والعوده الى كتاب اللّه تعنى اتباع تعاليمه ورجوع الحق الى سبيله، فمعركه التاويل استمرار لمعركه التنزيل، كما قال عمار بن ياسر:

نحن ضربناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تاويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله او يرجع الحق الى سبيله((59)) ولما قتل عمار رثاه الحجاج بن غزيه الانصارى بابيات منها:

قال النبى له: تقتلك شرذمه سطت نجومهم بالبغى فجار((60)) وقد جسد الشعر انتماء صفين الى الصراع نفسه الذى انتمت اليه بدر واحد وحنين والاحزاب، فقال قيس بن سعد الانصارى، مخاطبا معاويه:

يا ابن هند دع التوثب فى الحر ب، اذا نحن بالجياد سرينا ... ليت ما تطلب الغداه اتانا انعم اللّه بالشهاده عينا اننا اننا الذين اذا الفت ح شهدنا وخيبرا وحنينا بعد بدر وتلك قاصمه الظه ر واحد وبالنضير ثنينا يوم الاحزاب، قد علم النا س، شفينا من قبلكم واشتفينا وجسد الشعر انتماء فرسان صفين الى المومنين الابرار الذين وعدهم اللّه سبحانه وتعالى، ان يشربوا فى جنانه كاسا مزاجها زنجبيلا، وفى هذا المعنى قال عمار بن ياسر، فى تعبير يصوغه تمثل القرآن الكريم وتدبره:

صدق اللّه، وهو للصدق اهل، وتعالى ربى وكان جليلا رب عجل شهاده لى بقتل فى الذى قد احب قتلا جميلا مقبلا غير مدبر ان للقت ل على كل ميته تفضيلا انهم عند ربهم فى جنان يشربون الرحيق والسلسبيلا من شراب الابرار خالطه المس ك، وكاسا مزاجها زنجبيلا وقال مالك الاشتر، وهو يتهيا للمعركه:

بقيت وفرى، وانحرفت عن العلى ولقيت اضيافى بوجه عبوس ان لم اشن على ابن هند غاره لم تخل يوما من نهاب النفوس...

وارتجز، وهو فى اوج احتدامها:

فى كل يوم هامتى مقيره بالضرب ابغى منه موخره والدرع خير من برود حبره يا رب جنبنى سبيل الكفره واجعل وفاتى باكف الفجره لا تعدل الدنيا جميعا وبره ولا بعوضا فى ثواب البرره((61))تبدو، فى هذه المقطوعات، صوره الفارس المسلم الذى يابى الذل ويثق بقائده وانتمائه وصدق موقفه، وله من انتصاراته، ومن تاريخيه هذه الانتصارات، خير معين، فيقسم بقيمه الاصيله، ويعد نفسه برضوان اللّه وثوابه الذى اعده للابرار.

وكان الفرسان يخوضون المعركه مدركين انهم على يقين من امرهم، فقال عامر بن الامين السلمى:

... ورجعت، وقد ابصرت امرى كله وعرفت دينى اذ رايت يقينا ابلغ معاويه السفيه باننى فى عصبه ليسوا لديك قطينا لا يغضبون لغير ابن نبيهم يرجون فوزا، ان لقوك، ثمين((62)) ومدركين ان اعداءهم باعوا دينهم برضاء عبد، ولم يسعوا فى سبيل مرضاه اللّه، فخاطب ابن الكواء القبائل التى تقاتل فى جيش معاويه قائلا:

الا من مبلغ كلبا ولخما نصيحه ناصح فوق الشقيق فانكم واخوتكم جميعا كباز حاد عن وضح الطريق وبعتم دينكم برضاء عبد اضل بها مصافحه الرقيق وقمتم دوننا بالبيض صلتا بكل مصانع مثل الفنيق وساروا بالكتائب حول بدر يضى‏ء لدى الغبار من البريق((63)) والبدر المضى‏ء هو الامام على(ع)، وقد راى فيه هولاء الفرسان هاديا، ووصيا، وعاصما من التفرق، فقال حجر بن عدى الكندى:

يا ربنا سلم لنا عليا سلم لنا المهذب النقيا المومن المسترشد المرضيا واجعله هادى امه مهديا لا اخطل الراى ولا غبيا واحفظه ربى حفظك النبيا فانه كان له وليا ثم ارتضاه بعده وصي((64)) وقال ابو شريح الخزاعى:

يا رب قاتل كل من يريدنا وكد الهى كل من يكيدنا حتى يرى معتدلا عمودنا ان عليا للذى يقودنا وهو الذى بفقهه يوودنا عن قحم الفتنه اذ تريدنا وقال عبد الرحمن بن ذويب الاسلمى:

الا ابلغ معاويه بن حرب امالك لا تنيب الى الصواب اكل الدهر مرجوس لغير تحارب من يقوم لدى الكتاب فان تسلم وتبق الدهر يوما نزرك بجحفل شبه الهضاب يقودهم الوصى اليك حتى يردك عن عوائك وارتياب والا فالتى جربت منا لكم ضرب الهند بالذواب((65)) والشعر فى ذلك كثير، وقد راى كثيرون ان الامام عليا نهض بامر عظيم كان مقصورا عليه، وهو بناء قبه الاسلام بعد انهدامها، ومن نماذج ذلك ما يقوله ابو محمد نافع بن الاسود التميمى:

الا ابلغا عنى عليا تحيه فقد قبل الصماء لما استقلت بنى قبه الاسلام بعد انهدامها وقامت عليه قصره فاستقرت كان نبيا جاءنا حين هدمها بما سن فيها بعدما قد ابرت((66)) وقد تبين فرسان صفين، وهم شعراوها، موقع الامام على وابنيه الحسنين، فقال الشنى:

ابا حسن انت شمس النهار وهذان فى الحادثات القمر وانت وهذان حتى الممات بمنزله السمع بعد البصر وانتم اناس لكم سوره يقصر عنها اكف البشر يخبرنا الناس عن فضلكم وفضلكم اليوم فوق الخبر عقدت لقوم ذوى نجده من اهل الحياء واهل الخطر مساميح بالموت عند اللقاء منا واخواننا من مضر((67)) وقال المغيره بن الحارث بن عبد المطلب:

يا شرطه الموت صبرا لا يهولكم دين ابن حرب فان الحق قد ظهرا وقاتلوا كل من يبغى غوائلكم فانما النصر فى الضرا لمن صبرا سيفوا الجوارح حد السيف واحتسبوا فى ذلك الخير وارجوا اللّه والظفرا وايقنوا ان من اضحى يخالفكم اضحى شقيا واضحى نفسه خسرا فيكم وصى رسول اللّه قائدكم واهله وكتاب اللّه قد نشرا ولا تخافوا ضلالا لا ابا لكم سيحفظ الدين والتقوى لمن صبر((68)) فابو حسن شمس النهار، يضى‏ء دروب السالكين، وابناه القمر، وفى هذا تصوير لموقع الامام الذى ينظم شوون الحياه، وهو فى موقعه هذا يلبى حاجه الناس الى المعرفه، فيغدو بمنزله سمعهم وبصرهم، فضلا عن ان القرآن الكريم بوا آل النبى منزله تقصر عنها اكف الشر، ولهذا فان انصارهم، يغدون «مساميح بالموت»، وليس من دون دلاله ان يلتقى الشنى والمغيره، فيخاطب هذا انصار الامام بقوله: «يا شرطه الموت» ويضع كتاب اللّه ووصيه وآله فى جانب، وفى الجانب الاخر المعادى «دين ابن حرب»، او «دين ابن هند» كما سماه المعرى بن الاقبل الذى تبين الحق سريعا.

