت على الصحابه،
وسنناقش
ذلك فى البحوث القادمه. وفى روايه انس بن مالك ان
الوصيهجاءت فى سياق الامامه والسياده وان رسول
اللّه(ص)
قرن ذلك بالقول (وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدى)،
ولو
تتبعناجميع القرائن التى قرنت مع الوصيه وجدنا
انها تعنى
الوصيه المطلقه فى الامامه وغيرها، فلم تقرن الا
بالامامهوالقياده، مضافا الى ذلك ان وصيه
الانبياء السابقين
لاوصيائهم لم تكن وصيه شخصيه تتعلق
بالاموالوالمواريث،
وانما كانت وصيه فى القيام باعباء الرساله،
والاستمرار فى
تحمل تكاليف الدعوه والامامه فى الامه،وقد قام
الاوصياء
بالفعل باداء المسووليه، وساروا على النهج المرسوم
لهم، فكانوا
القدوه فى اممهم والامناءعلى الرساله، وتصدوا
للامامه حسب
ما اوصى اليهم، فالوصيه لعلى بن ابى طالب(ع) كانت
كذلك،
ومن هنا جاءالتركيز عليها والتذكير بها، والاحتجاج
بها من قبل
اهل البيت(ع)، فلو كانت شخصيه لما كثر الاهتمام بها،
وايرادهافى موارد عديده.
ثالثا : تاكيدات رسول اللّه(ص) بان الامر للّه تعالى
وفى روايه قال لهم: (الامرللّه فان شاء كان فيكم،
وكان فى
غيركم)، فمضوا ولم يبايعوه، وقالوا: (لا نضربلحربك
باسيافنا
ثم تحكم علينا غيرنا)((129)). وعرض(ص) دعوته على بنى كنده فقالوا له: (ان ظفرت تجعل
لنا الملك من بعدك؟)، فقال(ص): (ان الملك للّهيجعله
حيث
يشاء)، فقالوا: (لا حاجه لنا فيما جئتنا به)((130)). ومن خلال هذا الحوار وهذه المساومه يتضح ان رسول
اللّه(ص)
ليس له من الامر اى شىء، وانما الامر الىاللّه
تعالى، فلو كان
الامر اليه لاجابهم بما يولف قلوبهم لموازرته
ونصرته،
ولكنه(ص) رفض المساومه وهو فىامس الحاجه الى
الموازره
والحمايه والنصره، وصرح بان الملك والزعامه
والقياده انما
تكون بامر من اللّهتعالى، وليس من مختصاته(ص) حتى
يمنحها
لفلان او فلان، واضطر(ص) للعوده الى مكه حينما لم
يستجب
له احدمن القبائل الا بالمساومه. وفى العهد المدنى ساومه عامربن الطفيل على ذلك
وقال: يا
محمد ما لى ان اسلمت؟ فقال(ص): (لك ماللاسلام، وعليك
ما
على الاسلام)، فقال: (الا تجعلنى الوالى من بعدك؟)،
فقال(ص): (ليس لك ذلك ولا لقومك)((131))
فامر الامامه بعد رسول اللّه(ص) بيد اللّه تعالى،
وتصريحاته(ص)
بان الامر الى اللّه واضح الدلاله بانه ليس منشان
رسول
اللّه(ص) ولا من شان المسلمين، وهذا يقتضى ان يكون
الامام
منصوصا عليه من قبل اللّه تعالى،وسياتى فى موضوع
(يوم
الدار) بان رسول اللّه(ص) قد صرح بخلافه الامام
على(ع)، فى
بدايه الدعوه حينما امره اللّهتعالى بدعوه عشيرته
الاقربين،
ولكنه(ص) لم يصرح بذلك امام بنى عامر بن صعصعه وامام
بنى كنده لانالتصريح باسمه يقطع الامل فى امكان
استجابتهم للدعوه.
