الشورى فى الايه الاولى تدل على ان اللّه
تعالى ارشد رسوله
(ص) الى اسلوب التعامل مع اصحابه بان يلين لهم
ويعفو عن
مخالفتهم له فى غزوه احد((342)). وان يستغفر لهم بعد
هزيمتهم فى غزوه احد بسبب اصرارهم على مخالفه رسول
اللّه(ص) وعدم البقاء فى المدينه كما اراد،
ويرشده(ص) الى
استشارتهم رحمه بهم وتطييبالخواطرهم، وليس وراء
تلك
الشورى اى مفهوم يدل على جعلها اساسا من اسس اختيار
الخليفه او القائد،فالشورى محدوده فى خصوص الغزوات
وما
يتعلق بها مع استغناء رسول اللّه(ص) عنها لارتباطه
بالوحى،
واوكل اللّه تعالى حسم الموقف الى رسول اللّه(ص)
بقوله (فاذا
عزمت ...)، فالشورى لا تعنى اكثر من معرفه آراء
الاخرين،فنتائجها غير ملزمه لرسول اللّه(ص) وغير
ملزمه
للحاكم والقائد الاسلامى كما دلت عليه السيره
النبويه
وسيره الامام على بن ابى طالب(ع) وسيره جميع الحكام
العدول، حيث ان حسم الموقف بعد الشورى يكون بيد
الحاكم منعا للفوضى وتاخير القرار. اما الايه الثانيه فانها جاءت فى سياق ابراز صفات
المومنين
الممدوحه وجاءت الشورى مقرونه بالاستجابه للّه
تعالى، واقامه
الصلاه، والانفاق، واذا امكن الاستدلال بها
بالقول: ان (امرهم
شورى) هو مطلق الامر بما فيه اختيار الحاكم او
الامام فهذا
يحتاج الى عنايه اضافيه، لخطوره المنصب ودوره
الكبير فى
حياه الامه، ولابد من تفصيل اكثر سواء من قبل
الايه نفسها او
من قبل رسول اللّه(ص)، بتحديد عدد
المتشاورين وصفاتهم،
واسلوب التشاور، وهل تكون النتيجه تابعه لراى
الاكثريه ام
الاقليه ام تابعه لراى فرد واحد ان كان هو الاصلح
والاصوب،
وهل الشورى ملزمه للاخرين ام لا؟ الى غير ذلك من
التفاصيل. واضافه الى ذلك نقول: ان فكره الشورى لم تكن واضحه
حتى
للمشاركين فى السقيفه، ونقول ايضا قدثبت ان النص
الجلى
والخفى قد كان قبل الشورى وان رسول اللّه(ص) قد نص
على
على بن ابى طالب(ع) وامربالرجوع اليه، ولا مجال
للاجتهاد
فى مقابل النص. رابعا : السيره النبويه
ان الشورى كانت قائمه فى عهد رسول اللّه(ص) وكان(ص)
كثير الاستشاره كما يحدثنا المورخون، وكان(ص)يحث
على
الشورى والاستشاره، فالشورى امر مرغوب و محبب، ومن
اقواله فى ذلك:
(ما خاب من استخار ولاندم من استشار)((343)). (من اراد امرا فشاور فيه امرءا مسلما وفقه اللّه لا
نجاز
اموره)((344)).
(استرشدوا العاقل ولا تعصوه فتندموا)((345)). (من استشاره اخوه فاشار عليه بغير رشده فقد خانه)((346)). (من اراد امرا فشاور فيه، اهتدى لارشد الامور)((347)). والشورى فى السيره النبويه معمول بها فى الغزوات
غالبا، واذا
تتبعنا كتب السيره لم نجد ان رسول اللّه(ص) قد اشرك
الصحابه فى بعض المسائل ومنها تعيين الامراء او
عمال الصدقه
فكان لا يستشير فى ذلك،وحتى الغزوات فان بعضها لم
يشاور
بها احدا من اصحابه، وكتب السيره شاهده على ذلك،
وكان
ينفرد برايه ولا يستشير احدا ابتداء كما فى امضاء
صلح الحديبيه
حيث خالف فيه راى غالبيه الصحابه((348)) حينما لم
يقبلوابالصلح. اما الاحاديث الشريفه فانها تدل على محبوبيه
الشورى والحث
عليها فى المسائل الفرديه والاجتماعيه،وهى لا
تشتمل على
امر بالشورى يصل الى مرتبه الوجوب او نهى تحريمى عن
مخالفتها، فهى لا تعدو كونها حثاوتشجيعا على
التشاور، ولم
يتطرق(ص) الى الشورى فى اختيار اهم المسائل وهى
مساله
القياده، فلو اراد ان تكون شورى لوضح مراده، ولرسم
للمسلمين منهجا متكاملا فى ذلك منسجما مع خطوره
المنصب، ولكننا نراه يصرح منذ بدايه الدعوه الى ان
الامر الى
اللّه تعالى يضعه حيث يشاء، ولو اراد الشورى لقال:
ان الامر الى
الامه تضعه حيث تشاء. ففى مقابل النص لا مجال
للشورى.
