دراسات فى التراث الادبى

الدكتور عبدالمجيد زراقط

تقديم

هذه دراسات كتبت فى اوقات متباعده، ومعظمها اعد للمشاركه فى موتمرات علميه.

ولهذا فان اختيار الشخصيات والقضايا موضوع الدراسه كان، فى الاساس، تلبيه لحاجه هيئه تحرير هذه المجله او تلك، او هيئه اعداد هذا الموتمر اوذاك.

وعلى الرغم من هذا، فان الصله التى تجمع بين هذه الدراسات وثيقه، اذ انها تبحث فى التراث الاخر، المقصى الى الهامش فى حالات والمغيب فى حالات اخرى.

وقد دفعنا الاعتقاد بحاجتنا الى معرفه الاخر، المقصى، او المنفى، الى اعاده النظر فى هذه الدراسات وجمعهاواصدارها فى كتاب، وذلك ليتسنى لنا الاسهام فى اعاده هذا التراث الى المتن، وتقديمه للقارى فى هذا العصر، بعد ماغيب عن اسلافه فى العصور الخوالى، لعلنا بذلك ننصف هذا التراث، ونفيد منه فى وعى ذاتنا ونتملك هويتنا بمختلف عناصرها.

وان يكن هذا التراث، المختلف من منظور الثقافه السائده، قد «تحومى تخوفا وترقب»، كما يقول ابو الفرج الاصفهانى،«الاغانى، بيروت: دار الثقافه، 7/225»، فى الماضى، فان ذلك التخوف..

لم يعد مسوغا فى الحاضر، وتجاوزه غداضروره لولوج المستقبل واتخاذ موقع فاعل فيه.

وان يكن الاصمعى قد قال، فى الماضى، فى صدد الحديث عن احد اعلام هذا التراث المتحامى: «قبحه اللّه، ما اسلكه لطريق الفحول! لو لا مذهبه، ولو لا ما فى شعره، ما قدمت عليه احدا (نفسه، 7/341)، فاننا نرى مع صاحب المجالس،نور اللّه التسترى: «ان صحه العقيده او فسادها، امر لا دخل له فى جوده الشعر ورداءته والتقدم والتاخر» «السيد محسن الامين، اعيان الشيعه، بيروت: دار التعارف، المجلد الثالث، ص 407».

انطلاقا من هذه الرويه، وفى سبيل احياء تراثنا المجيد بمختلف اتجاهاته، نحاول ان نمش غ خط ى فى درب طويل،فعسى ان نكون قد وفقنا، والا ففى المحاوله نفسها اسهام فى اداء الواجب، والدرب، من بعد، مشرعه للسالكين..

مركز الغدير للدراسات الاسلاميه

 ابو الاسود الدولى رياده تاسيس علمى وتجديد شعرى

كان ابو الاسود الدولى معدودا فى طبقات من الناس، وكان مقدما فيها جميعها. يقول الجاحظ، فى هذا الصدد: «ابو الاسود الدولى معدود فى طبقات من الناس، وهو فى كلها مقدم، ماثور عنه الفضل فى جميعها، كان معدودا فى التابعين والفقهاء والشعراء والمحدثين والاشراف والفرسان والامراء والدعاه والحاضرى الجواب والشيعه...»((1)).

وقد وصفه محمد بن سلام الجمحى فقال: «كان رجل اهل البصره»   ((2))، وقدمه الذهبى بوصفه «العلامه الفاضل»((3)).

تهدف هذه الدراسه الى تقديم معرفه بشخصيه هذا العالم الفقيه، المحدث الشاعر، وآثاره فتبحث فى اربع قضايا هى:

1 - شخصيه متميزه يكونها الاسلام كون الاسلام شخصيه ابى الاسود الدولى، وحدد مجال سعيه الى تحقيقها فى مختلف ميادين الحياه. ويمكن ان نتبين ملامح هذه الشخصيه من طريق قراءه بعض الاخبار المرويه عنها.

ابو الاسود الدولى هو ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل... من كنانه، «والدئل حى من كنانه»، وهم اخوه قريش((4)). يقول الذهبى انه «ولد فى ايام النبوه». وينقل عن الواقدى انه «اسلم فى حياه النبى(ص). ويروى الاصفهانى عن ابى عبيده «انه ادرك اول الاسلام وشهد بدرا مع المسلمين»، ويعلق على هذه الروايه فيقول: «وما سمعت بذلك عن غيره»((5)). ويحدد الزركلى تاريخ حياته ب «1ق. ه  69هر605 - 688م.». ويبدو ان خطا وقع فى تحديد سنه ميلاده، وفق التاريخ الهجرى، اذ ان سنه (1ق. ه.) لا توافق سنه (605م). وان يكن المورخون متفقين على انه توفى سنه 69ه.، فى طاعون «الجارف» الذى اصاب البصره فى تلك السنه، وانه عاش حوالى خمس وثمانين سنه فان سنه ولادته تكون حوالى 16ق.-ه.، وهذا يجعل خبر اسلامه فى حياه النبى(ص) مقبول((6)). وهذا يعنى انه عاش سنى شبابه فى آونه تم فيها نصر اللّه، وراى الناس يدخلون فى دين اللّه افواجا، ما جعله فى هذه السن المبكره مشبعا بتعاليم الدين الحنيف.

والواضح انه كان ذا موقع فاعل فى مجتمعه. يقول الاصفهانى:

«كان ابو الاسود من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدثيهم».، وقد شارك فى الحياتين: السياسيه والثقافيه، يضيف الاصفهانى:

«وقد روى عن عمربن الخطاب وعلى بن ابى طالب، رضى اللّه عنهما، فاكثر، وروى عن ابن عباس وغيره، واستعمله عمربن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن ابى طالب رضى اللّه عنهم»، ويضيف الراوى فيقول: «وكان من وجوه شيعه على»((7)). ويذكر المورخون انه قاتل «يوم الجمل» مع الامام على(ع» ((8))، وانه شهد صفين معه((9))، وكان كاتب واليه عبداللّهبن العباس على البصره. ولما غادر هذا الوالى مقر ولايته الى المدينه تبعه ابو الاسود فى قومه ليرده، فاعتصم عبداللّه باخواله من بنى هلال فمنعوه وكادت تكون بينهم حرب، فقال لهم بنو هلال: «ننشدكم اللّه الا تسفكوا بيننا دماء تبقى معها العداوه الى آخر الابد، وامير المومنين اولى بابن عمه فلا تدخلوا انفسكم بينهما، فرجعت كنانه عنه، وكتب ابو الاسود الى على(ع) فاخبره بما جرى، فولاه البصره)((10)). ولم يزل فى الاماره الى ان استشهد الامام((11))، فخطب فى الناس يدعوهم الى مبايعه الامام الحسن(ع)، وهذا ما سنتحدث عنه، بشىء من التفصيل، لدى بحثنا القضيه الثانيه.