رابعا : سيره رسول اللّه(ص) فى الاستخلاف
فاذا كان(ص) فى غزواته المحدوده لم يترك المدينه دون
استخلاف، بل حتى خروجه الوقتى فى مطاردهبعض
المعتدين،
والذى لايستغرق الا عده ساعات، فكيف يتركها بعد
وفاته دون
ان يستخلف احدا، فهو(ص) فىالظروف الطبيعيه
والمحدوده،
وفى ظروف كان مطمئنا فيها من العوده الى المدينه
سالما،
اضافه الى بقاء عددمن الصحابه فى المدينه يمكن
الاعتماد
عليهم، ومع كل ذلك لا يترك المدينه دون استخلاف،
فكيف
به(ص) وهو يعلمبرحيله الى الملكوت الاعلى،
وانقطاعه عن
الحياه الدنيا، فهل يترك الامه دون ان يستخلف اماما
عليها،
اميستخلف؟ ولماذا لم يترك المدينه فى غزواته دون
استخلاف
ليقوم الصحابه بعد رحيله الموقت بادارتها اواختيار
احدهم بعد
الشورى وتنسيق الاراء؟ فلا مبرر لان يستخلف واحدا
من
الصحابه على المدينه فى حياته،ويترك الامه جميعها
دون
استخلاف، مع انها حديثه عهد بالاسلام، ومعرضه
للانحراف
والفتن، اضافه الىتحديات الامبراطوريتين
الفارسيه والروميه،
وتربص الاعداء بالاسلام والامه الاسلاميه من
الداخل
والخارج،فمن الاولى ان لا يتركها دون استخلاف، وهو
الذى لا
يترك بقعه جغرافيه وهى المدينه دون استخلاف ان
طالخروجه يوما او يومين او شهرا او اكثر. فحرصه
على
مستقبل الرساله ومستقبل الامه يقتضى ويستوجب
انيستخلف شخصا عارفا كفوءا مخلصا، ليقوم باعباء
الرساله من
بعده. خامسا : الواقع التاريخى وضروره النص
ترك رسول اللّه(ص) الامه الاسلاميه وهى محاطه
بمخاطر
عديده، خارجيه وداخليه، فهى محاطه باعداءيتربصون
بها
ويكيدون لها للقضاء على الاسلام وعلى الوجود
الاسلامى،
وعلى راس الاعداء الدوله الروميهوالدوله
الفارسيه اضافه الى
وجود اليهود والنصارى داخل الدوله الاسلاميه،
وكانوا
يتحينون كل فرصهويبحثون عن كل ذريعه او شبهه
لينفذوا
منها الى تشويه الرساله الاسلاميه، والى بلبله
الافكار،
واشاعهالاضطراب فى العقول والقلوب، واضعاف
الكيان
الاسلامى عن طريق اشاعه الفتن، ولم يكن المسلمون
جميعابمستوى الرساله وبمستوى المسووليه، فالكثير
منهم
مازال قريب العهد بالجاهليه، وكان كثير منهم لم
يدخلالايمان
فى قلوبهم لانهم اسلموا اما كرها او طمعا او
استسلاما للامر
الواقع. فالواقع التاريخى يوكد ان الاسلامكان
محاطا بمخاطر
عديده من جميع الجهات، وكان رسول اللّه(ص) باعتباره
قائدا
حكيما مسددا من قبل السماء،ومطلعا على الواقع يدرك
هذه
المخاطر التى تطوق الرساله وتطوق الكيان الاسلامى.
ففى
عهده حدثت فتنتاناحدهما بين الاوس والخزرج،
والاخرى
بين المهاجرين والانصار((137)) ولولا تدخله المباشر فيها،
لتوسعت وبقيتآثارها ونتائجها السلبيه قائمه،
وبقيت العصبيه
القبليه قائمه، وهى بحاجه الى من يهذبها ويقلل من
مخاطرهاوتاثيراتها السلبيه. ومن المخاطر المحدقه
بالاسلام،
وجود عدد من المنافقين فى وسط الامه الاسلاميه لا
توقف
موامراتهم وكيدهم للاسلام واهله، وقد كان رسول
اللّه(ص)
يتابع ويراقب حركاتهم فى حياته لمعرفتهباسمائهم،
فكانوا فى
اغلب الاحيان لا يجروون على التامر ورسول اللّه(ص)
بين
اظهرهم، وقد اعترف حذيفه ببقاءالنفاق قائلا: (ان
كان الرجل
ليتكلم بالكلمه على عهد النبى(ص) فيصير بها منافقا،
وانى
لاسمعها من احدكم اليوم فىالمجلس عشر مرات)((138)). وفى نظره رسول اللّه(ص) للمستقبل، وما اخبره الوحى
بذلك
يدرك تلك المخاطر ويحذر منها، وقد قام خطيبافى حجه
الوداع محذرا من الفتن والمخاطر قائلا: (لا ترجعوا
بعدى كفارا
يضرب بعضكم رقاب بعض...)((139)). ويصرح(ص) موضحا مصير بعض اصحابه، وما يحدثون من بعده
فيقول: (انكم محشورون الى اللّهتعالى... ثم يوخذ بقوم
منكم
ذات الشمال، فاقول: يا رب اصحابى، فيقال لى: انك لا
تدرى ما
احدثوا بعدك، لميزالوا مرتدين على اعقابهم مذ
فارقتهم...)((140)). وفى روايه انه(ص) قال: (انا فرطكم على الحوض وليرفعن
رجال منكم، ثم ليختلجن دونى، فاقول: يا رباصحابى،
فيقال:
انك لا تدرى ما احدثوا بعدك)((141))
وفى روايه: (...فاقول: فيم هذا؟ فيقال: انك لا تدرى ما
احدثوا
بعدك. فاقول سحقا)((142)). وقد وردت روايات عديده وباسانيد معتبره، وبطرق
مختلفه
وصلت الى حد التواتر، توكد ما يحصل للامهبعد رسول
اللّه(ص)
من انحراف عن نهجه المرسوم لهم((143)). وكان(ص) حريصا على مستقبل الرساله وهو يرى التحريف
والتزوير الذى لحق بالسنه فى عهده من قبلالكثير
من
الصحابه، حتى انه حذر فى مناسبات عديده من الكذب
عليه
فى قوله وفعله، فقال: (من كذب علىغ فليتبوامقعده
من
النار)((144)).