تقييم احداث ونتائج الشورى
اولا : غياب الصحابه وبنى هاشم
ان من العقل والحصافه ان يشارك اهل الراى والمشوره
فى
الوقائع المهمه والخطيره، وخصوصا مايتعلق بمصير
الاسلام
ومصير الامه الاسلاميه، وان يقدم الافضل فالافضل
فى ابداء
وجهات النظر، وان لا يكون عدد المشاركين محدودا
ببعض
الاشخاص، ومن البديهيات فى المنهج الاسلامى ان
مساله
الامامه هى اهم المسائل واخطرها فى حركه الاسلام
والامه
الاسلاميه، ولو تتبعنا واقعه السقيفه نجد انها قد
حددت
باشخاص قلائل، فمن رووس الانصار شارك سعد بن
عباده،
والحباب بن المنذر، وبشير بن سعد، اما من المهاجرين
فلم يشارك الا ابو بكر وعمر وابو عبيده بن الجراح،
وغاب عنها
جميع الصحابه كسلمان وعمار والمقداد وابو
ذرالغفارى، وجابر
بن عبد الله، والبراء بن عازب وغاب عنها بنو هاشم
جميعا
وعلى راسهم على بن ابى طالب(ع)والعباس بن
عبدالمطلب،
فلم يكتمل النصاب فى الكم والنوع، فلو تنزلنا وقلنا
بعدم وجود
نص من اللّه ورسوله،فالشورى بنفسها لم تكتمل
شروطها
المتعارف عليها عند الامم بل عند القبائل، وفى ذلك
الامر قال
على(ع) -محتجا على من تبنى الشورى - :
فان كنت بالشورى ملكت امورهم
فكيف بهذا والمشيرون غيب((349)). فالشورى لم تتحقق شروطها من حيث عدد المتشاورين
وموهلاتهم الذاتيه. ثانيا : المغالبه وبروز القبليه
لم تتحقق اجواء الشورى وتبادل الاراء فى السقيفه،
فكان
المشاركون مندفعين بدوافع ذاتيه ونفعيه غلب عليها
طابع
المغالبه فكانت صراعا واضح المعالم تخللته جميع
عوامل
الصراع المتعارف من منافسه ذاتيه،وحسد، وروح قبليه
صرفه،
واستخدام المناوره للوصول الى السلطه، فاحتج عمر
بن
الخطاب بالقرابه على الاحقيه بالخلافه وقال: (من
ينازعنا
سلطان محمد وميراثه، ونحن اولياوه وعشيرته الا مدل
بباطل
او متجانف لاثم، او متورط فى هلكه)((350)). فاحتج بالقرابه علما بان عليا (ع) اقرب منه الى رسول
اللّه (ص)
وكذلك العباس وجميع بنى هاشم.وتطورت الاحداث
الصاخبه
فقال الحباب بن المنذر: (... فان ابوا عليكم ما
سالتموه
فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور
... اما واللّه
لئن شئتم لنعيدنها جذعه)((351)). وقام عمر بترشيح ابى بكر وبايعه، وحينما راى بشير
بن سعد
الانصارى ذلك سبق الانصار الى البيعه حسدا لسعد بن
عباده
من ان يصل الى الخلافه، وقام الحباب بن المنذر الى
سيفه
فبادروا اليه فاخذوه منه((352))، وفى روايه اخذ ووط ى فى
بطنه ودسوا فى فمه التراب((353)). واقبل الاخرون يبايعون ابا بكر، وكادوا يطاون سعد
بن عباده،
فقال اصحابه: (اتقوا سعدا لا تطاوه)،فقال عمر:
(اقتلوه قتله
اللّه)، وهددهم سعد بالقتال، وحينما ارادوا اكراهه
على البيعه
قال بشير بن سعد لابى بكروعمر: (انه قد لج وابى، وليس
بمبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده
واهل
بيته وطائفه من عشيرته)، فتركوه وقبلوا مشوره بشير
بن
سعد((354)).
فالشورى تمت فى اجواء صاخبه وكادت تصل الى القتال،
ثم
فرضت نتائجها على الامه، يقول البراء بن عازب: (...
واذا انا بابى
بكر قد اقبل ومعه عمر وابو عبيده وجماعه من اصحاب
السقيفه ... لا يمرون باحد الاخبطوه، وقدموه فمدوا
يده
فمسحوها على يد ابى بكر يبايعه شاء ذلك او ابى)((355)). واستعان ابو بكر وعمر بقبيله اسلم لتثبيت السلطه
وكان عمر
يقول: (ما هو الا ان رايت اسلم، فايقنت بالنصر)((356)). وقال عمر - واصفا للاحداث - : (ان عليا والزبير ومن
معهما
تخلفوا عنا فى بيت فاطمه، وتخلفت عناالانصار
باسرها)((375)).
ولام الانصار بعضهم بعضا (وذكروا عليا وهتفوا
باسمه)((358)).
وهدد عمر المتخلفين والرافضين لبيعه ابى بكر وهم فى
بيت
فاطمه بان يحرق البيت عليهم((359)). فالشورى المدعاه لم تكن تامه لما جرى فيها من احداث
ومواقف صاخبه وتهديد بالقتل، وان استندت الشورى
الى راى
اهل الحل والعقد فان (عامه المهاجرين وجل الانصار
لا يشكون
ان عليا هو صاحب الامر بعدرسول اللّه(ص))((360)).
الاعتراف بفقدان الشورى
فقد اعترف بفقدان الشورى وامر بقتل كل من بايع دون
مشوره، وقرن ذلك بالسقيفه، فمن عاد الى
مثلهافاقتلوه، كما
جاء فى قوله. وقال ابن ابى الحديد: (وقد اكثر الناس فى حديث
الفلته،
وذكرها شيوخنا المتكلمون، فقال شيخنا ابو
على:الفلته: ما
وقع فجاه من غير رويه ولا مشاوره)((364)). والاعتراف بفقدان الشورى يسدل الستار على النظريه
من
الاساس لان الواقع الذى استوحت النظريه معالمها
منه كان
مضطربا لاثبات له فلا يصح استنباط النظريه منه فى
مقابل ما
تظافر من وجود نص من رسول اللّه(ص) على على بن ابى
طالب(ع)، فلم تقع الشورى وانما كانت صراعا صاخبا
وتكالبا
على الوصول الى مقام الخلافه باى وسيله كانت. ثالثا : عدم اختيار الافضل
الامامه من حق الافضل والاصلح، وهذه حقيقه يحكم بها
الشرع
والعقل السليم، وقد اعتاد العقلاء منذ القدم على
اختيار افضلهم
واصلحهم ليكون قائدا وزعيما لهم، وفى تقييمنا لما
حدث فى
السقيفه نقول: ان الاجتماع الذى حدث فى السقيفه لم
يراع
الافضليه فى الاختيار، فاختير ابو بكر على اساس انه
(صاحب
رسول الله، وثانى اثنين اذ هما فى الغار)((365)). وفى روايه غير متواتره انه (خليفه رسول اللّه(ص) فى
الصلاه)((366)).