لم يكن صعبا على المرء ان يعرف حقيقه «دين ابن حرب»، فمنذ اليوم الاول من ايام صفين سبق معاويه الى الماء، وقال: لا سقانى اللّه، ولا سقى ابا سفيان ان شربوا منه ابدا حتى يقتلوا باجمعهم عليه، فقام اليه المعرى بن الاقبل، وكان ناسكا، وقال:

«هذا اول الجور..» فاغلظ له معاويه، فقال ابن الاقبل فى ذلك:

لعمرو ابى معاويه بن حرب وعمرو ما لدائهما دواء سوى طعن يحار العقل فيه وضرب حين يختلط الدماء فلست بتابع دين ابن هند طوال الدهر ما ارسى حراء لقد ذهب العتاب فلا عتاب وقد ذهب الولاء فلا ولاء وقولى فى حوادث كل امرى على عمرو وصاحبه العفاء الا للّه درك يا ابن هند لقد برح الخفاء فلا خفاء اتحمون الفرات على رجال وفى ايديهم الاسل الظماء وفى الاعناق اسياف حدادكان القوم عندهم نساء فترجو ان يجاوركم على بلا ماء وللاحزاب ماء ثم سار فى سواد الليل ولحق بالامام على(ع).

وارتفع صوت فى المعسكر، يمثل صوت الجماعه ينادى:

ايمنعنا القوم ماء الفرات وفينا على وفينا الهدى ؟وفينا الصلاه، وفينا الصيام وفينا المناجون تحت الدجى ايمنعنا القوم ماء الفرات وفينا الرماح وفينا الحجف وفينا الشوازب مثل الوشيج وفينا السيوف وفينا الزغف وفينا على له سوره اذا خوفوه الردى لم يخف((69)) ولما استولى جيش الامام(ع) على الماء اباحه للشاربين، فبدا الفرق واضحا لكل ذى بصر وبصيره.

وعرف المسلمون حقيقه «دين ابن هند»، وذلك عندما نذر معاويه ان يسبى نساء ربيعه ويقتل مقاتلتها، فقال فى ذلك خالد بن المعمر:

تمنى ابن حرب نذره فى نسائنا ودون الذى ينوى سيوف قواضب ونمنح ملكا انت حاولت خلعه بنى هاشم قول امرى‏ء غير كاذب ثم وقع من سموا، فى ما بعد، بالخوارج فى فخ خديعه رفع المصاحف، وتحالفوا مع عدوهم اللدود الاشعث بن قيس الكندى الذى توصل على ما يبدو الى اتفاق مع رسل معاويه، ولم يطع الطرفان الامام(ع)، فكان ما كان من امر القبول بالتحكيم، وقد اذهل عصيان هولاء للامام على(ع) وطاعه اهل الشام لمعاويه الناس المومنين، فتساءلوا متعجبين، وصاغ النجاشى هذا التساول فقال:

كفى حزنا انا عصينا امامنا عليا وان القوم طاعوا معاويه فسبحان من ارسى ثبيرا مكانه ومن امسك السبع الطباق كماهيه ايعصى امام اوجب اللّه حقه علينا، واهل الشام طوع لطاغيه((70)) هذه النماذج الشعريه انشدها فرسان لم يحترفوا نظم الشعر، اذا استثنينا النجاشى. وقد جاءت تعبيرا عفويا صادقا يصدر عن تجربه خاضوها، فادركوا طبيعه المعركه وحقيقه الصراع، وجسدوا صوره الفارس المسلم الواثق من انه يقف مع الحق، ومن انه ملاق النصر او الشهاده.

وقد جعل وعى هذه الحقائق الرثاء حزينا، فيمنع فقد الاحبه الرقاد ويكون «معدنا ووساد»، لكن العزاء يتمثل فى ان هولاء الاحبه انما هم مثل اولئك الذين ثووا فى احد، فيكتفى الراثى بان يطلب لهم الرحمه، ومن نماذج هذا الرثاء ما قالته امينه الانصاريه فى رثاء مالك بن تيهان:

منع اليوم ان اذوق رقادا مالك اذ مضى وكان عمادا يا ابا الهيثم بن تيهان انى صرت للهم معدنا ووسادا اذ غدا الفاسق الكفور عليهم انه كان مثلها معتاد ااصبحوا مثل من ثوى يوم احد يرحم اللّه تلكم الاجساد((71)) ظاهره الشعر النسائى تحريض واع كاشف ولم تكن امينه الانصاريه المراه الوحيده التى عنيت بامر المعركه وتبينت حقيقتها، فقد شاركتها فى هذا الموقف نساء كثيرات، ما شكل ظاهره يمكن للباحث ان يجد ما يمثلها فى كتاب «العقد الفريد»، فقد خصص مولفه ابن عبد ربه الاندلسى قسما من «كتاب الجمانه فى الوفود» للوافدات على معاويه، وهن سوده ابنه عماره وبكاره الهلاليه وام سنان بنت جشمه المذحجيه وعكرشه بنت الاطرش وام الخير بنت حريش والزرقاء بنت عدى بن قيس الهمدانيه واروى بنت الحرث بن عبد المطلب.

ويبدو ان معاويه راح يستدعى، بعد ان استتب الامر له، وجوه انصار الامام على(ع)، ويحاسبهم، وكان من هولاء النسوه اللواتى اورد ابن عبد ربه اخبارهن، ولعله وجد فى مواقفهن فراده قل نظيرها فى النساء فسجل هذه المواقف، اضافه الى ما يبدو من رغبته فى اظهار حلم معاويه.