وفى روايه: (من قال على ما لم اقل فليتبوا مقعده من
النار)((145)).
فالكذب عليه(ص) يعنى تحريف السنه. فاذا كثر التحريف
فى
عهده(ص) وهوبين ظهرانيهم، فان التحريف بعدرحيله
سيزداد قطعا، وسيخلف الاضطراب الفكرى والسلوكى.
واذا
كان المسلمون يرجعون اليه(ص) للتاكد منصحه الحديث
او
الفعل المنسوب اليه، فالى من يرجعون بعد رحيله؟ فمن
العقل
والحصافه ان ينصب(ص) على امتهعلما ومرجعا واماما
يرشدهم
الى السنه الصحيحه وينفى عنها الزيغ والغش
والتحريف
الطارى عليها، واضافهالى كل ذلك ان مساله الامامه
والخلافه
مساله ذات اهميه فى حياه الانسان وهى موضع للتنافس
والتكالب علىمر المراحل التاريخيه حتى قيل عنها:
(واعظم
خلاف بين الامه خلاف الامامه، اذ ما سل سيف فى
الاسلام
علىقاعده دينيه مثل ما سل على الامامه فى كل
زمان)((146)).
وقد اثبتت الاحداث التاريخيه ان الدماء لم تسفك
مثلما سفكت
على القياده والخلافه والرئاسه، وفى تصورمستقبل
كهذا من
قبل احكم الحكماء، واعقل العقلاء وهو رسول اللّه(ص)
يستوجب
ان ينص(ص) على امام باسمه،وعلى ائمه آخرين فى مراحل
متعاقبه لتحصين الامه من الانحدار الى الهاويه،
يكون دورهم
دور القدوه فى اتخاذالراى الصائب والموقف السليم،
سواء
سلبت منهم الخلافه والرئاسه ام لم تسلب.
سادسا : سيره الصحابه
ولا نريد ان نستدل بسيره ابى بكر على انها حجه، بل
نستدل
بها بالاولويه، فاذا ادرك ابو بكر ضرورهالنص، فهل
يعقل ان
رسول اللّه(ص) لم يدرك ذلك، وترك الامه سدى؟ دون ان
ينص على من سيخلفه فى امته. وحينما طعن عمربن الخطاب قال له ابنه عبد اللّه:
(سمعت
الناس يقولون مقاله، فاليت ان اقولها لك: زعمواانك
غير
مستخلف، وانه لو كان لك راعى ابل او غنم ثم جاءك
وتركها
رايت انه قد ضيع، فرعايه الناس اشد)((148)). وقالت عائشه لعبد اللّه بن عمر: (يا بنىغ ابلغ عمر
سلامى، وقل
له: لاتدع امه محمد بلا راع، استخلف عليهم،ولا
تدعهم بعدك
هملا، فانى اخشى عليهم الفتنه)((149)). ودخل عليه بعض الصحابه وقالوا له: (استخلف)((150)). وفى روايه قالوا له: (يا اميرالمومنين استخلف علينا)((151)). وفى روايه قالوا له: (يا اميرالمومنين لو استخلفت)،
فقال: (لو
كان ابو عبيده حيا لاستخلفته... ولو كانسالم مولى
ابى حذيفه
حيا لاستخلفته) فخرجوا ثم عادوا اليه وقالوا: (يا
اميرالمومنين
لو عهدت عهدا)((152)). ودخل عليه آخرون فقالوا: (اوص يا اميرالمومنين
واستخلف)،
فقال: (ما اجد احق بهذا الامر من هولاءالنفر...)((153)).وجعل
الامر شورى بين سته من اصحاب رسول اللّه(ص) وامر
بقتل
كل من لم يرض باتفاق الاكثريه منهم،ومن وصيته لصهيب
قال: (...فان اجتمع خمسه ورضوا رجلا وابى واحد فاشدخ
راسه، وان اتفق اربعه فرضوارجلا منهم وابى اثنان،
فاضرب
راسيهما، فان رضى ثلاثه رجلا منهم وثلاثه رجلا
منهم،
فحكموا عبد اللّه بنعمر... فان لم يرضوا بحكم عبد
اللّه بن عمر،
فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف، واقتلوا
الباقين ان
رغبواعما اجتمع عليه الناس)((154)). من خلال ما تقدم نرى ان الصحابه كانوا يدركون ضروره
النص
على خليفه، وعدم ترك الامه سدى،وكانت عائشه ام
المومنين
تدرك ذلك، وكان الملاك فى النص والتعيين هو
الحيلوله
دون حدوث فتنه بينالمسلمين، وكان بعض الصحابه
يحثون
عمر على الاستخلاف، فهل ادرك الجميع ما لم يدركه
رسول
اللّه(ص) وهوالاحرص على مستقبل الرساله، ومستقبل
الامه؟!!