وتلك الامور الثلاثه لا تستوجب الافضليه، فاذا
كانت الصحبه
دليلا على الافضليه فان عليا(ع) صحب رسول اللّه(ص)
منذ
صغره وكان يقول: (... ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر
امه... ولقد سمعت رنه الشيطان حين نزول الوحى عليه، فقلت:
يارسول اللّه ما هذه الرنه؟ فقال: هذا الشيطان قد
ايس من
عبادته، انك تسمع ما اسمع،وترى ما ارى، الا انك لست
بنبى،
ولكنك لوزير وانك على خير)((367)). وقد تقدمت الاحاديث النازله فى حقه والتى ينص رسول
اللّه(ص) فيها على اعلميه على وافضليته فى
القضاء،والقدره
على القياده، وانه الاعدل والاقوى على دين الله،
والصديق
الاكبر، والفاروق بين الحق والباطل، ورافق على
رسول
اللّه(ص) فى جميع المواقف والاحداث، وكان آخر
المسلمين
عهدا به حيث كان معه فى مرضه. وقبل وفاته جعل رسول
اللّه(ص) يساره ويناجيه ثم قبض من يومه ذلك((368)). والافضليه المدعاه لابى بكر لم يدعيها هو لنفسه
واعترف
بعدمها لا اعتراف تواضع، وانما اعتراف حقيقه فقال:
(... فانى
وليتكم ولست بخيركم...)((369))، وقد وردت بالفاظ مختلفه
فى مصادرها المذكوره وقد احتج على(ع)بملاكات
الافضليه
الاخرى، فقال: (انا احق بهذا الامر منكم، لا ابايعكم
وانتم اولى
بالبيعه لى، اخذتم هذا الامر من الانصار،
واحتججتم عليهم
بالقرابه من النبى(ص) ... وانا احتج عليكم بمثل ما
احتججتم
به على الانصار)((370)). فاحتج بالقرابه لانها كانت مقياسا للتفاضل بين ابى
بكر وعمر
وبين الانصار، واحتج ايضا بالافضليه فى الصفات
القياديه فقال:
(... فواللّه يامعشر المهاجرين، لنحن احق الناس به
لانا اهل
البيت، ونحن احق بهذا الامرمنكم، ما كان فينا
القارى لكتاب
الله، الفقيه فى دين الله، العالم بسنن رسول الله،
المضطلع
بامر الرعيه، المدافع عنهم الامور السيئه، القاسم
بينهم بالسويه،
واللّه انه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل
الله، فتزدادوا
من الحق بعدا)((371)). والافضليه فى اختيار الامام بعد رسول اللّه(ص) اجمع
عليها
علماء الشيعه، اما علماء السنه فبعضهم تابع علماء
الشيعه فى
ذلك((372)) ،
والبعض الاخر لم يشترط الافضليه ومنهم
التفتازانى وعلل ذلك بالقول: (الافضليه امرخفى قلما
يطلع
عليه اهل الحل والعقد، وربما يقع فيه النزاع ويتشوش
الامر)((373)).
وكلامه صحيح ومنه نستدل على وجود النص لان اللّه
تعالى
ورسوله(ص) هما المطلعان على الامر الخفى،وهما
اللذان
يحددان الافضل فى القياده بعد رحيل رسول اللّه(ص)،
اما فى
عصر الغيبه فيحدد الافضل عن طريق العلم الظاهرى. ولو تتبعنا بعض مولفات السنه لوجدنا انهم يقدمون
ابا بكر
وعمر وعثمان على على(ع) لانهم تقدموا
عليه بالخلافه، فهم
يشترطون الافضليه فى اختيار الخليفه، وفى هذا
الصدد قال
ابن عرفه المعروف بنفطويه: (ان اكثرالاحاديث
الموضوعه فى
فضائل الصحابه افتعلت فى ايام بنى اميه، تقربا
اليهم بما
يظنون انهم يرغمون به انوف بنى هاشم)((374)). وكتب معاويه الى ولاته: (ان برئت الذمه ممن روى شيئا
من
فضل ابى تراب واهل بيته... ولا تتركوا خبرايرويه احد
من
المسلمين فى ابى تراب الا وتاتونى بمناقض له فى
الصحابه،
فان هذا احب الى واقر لعينى،وادحض لحجه ابى تراب
وشيعته)((375)).
وقال ابو الحسن المداينى: (... فظهر حديث كثير موضوع،
وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاءوالقضاه
والولاه ... حتى
انتقلت ... الى ايدى الديانين الذين لا يستحلون
الكذب
والبهتان، فقبلوها ورووها، وهم يظنون انها حق،
ولو علموا انها
باطله لما رووها، ولا تدينوا بها)((376)). وعلى كل حال فان اصحاب السقيفه لم يراعوا الافضليه
الواقعيه، وعدم المراعاه خلاف الشورى المرادمنها
اختيار
الافضل والاصلح للقيام باعباء الرساله وخلافه رسول
اللّه(ص). رابعا : التخلى عن الشورى
ان الشورى المدعاه فى اختيار الامام او الخليفه بعد
رسول
اللّه(ص) والتى وضعت من قبل البعض تبريرالعمل ابى
بكر
وعمر، نجدها لم تقوى على النهوض فى مقابل النص، فان
اول
خليفه قام بالامر على اساسهاسرعان ما تخلى عنها
وعاد الى
النص فنص على عمر بن الخطاب على الرغم من اعتراض بعض
الصحابه عليه وعلى راسهم طلحه بن عبيداللّه((377)). وتخلى ثانى شخصيه من شخصيات السقيفه عن الشورى وعاد
مومنا بالنص والاستخلاف، فحينماقربت وفاته، وطلب
منه
المسلمون ان يستخلف من يقوم بالامر قال: (لو ادركت
ابا
عبيده بن الجراح باقيااستخلفته ووليته... ولو ادركت
معاذ بن
جبل استخلفته... ولو ادركت خالد بن الوليد لوليته)((378)). وفى روايه انه قال: (لو كان ابو عبيده بن الجراح حيا
استخلفته... ولو كان سالم مولى ابى حذيفه
حيااستخلفته)((379)). وهذا الراى ان دل على شى ء انما يدل على تراجعه عن
الشورى
وتبنى النص، وحينما لم يجد شخصاموهلا فى نظره كابى
عبيده او سالم جعلها شورى بين سته من الصحابه، وامر
ابا
طلحه الانصارى باختيارخمسين رجلا من الانصار
يشرفون
على الشورى، واوصى لصهيب بقتل من يخالف الاتفاق اذا
كان
واحدا اواثنين وان رضى ثلاثه رجلا وثلاثه رجلا
فعبداللّه ابنه هو
الحكم، فان لم يرضوا به ارجع الامر الى عبدالرحمن
بن عوف
وقال: (... فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف
واقتلوا
الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس)((380)). فجعلها شورى بين سته مهددين بالقتل ومحاطين بقوه
مسلحه، وكانت نتيجه الشورى معلومه كما قال على (ع)
للعباس: (فسعد لا يخالف ابن عمه عبدالرحمن،
وعبدالرحمن
صهر عثمان، لا يختلفون)((381)). وحين الاجتماع اصبح الامر لعبدالرحمن بن عوف يختار
من
يشاء، وكانت الشروط التى وضعها هى العمل بكتاب
اللّه وسنه
رسوله وسيره الخليفتين من بعده((382)) فقبلها عثمان
ورفض على الشرط الثالث، فاختار ابن عوف عثمان بن
عفان،
فكان تظاهرا كما عبر عنه على بقوله: (ليس هذا اول يوم
تظاهرتم فيه علينا)((383)). والشورى بهذه الطريقه لم تتحقق فى جميع صورها،
فهنالك
تهديد بالقتل وميل الى ذى القرابه، وتقييدبسيره
ابى بكر
وعمر، وتظاهر على على (ع)، وخلاصه القول: ان الواقع
الذى
عمله ابو بكر وعمر لا يصلح ان يكون اساسا لوضع
نظريه
الشورى، فلم تكن فى الحقيقه شورى، لا فى الواقع ولا
فى راى
من نسبت اليه، حتى يجعلهابعض المسلمين الطريقه
الاساسيه
فى اختيار القائد بعد رسول اللّه(ص)، فالطريقه التى
وصل بها
الاوائل الى منصب الخلافه لم يكن فيها اى مظهر من
مظاهر
الشورى، فلا حوار هادى، ولا تصفح وجهات النظر، ولا
تانى ولا
رويه،ولم يتمتع المشاركون بالحريه اللازمه لابداء
آرائهم،
فالاهواء كانت هى الغالبه، والانفعال والاحداث
الصاخبه كانت
هى السائده، حتى اصبح التهديد بالقتل حقيقه واضحه. والشورى لا تقوى على النهوض كنظريه امام النص، بل
يمكن
الاستدلال على ضروره النص من تلك الاحداث التى
ابتدات
بالسقيفه واستمرت الى مقتل عثمان بن عفان وفتح باب
القتال ووصول بنى اميه الى قمه الخلافه، وتحولها
الى ملك
يتوارثه الابناء عن الاباء دون موهلات، حتى اصبح
الصبيان
والفساق على راس الدوله الاسلاميه، فكل تلك
الاحداث
والمواقف تجعل من النص ضروره فى تعيين القائد بعد
رسول
اللّه(ص)، فلايعقل مع تلك الاحداث ان يترك رسول
اللّه(ص)
امته سدى ويجعل الامر من بعده باختيار الامه وهى
قريبه
العهدبالجاهليه.