ويبدو، من خلال الاخبار المرويه عنه، انه، وبعد ان استتب الامر لمعاويه سنه 41 للهجره، انصرف، وكان قد تجاوز الخمسين من عمره، الى الاهتمام بامرين: اولهما الامر العلمى: الحديث والفقه وعلوم اللغه العربيه، وثانيهما: تدبير شوون معيشته، وخصوصا ان كثيرا من اصدقائه تنكروا له، وان زيادا والى البصره والكوفه كان لا ينفك عن ايذائه، ما اوصله الى حاله من الفقر يمكن ان نتبينها من خلال الخبرين التاليين:

«نظر عبد الرحمن بن ابى بكره الى ابى الاسود فى حال رثه، فبعث اليه بدنانير وثياب، وساله ان ينبسط اليه فى حوائجه اذا اضاق «ذهب ماله »، فقال:...بصرت باننا اصحاب حق ندل به واخوان وجيره واهل مضيعه فوجدت خيرا من الخلان فينا والعشيره ...كانا اذ اتيناه نزلنا بجانب روضه ريا مطيره) (كان المنذر بن الجارود العبدى صديقا لابى الاسود الدولى تعجبه مجالسته وحديثه. وكان كل واحد منهما يغشى صاحبه.

وكان لابى الاسود مقطعه «جبه من الخز) من برود يكثر لبسها، فقال له المنذر: لقد ادمنت لبس هذه المقطعه! فقال له ابو الاسود: رب مملول لا يستطاع فراقه. فعلم المنذر انه قد احتاج كسوه فاهدى له ثيابا، فقال ابو الاسود يمدحه:

كساك ولم تستكسه فحمدته اخ لك يعطيك الجزيل وناصر وان احق الناس، ان كنت حامدا، بحمدك من اعطاك والعرض وافر)((12)) يفيد هذان الخبران ان الدولى ابى عزيز النفس صبور، وانه ان قال الشعر يتامل امور الحياه، ويخلص الى حكمه، حتى وان كان القول فى المديح. وهو فى مديحه لا يتزلف ولا يبالغ، فقد اكتفى بذكر ما فعل المنذر وتمييز هذا الفعل، وحمده، والخلوص الى حكمه يمكن ان تكون مبدا فى الحياه، يعمل بموجبه اولئك الذين كانوا يكيلون المديح ويتملقون اولى الامر طمعا بالجوائز والمراتب.

ونرى، فى ابى الاسود، صفات تدعو الى الاكبار والاجلال. يتعلق باللّه عن عميق ايمان، ويضع منهجا يسير عليه، ويتمثل هذا المنهج بان يدعو طالب الحاجه اللّه، ويحسن الاعمال فى الوقت نفسه، يقول:

واذا طلبت من الحوائج حاجه فادع الاله واحسن الاعمالا فليعطينك ما اراد بقدره فهو اللطيف لما اراد فعالا ان العباد وشانهم وامورهم بيد الاله يقلب الاحوالا فدع العباد ولا تكن بطلابهم لهجا تضعضع للعباد سوال((13)) هذا الترفع ينتج عن عميق ايمان واعزاز للنفس يتدبره عقل واع، فهو حين شاخ لم يكن يقعد فى البيت وانما كان يخرج كى يبقى مهابا محترما فى منزله وكى يبقى على صله بالحياه.

وما كان يرضى الهبه، قال يوما لصديق اراد ان يهبه فروه:

بعنى نسيب ولا تثبنى اننى لا استثيب ولا اثيب الواهبا لا اشترى الحمد القليل بقاوه يوما بذم الدهر اجمع واصبا ولم يكن ميسور الحال باستمرار، ولعل هذا ما يفسر اتهام الناس اياه بالبخل، والحقيقه انه كان مقتصدا يتدبر امره مما يدره عليه رزق كان له، اذ يذكر صاحب الاغانى انه كان يقتنى الابل ويساوم فى اثمانها.

«كان ابو الاسود قد اسن وكبر. وكان مع ذلك يركب الى المسجد والسوق ويزور اصدقاءه، فقال له رجل: يا ابا الاسود اراك تكثر الركوب، وقد ضعفت عن الحركه وكبرت، ولو لزمت منزلك كان اودع لك. فقال له ابو الاسود: صدقت ولكن الركوب يشد اعضائى، واسمع من اخبار الناس ما لا اسمعه فى بيتى، واستنشق الريح والقى اخوانى. ولو جلست فى بيتى لاغتم بى اهلى، وانس الى الصبى، واجترا على الخادم، وكلمنى من اهلى من يهاب كلامى... حتى لعل العنز ان تبول على فما يقول لها احد: هس»((14)).

نلحظ، فى هذه الاجابه، عقلا واعيا ينظر الى الامر من مختلف جوانبه، ويختار من السلوك ما يبقى صاحبه فاعلا فى الحياه، محتفظا بموقعه لا يفرط به، وان تقدمت به السن.

والملاحظ ان ابا الاسود لم يحترف الشعر، ولم يمدح لاجل ان يعط ى، كما انه لم يهج برغم ان له من الاجوبه اللاذعه ما يسجل، فقد كان يعفو من دون ان يفرط فى كرامته، وهذا خلق الانسان المسلم التقى، فيضطر خصمه الى التراجع. وهذا نمط من السلوك قل نظيره فى ذلك العصر الذى امتلا بالهجاء المفحش. يقول:

واهوج ملجاج تصاممت قبله ان اسمعه وما بسمعى من باس ف ولو شئت قد اعرضت حتى اصيبه على انفه حدباء تعضل بالاسى فان لسانى ليس اهون وقعه واصغر آثارا من النحت بالفاس وذى احنه لم يبدها غير انه كذى الخبل تابى نفسه غير وسواس صفحت له صفحا جميلا كصفحه وعينى -وما يدرى- عليه واحراسى وخب لحوم الناس اكثر زاده كثير الخنا صعب المحاله هماس تركت له لحمى وابقيت لحمه لمن نابه من حاضر الجن والناس فكر قليلا ثم صد كانما يعض بصم من صفا جبل راسى((15)) يعرض الشاعر العالم تجربته مع الناس، ويقدم نمطا من السلوك فريدا كانه يريد للاخرين ان يقتدوا به، فتتحول التجربه الشخصيه، بهذا، الى وعى يضىء ويهدى.

وان تعرض لاحد بهجاء، فان ما يقوله مقبول لدرجه ان المهجو نفسه يتمثل به. قال ابو الاسود للحصين بن ابى الحر، قاضى البصره، فى نهايه ابيات عرض فيها رفض القاضى شفاعته:

يصيب وما يدرى، ويخط ى وما درى وكيف يكون النوك الا كذلكا وكان الحصين يتمثل بهذا الشعر عندما يقضى بين الناس((16)). الحق انه من النادر ان نلتقى بشاعر فى العصر الاموى، هذه صفاته. ولنقرا قصيده قالها فى صديق له غضب لانه لم يحابه فى خصومه.