كان معاويه يستدعى المراه من العراق، ويحاسبها فى مجلس يضم اعوانه من امثال عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص، ويحرص صاحب العقد، فى روايته، على ان يظهر تميز معاويه من جلسائه بالحلم. وفى هذه المجالس كان السوال يتركز على مواقف هولاء النسوه فى صفين، ويبدو من الحوار الذى كان يدور ان النسوه كن يحرضن فى صفين على القتال، ويعين اهداف هذا القتال، وانهن اتخذن مواقفهن بعد اقتناع بها، ومعرفه واضحه بموقع الامام على ونهجه، اضافه الى وفائهن له ومجاهرتهن بذلك بجراه وثقه، ويمكن ان نتبين هذه الامور من خلال بعض النماذج فى ما ياتى:

كان معاويه، او احد جلسائه، يذكر المراه بقولها، ويبدو انهن جميعا كن يحرضن على القتال، فقد خاطبت سوده ابنه عماره بن الاشتر اخاها، فقالت:

شمر كفعل ابيك يا ابن عماره يوم الطعان وملتقى الاقران وانصر عليا والحسين ورهطه واقصد لهند وابنها بهوان ان الامام اخا النبى محمد علم الهدى ومناره الايمان‏فقد الجيوش وسر امام لوائه قدما بابيض صارم وسنان((72)) وقالت بكاره الهلاليه تخاطب ابنها:

يا زيد دونك فاحتفر من دارنا سيفا حساما فى التراب دفينا قد كنت ادخره ليوم كريهه فاليوم ابرزه الزمان مصونا اترى ابن هند للخلافه مالكا هيهات ذاك وان اراد بعيد منتك نفسك، فى الخلاء، ضلاله اغراك عمرو للشقا وسعيد((73)) وقالت ام سنان بنت جشمه المذحجيه تخاطب قومها:

عزب الرقاد فمقلتى لا ترقد والليل يصدر بالهموم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمروا ان العدو لال احمد يقصد هذا على كالهلال تحفه وسط السماء من الكواكب اسعد خير الخلائق وابن عم محمد ان يهدكم بالنور منه تهتدوا ما زال مذ شهر الحروب مظفرا والنصر فوق لوائه ما يفقد((74)) تمثل هذه المقطوعات موقفا تحريضيا، فكل شاعره تثير الهمم وتحدد وجهه التحرك، وتوضح ذلك، مركزه على ما يتصف به الامام على(ع)، فهو اخو النبى(ص) وعلم الهدى ومناره الايمان، والهلال الذى يضى‏ء ليالى الناس ويهديهم بالنور وخير الخلائق، ومستغربه تطلع ابن هند للخلافه، فتلك امنيه ضلال اغراه بها عمرو بن العاص وسعيد بن العاص.

وقد قلن، فى رثاء الامام على(ع)، ابياتا منها ما قالته سوده ابنه عماره:

صلى الاله على روح تضمنه قبر فاصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغى به ثمنا فصار بالحق والايمان مقرون((75)) وقالت ام سنان:

اما هلكت ابا الحسين فلم تزل بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاه ربك ما دعت فوق الغصون حمامه قمريا قد كنت بعد محمد خلفا كما اوصى اليك بنا فكنت وفيا فاليوم لا خلق يومل بعده هيهات نامل بعده انسي((76)) يتحول التحريض المباشر، بعد استشهاد الامام على(ع)، الى احساس بفداحه الفقد وجلل المصاب وادراك ان احدا من الناس لن يكون مثل ابى الحسن(ع).

لكن هذا الاحساس يولد وعيا بان مثله لا يموت، فان يكن القبر قد تضمن روحه، فان هذه الروح التى صارت مقرونه بالحق والايمان والعدل، لا يمكن ان تفنى، انها خالده، من طريق خلود ما تمثل. وهكذا يكون من واجب الانصار ان يمضوا فى هذه الطريق، وهذا تحريض غير مباشر، على المضى فى طريق هى طريق النبى(ص)، وهنا تاخذ الوصايه معناها، فالامام على(ع) كان استمرارا للنبى، وعلى انصاره ان يواصلوا المسيره، وهذا كله لا يدفع الى البكاء وانما الى الدعاء، بان يصلى اللّه على هذه الروح مادعت فوق الغصون حمامه قمريا، وفى هذا التعبير كنايه عن خلود هذه الصلاه ما دام هناك حياه، وفيه ايحاء بان هذه الصلاه تتم فى مناخ الحزن والسلام والطهاره والخضره والحب الذى يمثله دعاء الحمامه فوق الغصون..

ويبدو ان هولاء النسوه كن قادرات على ادراك الفرق بين نهجى الحكم، ويملكن الجراه على قول ذلك، والمطالبه بتغييره. فقالت سوده لمعاويه «... هذا ابن ارطاه قدم بلادى وقتل رجالى واخذ مالى، ولولا الطاعه لكان فينا عز ومنعه، فاما عزلته فشكرناك واما لا فعرفناك..»، فهددها معاويه، فانشدت بيتيها فى رثاء الامام على، وقارنت بين النهجين، وقالت: قد جاءتكم بينه من ربكم، وروت حادثه حكم فيها الامام وفق قول اللّه تعالى: «ويا قوم اوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تعثوا فى الارض مفسدين بقيه اللّه خير لكم ان كنتم مومنين وما انا عليكم بحفيظ» «هودر85 و86»، وعزل واليه((77)).

وجاء فى حوار دارميه الحجونيه ومعاويه:«قال لها: يا هذه، هل رايت عليا؟ قالت: اى واللّه. قال: فكيف رايته؟ قالت: رايته لم يفتنه الملك الذى فتنك ولم تشغله النعمه التى شغلتك. قال:

فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم واللّه فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت صدا الطست»((78)).

وقال معاويه لام الخير بعد ان ذكرها باقوالها: ولو قتلتك ما حرجت فى ذلك، فقالت له: «واللّه ما يسوءنى ان يجرى قتلى على يدى من يسعدنى اللّه بشقائه»((79)).

نهج فى مواجهه الطغيان‏وقد بدا واضحا لمعاويه ان انصار الامام على كانوا يمتلكون القدره على امرين اولهما رويه الحق وثانيهما الجراه فى قوله والسعى الى جعله واقعا. ولهذا كان يقول، وهو يستجوب النساء: «هيهات لمظكم «اى علمكم وذوقكم‏» ابن ابى طالب الجراه»، ويعيد القول: «يا اهل العراق، نبهكم على بن ابى طالب فلم تطاقو». وكان يعجب لوفاء هولاء الانصار فيكرر قوله: «واللّه لوفاوكم له بعد موته اعجب من حبكم له فى حياته»((80)).

كان معاويه يعجب ان يبقى انصار الامام على(ع) اوفياء له بعد وفاته، وهم فى الحقيقه كانوا يتبعون نهجا ارسى اسسه الاسلام، وكان يضيق بهذا النهج الذى يتصف اصحابه بالوعى والجراه وطلب الحق. ولهذا صمم على القضاء عليه، فبدا باستدعاء انصار الامام على واستجوابهم ممهدا لذلك السيل الجارف من الطغيان.