الفصل الثالث: طرق تولى الامام فى عصر المعصومين
واهل البيت هم رسول اللّه(ص) وعلى وفاطمه والحسن
والحسين (ع) الذين نزلت فيهم آيه التطهير: (انما
يريداللّه
ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)((384)). فقد تظافرت التفاسير والروايات ان المقصود باهل
البيت (ع)
هم اهل بيت النبى(ص) وهم: على وفاطمه والحسن
والحسين((385)).
فقد روى عن ام سلمه وبطرق عديده انها قالت: (لما نزلت
هذه
الايه ... دعا رسول اللّه(ص) عليا وفاطمه وحسنا
وحسينا فجلل
عليهم كساء خيبريا، فقال: اللهم هولاء اهل بيتى
اللهم اذهب
عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) قالت ام سلمه الست
منهم؟
فقال(ص): (انت الى خير)((386)). وعند نزول الايه الكريمه: (ان اللّه وملائكته يصلون
على النبى
ياايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلمواتسليما)((387)). سال الصحابه عن كيفيه الصلاه على النبى(ص) فقال:
(اللهم
صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ابراهيم
وآل
ابراهيم انك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل
محمد
كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد
مجيد)((388)).
وقال(ص): (من قال: اللهم صل على محمد وآل محمد كما
صليت على ابراهيم وآل ابراهيم، وبارك على محمدوآل
محمد
كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم، وترحم على محمد
وآل
محمد كما ترحمت على ابراهيم وآل ابراهيم، شهدت له
يوم
القيامه بالشهاده وشفعت له)((389)). والحديث مستفيض رواه اصحاب الصحاح بصيغ مختلفه الا
البخارى((390)).
والحديث تعظيم لاهل البيت (ع) وجعلهم منارا وقدوه
للامه
حتى قال الشافعى: (من لم يصل عليكم لا صلاه له)((391)). وقال الديلمى: (الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد واهل
بيته)((392)).
وقد وردت آيات عديده توجب حقهم على الامه ولزوم
موالاتهم
وتتبع آثارهم((393)). ومفهوم اهل البيت (ع) وان كان قد اطلق على على وفاطمه
والحسن والحسين(ع) الا ان رسول اللّه(ص) وسعه ليشمل
ذريتهم من بعدهم ولم يخصصه ويقيده فيهم وحدهم فقال:
(فى كل خلف من امتى عدول من اهل بيتى ينفون عن هذا
الدين تحريف الضالين ...)((394)). فجعل(ص) مفهوم اهل البيت (ع) منطبقا على ذريه على (ع)
وفاطمه، والذى لا يخلو عصر منهم الى قيام المهدى
(ع) وهو
من اهل البيت (ع) وان تاخر زمانه، كما اطلق(ص) ذلك
عليه
بالقول:
(المهدى منا اهل البيت يصلحه اللّه فى ليله)((395)). (لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث اللّه رجلا من اهل
بيتى
يملاها عدلا كما ملئت جورا)((396)). وقد تابع الائمه من ابناء واحفاد على (ع) رسول
اللّه(ص) فى
اطلاق ذلك المفهوم على انفسهم وعلى من تقدمهم من
آباء
وما يلحق بهم من ابناء، وتابع المورخون ذلك فكانوا
يطلقون
مفهوم اهل البيت (ع) على الذريه المباركه من اولاد
واحفاد
على (ع) وهذا من المشهور ومحل الاجماع.