«كان صديق ابى الاسود ظالما، فقضى عليه لخصمه بالحق. فقال له صديقه: واللّه ما بارك اللّه لى فى صداقتك... فقال ابو الاسود، يصفه عندما يكون مظلوما:

اذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا عن القوم حتى تاخذ النصف واغضب وعندما يكون ظالما:

وان كنت انت الظالم القوم فاطرح مقالتهم واشغب بهم كل مشغب وقارب بذى جهل وباعد بعالم جلوب عليك الحق من كل مجلب فان حدبوا فاقعس، وان هم تقاعسوا ليستمكنوا مما وراءك فاحدب ثم يخاطبه مقررا ما ينبغى ان يكون عليه الامر:

ولا تدعنى للجور واصبر على التى بها كنت اقضى للبعيد على ابى وانى امرو اخشى الهى واتقى معادى، وقد جربت ما لم تجرب((17)) ويعمد بعض الباحثين الى اقتطاع البيتين الاخيرين، فتعكس دلاله القصيده، ويبدو ابو الاسود كانه يحرض على الظلم.

هذا هو ابو الاسود الانسان، رجل مومن، تقى، عالم، يتدبر اموره بعقل ورويه، ويترفع بنفسه عن كل ما يوذيها. وكان هكذا فى شعره، لم يتكسب به، ولم يتسلط به ايضا، برغم انه كان محتاجا لدرجه ان يكسى ثوبا، او ليسدد عنه دين، وبرغم ان لسانه ما كان كليلا. انه طراز من الشعراء نادر وان لم يعرف، فى المقام الاول، بوصفه شاعرا.

ما كان ابو الاسود يمدح وما كان يهجو، وهذه مواضيع فى الشعر العربى رئيسيه حتى انها كانت تحدد منزله الشاعر، وهذا ما لم يابه له. ولو كان محبا للمال، كما يقولون، لاهتم باستغلال شعره. وما كان ليفعل، وهو الانسان العالم الذى كان العقل رائده فى مجمل تصرفاته، علاوه على انه كان يسترشد الاله وحده فى سلوكه.

وقد كون الايمان العميق رويته فكان يقرن التوكل على اللّه بالعمل، اراد الخروج الى فارس، فقالت له ابنته: يا ابت، انك قد كبرت، وهذا حميم الشتاء، فانتظر حتى ينصرم، وتسلك الطريق آمنا فانى اخشى عليك، فقال:

اذا كنت معنيا بامر تريده فما للمضاء والتوكل من مثل((18)) وكان ابنه قد لزم منزله، فعاتبه ابوه، فقال الابن: ان كان لى رزق فسياتينى. فقال له:

وما طلب المعيشه بالتمنى ولكن الق دلوك فى الدلاء تجئك بملئها يوما، ويوما تجئك بحماه وقليل ماء((19)) وقد راى ابو الاسود الى مختلف امور عالمه من منظور العالم التقى المفكر الذى يكرم نفسه ويابى لها الهوان، ولا يذل لذى سلطان سواء اكان الحاكم، ام صاحب المال ام الحبيب، وقد بينا ذلك فى غير مجال، ونتبينه فى ما ياتى فى مجال الحب، فقد التوت عليه زوجته فاطمه بنت دعمى لما اسن وتنكرت له، وساءت عشرتها، فقال فيها:

تعاتبنى عرسى على ان اطيعها لقد كذبتها نفسها ما تمنت وظنت بانى كل ما رضيت به رضيت به، يا جهلها كيف ظنت!

وصاحبتها ما لو صحبت بمثله على ذعرها ارويه لاطمانت وقد غرها منى على الشيب والبلى جنونى بها، جنت حيالى وحنت تشكى الى جاراتها وبناتها اذا لم تجد ذنبا علينا تجنت الم تعلمى انى اذا خفت جفوه بمنزله ابعدت منها مطيتى..((20)) يحب ابو الاسود زوجته، ويصحبها صحبه تجعل الوعله الوحشيه تطمئن، لكنها لا ترضى بهذا، وتتجنى عليه، فيخاطبها قائلا انه اذا خاف جفوه بمنزله مضى منها، فلتعلم ذلك ولا تكن جاهله به، ونلاحظ فى هذه الابيات سهوله لغتها، وتنوع الخطاب وتبدله من الغائب الى المخاطب، ليودى الموقف.

ويعيد ابو الاسود مواقفه التى يتخذها الى خلائق تكون شخصيته، ونتبين هذه المكونات من خلال ابيات خاطب بها جارا له كان يوذيه، وهى:

وانى ليثنينى عن الشتم والخنا وعن سب ذى القربى خلائق اربع حياء واسلام ولطف واننى كريم، ومثلى قد يضر وينفع فان اعف يوما عن ذنوب اتيتها فان العصا كانت لمثلى تقرع وشتان ما بينى وبينك اننى على كل حال استقيم وتظلع((21)) وهكذا نرى ان ابا الاسود الدولى يمثل العالم المسلم المفكر الذى يرى الى عالمه من منظور كوته ايمانه العميق بالدين الحنيف، والذى يعمل فى مختلف ميادين الحياه وفق هذا المنظور.

2 - انتماء العالم المسلم ومواقفه كان ابو الاسود الدولى فى موقع فاعل فى الحياه السياسيه والاجتماعيه والثقافيه فى مجتمعه، وقد مر بنا ان الخليفتين الراشديين: الثانى والثالث ولياه اعمالا. ولما تولى الامام على(ع) الخلافه وقف ابو الاسود الى جانبه... وبقى فى موقعه الموالى لاهل البيت(ع) لا تاخذه فى الحق لومه لائم، فتحمل الاذى وصبر صبرا جميلا، وادى واجبه فى الميدان الثقافى، وهذا ما سنتبينه فى فقره تاليه، ونعمد، الان، الى تبيين انتمائه الذى تمثل فى مواقف مشهوده.

يروى المورخون انه لما اتاه نعى الامام على(ع)، وكان واليه على البصره، قام على المنبر فخطب الناس، فقال: «... وان رجلا من اعداء اللّه، المارقه عن دينه، اغتال امير المومنين عليا، كرم اللّه وجهه ومثواه، فى مسجده، وهو خارج لتهجده فى ليله يرجى فيها مصادفه ليله القدر فقتله، في اللّه هو من قتيل! واكرم به وبمقتله وروحه من روح عرجت الى اللّه تعالى بالبر والتقى والاحسان! لقد اطفا منه نور اللّه فى ارضه لا يبين بعده ابدا، وهدم ركنا من اركان اللّه تعالى لا يشاد مثله، فانا للّه وانا اليه راجعون، وعند اللّه تحسب مصيبتنا بامير المومنين، وعليه السلام، ورحمه اللّه عليه يوم ولد ويوم قتل ويوم يبعث حي».

ثم بكى حتى اختلفت اضلاعه، ثم قال:

«وقد اوصى بالامامه بعده الى ابن رسول اللّه(ص) وابنه وسليله وشبيهه فى خلقه وهديه. وانى لارجو ان يجبر اللّه، عز وجل، به ما وهن، ويسد به ما انثلم، ويجمع به الشمل، ويطفىء به نيران الفتنه، فبايعوه ترشدوا. فبايعت الشيعه كله»((22)).