وهذا لا يتاح له الا اذا كان الناس مسلوبى تلك القدره على الرويه والعمل على جعلها واقعا، اى الا اذا كانوا جهله مطيعين طاعه عمياء. ومن الامثله التى تفيد ذلك نذكر ما ياتى:

ففى صدد التضليل المفضى الى الجهل منع معاويه روايه السيره النبويه والحديث الشريف كما مر بنا. واثمر ذلك جهلا، من نماذجه: «قال بعض الاخباريين لرجل من اهل الشام، من زعمائهم واهل الراى والعقل منهم: من ابو تراب الذى يلعنه الامام على المنبر؟ فقال: اراه لصا من لصوص الفتن». وحلف اشياخ من اهل الشام، من ارباب النعم والرئاسه، من سائر اجناد الشام، لابى العباس السفاح، انهم ما علموا لرسول اللّه(ص) «قرابه ولا اهل بيت يرثونه غير بنى اميه حتى وليتم الخلافه»((81)).

وفى صدد الطاعه العمياء، نذكر تلك الحادثه التى شهد فيها خمسون رجلا من اهل الشام ان بعير العراقى ناقه لشامى، فقال معاويه للعراقى: «ابلغ عليا انى اقاتله بمئه الف ما فيهم من يفرق بين الناقه والجمل»((82)).

وقد كان واضحا للامام واصحابه ما سوف يفعله معاويه ان انتصر، فكتب عقبه بن مسعود الى سليمان بن صرد الخزاعى:

«اما بعد فانهم «انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم فى ملتهم ولن تفلحوا اذا ابد» «الكهف/20» فعليك بالجهاد والصبر مع امير المومنين»((83)).

ويلاحظ، فى هذه الرساله، ايجازها ووضوحها، وتضمنها الحكم القرآنى فى القضيه موضوع الرساله، وهو انه ليس امام المجاهدين سوى الجهاد والصبر لان الهزيمه تفضى الى احد امرين: اما الرجم او العوده الى مله الاعداء، اى الى ما سماه الخطاب الشعرى «دين ابن هند»، او «دين ابن حرب»، وليس من فلاح فى كلا الامرين.

بدا معاويه باستدعاء اصحاب الامام على واستجوابهم، وقد مر بنا شى‏ء من ذلك، ومن هولاء الاصحاب كان عدى بن حاتم الطائى الذى دار بينه وبين معاويه بن ابى سفيان الحوار الاتى: قال معاويه: ما فعلت الطرفات؟ «يعنى اولاده‏». قال: قتلوا مع على.

قال: ما انصفك على، قتل اولادك وبقى اولاده. فقال عدى:

ما انصفت عليا اذ قتل وبقيت بعده. فقال معاويه: اما انه قد بقيت قطره من دم عثمان ما يمحوها الا دم شريف من اشراف اليمن، فقال عدى: «واللّه ان قلوبنا التى ابغضناك بها لفى صدورنا وان اسيافنا التى قاتلناك بها لعلى عواتقنا! ولئن ادنيت الى الغدر فترا لندنين اليك من الشر شبرا، وان حز الحلقوم وحشرجه الحيزوم لاهون علينا من ان نسمع المساءه فى على، فسلم السيف، يا معاويه يبعث السيف»((84)).

لم يجب معاويه وانتظر الى ان جاء زياد، فاختار هذا وجوه اهل العراق، ممن سماهم «طواغيت هذه الترابيه...» لانهم انكروا عليه شتم الامام على(ع)، وزور شهادات تفيد انهم خرجوا على الطاعه، وارسلهم الى معاويه، فقتلهم هذا صبرا، وكان حجر بن عدى الكندى، من بينهم، وفى رثائه تقول هند بنت زيد بن مخرمه الانصاريه:

ترفع، ايها القمر المنير تبصر هل ترى حجرا يسير!؟ يسير الى معاويه بن حرب ليقتله كما زعم الامير ويصلبه على بابى دمشق وتاكل من محاسنه الطيور تجبرت الجبابر بعد حجر وطاب لها الخورنق والسدير واصبحت البلاد لها محولا كان لم يحيها مزن مطير الا يا حجر حجر بنى عدى تلقتك السلامه والسرور اخاف عليك ما اردى عديا وشيخا فى دمشق له زئير يرى قتل الخيار عليه حقا له من شر امته وزير الا يا ليت حجرا مات موتا ولم ينحر كما نحر البعير فان تهلك فكل زعيم قوم من الدنيا الى هلك يسير((85)) فى هذه القصيده حزن، وهى ترثى سيدا عرف بالتقوى والايمان والشجاعه والكرم.. ويتصف بصفات الفارس المسلم الذى يعرف الحق ويمضى فى دربه قائلا لجلاده: «ان الصبر على حد السيف لايسر علينا مما تدعونا اليه «التبرو من الامام على ولعنه‏»، ثم القدوم على اللّه وعلى نبيه وعلى وصيه احب الينا من دخول النار»، غير ان فيها اشياء اكثر من الحزن على فرد واشد عمقا، فيها ما يعنى الانسان فى ذلك العصر وفى كل عصر.

تدعو الشاعره القمر ليترفع وينير، ويتبصر، من ثم، فى ضوء كامل ما يحدث..، ويلى الدعوه سوال يخرج عن طلب المعرفه، الى الحث على تاملها فى الضوء، فالقضيه هى سير حجر، وهذا السير يذكر بان هذا الفارس سار من قبل، وفتح «مرج عذراء»، وللمفارقه انه قتل فيها، ولكنه هذه المره يسير الى معاويه بن حرب وليس الى فتح وجهاد كما تعود، ويسير الى معاويه ليقتله بذنب زعمه، ثم يصلبه على بابى دمشق، ما يفيد اما انه قطع جثته نصفين، وضع كل قسم على باب، او صلبه مده على هذا الباب ومده اخرى على الباب الاخر، وقد طالت المده حتى ان الطيور تعودته فصارت تحط عليه وتاكل من محاسنه.

تريد الشاعره من القمر ان ينير هذه الجريمه، ويريها للاخرين وان يتبصر الجميع فيها، لتقاوم التعتيم والتضليل القائمين.

وهذه دعوه لرويه مسير حجر موجهه الى الكون جميعه، وليس الى الناس وحدهم، لترى الكائنات جميعها ما يحدث وفى ضوء القمر المنير. وهذه الدعوه ترتفع بحجر وبمسيره الى معاويه ليلقى مصيره: القتل بزعم كاذب والصلب، الى مستوى الحدث الرهيب، الهائل التاثير الذى تهم الكون اجمع رويته ومعرفته والتبصر بنتائجه، حجر يصلبه معاويه، انها جريمه العصر وعلى القمر ان ينيرها ليتبصر الكون ويتبين فظاعتها ونتائجها.

وتلى الحركه الثانيه فى القصيده، وهى نتائج هذه الجريمه، فبعد حجر تجبرت الجبابر وطاب لها الخورنق والسدير، وهذا كشف لما آلت اليه خلافه المسلمين من ملك استبدادى يعيد الامور الى ما كانت عليه قبل الاسلام، اذ ان الخورنق والسدير هنا رمزان للملك الاستبدادى الذى عرفه العرب فى جاهليتهم. ولم يكن للجبابره ان يتجبروا وان تطيب لهم الحياه فى قصورهم الا بعد قتل حجر، وهكذا كان هذا الفارس المسلم الحائل دون تجبر الطغاه وممارستهم طغيانهم وغواياتهم، اذ بعده تطيب قصورهم. وان يكن تجبر الجبابره هو النتيجه الاولى فان النتيجه الثانيه اشد فظاعه، وهى ذلك المحل الذى اصاب البلاد، كانها لم تعرف المطر، او كان المطر لم يحيها...