عصمه اهل البيت
ويذهب السيد الشهيد محمد باقر الصدر بان هنالك
اراده
ليست تكوينيه ولا تشريعيه فاللّه تعالى اراد
ان يوفر كل
المقدمات الدخيله فى صيروره اهل البيت طاهرين،
ولما كان
قادرا على تهيئه كل المقدمات الدخيله فى العصمه
وانه يريد
تهيئه اراده تكوينيه فان هذه المقدمات لا تتخلف عن
مراده،
فتتحقق حتما، وبذلك يصبح اهل البيت طاهرين مطهرين
... بمحض ارادتهم واختيارهم)((399)). ويضيف السيد كاظم الحائرى مستشهدا بان الاراده هنا
ليست
تكوينيه ولا تشريعيه بالقول: (انه لواريدت بها
الاراده التكوينيه
لزم الجبر وهو باطل، ولو اريدت بها الاراده
التشريعيه كان
المناسب ان يقال: يريداللّه لتبتعدوا عن الرجس
وتتطهروا لا ان
يقول: يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس ويطهركم. ذلك
لانه فى
باب الاراده التشريعيه يسند الفعل الى العبد
والاراده الى اللّه
فيقال: يريد اللّه لعباده ان يصلوا، ولا يقال: يريد
اللّه لنا ان
يجعلنامصلين)((400)). وقد سبق لنا ان بحثنا امكان العصمه وتحققها فى
الخارج فى
الفصل الاول، ونستدل على عصمه اهل البيت ببعض
الاحاديث
الشريفه المستفيضه والمتواتره عن رسول اللّه(ص) حيث
اوصى المسلمين بالكتاب والعتره فقال(ص): (ياايها
الناس انى
قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا: كتاب الله،
وعترتى
اهل بيتى)((401)). وفى روايه انه قال: (انى تارك فيكم خليفتين، كتاب
الله... وعترتى اهل بيتى، وانهما لن يتفرقا حتى يردا
على الحوض)((402)). وفى روايه: (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا
بعدى
احدهما اعظم من الاخر: كتاب اللّه حبل ممدود من
السماء الى
الارض، وعترتى اهل بيتى ولن يتفرقا حتى يردا على
الحوض،
فانظروا كيف تخلفونى فيهما)((403)). فالاحاديث المتقدمه تامر المسلمين بالتمسك
بالقرآن واهل
البيت (ع)، فانهما يحصنان المسلمين من الضلاله،
وهذا لا
يتحقق الا بالعصمه، فالمعصوم هو وحده المحصن من
الضلاله،
ولا يعقل ان رسول اللّه(ص) يدعوللتمسك بمن يجوز عليه
الخطا والانحراف لان ذلك خلاف للحكمه من التمسك،
واهل
البيت(ع) قرنهم رسول اللّه(ص)بالقرآن واكد على عدم
افتراقهما، ومعنى عدم الافتراق هو الاندكاك الكامل
بالقرآن
فى جميع الظروف والمواقف،فهم يجسدون قيم القرآن
تجسيدا كاملا وهذا هو معنى العصمه. ومثل رسول اللّه(ص) اهل البيت (ع) بسفينه نوح فقال:
(الا ان
مثل اهل بيتى فيكم مثل سفينه نوح ... من ركبهانجا ومن
تخلف عنها غرق)((404)). وفى روايه: (انما مثل اهل بيتى فيكم كمثل سفينه نوح
من
ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وانما مثل اهل بيتى
فيكم
مثل باب حطه فى بنى اسرائيل من دخله غفر له)((405)). والنجاه المتحققه بالتمسك باهل البيت (ع) والاقتداء
بهم
والاخذ بتعاليمهم تعنى انهم ميزان ومقياس الهدايه
فلا يجوز
عليهم الخطا والانحراف، لانه خلاف ملاك النجاه،
ومن يخطا
او يجوز عليه الخطا لا يكون وسيله النجاه لغيره،
والدعوه
للاقتداء باهل البيت (ع) مع تجويز الخطا عليهم تغرير
بالقبيح
وهو محال على رسول اللّه(ص)، وهنالك روايات عديده
يمكن
الاستدلال بها على عصمه اهل البيت (ع) بنفس
الاستدلال
المتقدم ومنها قوله (ص): (النجوم امان لاهل الارض من
الغرق
واهل بيتى امان لامتى من الاختلاف فاذا خالفتها
قبيله
من العرب اختلفوا فصاروا حزب ابليس)((406)).وتتجلى
العصمه فى وصف الامام على (ع) لاهل البيت حيث يقول:
(هم
عيش العلم وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم،
وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا
يخالفون الحق ولا يختلفون فيه. وهم دعائم الاسلام،
وولائج
الاعتصام. بهم عاد الحق الى نصابه... عقلوا الدين عقل
وعايه
ورعايه، لا عقل سماع وروايه)((407)). وقال (ع): (نحن النمرقه الوسط ى، بها يلحق التالى،
واليها
يرجع الغالى)((408)). وقد اعترف بعض المعاصرين لاهل البيت (ع) من غير
الشيعه
بعصمتهم وبانهم القمه فى كل الخصائص الانسانيه
الساميه
ولمزيد الاطلاع على ذلك تراجع تراجم حياتهم فى كتب
الاعلام والرجال وفى كتب الفضائل((409)).
النص على امامه اهل البيت(ع)
كنت عند ابى عبد اللّه (ع) فذكرواالاوصياء وذكرت
اسماعيل
فقال: (لا واللّه ياابا محمد ما ذاك الينا وما هو الا
الى اللّه عزوجل
ينزل واحدا بعدواحد)((410)). وقال (ع): (اترون الموصى منا يوصى الى من يريد؟ لا
والله،
ولكن عهد من اللّه ورسوله(ص) لرجل فرجل حتى ينتهى
الامر
الى صاحبه)((411)). وعله النص هى ان الامامه منصب عظيم، وان الامام حجه
اللّه
على خلقه، وهو المقتدى به فى اقواله وافعاله،وان من
لا يعرفه
مات ميته جاهليه -كما تقدم ولذلك فان الامه لا
تستطيع ان
تشخص امامها، وهذا ما توكده المسيره الاسلاميه
وسير
الاحداث، فلابد وان يكون الاختيار بنص من اللّه
ورسوله،
للحفاظ على سلامه المفاهيم والقيم الاسلاميه،
وحمايه
الاسلام من تحريف الضالين، وانتحال المبطلين
وتاويل
الجاهلين، والنص سنه من سنن اللّه تعالى فى تعيين
القاده
والائمه والاوصياء من لدن آدم الى خاتم الانبياء
والمرسلين،
لكى يجسد القاده من بعد الانبياء مبادى الاسلام فى
الواقع
الموضوعى ويكونوا قدوه للناس فى سكناتهم وحركاتهم. وفى ما يلى نستعرض الادله والمويدات والشواهد على
النص.
حديث الائمه من قريش
(كلهم من قريش)((412)). وفى روايه: (هذا الامر لا ينقضى حتى يمضى فيهم اثنا
عشر
خليفه كلهم من قريش)((413)). وقرن(ص) بين عزه الدين والخلفاء الاثنى عشر فقال: (لا
يزال
هذا الدين عزيزا الى اثنى عشر خليفه كلهم من قريش
ثم يكون
الهرج)((414)).
وفى روايه: (لا يزال الاسلام عزيزا الى اثنى عشر
خليفه كلهم
من قريش)((415)).
وقرن(ص) بين مضى امر الناس وولايه الاثنى عشر فقال:
(لا
يزال امر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشررجلا كلهم
من
قريش)((416)).