يبدو ابو الاسود، فى هذا المقام، رجل دوله قادرا على استيعاب الحدث وامتلاك زمام المبادره وخطيبا بارعا ادرك حقيقه الموقف، وصوره من مختلف جوانبه، ووجهه الوجهه الصحيحه.

وهو، على الرغم من هول الفاجعه التى جعلته يبكى حتى «اختلفت اضلاعه»، بقى متماسكا فتكلم مخبرا، وكاشفا الواقع وراجيا ان يجبر اللّه عز وجل ما وهن، محددا ما ينبغى عمله ليتم ذلك، وهذا جميعه اداه بكلمه موجزه واضحه تودى الخلاصه الجوهريه.

وكتب اليه معاويه، فى ما بعد، ودس اليه رسولا يعده ويمنيه فقال، فى قصيده طويله تتالف من ثلاثه اقسام، يرثى فى اولها الامام عليا(ع)، ويذكر صفاته:

الا يا عين، ويحك، فاسعدينا الا فابكى امير المومنينا وكنا قبل مقتله بخير نرى مولى رسول اللّه فينا يقيم الدين لا يرتاب فيه ويقضى بالفرائض مستبينا ويدعو للجماعه من عصاه وينهك قطع ايدى السارقينا وليس بكاتم علما لديه ولم يخلق من المتجبرينا..

ويجيب، فى ثانيها، معاويه، فيبلغه موقفا واضحا، فهو لم يصب بالياس ولا بالارتماء فى احضان الحزن، وانما راح يدعو الى استئناف العمل بقياده: «ابن نبينا واخينا..» الا ابلغ معاويه بن حرب فلا قرت عيون الشامتينا افى شهر الصيام فجعتمونا بخير الناس طرا اجمعينا ويدعو، فى ثالثها، معاويه الى عدم الشماته، فالمعركه لم تنته بعد:

فلا تشمت معاويه بن حرب فان بقيه الخلفاء فينا واجمعنا الاماره عن تراض الى ابن نبينا والى اخينا فلا نعط ى زمام الامر فينا سواه الدهر آخر ما بقينا وان سراتنا وذوى حجانا تواصوا ان نجيب اذا دعينا بكل مهند عضب وجرد عليهن الكماه مسومينا ينطلق الشاعر، فى وقوفه الى جانب آل البيت، من المبداين الاساسيين للشيعه فى عصره، وهما: القرابه من النبى والنهج فى الحكم المبنى على العدل واقامه الحدود.

ساجعل نفسى لهم جنه فلا تكثرى لى من اللائمه ارجى بذلك حوض الرسول والفوز بالنعمه الدائمه لتهلك ان هلكت بره وتخلص ان خلصت غانمه وهو يتخذ موقفا له دلالته البالغه على التزامه الكامل بمذهبه.

«قال الحارث بن خليد «وكان فى شرف من العطاء» لابى الاسود: ما يمنعك من طلب الديوان فان فيه غنى وخيرا؟ فقال له ابو الاسود: قد اغنانى اللّه عنه بالقناعه والتجمل! فقال: كلا، ولكنك تتركه اقامه على محبه ابن ابى طالب وبغض هولاء القوم»((23)). وابو الاسود تلميذ الامام على فى علمه وسلوكه، وهو من الذين استوعبوا اتجاه الامام الاسلامى، وكان من الاوفياء له وبقى كذلك حتى آخر حياته. وهو، فى شعره، يصدر عن هذا الوفاء النابع عن ايمان باللّه واقتناع بان المذهب الشيعى انما يمثل الاتجاه الاسلامى الصحيح. «كان بنو قشير يوذون ابا الاسود لحبه عليا(ع) ويرمونه بالليل فاذا اصبح قال لهم: يا بنى قشير، اى جوار هذا!؟ فيقولون له: لم نرمك، انما رماك اللّه لسوء مذهبك وقبح دينك! فقال فى ذلك:

يقول الارذلون بنو قشير:

طوال الدهر لا تنسى عليا!

فقلت لهم: وكيف يكون تركى من الاعمال مفروضا عليا؟ احب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزه والوصيا هوى اعطيته لما استدارت رحى الاسلام لم يعدل سويا احبهم لحب اللّه حتى اجىء اذا بعثت على هويا رايت اللّه خالق كل شىء هداهم واجتبى منهم نبيا ولم يخصص بها احدا سواهم هنيئا ما اصطفاه لهم مري((24)) يبين لنا الشاعر، فى هذه القطعه، مذهبه ويسوغ اختياره. وهى نظره عقليه هذه التى اطل بها. يرى حبهم واجبا ومنذ استدارت رحى الاسلام، وهو يحبهم انطلاقا من حبه للّه الذى اصطفاهم واختار منهم نبيه.

3 - شاعر يصوغ الحكمه وينشىء الامثال فيعط ى شعرا جديدا يمثل تجربته ابو الاسود الدولى، كما يتبين لنا، عالم مسلم، تقى مفكر، يسعى الى مرضاه اللّه، لا يخشى سلطان احد من عباده. لا تغريه مباهج الدنيا، ولا يزهد فيها، وانما يعمل من اجل تحصيل رزقه. وهذه تجربه فريده صاغ صاحبها الشاعر خلاصات تامل صاحبها المفكر، فتمثلت الصياغه شعرا جديدا هو شعر الحكمه والامثال الخالص، وليس المنتظم بيتا او بيتين فى ثنايا القصيده كما هو التقليد فى الشعر العربى القديم. وهكذا يقدم ابو الاسود تجربته وعيا شعريا بها، وهل اجمل من الوعى العقلى -الوجدانى عندما يصوغه الشعر!؟. نحاول فى ياتى معرفه هذا الشعر من خلال قراءه نماذج منه، وقد مر بنا بعضها:

يدرك ابو الاسود طبيعه تجربته المتميزه، فنسمعه يقول:

وبلوت اخبار الرجال وفعلهم فملئت علما منهم وتجاربا فاخذت منهم ما رضيت باخذه وتركت عمدا ما هنالك جانبا...

فهو ممتلىء علما وتجربه حياتيه، ومعمل عقله فى هذه التجربه لياخذ ما يرتضيه، يروى احدى تجاربه ويخلص الى القول:

.. اذا المرء لم يحببك الا تكرها بدا لك من اخلاقه ما يغالب فللناى خير من مقام على اذى ولا خير فى ما يستقل المعاقب((25)) يماطل زياد فى قضاء حاجه له، ولعله كان يريد ان يبتزه، او يذله، فعرض ما حدث، وخلص الى القول:

وفى الياس حزم للبيب وراحه من الامر لا ينسى، ولا المرء نائله((26)) وكان لابنه صديق يكثر زيارته، فقال له:

احبب، اذا احببت، حبا مقاربا فانك لا تدرى متى انت نازع وابغض، اذا ابغضت، بغضا مقاربا فانك لا تدرى متى انت راجع وكن معدنا للحلم واصفح عن الخنا فانك راء ما عملت وسامع((27)) وخاطب جارا له كان يوذيه:

اخطات حين صرمتنى والمرء يعجز لا محاله والعبد يقرع بالعصا والحر تكفيه المقاله((28)) وقال لابنه يوصيه:

لا ترسلن رساله مشهوره لا تستطيع -اذا مضت- ادراكها اكرم صديق ابيك حيث لقيته واحب الكرامه من بدا فحباكها لا تبدين نميمه حدثتها وتحفظن من الذى انباكه((29)) وكان يتناول، فى شعره، امور حياته، حتى الصغيره جدا منها.