وهذا الجدب وليد الطغيان، وكان حجر يحول دونهما، وهكذا تاتى الحركه الثالثه سلاما على حجر فى خطاب رقيق يدعو له بالسلامه والسرور، تتبعه فى حركه رابعه مقارنه بينه وبين معاويه، وكنت عنه بشيخ فى دمشق له زئير، ما يفيد بانتمائه الى عالم آخر غير انسانى، هو ووزيره الذى يرى قتل خيار الناس عليه حقا، ولهذا فهو «شر الامه»، وهنا نلحظ التضاد الواضح بين الخيار وشر الامه، ما يعيد الى الذاكره صوره الصراع الذى دار، وما ينفك يدور، بين الشرير -الوحش «الخنزير البرى فى الاسطوره» والخير- الانسان المحب المحبوب. ويا لفداحه المصاب فالخير يقتل والشرير يقتل ويكون وزيرا لشيخ لا يملك الا ان يزار مرهبا الناس كانه يحيا فى غابه لم تعرف التحضر.

وتتكشف هنا المفارقه اذ يفترض انه خليفه يحكم باسم الاسلام، ويزعم انه «خليفه اللّه» ولكن هذا لا يوصل الى موقف يائس، فتاتى الحركه الخامسه لتقول ان الموت حق: ... وهذا يعنى ان هلاك حجر ليس النهايه، وان يكن هذا البيت:

فان تهلك فكل زعيم قوم من الدنيا الى هلك يسير لم يصل الى مستوى:

اما هلكت ابا الحسين فلم تزل بالحق تعرف هاديا مهديا ربما لفارق المكانه الا انه يشاركه فى عدم التهالك. فان تحدث البيت الثانى عن خلود الامام على الرغم من موته فان البيت الاول تحدث عن موت الزعيم، وهذا امر طبيعى. و«زعيم» يتلاءم مع الموقف العام الذى تعبر عنه هذه القصيده، اذ انها تصور الوضع الذى وصلت اليه الامه وموقع حجر منه. معاويه يريد ان يتجبر فى سعاده الملوك، وان يحيل خصب الناس محلا ويخاف حجرا واصحابه فيقتلهم، وهكذا يمثل حجر رمز مقاومه التجبر والطغيان اللذين يمثلهما معاويه متمثلا بصوته الوحشى المرهب.

وفى القصيده دعوه للناس وكائنات الكون كى يروا هذا الامر بعد ان ينيره القمر، وتضع معاويه الذى يزار مرهبا ويرى قتل الخيار واجبا هو ووزيره «شر الامه» فى جانب وحجر بن عدى المعارض لهذا الاتجاه، والممثل للاتجاه المعادى فى جانب آخر. والدعوه هذه مبتكره وفيها الكثير من الخصائص الجديده.

كما ان التركيز على ان هلاك حجر امر طبيعى، يعبر عن ايمان بحتميه الموت، وهو مصير كل زعيم يتصدى لمثل هذه الامور، وهذا موقف اساسى يبث الثقه والحماس والعزم فى النفوس.

وهذا ليس حزنا ينفس قهرا وانما هو موقف سياسى واضح يجسد تجربه انسانيه، ويكشف واقعا قائما، ويوضح طبيعه السلطان الاموى ويبث الثقه فى النفوس. وفى هذا رد على الطغيان والارهاب وعمل على تفويت نتائجهما.

كربلاء: فاعل تاريخى‏ومكون اساس من مكونات الوجدان الاسلامى نظريه القوه المغتصبه للخلافه وصل الامويون الى الحكم بقوه السيف وقهره. كانوا يعون ذلك ويعلنونه، فقد خاطب معاويه‏بن ابى سفيان اهل المدينه المنوره بقوله: «لا بمحبه وليتها «يعنى الخلافه‏». ولكنى جالدتكم بسيفى هذا مجالده» ((86)).

وخاطب اخوه عتبه، اهل مصر، بقوله: «لا تمدوا الاعناق الى غيرنا فانها تنقطع دونن» ((87)).

يرسم خطاب الحاكم الاموى، فى هذين الانموذجين اللذين قدمنا، طبيعه الخلافه الامويه، من حيث سبل اقامتها وطرائق تعاملها مع الناس، وبخاصه المعارضين منهم...، فهى خلافه قائمه، ليس على اراده الناس ورغباتهم، كما تفيد «لا بمحبه وليتها...»، وانما على الاغتصاب بقوه السيف القاهر، والقاطع للاعناق ان امتدت الى حيث تحب.

يقول فلهوزن، المستشرق المعروف: «وكان من السخريه بفكره الحكومه الثيوقراطيه ان يظهر الامويون ممثليها الاعلين، فهم كانوا مغتصبين، وظلوا كذلك، ولم يكونوا يستندون الا الى قوتهم الخاصه، الى قوه اهل الشام، ولكن قوتهم لم تستطع قط ان تصير حقا شرعي»((88)).

ويبدو ان الصراع تركز، فى بدايه الخلافه الامويه، حول قضيه مركزيه يمكن لجمله فلهوزن الاخيره ان تشير اليها، ويمكن لها ان تتخذ العنوان التالى: الصراع بين القوه المغتصبه والحق الشرعى فى الخلافه، فالامويون يريدون ان يصير ما اغتصبوه حقا شرعيا، ومعارضوهم يرفضون ذلك، ويعملون على كشف زيف هذه الشرعيه، واسقاطها...

وكانت كربلاء الحدث الذى جعل من المستحيل للخلافه الامويه ان تصير شرعيه وان تستمر، وكان، ايضا، الحدث الذى وضع شرعيه تغيير السلطان الجائر موضع التطبيق، فكان بذلك القدوه التى تتبع فى كل زمان ومكان. ويمكن ان نوضح هذه القضيه كما يلى.

عمل الامويون، بغيه تحقيق هدفهم الذى حددناه آنفا، على اكساب خلافتهم صفه الحق الالهى، فخاطب زيادبن ابيه، اهل العراق، فقال:

«ايها الناس، انا اصبحنا لكم ساسه وعنكم ذاده نسوسكم بسلطان اللّه الذى اعطانا، ونذود عنكم بفى‏ء اللّه الذى خولنا.

فلنا عليكم السمع والطاعه فى مااحببنا...»((89)).