وقرن(ص) بين استمرار قيام الدين حتى قيام الساعه
وبين
الاثنى عشر، فقال: (لا يزال الدين قائما حتى
تقوم الساعه، او
يكون عليهم اثنا عشر خليفه كلهم من قريش)((417)). وعبر فى روايه اخرى بالامير ولفظه (من بعدى) فقال:
(يكون
من بعدى اثنا عشر اميرا كلهم من قريش((418)). وفى روايه اخرى قرن رسول اللّه(ص) بين صلاح الامه
ومضى
الاثنى عشر، فقال: (لا يزال امر امتى صالحاحتى يمضى
منهم
اثنا عشر خليفه كلهم من قريش)((419)). وفى روايه: (لا يزال امر امتى قائما حتى يمضى اثنا
عشر خليفه
كلهم من قريش)((420)). وقرن(ص) بين عدد الخلفاء وعدد نقباء بنى اسرائيل،
فقال:
(الخلفاء بعدى اثنا عشر كعده نقباء بنى اسرائيل)((421)). وقيل لعبداللّه بن مسعود: هل سالتم رسول اللّه(ص) كم
تملك
هذه الامه من خليفه؟ فقال: (اثنا عشر كعده نقباءبنى
اسرائيل)((422)).
وقال ايضا: (عهد الينا نبينا(ص) انه يكون بعده اثنا
عشر خليفه
بعدد نقباء بنى اسرائيل)((423)). واطلق رسول اللّه(ص) فى روايات اخرى لفظ (الائمه)، عن
ابى
ذر الغفارى قال: قلت يارسول الله، وكم
الائمه بعدك؟ قال:
(عدد نقباء بنى اسرائيل)((424)). وفى نفس اللفظ قال(ص): (الائمه بعدى اثنا عشر كلهم من
قريش)((425)).
وهذا الحديث المتواتر خص اثنى عشر قائدا وخليفه،
فالقياده
ليست فى عامه الناس وانما فى قريش وفى اثنى عشر
منهم،
وهولاء يتوقف عليهم صلاح الدين وصلاح امر
المسلمين، وقيام
امرهم، اضافه الى عزه الدين واستمرار استقامته،
وكل ذلك
مقرون بوجود الاثنى عشر، فلابد وان يكونوا ضمن
خصائص
وصفات فريده لاتوجد فى غيرهم، وافضل هذه الخصائص هى
العصمه، لكى يكونوا قدوه يقتدى باقوالهم وافعالهم
لكى
يصل المقتدون بهم الى السمو والكمال ومرضاه الله،
والمويد
لهذا الراى ما ورد عن رسول اللّه(ص): (الائمه بعدى
اثناعشر
عدد نقباء بنى اسرائيل، كلهم امناء اتقياء معصومون)((426)). وفى المواضيع القادمه نتابع العموم فى قريش لنبحث
عن
تخصيصه فى احد قبائلها، وفى احد البطون والاسر،
لان قريشا
تضم قبائل متعدده تختلف فى خصائصها الجامعه لها،
وان
بعض قبائلها بقى معاديا لرسول اللّه(ص) حتى بعد ان
استقرت
دولته ودخل الناس فى الاسلام افواجا، وقد ورثت بعض
القبائل
الحقد على رسول اللّه(ص) وعلى ذريته من بعده، فلابد
اذن
من تخصيص هذا العموم ببعض القبائل وباحد الاسر
الصالحه
للقياده والامامه، كما جرت سنه اللّه تعالى فى
الامم الماضيه،
حيث كان الاصطفاء محصورا فى اسر خاصه كال
ابراهيم وآل
عمران، وليس موسعا فى جميع الاسر، فالامر قائم على
اساس
الاصطفاء والانتقاء والانتخاب لاشخاص معينين ومن
اسر
معينه.
الائمه من بنى هاشم
وقال(ص): (ان اللّه خلق الخلق فجعلنى فى خيرهم فرقه،
ثم
جعلهم فرقتين، فجعلنى فى خيرهم فرقه، ثم جعلهم
قبائل
فجعلنى فى خيرهم قبيله، ثم جعلهم بيوتا فجعلنى فى
خيرهم
بيتا وخيرهم نفسا)((428)). ومدح رسول اللّه(ص) بنى هاشم ووضح خصالهم الحميده
فقال: (انهم اصلح الناس عند فتنه، واسرعهم افاقه
بعد مصيبه،
واوشكهم كره بعد فره، وخيرهم لمسكين ويتيم،
وامنعهم من
ظلم الملوك)((429)). ووجه الانظار لمقام بنى هاشم فقال: (لا يقوم الرجل
من
مجلسه الا لبنى هاشم)((430)). وكان بنو هاشم ساده قريش فى الجاهليه كما هو مشهور
فى
كتب السيره، وفى اثبات افضليتهم فى التقديم
والاتباع، استدل
ابن حجر الهيثمى بالاولويه بعد ايراد الروايه
المنسوبه الى
رسول اللّه(ص): (الناس تبع لقريش فى هذا الشان،
مسلمهم
تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم، والناس معادن
خيارهم
فى الجاهليه خيارهم فى الاسلام اذا فقهوا)((431)). فاستدل ابن حجر بتبعيه الناس لبنى هاشم بالاولويه
فقال:
(فاذا ثبت هذا العموم لقريش فاهل البيت اولى منهم
بذلك،
لانهم امتازوا عنهم بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقيه
قريش)((432)).
واذا كان بنو هاشم افضل البيوت فى قريش فان مصداق
(الائمه
من قريش) ينصرف الى المصداق الافضل وليس لعموم
قريش. ووردت روايات عن رسول اللّه(ص) تخصص الروايات
المتقدمه،
ومنها قوله(ص): (بعدى اثنا عشر خليفه) ثم اخفى صوته
وقال:
(كلهم من بنى هاشم)((433)). وقد وردت هذه الروايه عن جابر بن سمره، وقد وردت فى
الموضوع السابق بلفظ (كلهم من قريش) ونحن نرى ان
الروايه
القائله: (كلهم من بنى هاشم) هى اقرب للواقع، وخصوصا
ان
اخفاء الصوت يصلح كقرينه على ذلك، فاخفاء الصوت
ينسجم
مع التركيز على بنى هاشم، اما اذا كان المقصود (من
قريش)
فلا مبرر لاخفاءالصوت لان التصريح به يجد له قبولا
لسعه
قريش وشموله لعدد كبير من الصحابه. وقد اكد الامام على (ع) هذه الحقيقه قائلا: (... ان
الائمه من
قريش غرسوا فى هذا البطن من هاشم)((434)). وبهذه الادله خرجت جميع قبائل قريش من دلاله
الحديث،
واستثنى بنو هاشم منه، وبالتدريج يخصص المفهوم فى
دائره
اضيق ليكون مقتصرا على عتره رسول اللّه(ص) من ابناء
على
(ع).