فيرويها ويخلص منها الى حكمه عامه. ونماذج ذلك كثيره فى شعره نذكر منها: اراد جاره خداعه فى شراء ناقه منه، فقال له:

بئست الخلتان فيك: الحرص والخداع. وقال فيه:

يريد وثاق ناقتى ويعيبها يخادعنى عنها وثاق بن جابر فقلت: تعلم يا وثاق بانهاعليك حمى اخرى الليالى الغوابر بصرت بها كوماء حوساء جلده من الموليات الهام حد الظواهر فحاولت خدعى والظنون كواذب وكم طامع فى خدعتى غير ظافر((30)) ولم يكن تناوله لهذه الامور العاديه عاديا، بل كان تناول الانسان المفكر المتبصر الذى يصل، من خلال معالجه القضيه اليوميه، الى تعميم يهم الناس جميعا. كان يعرض القضيه ويستوفى تفصيلاتها ثم ينتهى بحكم عام يصح ان يتخذ حكمه او مثلا.

بلغه ان زيادا يوقع به، فقال فيه الكثير. ومما قاله هذه الابيات:

نبئت زيادا ظل يشتمنى والقول يكتب عند اللّه والعمل وقد لقيت زيادا ثم قلت له، وقبل ذلك ما خبت به الرسل:

حتام تسرقنى فى كل مجمعه عرضى، وانت اذا ما شئت منتفل كل امرىء صائر يوما لشيمته فى كل منزله يبلى بها الرجل((31)) ابو الاسود، فى هذه الابيات، انسان مومن باللّه، يستوحى تعاليمه فى سلوكه وفهمه للامور، وينظر بعقل لما يجرى معه، فيخلص الى حكمه انسانيه عامه تتحول بالقضيه الصغيره الفرديه الى قضيه كبيره عامه.

وكان له جار يرميه بالحجاره كلما امسى فيوذيه، فشكا ذلك الى قومه وغيرهم، فكلموه ولاموه، فكان ما اعتذر به اليهم ان قال: لست ارميه، وانما يرميه اللّه... فقال ابو الاسود: واللّه ما اجاور رجلا يقطع رحمى ويكذب على ربى. فباع داره واشترى دارا اخرى، فقيل له: ... ابعت دارك! قال: «لم ابع دارى، ولكن بعت جارى»، فارسلها مثلا وقال فى ذلك:

رمانى جارى ظالما برميه فقلت له: مهلا، فانكر ما اتى وقال: الذى يرميك ربك جازيا بذنبك، والحوبات تعقب ما ترى فقلت له: لو ان ربى برميه رمانى لما اخطا الهى ما رمى جزى اللّه شرا كل من نال سوءه وينحل فيها ربه للشر والاذى((32)) خطب ابو الاسود امراه من عبد القيس يقال لها اسماء، فاسر امرها الى صديق، فحدث به ابن عم لها كان يخطبها - وكان لها مال عند اهلها - فمشى ابن عمها الخاطب لها الى اهلها الذين مالها عندهم، فاخبرهم خبر ابى الاسود، وسالهم ان يمنعوها من نكاحه ومن مالها الذى فى ايديهم ففعلوا ذلك، فضاروها حتى تزوجت بابن عمها، فقال ابو الاسود الدولى:

لعمرى لقد افشيت يوما فخاننى الى بعض من لم اخش سرا ممنعا فمزقه مزق العمى، وهو غافل ونادى بما اخفيت منه فاسمعا فقلت، ولم افحش: لعا لك عاثرا وقد يعثر الساعى اذا كان مسرعا ولست بجازيك الملامه اننى ارى العفو ادنى للرشاد واوسعا ولكن تعلم انه عهد بيننا فبن غير مذموم ولكن مودعا حديثا اضعناه كلانا فلا ارى وانت نجيا آخر الدهر اجمعا وكنت اذا ضيعت سرك لم تجد سواك له الا اشت واضيع» ويتناول القضيه نفسها مشبها اذاعه السر بالنار الموقده عاليا، مكثفا من حكمه:

امنت امرا فى السر لم يك حازما ولكنه فى النصح غير مريب اذاع به فى الناس حتى كانه بعلياء نار اوقدت بثقوب...

فما كل ذى نصح بموتيك نصحه وما كل موت نصحه بلبيب ولكن اذا ما استجمعا عند واحد فحق له من طاعه بنصيب»((33)) وقال فى احد اصحابه، وفى الشعر نغم جميل حتى لكانه ينطق:

بليت بصاحب ان ادن شبرا يزدنى فى مباعده ذراعا وان امدد له فى الوصل ذرعى يزدنى فوق قيس الذرع باعا ابت نفسى له الا اتباعا وتابى نفسه الا امتناعا كلانا جاهد ادنو ويناى فذلك ما استطعت وما استطاع((34)) ويفيد فى شعره من الامثال العربيه، فيخاطب الحصين بن ابى الحر العنبرى، فيقول:

ابلغ حصينا اذا جئته نصيحه ذى الراى للمجتنيها فلا تك مثل التى استخرجت باظلافها مديه او بفيها فقام اليها بها ذابح ومن تدع يوما شعوب يجيه«...»((35)) خدعته امراه فتزوجها، وكانت على عكس ما ادعت، فجمع اقاربها، وقال لهم:

اريت امرا كنت لم ابله اتانى فقال: اتخذنى خليلافخاللته ثم اكرمته فلم استفد من لدنه فتيلا والفيته حين جربته كذوب الحديث سروقا بخيلا فذكرته، ثم عاتبته عتابا رفيقا وقولا جميلا فالفيته غير مستعتب ولا ذاكر اللّه الا قليلا الست حقيقا بتوديعه واتباع ذلك صرما طويلا؟ فقالوا له: بلى، واللّه يا ابا الاسود!((36)) بلى انت حقيق بذلك! وحقيق ايضا بمزيد من الانتباه، لهذه النظرات العقليه الى شوون الحياه، وهى، وان كانت عقليه، تنبض بالحياه لانها منتزعه منها.

فهى حوادث معيشه تعمم وتجرد من دون ان تكتسب بروده التجريد، ومن دون ان تفقد حراره الحياه، وهذا ما يميز الجديد الاصيل فى الشعر العربى عن الجديد المفتعل الذى اتى فى عصور لاحقه. وهذا ما يجعلنا نقول: ان ابا الاسود اتى بجديد مهم جدير بالدرس المفصل.