يقول زياد: ان الامويين اصبحوا ساسه الناس، ويريد من هولاء الناس ان يسلموا بهذا الواقع الذى قرر. والتسليم هذا يعود، كما يرى زياد، الى كون الامويين يسوسون بسلطان اللّه الذى اعطاهم وخولهم، ولهذا فلهم، على الناس، حق السمع والطاعه، فى «ما احبو». وهذا يقرر حقا الهيا فى الحكم وفى سماع الناس وطاعتهم لهذا الحكم، ويجعل مزاج الحاكم، او ما يحبه الحاكم مصدر التشريع، بوصف هذا المزاج اراده الهيه، ان اطاعها الناس نجوا لان فى هذه الطاعه طاعه اللّه.

وهذه نظريه غريبه عن الاسلام ودخيله عليه. ويمكن للمقارنه البسيطه بين هذا الخطاب وخطاب الخليفه الراشدى الاول ان تظهر الفرق بين نظريتين فى الحكم، الامويه التى تقول: «...

فلنا عليكم السمع والطاعه فى ما احببن»، وبين نظريه العقد -البيعه، التى تقول: «... اطيعونى ما اطعت اللّه ورسوله، فاذا عصيت اللّه ورسوله فلا طاعه لى عليكم»، والتى تقول ايضا: «...

ان استقمت فتابعونى، وان زغت فقومونى»((90)). والواضح ان النظريه الاولى تلغى مصدرى التشريع فى الاسلام اللذين تقرهما الثانيه، وهما الكتاب والسنه، وتضع مكانهما «مزاج» الحاكم، او ما يحبه.

وقد عمل الامويون على القول بنظريتهم وممارستها، واقناع الناس بصحتها وباتباعها، فهذا روح‏بن زنباع، احد قادتهم الرئيسيين، يخاطب الناس الذين ابطاوا عن بيعه يزيد، فيقول:

«... اننا ندعوكم الى من جعل اللّه له هذا الامر واختصه به، وهو يزيدبن معاويه. ونحن ابناء الطعن والطاعون وفضلات الموت.

وعندنا، ان اجبتم واطعتم، من المعونه ما شئتم»((91)).

فى خطاب روح ثلاثه عناصر اساسيه: 1 - اللّه يجعل «هذا الامر» للحاكم ويختصه به. 2 - ان لم تطيعوا فالطعن قائم. 3 - وان اطعتم فالمال حاضر.

يوهم هذا الخطاب بحق الهى مزعوم، والناس بين امرين: قبول او رفض، ولكل جزاوه، فالسيف والمال قائمان فى خدمه الخطاب المضلل، الساعى الى اشاعه السمع والطاعه وسيادتهما.

وهكذا راح الامويون يقنعون الناس بان تسلمهم الخلافه وممارساتهم السياسيه والاجتماعيه والدينيه الخ...، مهما كانت شاذه وظالمه، امر الهى تجب طاعته، وقدر مرسوم لا يمكن تغييره ولا تبديله، فلا جدوى، من ثم، من الثوره عليه. وهكذا برز ما يتهم الاسلام به من تسليم بالقضاء والقدر وحرص على الثبات، والاسلام من هذا جميعه براء.

وقد استخدم الامويون مختلف الوسائل الاعلاميه المعروفه آنذاك: الشعر، والقصص، ووضع الحديث، فى سبيل نشر نظريتهم واقناع الناس بها. وكانوا مهره فى ذلك، يساعدهم ما وفرته لهم بيوت مال المسلمين من امكانات. ويمكن ان نقدم نماذج من هذا الاستخدام، على سبيل المثال فحسب.

فمن الحديث الموضوع ما يلى: يروى ابن قتيبه حديثا عن العجاج عن ابى هريره، فيقول: قال العجاج: «... قال لى ابو هريره: ممن انت؟ فقلت: من اهل العراق. قال: يوشك ان ياتيك اهل الشام، فياخذوا صدقتك، فاذا اتوك فتلقهم بها. واذا دخلوها فكن فى اقاصيها، وخل عنهم وعنها. واياك ان تسبهم.

فانك ان سببتهم ذهب اجرك، واخذوا صدقتك. وان صبرت جاءتك فى ميزانك يوم القيامه»((92)).

يريد هذا الحديث الموضوع من اهل العراق ان يتخلوا عن حقوقهم، وان يصبروا على الظلم وان يطيعوا. ويريد منهم، ايضا، ان يقتنعوا بان فى طاعتهم هذه اجرا يجى‏ء فى الميزان يوم القيامه، «وهذه فكره ارجاء الحساب الى يوم القيامه»، وبان فى رفضهم -حتى فى حدوده الدنيا: السب- ما يذهب الاجر.

يوظف هذا الحديث فى خدمه المشروع السياسى -الدينى الذى تحدثنا عنه آنفا، ويوظف الشعر فى الخدمه نفسها، فعندما يقول الشاعر محترف المديح:

وان امير المومنين وفعله لكالدهر لا عار بما فعل الدهر يكون ناظما للحديث الموضوع التالى:

«من راى من اميره شيئا فليصبر عليه، فان فارق الجماعه مات ميته جاهليه».

كان الامويون يريدون، من هذه النظريه التى استخدموا الشعر والقصص والاحاديث الموضوعه لاشاعتها واقناع الناس بها، وسيادتها، من ثم، تسويغ القعود، والصبر على الظلم والرضى به، او كانوا يريدون جعل ذلك طاعه للشرع يوجر الانسان عليها.

وهذا يخفى الشعور بواجب تغيير السلطان الجائر عند المسلم، ويبعد الشعور بالجبن، وبالاثم عند المسلم الصابر على الظلم، والعربى كان يقول آنذاك، بلسان مالك‏بن الريب التميمى:

وما انا كالعير المقيم لاهله على القيد فى بحبوحه الضيم يرتع ان هذه النظريه التى «تشرع» الطاعه تدفع الفارس الرافض ان يكون كالعير الى تسليم امره للّه، ولخليفته، كما صار الخلفاء الامويون يدعون، والى ان يرى فى اعمال الخليفه، مهما كانت فظيعه ومغايره لكتاب اللّه وسنه النبى، كاغتصاب الخلافه والتجويع والتشريد والقتل، اراده الهيه فى قبولها طاعه موصله الى اللّه ورضاه وجنانه، وفى رفضها ومقاومتها ابتعاد عن اللّه وطاعته، واستمطار لغضبه، واستحقاق لعقاب خليفته.

وهكذا كان الامويون يريدون تقييد حركه الحياه السياسيه والاجتماعيه والفكريه والدينيه باراده السلطان، صاحب القوه المغتصبه القاهره، من طريق اعتبارها قوه تسوس بسلطان اللّه، ولصاحبها الحق فى ان يحكم كما يحب ويريد.

كربلاء: تجديد للهجره كشف الزيف الارتداد ووجوب تغييره فى هذا السياق التاريخى ينبغى ان نفهم ثوره الامام الحسين(ع). فقد كانت ثوره تكشف الزيف، وتنهض الى تصحيح الانحراف وتقويم الارتداد، وتجعل حق تغيير السلطان الجائر شرعيا، او واجبا ينبغى على المسلم ان يوديه.