وهو المرتبط بالوحى فى جميع حركاته وسكناته، فليس
منالحكمه ان يدرك الصحابه ما لم يدركه رسول
اللّه(ص)،
وهذا يقتضى بالضروره انه(ص) نص على امام
وحددهباسمه
وصرح به. وقد برر معاويه استخلافه ليزيد بما هو مركوز فى
الاذهان من
عدم ترك الامه سدى، وبما هومركوز منخوف الفتنه،
فقال فى
تبريره لعبداللّه بن عمر: (انى كرهت ان ادع امه محمد
كالضان
لا راعى لها)((155)). وقال للامام الحسين(ع): (... وقد علم اللّه ما احاول به
فى امر
الرعيه، من سد الخلل، ولم الصدع بولايهيزيد)((156)).فاذا
وصل الحال الى استخلاف من اشتهر فسقه امام
المسلمين،
فهل من المعقول ان يترك رسولاللّه(ص)دون راع فى
اعلى
مراتب العداله، وفى اعلى مراتب العلم والكفاءه؟
وقد ادرك علىغ بن محمد بن حزم الظاهرى ضروره النص
فاثبته لابى بكر فقال: (... فوجدنا عقد الامامهيصح
بوجوه:
اولها وافضلها واصحها ان يعهد الامام الميت الى
انسان يختاره
اماما بعد موته... كما فعل رسولاللّه(ص) بابى بكر،
وكما فعل
ابوبكر بعمر... وهذا هو الوجه الذى نختاره ونكره
غيره، لما فى
هذا الوجه من اتصالالامامه وانتظام امر الاسلام
واهله، ورفع ما
يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع فى غيره من
بقاء
الامهفوضى، ومن انتشار الامر، وارتفاع النفوس،
وحدوث
الاطماع)((157)).
ونحن اذ نتفق معه فى رايه بضروره النص من اجل اتصال
الامامه، وانتظام امر الاسلام واهله، ولكن لانتفق
معه بان
رسول اللّه(ص) قد نص على ابى بكر لانه خلاف للواقع،
وخلاف
ايضا للمشهور من آراء مورخىالسنه الذى ينتسب
اليهم، حيث
لم يدعه احد حتى (ابوبكر) كما هو واضح من متابعه
امهات
كتب المورخينواصحاب الكلام. وعلى كل حال فقد
التفت ابن
حزم الى ركاكه الراى القائل بان رسول اللّه(ص) ترك
امته
سدى. سابعا : الدليل العقلى على النص
توصلنا فى البحوث المتقدمه الى ان وجود الامام
ضروره من
ضرورات الحياه الاسلاميه والانسانيه،وان (من مات
بغير امام
مات ميته جاهليه)، وان دور الامام هو دور القدوه
والنموذج
الذى يحتذى به فى قولهوفعله، وتوصلنا الى اشتراط
العصمه
فى الامام الذى يقوم باعباء الرساله بعد رسول
اللّه(ص) وان
العصمه امرممكن الوقوع والتحقق فى الواقع، واذا
اضفنا الى
ذلك ما توصلنا اليه من ان امر الامامه بيد اللّه
تعالى، نتوصل
الىحقيقه ضروره النص على امام معين، وقد استدل
العلامه
الحلى بالعصمه على ضروره النص والتعيين فقال:(ذهبت
الاماميه خاصه الى ان الامام يجب ان يكون منصوصا
عليه... انه
يجب ان يكون الامام معصوما،والعصمه امر خفى لا
يعلمها الا
اللّه تعالى، فيجب ان يكون نصبه من قبله تعالى لانه
العالم
بالشرط دون غيره...)((158)). فعظم دور الامام يجعل اختياره بعيدا عن اصابه
الواقع اذا ترك
لعقول الناس وآرائهم، لان العصمه ليستعداله
ظاهريه
لتشخص من قبل الناس، بل هى امر خفى يتعلق بالعقل
والقلب
والجوارح، والناس لا يعلمونالسرائر كى يمكنهم
التشخيص او
الفرز، وكما قال الامام جعفر الصادق(ع): (ان الامامه
اجل قدرا،
واعظم شانا،واعلى مكانا، وامنع جانبا من ان يبلغها
الناس
بعقولهم، او ينالوها بارائهم، او يقيموا اماما
باختيارهم...)((159)). وسنحبث فى المواضيع والبحوث القادمه ان رسول
اللّه(ص) قد
نص على على بن ابى طالب(ع) والائمه مناهل البيت(ع)،
نصوصا صريحه جليه، اكد فيها انهم القدوه والقاده،
واوجب
على الامه التمسك بهم، ومتابعتهمفى اقوالهم
وافعالهم.