4 - يوسس علم النحو وينهج سبيله يجمع مورخو الادب واللغه على ان ابا الاسود الدولى هو من اسس علم النحو وانهج سبيله، وانه اخذ ذلك عن الامام على(ع)، ومضى فيه بتوجيه منه.

فيقول محمدبن سلام الجمحى: «وكان لاهل البصره قدمه بالنحو وبلغات العرب، والغريب عنايه. وكان اول من اسس العربيه، وفتح بابها، وانهج سبيلها، ووضع قياسها ابو الاسود الدولى، وهو ظالم بن عمروبن جندل، وكان علوى الراى، وكان رجل اهل البصره»((37)). ويقول ابن قتيبه: انه «اول من عمل فى النحو كتاب». وقال ابو الفرج الاصفهانى: «وكان الاصل فى بناء النحو وعقد اصوله». ويخلص كارل بروكلمان الى انه «اول من وضع ابواب النحو» ((38)).

وتروى اخبار كثيره فى هذا الصدد، يمكن ان نوردها فى سياقها التاريخى، فى ما ياتى: جاء فى سير اعلام النبلاء ان ابا الاسود قال: «دخلت على على فرايته مطرقا، فقلت: فيم تتفكر، يا امير المومنين؟ قال: سمعت ببلدكم لحنا، فاردت ان اضع كتابا فى اصول العربيه. فقلت: ان فعلت هذا احييتنا، فاتيته بعد ايام، فالقى الى صحيفه فيها:

«الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم، ما انبا عن المسمى، والفعل ما انبا عن حركه المسمى، والحرف ما انبا عن معنى ليس باسم ولا فعل».

«ثم قال لى: زده وتتبعه، فجمعت اشياء، ثم عرضتها عليه».

وتكتمل الروايه ان اضفنا اليها ما جاء فى موضع آخر: «فقال على: ما احسن هذا النحو الذى نحوت، فمن ثم سمى النحو نحو»((39)). وجاء فى الاغانى ان ابا الاسود الدولى دخل الى ابنته بالبصره، فقالت له: يا ابت ما اشد الحر «رفعت اشد» فظنها تساله وتستفهم منه: اى زمان الحر اشد؟ فقال لها: شهر ناجر «يريد شهر صفر». فقالت: يا ابت انما اخبرتك ولم اسالك. فاتى امير المومنين على بن ابى طالب(ع)، فقال: يا امير المومنين، ذهبت لغه العرب لما خالطت العجم، واوشك، ان تطاول عليها زمان، ان تضمحل، فقال له: وما ذلك؟ فاخبره خبر ابنته، فامره فاشترى صحفا بدرهم وامل عليه: الكلام كله لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى. «وهذا القول اول كتاب سيبويه»، ثم رسم اصول النحو كلها، فنقلها النحويون وفرعوها..».

وجاء فى روايه اخرى عن ابى حرب بن ابى الاسود: «اول باب وضعه ابى من النحو هو التعجب»((40)).

يفيد ما سبق ان اللحن غدا ظاهره فى البصره والكوفه، بعد ان خالط العجم العرب. فكادت لغه العرب تذهب. وقد لاحظ الامام على(ع) هذا الامر، فاطرق يفكر فى حل له، وتبينه ابو الاسود لدى ابنته، ما يجعل الظاهره اشد خطوره، فدخولها بيت عالم عربى يدل على انها كادت تكون عامه، فجاء يخبر الامام(ع)، ما جعله يقدم على معالجه هذه المشكله فوضع اصول علم العربيه، وطلب من تلميذه النجيب ان يتوسع فى ذلك. ولما رآه فعل. قال له: ما احسن هذا النحو، فسمى العلم الموضوع بهذا الاسم.

ويعلل ابن سلام نشاه هذا العلم فيقول: «وانما كان ذلك حين اضطرب كلام العرب، فغلبت السليقه: فكان سراه الناس يلحنون، فوضع «ابو الاسود» باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحرف الجر والرفع والنصب والجر... وكان من اخذ ذلك عنه يحيى بن يعمر»((41)). ويورد الذهبى سلسله علماء النحو كما يلى:

«ابو الاسود اخذ عنه عنبسه الفيل، فميمون الاقرن فعبداللّهبن اسحق الحضرمى فعيسى بن عمرو فالخليل بن احمد فسيبويه فسعيد الاخفش»((42)).

ويبدو ان المشكله تفاقمت بعد ان ازداد الاختلاط، وغدا التكلم بغير العربيه شائعا فى البصره. ومن الاخبار التى تفيد ذلك ما يورده الطبرى فى احداث سنه 59 للهجره. يقول: «هجا يزيدبن ربيعه بن مفرغ الحميرى عبادبن زيادبن سميه، فقال فيه:

الا ابلغ معاويه بن حرب مغلغله من الرجل اليمانى اتغضب ان يقال ابوك عف وترضى ان يقال ابوك زانى فاشهد ان رحمك من زياد كرحم الفيل من ولد الاتان ولما قبض عبيداللّهبن زياد، اخو عباد، على الشاعر «امر به فسقى دواء، ثم حمل على حمار عليه اكاف، فجعل يطاف به، وهو يسلح فى ثيابه، فيمر به الاسواق. فمر به فارسى فرآه، فسال عنه فقال: اين جيست، ففهمها ابن مفرغ، فقال: آبست، ونبيذ است، وعصارات زبيب است، وسميه، روسبيست... ثم قال لعبيداللّه:

يغسل الماء ما صنعت وقولى راسخ منك فى العظام البوالى((43)) تختلط العربيه والفارسيه فى لغه التخاطب ولدى الشعراء، ما جعل الناس، وبخاصه سراه القوم، يلحنون، ووصل بهم الامر الى ان يلحنوا، وهم يقراون آيات القرآن الكريم، والخبر الذى يفيد ان الايه الكريمه: «ان اللّه برىء من المشركين ورسوله» «قرئت بكسر لام رسوله» معروف((44)). فجاء ابو الاسود الى والى البصره زيادبن سميه، فقال له: «انى ارى العرب قد خالطت هذه الاعاجم، وتغيرت السنتهم، افتاذن لى ان اضع لهم علما يقيمون به كلامهم؟ قال: لا. قال: ثم جاء زيادا رجل، فقال: مات ابانا وخلف بنون، فقال زياد: ردوا الى ابا الاسود الدولى، فرد عليه فقال: ضع للناس ما نهيتك عنه، فوضع لهم النحو»((45)). ولا ندرى لماذا كان على ابى الاسود ان يستاذن الوالى فى وضع كتاب، ولماذا نهاه عن ذلك؟ وقد نجد اجابه تتلخص فى ان زيادا كان يراقب الناس، وبخاصه شيعه الامام على(ع)، مراقبه شديده تحصى عليهم كل ما يفعلونه، ويخشى اى امر يقومون به، وبخاصه ان كان يتعلق بتاليف الكتب ونشرها، وبخاصه ان الامويين حرصوا على منع تدوين السيره النبويه والحديث الشريف، وكانوا يراقبون كل ما يدون.