كانت ثوره تغيير تنطلق من تعاليم الدين الحنيف الذى كان السلطان يمارسه وفق فهم يلائم مصالحه، فافرغه من حقيقته، وابقى شكليات الطقوس فحسب.

انها تجديد للهجره، او هجره ثانيه، تسعى الى مقاومه الثوره المضاده. وهى، بهذا، تواصل الطريق الذى اختطه الامام على(ع)، وكان عماربن ياسر«رض) قد قال فى صفين: اننا نقاتلهم على تاويله «اى القرآن الكريم‏» كما قاتلناهم على تنزيله، فطبيعه القتال لا تزال هى نفسها..

وقد خاطب الامام الحسين(ع) المسلمين، فقال، مشرعا التغيير:

«من راى سلطانا جائرا، مستحلا لحرم اللّه، ناكثا بعهد اللّه، مخالفا لسنه رسول اللّه، فلم يغير بفعل ولا قول، كان حقا على اللّه ان يدخله مدخله».

ثم خاطب المسلمين، وقد خرج ليودى واجبه فى التغيير:

«... الا وان هولاء قد لزموا طاعه الشيطان، وتركوا طاعه الرحمن، واظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستاثروا بالفى‏ء، واحلوا حرام اللّه، واحرموا حلاله، وانا احق من غير، وانا الحسين‏بن على وابن فاطمه».

وكتب يجيب على رسائل اهل الكوفه، محددا مهمات الامام وواجباته: «لعمرى ما الامام الا العامل بالكتاب والاخذ بالقسط والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات اللّه، والسلام»((93)).

ان الامام ليس الا العامل بالكتاب...، فالكتاب مصدر العمل، وليس «ما احببن». والاخذ بالعدل والحق صنيع الامام، وليس القيام بالفعل الذى يفعله قضاء الدهر وقدره...

نهجان نقيضان ان الباحث يجد نفسه، كما يبدو، ازاء خطابين نقيضين، ومن يتامل هذين الخطابين: خطاب السلطان ورجاله وخطاب الامام الحسين(ع) يرى انه ازاء نهجين نقيضين، اولهما يريد للقوه المغتصبه ان تغدو حقا الهيا فى الحكم، مرجعه مزاج الحاكم الذى يعد التسليم بما يحبه هو طاعه للّه، وثانيهما يريد للدين الاسلامى، الممثل بكتاب اللّه، ان يسود الحياه، وان يلتزم الحاكم بمصدرى التشريع: كتاب اللّه وسنه نبيه، الموصلين الى العدل والحق، ويعط‏ى الحق للمسلمين بالتغيير ان عطلت الحدود واستحل ما حرمه اللّه.

وهكذا كان الصراع، فى كربلاء، بين سلطان خرج على تعاليم الاسلام فى الوقت الذى كان يوهم المسلمين انه الحاكم الذى اختصه اللّه ليحكم باسمه، وبين قوه ثائره تريد ان تغير هذا الواقع المموه والمزيف وان تعيد للاسلام سيادته وان تقر شرعيه الثوره على السلطان الطاغيه الجائر.

وقد كان كثير من المسلمين يدركون هذه الحقيقه، فقد جاء فى احدى رسائل اهل الكوفه الى الامام الحسين(ع)، بعد موت معاويه:

«... فالحمد للّه الذى قصم عدوك الجبار العنيد الذى انتزى على هذه الامه فابتزها امرها وغصبها فياها، وتامر عليها بغير رضى منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال اللّه دوله بين جبابرتها واغنيائها، فبعدا له كما بعدت ثمود. انه ليس علينا امام، فاقبل لعل اللّه ان يجمعنا بك على الحق...»((94)).

ان صوره الحاكم الجبار العنيد، المعيد سيره ثمود تبدو واضحه فى هذه الرساله التى تمثل رويه فئه كبيره من المسلمين الى السلطان الاموى. وقد وجد هولاء فى الامام الحسين(ع) الشخصيه القادره على مواجهه هذا السلطان، فلجاوا اليه، بوصفه، كما جاء فى خطاب كثير من المسلمين له: «نور الارض... وعلم المهتدين، ورجاء المومنين»((95))، وبوصفه، ايضا، القادر على الحيلوله بينهم وبين ما اسموه الرق والعبوديه، فمن الخطاب الذى وجه اليه على السنه الناس، فى هذا الصدد، قول عبداللّهبن مطيع: «... فواللّه، لئن هلكت لنسترقن بعدك» وقول شخص آخر: «... ولئن قتلوك لا يهابون بعدك احدا»((96)).

كربلاء: مكون هويه تلازم الحزن والصحوه اننا، اذ ندرك حقيقه النهج الذى يمثله الامام الحسين(ع) وحقيقه النهج الذى ثار عليه ليغيره، وحقيقه الموقع الذى يمثله فى المجتمع الاسلامى... ان ادركنا هذه الحقائق، كما تبينت لنا، ندرك طبيعه الحزن الذى اصاب المسلمين بعد حدوث كربلاء، وندرك، فى الوقت نفسه، صيرورتها مكونا اساسيا من مكونات الوجدان الاسلامى فى اعمق اعماقه... فقد احس المسلمون، وادركوا ان نورا قد انطفا فى قلوبهم وفى مجتمعهم، وان علم المهتدين قد طوى، وان القادر على منع عبوديتهم قد استشهد، فحزنوا من ناحيه، وصحوا من ناحيه ثانيه، وظل هذان الفعلان: الحزن والصحوه متلازمين، منذ كربلاء والى ايامنا هذه.

وان كان لنا ان نرصد تجسدهما فى الشعر العربى فسوف نفعل ذلك مكتفين، هذه المره، بتقديم نماذج من شعر العصر الاموى، وذلك لان التقصى فى الادب العربى كله يقتضى بحوثا طويله، قد يتاح لنا، فى الاتى من الايام، ان شاء اللّه تعالى، ان نقوم بها.

وما يجدر ذكره، فى هذا المقام، هو ان قسما كبيرا من الشعر الشيعى فقد، وذلك لانه كان يكتم فى ذلك الزمان. يقول الطبرى، فى سياق حديثه عن التوابين...: «وكان مما قيل من الشعر فى ذلك قول اعشى همدان، وهى احدى المكتمات، كن يكتمن فى ذلك الزمان»((97)). فكم من الشعر كان مكتما، وبقى كذلك فلم يقدر له الخروج الى دنيا النشر التى كانت بايدى الرواه...

ومن الادله التى تفيد ان كثيرا من الشعر دفن مع اصحابه، او بعدهم بقليل ما يلى:

يقول الطبرى: «كان عبداللّه بن عمرو البدى من اشجع الناس واشعرهم واشدهم حبا لعلى رضى اللّه عنه»((98)). فماذا بقى لنا من شعر هذا الفارس الشيعى الذى كان من اشعر الناس، وفق ما يقول الطبرى؟ لا شى‏ء يذكر، فكتب الادب لا تكاد تذكر اسمه، ومما لا شك فيه ان البدى كان واحدا من آخرين.