المبحث الثانى:النص على الامام على(ع)
اولا : يوم الدار وآيه الانذار
(وانذر عشيرتك الاقربين)((160))، فاخبر(ص) عليا(ع)بذلك
فجمعهم اليه فى احد الدور وكانوا يومئذ اربعين رجلا
من ابرز
رجال بنى عبدالمطلب، فتكلم رسولاللّه(ص) وقال: يا
بنى
عبدالمطلب، انى واللّه ما اعلم شابا فى العرب جاء
قومه بافضل
مما قد جئتكم به، انى قد جئتكمبخير الدنيا
والاخره، وقد
امرنى اللّه تعالى ان ادعوكم اليه، فايكم يوازرنى
على هذا الامر
على ان يكون اخىووصيى وخليفتى فيكم؟)، فاحجم
القوم
عنها جميعا، فقام على بن ابى طالب(ع) وقال: (انا يا
نبى الله،
اكونوزيرك عليه)، فاخذ(ص) برقبه على(ع) ثم قال: (ان
هذا
اخى ووصيى وخليفتى فيكم، فاسمعوا له واطيعوا)،
فقامالقوم
يضحكون، ويقولون لابى طالب: قد امرك ان تسمع لابنك
وتطيع)((161)).
وفى روايه انه قال: (...قد امرك ان تسمع لعلى
وتطيع)((162)).
وفى روايه اخرى ان رسول اللّه(ص) اطلق مفهوم الخلافه
ولم
يقيده بكلمه (فيكم)، فقال: (هذا اخى ووصيىوخليفتى
من
بعدى)((163)).
وفى روايه اخرى انه قال لعلى(ع): (... اجلس فانت اخى
ووزيرى ووصيى ووارثى وخليفتى من بعدى)((164)). ورويت هذه الواقعه فى مصادر اخرى مبتوره ناقصه،
مخالفه
للسياق والمهمه التى جمعهم رسولاللّه(ص) من
اجلها، ففى
روايه انه(ص) قال: (من يضمن عنى دينى ومواعيدى، ويكون
معى فى الجنه، ويكون خليفتىفى اهلى)((165)). وفى روايه ابن الجوزى انه(ص) قال: (...فايكم يوازرنى
على هذا
الامر على ان يكون اخى) وفى ذيل الروايهلم يذكر
الا عباره
(فقام القوم يضحكون)((166)). والحوار الذى دار فى يوم الواقعه يدل دلاله واضحه
وصريحه
على انه(ص) نص على على بن ابى طالب(ع)،والقرائن
جميعها
تدل على ذلك، من انها الخلافه والامامه والتى من
لوازمها
السمع والطاعه لمن نصبه عليهم،اوعلى المسلمين
جميعا،
وخروج القوم يضحكون، وقولهم لابى طالب: (قد امرك ان
تسمع لعلى وتطيع) خيرقرينه على ذلك، وانه اراد
الخلافه
والقياده العامه، اما ان مقصوده بالخلافه والقياده
الخاصه
بالعشيره فهو بعيد،لان المتعارف عند العرب ان
الخلافه
والقياده للعشيره من مختصات كبار السن غالبا،
فهو(ص) لم
يقصد ذلك،خصوصا وان عليا(ع) كان اصغرهم سنا. ثانيا : آيه الولايه
انتقلنا فى البحث من الواقعه التاريخيه الى القرآن
الكريم تمشيا
مع الترتيب الزمنى فى الادله على ولايهوقياده
الامام على(ع). ومن الادله الصريحه على ولايه على(ع) قوله تعالى:
(انما
وليكم اللّه ورسوله والذين آمنواالذين يقيمون
الصلاه ويوتون
الزكاه وهم راكعون)((167)). وفى هذا الموضوع نثبت اولا: ان الايه نازله فى حق
على(ع)،
وثانيا: ان المقصود من الولى هو القائداوالامام
الذى هو اولى
بالتصرف. اما النقطه الاولى، فقد تظافرت وتواترت الروايات
على ان الايه
نزلت فى حق على بن ابى طالب لتصدقهبخاتمه وهو
راكع((168)).