ويبدو ان ابا الاسود اراد ان يكمل عمله، الذى بداه فى عهد الامام على(ع)، وان يضع علما يقوم به الناس كلامهم، وبخاصه ان قراوا القرآن الكريم، فوضع الحركات، وقال لكاتب اختاره، لقن، اى سريع الفهم، انى اقرا، فان فتحت فمى لدى التلفظ بالحرف فانقط اعلاه، وان ضممت فمى فانقط نقطه بين يديه، وان كسرت فانقط نقطه تحته، فاذا اتبعت شيئا من ذلك غنه فاجعل مكان النقطه نقطتين، فكان بذلك اول من نقط المصاحف((46)). وهكذا نرى ان ابا الاسود الدولى عالم مسلم تقى، مفكر، شاعر، فقيه محدث، كون الاسلام هويته، فسعى الى تحقيقها فى مختلف ميادين الحياه يبتغى مرضاه اللّه فى عمله، فصاغ تجربته الحياتيه شعرا، فتمثل الوعى لغه شعريه اضافت الى الشعر العربى نوعا شعريا جديدا، وتصدى الى مشكله شيوع اللحن، وخطر اضمحلال لغه العرب، فوضع بتوجيه من امام المتقين(ع)، واستاذه وقدوته اسس علوم العربيه، فكان بذلك شاهد عصره، ورجله.

ولعله من المفيد ان نذكر ان اللغوى الشهير ابن جنى «المتوفى سنه 392ه 1002» عنى بشعر ابى الاسود فكتبه لنفسه، واحتفظ به فى مكتبته اعرابا عن اعجابه به((47)).

الخطاب الشعرى فى معركه صفين وفى مواجهه الطغيان الذى

تلاها طبيعه المعركه وابعادها خرج والى الشام معاويه بن ابى سفيان على خليفه المسلمين، امير المومنين، الامام على بن ابى طالب(ع)، فاحدث بذلك اول انقسام فى الدوله الفتيه، واسس لصراع طال امده. وكانت حجته المعلنه الطلب بدم الخليفه عثمان، علما انه كان، اضافه الى معاونه الاول عمرو بن العاص، من الذين اسهموا فى صيروره احداث المدينه المنوره الى ما صارت اليه من قتل لابن عفان، اذ انه عمد الى عدم نجدته فى الوقت المناسب، علاوه على ان ابن العاص كان واحدا من ابرز المحرضين عليه.

ويمكن للباحث ان يتبين اهداف والى الشام هذا، الخارج على قياده الامه الشرعيه، من خلال الوثائق العائده الى تلك الحقبه.

تفيد هذه الوثائق ان معاويه كون تحالفا قبليا لا «يقاتل الا عن عرض الدني»، وقد استمر هذا التحالف قائما الى ايام معركه مرج راهط، فاعاد سيرته الاولى، وفى هذا الصدد يروى المسعودى:

اشترط حسان بن مالك «الكلبى » على مروان ما كان لهم على معاويه وابنه يزيد. ومن هذه الشروط ان يفرض لالفى رجل الفين الفين، وان يكون لهم الامر والنهى، وصدر المجلس وكل ما كان من حل وعقد فعن راى ومشوره، فرضى مروان. وقال مالك بن هبيره « «السكونى »: انه ليس لك فى اعناقنا بيعه، وليس نقاتل الا عن عرض الدنيا فان تكن لنا على ما كان لنا معاويه ويزيد نصرناك. وان تكن الاخرى فواللّه ما قريش عندنا الا سواء».

وقال النعمان بن جبله التنوخى، لمعاويه فى صفين، وكان صاحب رايه قومه من تنوخ وبهراء: «وواللّه، لقد نصحتك على نفسى وآثرت ملكك على دينى وتركت لهواك الرشد وانا اعرفه، وحدت عن الحق وانا ابصره، وما وفقت لرشدى حين اقاتل على ملكك ابن عم رسول اللّه(ص) واول مومن به ومهاجر معه... وسنقاتل عن تين الغوطه وزيتونها اذ حرمنا اثمار الجنه وانهاره»((48)).

قام هذا التحالف على اساس منافع الدنيا، واحراز الموقع وامتلاك السلطه، وقد ارساه معاويه وورثه يزيد ثم مروان، وقد قال معاويه فى هذا الصدد:

«... اما نحن فتمرغنا فى الدنيا...»، وخاطب صعصعصه بن صوحان، مره، قائلا: «الارض للّه، وانا خليفه اللّه، فما اخذت من مال اللّه فهو لى، وما تركت منه كان جائزا لى». فقال له صعصعه:

«تمنيك نفسك ما لا يكو ن جهلا، معاوى لا تاثم» وقال عمرو بن العاص لما حضرته الوفاه: «اللهم، لا براءه لى فاعتذر، ولا قوه لى فانتصر، امرتنا فعصينا ونهيتنا فركبن» وشبه نفسه مره بماسك البقره لاخر يحلبه((49)).

وحكم الامويين، كما جاء فى كتاب الخوارج والشيعه «انما هو حكم القوه الباطشه، الماكره معا، الخلو من كل سبب، او سند يعترف به العقل، او تدعو اليه التقاليد والعرف»((50)).

واستخدم معاويه، فى تسويق هذا التحالف، التضليل، فزعم انه يطلب دم عثمان، واشاع ان الامام عليا(ع) وانصاره قوم لا يصلون، وانهم قتلوا خليفه المسلمين، وصدق الاعراب هذه الادعاءات، فمن الاخبار التى تفيد ذلك، ما يرويه نصر بن مزاحم فى «وقعه صفين» من ان فتى من قبيله غسان التقى هاشما بن عتبه بن ابى وقاص «المرقال» فى المعركه، ودار بينهما حوار، ساله فيه هاشم: فيم تقاتلنا؟ فاجابه الغسانى:

«فانى اقاتلكم لان صاحبكم لا يصلى كما ذكر لى، وانكم لا تصلون، واقاتلكم لان صاحبكم قتل خليفتنا وانتم وازرتموه على قتله». فقال له هاشم: «واما قولك ان صاحبنا لا يصلى فهو اول من صلى مع رسول اللّه، وافقهه فى دين اللّه واولاه برسول اللّه. واما من ترى معه فكلهم قارىء الكتاب لا ينامون الليل تهجدا، فلا يغررك عن دينك الاشقياء المغرورون»، واثمر الحوار، فاعلن الفتى الغسانى توبته. ويروى المسعودى اخبارا تصور مدى ما بلغته سياسه معاويه فى التضليل يمكن مراجعتها فى موضعه((51)).