يقول ابو الفرج الاصفهانى: ان شعر الكميت‏بن زيد الاسدى كان حين مات «خمسه آلاف ومئتين وتسعه وثمانين بيتا»((99)).

ولم يبق لنا من هذه الالاف سوى مئات الابيات..

تفيد هذه الحقيقه ان ما وصلنا من شعر ليس كل ما جادت به قرائح الشعراء، وان بعض القصائد التى وصلت ربما كان غير كامل... وفى ضوء هذه الحقيقه يمكن ان نقرا بعض النماذج الشعريه.

يروى صاحب مروج الذهب ان محمدبن على «ابن الحنفيه»، كان، فى ما عاش من سنين بعد كربلاء، يتاسى بشعر ينظمه ويردده، ويذكر منه هذه الابيات:

اادهن راسى ام تطيب مجالسى وخدك معفور، وانت سليب ااشرب ماء المزن، من غير مائه، وقد ضمت الاحشاء منك لهيب سابكيك ما ناحت حمامه ايكه وما اخضر، فى دوح الحجاز، قضيب غريب واكناف الحجاز تحوطه الا كل من تحت التراب غريب يبكى الفارس الهاشمى، محمدبن الامام على(ع).

يبكى طوال العمر بكاء يبقى ما بقيت الحياه بنوح حمامها واخضرار ارضها... وهاتان اشارتان ررمزان الى مظهرى الحياه...

يبكى ويحس غربه، يعيش غربه فظيعه وان كانت مظاهر الحياه تحيط به...، فهو يتساءل عما اذا كان قادرا على العيش، او على الاستمرار فى القيام بابسط نشاطات العيش بعد ما حدث فى كربلاء. وتساوله يصور الاحساس بان الحياه، بمختلف اشيائها ومظاهرها، قد تغيرت، بعدما انطفا نورها وطوى علمها، واستشهد حامى حريه انسانها...

لقد اهتزت علاقه الانسان المسلم بالعالم، ولكن هل كان هذا الموقف مقصورا على فئه من المسلمين يمثلها محمدبن الامام على(ع) او انه شمل معظم المسلمين، ان لم نقل جميعهم؟...

ثم هل ادى هذا الاهتزاز الى تكوين فى الذات يسعى الى تغيير العالم الذى تعرى، وكشف زيفه؟ اننا، فى ما يلى، نحاول الاجابه عن هذين السوالين، من خلال نماذج تصور وجدان الناس فى ذلك العصر، ولن تقتصر محاولتنا على الشعر المتداول، وانما سوف تلتقط ما يصور احاسيس الناس ومشاعرهم كما تجلت فى مظاهر عديده.

يفيد عرض بعض ما ورد فى كتب الادب والتاريخ، عن وقع كربلاء، ان حاله من الحزن العميق عمت العالم الاسلامى، رافقها شعور بالذنب فظيع، اثمر فى ما بعد ثورات متتاليه كانت تسعى الى التغيير الذى اراده سيد الشهداء.

كان الاحساس بالماساه احساسا شعبيا عميقا وكثيفا الى درجه غدا فيها كل ما يذكر بها وكل ما يثيرها وكانه من آثارها. وقد اتخذ التعبير عن هذا الاحساس الشعبى العميق -النابض فى اللاشعور الفردى والجمعى مظاهر عديده، يمكن ان نورد بعضها على سبيل التمثيل فحسب. يروى الطبرى هذا الخبر:

«... قال: اصبحنا صبيحه قتل الحسين بالمدينه، فاذا مولى لنا يحدثنا، قال: سمعت البارحه مناديا ينادى:

ايها القاتلون جهلا حسينا ابشروا بالعذاب والتنكيل كل اهل السماء يدعو عليكم من نبى وملك وقبيل قد لعنتم على لسان ابن داو د وموسى وحامل الانجيل ((100)) ويروى ايضا ما يلى: «فلما قتل الحسين لبثوا شهرين، او ثلاثه، كانما تلطخ الحوائط بالدماء ساعه تطلع الشمس حتى ترتفع» ((101)).

وقد عبر الشاعر عن هذا، فقال... ونسبه الشعر الى شاعر غير معين تفيد انه ينطق بلسان الشعب، ويجسد وجدانه.

الم تر ان الشمس اضحت مريضه لفقد حسين والبلاد اقشعرت وقد اعولت تبكى السماء لفقده وانجمها ناحت عليه وضلت((102)) ويروى المورخ هذا الخبر ايضا: «قعد الذين ذهبوا بالراس فى اول مرحله من الطريق، وجلسوا يشربون النبيذ، فاذا قلم من حديد يخرج عليهم من حائط، فيكتب بالدم:

اترجو امه قتلت حسينا شفاعه جده يوم الحساب!؟ وما كادت الجماعه تشهد هذا حتى فرت هاربه...».

ما يهمنا من هذه الاخبار دلالتها على طبيعه الاحساس الشعبى الذى عاشه مسلمو تلك المرحله من مراحل التاريخ الاسلامى. فالاحداث قد لا تكون وقعت ماديا، غير انها وقعت نفسيا... وهذا الوقوع يصور الاحساس بالاثم، وبالرعب من فظاعه ما حدث... الاحساس الذى كان ينتاب اناس ذلك العصر فيولد لهم روى واحداثا هى ابنه الحاله التى كانوا يعيشونها ويعانون وطاتها، ولم يكن هذا الاحساس خاصا بالشيعه، وانما كان احساسا عاما وصل الى صميم النفس الاسلاميه، والى لا وعيها، وقد تم التعبير عنه على شكل روى تجسد الحاله الشعبيه كما راينا.

وقد اثارت كربلاء، فى هذا المناخ الذى حاولنا الاشاره الى ملامحه، اسئله ومفارقات غريبه فهذا يحيى‏بن الحكم الاموى، وهو اخو مروان‏بن الحكم، يعجب من ان «سميه البغى»، ام زياد، وجده عبيداللّهبن زياد، امسى نسلها عدد الحصى، وان آل المصطفى يقتلون، يقول ابن الحكم، وهو من الاسره الحاكمه:

لهام بجنب الطف ادنى قرابه من ابن زياد العبد ذى الحسب الوغل سميه امسى نسلها عدد الحصى وليس لال المصطفى من نسل((103)) ويعجب كثير بن كثير السهمى، فيقول:

يامن الظبى والحمام ولا يا من آل الرسول عند المقام وهذه سيده تخرج الى الناس سائله، على لسان النبى(ص)، فتقول:

ماذا تقولون: ان قال النبى لكم:

ماذا فعلتم، وانتم خير الامم، بعترتى وباهلى بعد مفتقدى منهم اسارى وقتلى ضرجوا بدم ما كان هذا جزائى اذ نصحت لكم ان تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى((104))