الائمه من العتره الطاهره
ومن ضمن استدلال الماوردى على صحه الاستخلاف قال:
(هذا سليمان بن عبدالملك عهد الى عمر بن عبدالعزيز
ثم
بعده الى يزيد بن عبدالملك، ولئن لم يكن سليمان حجه
فاقرار من عاصره من علماء التابعين، ومن لا يخافون
فى الحق
لومه لائم هو الحجه، وقد رتبها الرشيد فى ثلاثه من
بنيه... عن
مشوره من عاصره من فضلاء العلماء)((437)). فحمل عمل الصحابه والتابعين على الصحه يستلزم طرح
جميع الروايات المخالفه لعملهم وسيرتهم،اضافه الى
ذلك
نجد اصحاب الصحاح عند السنه لم يرووا الا احاديث
قليله جدا
عن ائمه اهل البيت (ع) على الرغم من اشتهارهم بين
المسلمين فى العلم وصحه رواياتهم عن رسول اللّه(ص)،
وقد
لعب حكام بنى اميه وبنى العباس دورا كبيرا فى
اخفاء الحقائق
المتعلقه بامامه اهل البيت (ع)، وبفضائلهم بل اعلان
شتم على
(ع) من على منابرالمسلمين((438))، واستخدموا الارهاب فى
ذلك حتى قيل للحسن البصرى: ما لنا لا نراك تثنى على
على؟
فقال: (كيف؟وسيف الحجاج يقطر دما)((439)). وبالرغم من ايراد (الصلاه على محمد وآل محمد) فى
الصحاح
السته الا انها حذفت فحينما يذكر رسول اللّه(ص)
يقولون
(صلى اللّه عليه وسلم) بحذف (الال). وفى ذلك يقول ابن حجر الهيثمى - بعد تاكيده الصلاه
على
محمد وآل محمد (ولا ينافى ما تقرر حذف الال فى
الصحيحين)((440)). وحذف الصلاه على آل محمد اصبح علامه فارقه تشخص
انتماء
الراوى او المولف او الكاتب الى المذاهب غير
الشيعيه فى الاعم
الغالب. فلا غرابه ان يدعى التواتر رواه الشيعه وعلماوهم
دون غيرهم
فى موضوع النص على امامه اهل البيت(ع). وفى ما يلى نستعرض الروايات الوارده فى قياده
وامامه اهل
البيت (ع). عن ابى هريره قال: قال رسول اللّه(ص): (اهل بيتى عترتى
من
لحمى ودمى، هم الائمه بعدى عدد نقباء
بنى اسرائيل)((414)). وعن على(ع) عن رسول اللّه(ص): (ان هذا الامر يملكه
اثنا عشر
اماما تسعه من صلب الحسين)((442)). وعن عبد اللّه بن مسعود عن رسول اللّه(ص): (الائمه
بعدى اثنا
عشر، تسعه من صلب الحسين، والتاسع مهديهم)((443)). وعن ابن عباس عن رسول اللّه(ص): (الائمه من ولدى فمن
اطاعهم فقد اطاع الله، ومن عصاهم فقد عصى اللّه،هم
العروه
الوثقى والوسيله الى اللّه)((444)). وعن على (ع) عن رسول اللّه(ص) انه قال: (ياعلى انا وانت
وابناك الحسن والحسين وتسعه من ولد الحسين اركان
الدين
ودعائم الاسلام، من تبعنا نجا، ومن تخلف عنا فالى
النار)((445)).
وعن جعفر الصادق (ع) عن آبائه عن رسول اللّه(ص) انه
قال:
(الائمه بعدى اثنا عشر اولهم على بن ابى
طالب وآخرهم القائم،
هم خلفائى واوصيائى واوليائى، وحجج اللّه على امتى
بعدى)((446)).
وقد ورد عن رسول اللّه(ص) - ومن طرق مختلفه - انه قال
للحسين (ع): (انت امام ابن امام اخو امام ابو
ائمه تسعه تاسعهم
قائمهم)((447)).
وفى روايه حدد رسول اللّه(ص) اوصياءه بالقول: (اولهم
اخى
ووزيرى ووارثى وخليفتى فى امتى، وولى كل مومن بعدى
... ثم
ابنى الحسن، ثم ابنى الحسين، ثم تسعه من ولد
الحسين، واحد
بعد واحد حتى يردوا على الحوض هم شهداء اللّه فى
ارضه
وحجته على خلقه، وخزان علمه، ومعادن حكمته من
اطاعهم
اطاع الله، ومن عصاهم عصى اللّه)((448)). وفى روايه عن الرضا (ع) عن آبائه عن رسول اللّه(ص) انه
قال:
(من مات وليس له امام من ولدى مات ميته جاهليه)((494)). وروى عن رسول اللّه(ص) انه قال: (الائمه من بعدى اثنا
عشر،
اولهم على ورابعهم على، وثامنهم على،وعاشرهم على،
وآخرهم مهدى)((450)). وهم اوصياء رسول اللّه(ص) ينص كل امام على امامه
اللاحق
بوصيه من رسول اللّه(ص) يتناقلها امام عن امام كما
ورد عن
على (ع) انه اوصى الى ابنه الحسن وقال: (يابنى انه
امرنى
رسول اللّه(ص) ان اوصى اليك، وادفع اليك كتبى
وسلاحى،
كما اوصى الى ودفع الى كتبه وسلاحه، وامرنى ان آمرك
اذا
حضرك الموت ان تدفعها الى اخيك الحسين، ثم اقبل
على ابنه
الحسين، فقال: وامرك رسول اللّه ان تدفعها الى ابنك
هذا، ثم
اخذ بيد على بن الحسين وقال: وامرك رسول اللّه(ص) ان
تدفعها الى ابنك محمد بن على فاقرئه من رسول اللّه
ومنى
السلام)((451)).
وقد امر رسول اللّه(ص) جابر بن عبد اللّه الانصارى
بان يبلغ
سلامه الى خامس الائمه وقال له: (يولد لابنى هذا -
يعنى
الحسين - ابن يقال له: على، وهو سيد العابدين ...
ويولد له
محمد اذا رايته ياجابر فاقرا عليه السلام منى،
واعلم ان المهدى
من ولده...)((452)). وخلاصه القول: ان هذه الروايات تدل دلاله واضحه على
ان
رسول اللّه(ص) قد نص على القاده والائمه من بعده
وسماهم
باسمائهم، فهم من اولاد على خاصه، ومن اولاد الحسين
(ع)
وآخرهم المهدى، وكان كل امام يوصى الى الامام
اللاحق له
طبقا للوصيه التى ابلغت له من قبل رسول اللّه(ص)،
فليس هو
استخلاف وراثه، وانماهو عهد معهود من رسول اللّه(ص)
على
كل امام، فالنص وارد عن رسول اللّه(ص).