كان الحوار يدور فى صفين، وكان يثمر فى كثير من الاحيان، ومن نماذج ذلك الجدل الذى دار بشان الصحابى الجليل عمار بن ياسر(رض)، فقد احتج رجلان فى سلبه وفى قتله، فاتيا عبداللّه بن عمرو بن العاص، فقال لهما: ويحكما، اخرجا عنى، فان رسول اللّه(ص) قال: ولعت قريش بعمار «ما لهم ولعمار يدعوهم الى الجنه ويدعونه الى النار، قاتله وسالبه فى النار».

واتى حذيفه بن اليمان رهط من جهينه يسالونه فى الامر نفسه، فقال: «ان ابن سميه «يعنى عمارا» لم يخير بين امرين قط الا اختار ارشدهما، فالزموا سمته». ومشى عبداللّه بن سويد الحميرى سيد جرش الى ذى الكلاع الحميرى، يساله، فاخبره بحديث رسول اللّه(ص) الذى خاطب به عمارا، وهو: «تقتلك الفئه الباغيه»، وكان ذو الكلاع قد سمعه من عمرو بن العاص فى وقت سابق على صفين. وقد اثمر هذا الحوار فاحتج ذو الكلاع، وتردد فى مواصله القتال. «وخرج عبداللّه بن عمر العنسى، وكان من عباد اهل زمانه ليلا فاصبح فى عسكر على» فحدث الناس، وانشد:

... واليوم ابرا من عمرو وشيعته ومن معاويه المحدو به العير لا، لا اقاتل عمارا على طمع بعد الروايه حتى ينفخ الصور يا ذا الكلاع فدع لى معشرا كفروا اولا، فدينك عين فيه تعزير ما فى مقال رسول اللّه فى رجل شك، ولا فى مقال الرسل تحبير وقد واجه معاويه هذا الحوار، فمنع روايه الحديث، وقال لعمرو:

«افسدت على اهل الشام، اكل ما سمعت من رسول اللّه تقوله؟ فقال عمرو: قلتها... ولا ادرى ان صفين تكون». ثم امعن فى التضليل، وقال: «انما قتله «ويقصد عمارا» من اخرجه، يخدع بذلك طغام اهل الشام»، ومن الصدف المثيره للتساول ان يقتل ذو الكلاع فى اليوم الذى قتل فيه عمار، فقال عمرو بن العاص لمعاويه: «... ما ادرى بقتل ايهما انا اشد فرحا، واللّه لو بقى ذو الكلاع حتى يقتل عمار لمال بعامه قومه الى على ولافسد علينا جندن»، او «امرن»((52)).

يفيد ما سبق ان معاويه اقام حلفا اساسه المصلحه ر عرض الدنيا، ومارس التضليل ليشوه الحقائق، ومنع الحوار وروايه احاديث النبى(ص). والعجب من انسان مسلم، يتصدى لخلافه المسلمين وولايه امرهم، ويعمل بخلاف حديث يرويه هو نفسه عن رسول اللّه(ص). وقد اوضح الامام على(ع) طبيعه المعركه وحقيقه اسلام هولاء، فقال: «... والذى فلق الحبه وبرا النسمه ما اسلموا ولكن استسلموا، واسروا الكفر، فلما وجدوا اعوانا اظهروه.. رجعوا الى عداوتهم منا، الا انهم لم يدعوا الصلاه»((53)). يلفت، فى خطاب الامام على(ع)، القسم الذى يشكل فضاء يوحى بتفتح الخلق والخصب والخير: «فلق الحبه»، وبالجو الناعم اللطيف: «برا النسمه»، ومقابلته، بمكر الذين اسروا الكفر وانتظارهم الفرصه ليعودوا الى عداواتهم، وهم اذ يستغلون هذه الفرصه انما يحولون دون نعمه اللّه. وهكذا يجسد الخطاب طبيعه المعركه، فهى بين ايمان يتفتح فيه الخير، وبين استسلام يظهر الاسلام ويسر الكفر، ويخرج على الاسلام عندما يجد اعوانا.

وقد اوضح عمار بن ياسر طبيعه هذه المعركه فجاء فى احدى خطبه: «... ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمروها، وعلموا لو ان صاحب الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما ياكلون ويرعون فيه منها. ولم يكن للقوم سابقه فى الاسلام يستحقون بها الطاعه والولايه فخدعوا اتباعهم بان قالوا: قتل امامنا مظلوما ليكونوا بذلك جبابره وملوك»((54)).

وفى رسائل معاويه الى الامام على(ع) ما يفيد بحقيقه اهدافه، فكثيرا ما ورد فيها: «وقد كنت سالتك الشام... وانا ادعوك اليوم الى ما دعوتك اليه امس».

وكان الامام(ع) يرفض تقسيم الدوله، ويمضى فى موقفه فيجيب: «... وانى لو قتلت فى ذات اللّه وحييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مره لم ارجع عن الشده فى ذات اللّه والجهاد لاعداء اللّه... فاما طلبك الشام فانى لم اكن لاعطيك اليوم ما منعتك منها امس». وقد حاول معاويه ان يدعى فضلا فعاد الى النسب، والى ما قبل الاسلام، فقال فى رسالته: «ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل»، فاجابه الامام، واضعا القضيه فى السياق التاريخى الذى كونه الاسلام: «فلعمرى انا بنو اب واحد، ولكن ليس اميه كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا ابو سفيان كابى طالب، ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، وفى ايدينا بعد فضل النبوه التى اذللنا بها العزيز واعززنا بها الذليل»((55)).وقد كانت اجابه عمار بن ياسر لاحد المتسائلين عن طبيعه هذه المعركه واضحه، وجاء فيها: «...

فان مراكزنا على مراكز رايات رسول اللّه(ص) يوم بدر ويوم احد ويوم حنين، وان هولاء على مراكز رايات المشركين من الاحزاب»((56)). خطاب المعركه الشعرى كشف الواقع وتبين الحقيقه وقد جسد الشعر الذى قيل فى صفين تجربه فرسان مسلمين خاضوا المعركه وراوا اليها، وقد هالهم ما فعله معاويه، وارقوا يفكرون فى الامر، وفى ما يمكن ان توول اليه الامور، فقال عمرو بن الحمق الخزاعى:

تقول عرسى لما ان رات ارقى:

ماذا يهيجك من اصحاب صفينا؟ الست فى عصبه يهدى الاله بهم لا يظلمون، ولا بغيا يريدونا؟ فقلت: انى على ما كان من رشد اخشى عواقب امر سوف ياتينا اداله القوم فى امر يراد بنا فاقنى حياء وكفى ما تقولين((57)) وقد صدق حدسه، اذ كان ممن قتلهم معاويه صبرا بعدما آل الامر اليه.

وان تكن هذه الفتنه التى اثارها معاويه على راس تحالف قبلى يقاتل عن الامره وعرض الدنيا «مثل ظهر الليل مظلمه»، فان العوده الى كتاب اللّه تفرجها وتظهر حقيقتها، كما قال خالد بن المعمر:

وفتنه مثل ظهر الليل مظلمه لا يستبين لها انف ولا ذنب فرجتها بكتاب اللّه فانفرجت وقد تحير فيها ساده عرب((58))