اما النقطه الثانيه، فقد اجمع الشيعه على انها نزلت
فى امامه
على(ع)، اما السنه فحملوا لفظ (الولى) علىالناصر،
ومن ذلك
قول الايجى: (ان المراد هو الناصر والا دل على
امامته حال
حياه الرسول ، ولان ما تكرر فيهصيغ الجمع كيف يحمل
على
الواحد)((169)).
وفى مقام الجواب على راى الايجى نقول: لا مانع من ان
يكون
على(ع) اماما حال حياه رسول اللّه(ص) ولكنهامام
صامت مادام
رسول اللّه(ص) حيا، ولو تنزلنا عن ذلك، نقول: وردت
روايات
عديده عن رسول اللّه(ص) يصرحفيها انه وليه من
بعده، ففى
روايه عمران بن حصين: ان رسول اللّه(ص) قال: (ما
تريدون
من على؟ ما تريدون منعلى؟ ما تريدون من على؟ ان
عليا
منى وانا منه، وهو ولى كل مومن من بعدى)((170)). وعن بريده عنه(ص) انه قال: (لاتقع فى على فانه منى
وانا منه
وهو وليكم بعدى)((171)). وقال(ص) لعلى(ع): (انت وليى فى كل مومن بعدى)((172)). وقد وردت روايات عديده وبالفاظ مختلفه يجمعها
قوله(ص)
(وهو ولى كل مومن بعدى)((173)). وهى قرينه على ان المراد من الولى هو الامام، اضافه
الى
وجوب محبته ونصرته، فلا ياتى بعد هذه القرينهما
اثاره الايجى
من اشكال. واما الشطر الثانى من الاشكال فى كيفيه حمل الجمع
على
الواحد، فاجاب عنه ابوحيان الاندلسى بالقول:(ويكون
من
اطلاق الجمع على الواحد مجازا)((174)). واستدل علماء الشيعه على ولايه على(ع) ببعض الادله -
وهى
كافيه للرد على ما اثير من اشكالات - نكتفىهنا
بذكر آراء اثنين
من العلماء المتقدمين، قال الشيخ الطوسى: (...ولو كان
المراد
به الموالاه فى الدين لما خصبها المذكورين، لان
الموالاه فى
الدين عامه فى المومنين كلهم). وفى تعليقه على قوله تعالى (والذين آمنوا) قال:
(...وجب ايضا
ان الذى خوطب بالايه غير الذى جعلت لهالولايه،
والا ادى الى
ان يكون المضاف هو المضاف اليه، وادى الى ان يكون كل
واحد
منهم ولى نفسه وذلكمحال)((175)). وقال العلامه الحلى: (ان لفظه (انما) تفيد الحصر... ان
الولى
يفيد الاولى بالتصرف... ان المراد بذلك
بعضالمومنين لانه
تعالى وصفهم بوصف مختص ببعضهم ولانه لولا ذلك للزم
اتحاد الولى والمتولى)((176)). وقد حمل الالوسى الولى على الولايه العامه الا انه
جعلها له من
بعد زمان الخلفاء الثلاثه، فقال: (الولايهالعامه
كانت له وقت
كونه اماما لا قبله وهو زمان خلافه الثلاثه)((177)). ولو تتبعنا استعمال لفظه (ولى) نجد شيوعها او
انصرافها فى
(ولى الامر)، فلم تضف الى غيره من المعانىالا
نادرا.وفى قول
ابن عباس يتوضح الامر اكثر فاكثر: (ما فى القرآن آيه:
(الذين
آمنوا وعملوا الصالحات) الاوعلى اميرها وشريفها،
وما من
اصحاب محمد رجل الا عاتبه الله، وماذكر عليا الا
بخير)((178)).
ومعنى ذلك ان عليا هو المصداق الافضل والاكمل للذين
آمنوا. وفى حوار لام سلمه مع عبد اللّه بن الزبير يتضح
المعنى
الحقيقى للولى، ففى معرض ذلك قالت له: (اتطمعان
يرضى
المهاجرون والانصار بابيك الزبير وصاحبه طلحه،
وعلى بن ابى
طالب حى، وهو ولى كل مومنومومنه؟) فقال: ماسمعنا
هذا
من رسول اللّه(ص) ساعه قط، فقالت ام سلمه: ان لم تكن
انت
سمعته، فقد سمعتهخالتك عائشه، وها هى فاسالها،
فقد
سمعته يقول: على خليفتى عليكم... اتشهدين يا عائشه
بهذا ام
لا؟ فقالتعائشه: اللهم نعم((179)).