الامامه فى احاديث اهل البيت(ع)
قال الامام على (ع): (... وكيف تعمهون وبينكم عتره
نبيكم!
وهم ازمه الحق، واعلام الدين، والسنه
الصدق،فانزلوهم باحسن
منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش)((453)). وقال (ع): (انظروا اهل بيت نبيكم، فالزموا سمتهم،
واتبعوا
اثرهم، فلن يخرجوكم من هدى، ولن يعيدوكم فى ردى،
فان
لبدوا فالبدوا، وان نهضوا فانهضوا، ولا تسبقوهم
فتضلوا، ولا
تتاخروا عنهم فتهلكوا)((454)). وكل ذلك مستنبط من احاديث رسول اللّه(ص) التى توكد
امامتهم للمسلمين، ثم يوضح الحقيقه تلك قائلا:(وخلف
فينا
رايه الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها زهق، ومن
لزمها
لحق ... الا ان مثل آل محمد(ص) كمثل نجوم السماء، اذا
خوى
نجم طلع نجم، فكانكم قد تكاملت من اللّه فيكم
الصنائع)((455)).
وهى اشاره واضحه الى النص على امامتهم وانهم (ع)
صنائع
اللّه تعالى ادخرهم لقياده المسلمين على ضوء
المنهج الذى
رسمه للانسانيه. واوضح (ع) حقهم فى الولايه لوصيه
رسول
اللّه(ص) اليهم وقال: (لا يقاس بال محمد(ص) من هذه
الامه
احد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه ابدا، هم اساس
الدين، وعماد اليقين، اليهم يفى ءالغالى، وبهم
يلحق التالى،
ولهم خصائص حق الولايه، وفيهم الوصيه والوراثه)((456)). واكد الائمه من بعد على (ع) امامه اهل البيت (ع)، ففى
خطبه
للامام الحسن بن على (ع) قال: (يااهل العراق اتقوا
اللّه فينا، فانا
امراوكم وضيفانكم، ونحن اهل البيت الذين قال اللّه
عزوجل:
(انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس اهل البيت
ويطهركم
تطهيرا)((457))...)((458)). وقال ايضا: (... فاطيعونا فان طاعتنا مفروضه، اذ كانت
بطاعه
اللّه عزوجل ورسوله مقرونه، قال اللّهعزوجل:
(ياايها الذين آمنوا
اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولى الامر
منكم)((459))...)((460)). والطاعه المفروضه لم تكن مستنده الى بيعه المسلمين
للامام
الحسن(ع)، وانما هى بنص قرآنى واضح الدلاله،
فالامام(ع)
يستشهد بالقرآن الكريم، ولو اراد الاستشهاد
بالبيعه لقال (انا)،
فكان يتكلم بصيغه الجمع،ويستشهد بالقرآن الذى اورد
آياته
بصيغه الجمع، واكد الامام على بن الحسين(ع) على
قياده اهل
البيت(ع) بنص من اللّه ورسوله فقال: (... فمن الموثوق
به على
ابلاغ الحجه وتاويل الحكم الى اهل الكتاب، وابناء
ائمه
الهدى،ومصابيح الدجى الذين احتج اللّه بهم على
عباده، ولم
يدع الخلق سدى من غير حجه، هل تعرفونهم او تجدونهم
الامن فروع الشجره المباركه، وبقايا الصفوه الذين
اذهب اللّه
عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا،وبراهم من
الافات،وافترض
مودتهم فى الكتاب)((461)). وبهذا القول، يوكد الامام (ع) ان اللّه تعالى لا
يترك الخلق سدى
دون حجه يحتج بها عليهم. ويوكد الامام(ع) على امامه اهل البيت(ع) اعتمادا على
ما ورد
عن رسول اللّه(ص) من احاديث تصب فى ذلك التاكيد،
فيقول(ع): (نحن ائمه المسلمين وحجج اللّه على
العالمين،
وساده المومنين، وقاده الغر المحجلين
وموالى المومنين)((462)). وعن الامام محمد بن على الباقر (ع) انه قال: (نحن جنب
الله،
ونحن صفوته، ونحن خيرته، ونحن مستودع مواريث
الانبياء،
ونحن امناء الله، ونحن حجه الله، ونحن اركان
الايمان، ونحن
دعائم الاسلام، ونحن رحمه اللّهعلى خلقه... ونحن
الذين بنا
يفتح الله، وبنا يختم، ونحن ائمه الهدى ومصابيح
الدجى،
ونحن منار الهدى ... من تمسك بنا لحق، ومن تخلف عنا
غرق)((463)).
وكان غيرهم لا يدعى الخلافه والامامه الا مغالبه،
وفى خصوص
السلطه الزمنيه، وحتى ائمه المذاهب الاربعه او
ائمه المذاهب
غير المشهوره كانوا لايدعون الامامه، وانما كانوا
يرون انفسهم
مجتهدين فقط، بل كانوا يذعنون الى امامه اهل البيت
(ع)
ويستسلمون لهم احيانا، فمثلا كان الحسن البصرى
يكثر من
القصص فى موسم الحج فنصحه الامام على بن الحسين (ع)
فاذعن وترك القصص الى الابد((464)). وحاسب الامام محمد بن على الباقر (ع) ابا حنيفه
لقوله
بالقياس، وكان يحاسب العلماء على ما يصدرمنهم،
ويعلق
محمد ابو زهره على ذلك بالقول: (تتبين امامه الباقر
للعلماء،
يحاسبهم على ما يبدو منهم، وكانه الرئيس يحاكم
مرووسيه
ليحملهم على الجاده، وهم يقبلون طائعين تلك
الرياسه)((465)).
وكان سفيان الثورى يتزود من الامام جعفر الصادق (ع)
علما
وفقها وحكمه وكان اذا قصده يقول له: (لااقوم حتى
تحدثنى)((466)).
فادعاء اهل البيت (ع) للامامه نابع من اعتمادهم على
النصوص
الوارده عن رسول اللّه(ص) وعلى الوصيه الموصاه
لهم، وكانوا
يوكدون على تلك الامامه فى ظروف سادتها اجواء
الارهاب
والملاحقه والتشريد، ولم يجنوا الا مزيدا من
الاذى، وليس
هناك مكاسب ماديه، وانما كانوا يودون ما عليهم من
تكاليف
لهدايه الامه وارشادها الى معرفه امام زمانها. |
|---|