ثالثا : واقعه الغدير
وقد ذكر عدد كبير من المفسرين والمورخين انها نزلت
فى
على بن ابى طالب(ع)، ولايمكننا هنا ذكر
جميعالمصادر
فاكتفينا بعدد منها، وخصوصا من المصادر السنيه((182))
لان
الشيعه مجمعون على انها نزلت فى على بنابى طالب. وقد ذكرت هذه المصادر الطرق المختلفه للمفسرين،
ومنهم:
عبد اللّه بن عباس، وجابر بن عبد الله،
وابنمسعود، والخدرى،
وعبد اللّه بن ابى اوفى وغيرهم. ولمزيد الاطلاع على
مصادر
التفسير وطرقه يراجع كتاب(الغدير) للامينى.
نص الحديث والواقعه
من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد
من
عاداه)((183)).
وعن البراء بن عازب عن رسول اللّه(ص) انه قال: (...
الستم
تعلمون انى اولى بالمومنين من انفسهم قالوا:بلى.
قال: الستم
تعلمون انى اولى بكل مومن من نفسه، قالوا: بلى، فاخذ
بيد
على، فقال: اللهم من كنت مولاه فعلىمولاه، اللهم
وال من
والاه، وعاد من عاداه...)((184)). وفى روايه عن سعد بن ابى وقاص انه قال: (اما والله،
انى
لاعرف عليا وما قال له رسول اللّه(ص): اشهد
لقاللعلى يوم
غدير خم ... فاخذ بضبعه ثم قام به، ثم قال: ايها
الناس، من
مولاكم؟ قالوا: اللّه ورسوله، قال: من كنتمولاه
فعلى
مولاه...)((185)).
وفى روايه الحارث بن مالك انه قال: (قام رسول
اللّه(ص) فابلغ،
ثم قال: ايها الناس: الست اولى بالمومنين
منانفسهم؟ ثلاث
مرات، قالوا: بلى، قال: ادن يا على، فرفع يده ورفع
رسول
اللّه(ص) يده حتى نظرت الى بياض ابطيه،فقال: من كنت
مولاه فعلى مولاه، حتى قالها ثلاث مرات)((186)). وبعد ان تم تنصيب على(ع) امر رسول اللّه(ص) عليا (ان
يجلس
بخيمه بازاء خيمته، ثم امر المسلمين انيدخلوا
عليه فوجا فوجا
يسلمون عليه بامره المومنين ثم امر ازواجه وجميع
نساء
المومنين ان يسلمن عليهبامره المومنين)((187)).وكان
من
المهنئين له عمر بن الخطاب حيث قال له: (هنيئا يا ابن
ابى
طالب اصبحت وامسيت مولى كلمومن ومومنه)((187)). وفى روايه قال له: (بخ بخ لك يا ابن ابى طالب اصبحت
مولاى
ومولى كل مسلم...)((188)). وفى روايه (بخ بخ لك يا على بن ابى طالب اصبحت مولاى
ومولى كل مومن)((189)). وفى روايه ان ابابكر وعمر قالا له: (امسيت يا ابن ابى
طالب
مولى كل مومن ومومنه)((190)). وفى ذلك اليوم انشد حسان شعرا بحق على بن ابى
طالب(ع):
يناديهم يوم الغدير نبيهم
بخم فاسمع بالرسول مناديا
وقال فمن مولاكم ووليكم
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
الهك مولانا وانت ولينا
ومالك منا فى الولايه عاصيا
فقال له قم يا على فاننى
رضيتك من بعدى اماما وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه
فكونوا له انصار صدق مواليا((191))
وبعد ان تم الابلاغ بولايه على(ع) نزلت الايه
الكريمه: (... اليوم
يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهمواخشون اليوم
اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم
الاسلام
دينا)((192)).
وقد روى نزولها بعد واقعه الغدير كثير من المفسرين
والمورخين ذكرنا بعضا منهم ضمن مولفاتهم((193))
وقداجمع الشيعه على ذلك. وبعد نزول هذه الايه قال رسول اللّه(ص): (اللّه اكبر
على اكمال
الدين واتمام النعمه، ورضا الرب برسالتىوالولايه
لعلى)((194)).
وفى روايه: (...وولايه على بن ابى طالب من بعدى).((195))
وحديث الغدير من الاحاديث المتواتره، وقد ورد فى
اغلب كتب
المولفين حتى اعترف بذلك ابن حجرالهيثمى بالقول:
(انه
حديث صحيح لامريه فيه، وقد اخرجه جماعه كالترمذى،
والنسائى، واحمد. وطرقه كثيرهجدا، ومن ثم رواه
سته عشر
صحابيا، وفى روايه لاحمد... ثلاثون صحابيا وشهدوا به
لعلى لما
نوزع ايامخلافته)((196)). وقال ابن حجر العسقلانى: (واما حديث من كنت مولاه
فعلى
مولاه، فقد اخرجه الترمذى والنسائى، وهوكثير الطرق
جدا،
وقد استوعبها ابن عقده فى كتاب مفرد، وكثير من
اسانيدها
صحاح وحسان...)((197)).
الاستدلال بالحديث على النص بالامامه
وقد استدل الكراجكى بالقول: (وقد اجمع المفسرون على
ان
المراد بقوله سبحانه: (النبى اولى بالمومنينمن
انفسهم)((
((199))
انه اولى بتدبيرهم والقيام بامورهم، من حيث وجبت
يجيزه على رسول اللّه(ص) الا جاهل لاعقل له)((200))
واضافه الى ذلك، فان نزول آيه البلاغ واكمال الدين
بياس
الكفار من الكيد للاسلام يستدعى اهميهالموضوع،
ولا معنى
لنزول ذلك بخصوص الاخبار اوالامر بمحبه ونصره
على(ع)،
فالموضوع اهم واشمل منذلك، وخصوصا ان رسول
اللّه(ص)
جمع المسلمين بالهجير وهو شده حر الظهيره، فالامر
اهم من
ذلك وهو يعادلتبليغ الرساله باجمعها طيله ثلاثه
وعشرين
عاما.وقد وضح اهل البيت(ع) المراد من قوله(ص): (من كنت
مولاه فعلى مولاه) باجابتهم للسائلين، فقال
الامامعلى بن
الحسين(ع) مجيبا ابن اسحاق: (اخبرهم انه الامام
بعده)((201)).
واجاب الامام محمد بن على الباقر(ع) ابان بن تغلب
قائلا:
(علمهم انه يقوم فيهم مقامه)((202)). ويويد ذلك ما روى عن رسول اللّه(ص) فى فضل يوم الغدير
انه
قال: (افضل اعياد امتى، وهو اليوم الذىامرنى اللّه
- تعالى ذكره
- بنصب اخى على بن ابى طالب علما لامتى يهتدون به من
بعدى...)((203)).
ويويد ذلك ما ورد فى احتجاج فاطمه الزهراء(ع) على من
لا
يرى امامه على(ع) حين قالت: (...كانكم لمتعلموا ما
قال يوم
غدير خم، واللّه لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع
منكم بذلك منها
الرجاء...)((204)). واذا جمعنا بين الادله والمويدات والشواهد وجدنا
ان بعضها
يعضد بعضا من ان تنصيب على(ع) للولايهفى يوم غدير
خم هو
تنصيب للامامه، وبهذا التنصيب اكتمل الاسلام ويئس
الكفار
منه. رابعا : الاحاديث الصريحه فى النص
كان رسول اللّه(ص) يمارس - عمليا - الاعداد لامامه
على(ع)
ويصرح للمسلمين بقيادته وامامته فى كلالاوقات
واللقاءات
المناسبه الخاصه والعامه، ويصرح - بين الحين والحين
- ان
ذلك الاعداد من اللّه تعالى، وقدوردت اقواله صريحه
لا لبس
فيها ولا غموض، ولا يمكن تاويلها اوحملها على وجوه
عديده،
وانما هى صريحهفى قيادته وامامته، واستخلافه من
بعده، ففى
روايه انس بن مالك ان رسول اللّه(ص) قال له: (اول من
يدخل
عليكمن هذا الباب اميرالمومنين، وسيد المسلمين،
وقائد الغر
المحجلين، وخاتم الوصيين)، وحينما دخل علىقام(ص)
مستبشرا فاعتنقه، وقال له: (انت تودى عنى، وتسمعهم
صوتى،
وتبين لهم ما اختلفوا فيه بعدى)((205))
وفى روايه عبد اللّه بن سعد بن زراره ان رسول
اللّه(ص) قال:
(اوحى الى فى على بثلاث: انه سيد المسلمين،وولى
المتقين،
وقائد الغر المحجلين)((206)). وفى روايه على بن ابى طالب ان رسول اللّه(ص) قال له:
(انك
سيد المسلمين، وامام المتقين، وقائد
الغرالمحجلين، ويعسوب
الدين)((207)).
واستقبل(ص) عليا ذات مره قائلا: (مرحبا بسيد
المسلمين
وامام المتقين)((208)). وقال(ص): (على يعسوب المومنين، والمال يعسوب
المنافقين)((209)). وفى روايه انه(ص) قال: (هذا يعسوب المومنين والمال
يعسوب
الظالمين)((210)). و(اليعسوب) فى اللغه: (امير النحل وذكرها، ثم كثر ذلك حتى سموا كل رئيس يعسوبا، واليعسوب: السيدوالرئيس والمقدم)((211)). وهذه الالفاظ والتعابير من قبيل: امير، سيد، قائد، امام، ويعسوب، نص صريح فى القياده والامامه، وقداستعملت فى معناها الحقيقى غير القابل للتاويل او الحمل على وجوه اخرى.
|
|---|