«خلفاء المدرستين»

قراءه فى نصوص اهل السنه

السيد محمد على الحلو

الاهداء

الى اتباع مدرستى النص والاجماع انها مقومات الشخصيه.. الحدث.. القضيه.. فاكتشفت ان بين الخير والشر مساحات شاسعه يحق فيها اعاده قراءه الذات محمد على الحلو بسم اللّه الرحمن الرحيم (افمن يهدى الى الحق احق ان يتبع امن لا يهدى الا ان يهدى فما لكم كيف تحكمون) صدق اللّه العلى العظيم (سوره يونس: الايه / 35) تصدير:

ظل الكاتب والمورخ الاسلامى يعانى عقده التهيب لدى خوضه فى حوادث الحقبه الاولى من تاريخ الاسلام.. ذلك ان تلك الفتره التاسيسيه لمجد الاسلام هى الفتره المشرقه التى شهدت انطلاق الحضاره الاسلاميه وانتشارها. ومن هنا وجد الاسلوب التبريرى طريقه فى معالجه وتفسير حوادث تاريخيه هى فى الواقع منعطفات حاده ومريره فى مسار الاسلام حضاريا. ولقد اسهمت عوامل عده فى تجذير هذا الاسلوب بسبب الظروف الاستثنائيه التى مرت بها حركه التاريخ آنذاك. وهكذا فان الضمير المسلم واجه ظاهره التبرير الذى يصل فى بعض الاحيان حالات تعسفيه لم يعد يتحملها فى عصرنا الحاضر.. العصر الذى شهد انطلاقه العقل الانسانى من اسر التقاليد المثقله بالخرافات والاساطير، وهو ما يفسر ايضا ظهور دراسات عميقه وجريئه فى مضمار الدراسات التاريخيه خاصه فى العقود الاخيره من القرن الحالى. فلم يعد الضمير المسلم ليستسيغ اليوم مقوله ان (سيدنا) معاويه دس السم الى سيدنا الحسن!! وان سيدنا فلانا اجتهد فاخطا! حتى لو اسفر ذلك (الاجتهاد) عن سقوط آلاف القتلى والجرحى الابرياء.. حتى لو ادى ذلك الاجتهاد الى تشريد عشرات العوائل المسلمه وتهديد مئات اليتامى بالموت جوعا وحتى لو احدث ذلك الاجتهاد شرخا فى المجتمع الاسلامى. ان فلسفه القرآن الكريم التى طرحت معادله الصراع الانسانى منذ هبوط آدم بل ومنذ ولوجه الجنه قد بلورت وجدان المسلم على فكره الخير والشر.. فحيثما احتدم الصراع فلابد من وجود الحق فى جانب احدهما.. اما ان يتقاسم الفريقان الحق بالتساوى، ثم يقف المورخ محاولا تبرير ذلك فتلك ماساه العقل المسلم! لقد اسفرت حوادث التاريخ عن بروز تيارين متقاطعين، تيار يحاول توجيه حركه التاريخ ودفعها فى الاتجاه الصحيح عبر تحديد غائيه المسار الاسلامى.. وآخر يحاول تبرير وقائع التاريخ ذاتها ومنحها صفه الشرعيه، حتى لو جاء هذا التبرير على حساب الضمير المسلم الذى يشهد فى الوقت الحاضر صحوته الكبرى. وما هذا الكتاب الا خطوه فى هذا الطريق.. الطريق الى اكتشاف الحقائق واضائه الذاكره الاسلاميه فى محاوله لتحديد غائيه المستقبل.

مركز الغدير المقدمه:

الحمد للّه رب العالمين. اللهم صلى على خير خلقك وافضل بريتك محمد وآله المنتجبين الميامين. وبعد:

بدات انتفاضه العقل المسلم، حين وجد مكتبته الاسلاميه تقدم اوراقها المبعثره، بين واقعيه الحدث الاسلامى، وبين توجهات المورخ الاسلامى، فى الوقت الذى تتجه الحاجه الملحه لقراءه الذات المسلمه من خلال الشخصيه، الحدث، الموضوعيه، التحليل، ومن ثم النتيجه. لم تعد مقومات القضيه التاريخيه هذه تشارك بشكل فعال فى تقديم الرويه الواقعيه للحدث الاسلامى، ذلك ان الماساه التى اسمها (الفجوه الثقافيه)، ساهمت بالقسط الوافر فى نفور القارى الى دراسات اهل الاستشراق المقيته لانعدام الثقه باكثر ما يطرحه المشروع التاريخى الاسلامى. اجل، انتفض العقل المسلم على واقع كتاباته التقليديه حينما وجد حقيقه الحدث الاسلامى تختفى خلف الجدار المقدس الذى يصنعه الكاتب الاسلامى للحادثه التاريخيه، ومن ثم يبدا الكاتب بتهميش القضيه التاريخيه بعد تاطيرها بالهاله المقدسه لشخص الصحابى، للحدث، للواقعه، لحيثيات القضيه، فينهى الجوله منتصرا على فكر القارى ووجدانه. لم تعد هذه الحاله عمليه اليوم، فى الوقت الذى تنتاب بنيتنا الفكريه هزات عنيفه قادمه من خلف حدود الوطن الاسلامى، لتجتاح برياحها منطقه الفراغ الفكرى، فتحدث تخلخلا واضحا فى الرويه العامه. ولعل محاولتنا هذه ستسهم بشكل او باخر فى فك طوق الحصار الثقافى الذى سببته مطبات ثقافيه، افرزتها ظروف سياسيه غير رشيده.

درج الكتاب الاسلاميون - وللاسف - ان يتعاملوا مع الشخصيه الاسلاميه على ضوء القداسه المفتعله، التى اسهمت فى ايجادها افتعالات غير ناضجه، كانت من ورائها معطيات سياسيه خفيه، فالتحرج الذى يبديه الكاتب الاسلامى فى نقد الشخصيه، او احيانا فى سردها مع تهيئه التبريرات غير العقلائيه للاختراقات المرتكبه، تفرض على الكاتب اتباع اللاموضوعيه، بل ارتكاب المجازفه فى احايين كثيره، حتى كلف القارى جهدا باهضا لاستنتاج الحقيقه بعد محاوله تصفيه الحدث التاريخى من صفه اللامسوليه المترسبه من كوامن اعماق الكاتب او توجهاته.

كما حاول بعضهم ان يفتعل حبكه قصصيه لترتيب دراما هزيله، عن زهد الخليفه، تواضعه، كرمه، باسه، شجاعته، ورعه، الى آخر الصفات، ليقابل البخل بالزهد، واللهو بالتواضع، وغدق العطاء على المغنين والمازحين من الشعراء بالكرم، والظلم بالباس، والتجبر بالشجاعه، والورع باللا مبالاه، كل ذلك حاول الكاتب، وبتعثر واضح ان يعالج حياه الخليفه للمحافظه على قدسيه الخلافه (المفتعله). هذا من جانب، ومن جانب آخر حاولت الاقلام النزيهه الموضوعيه دراسه الشخصيه الاسلاميه على ضوء الحقيقه التاريخيه، فضلا عن المبتنيات الاسلاميه التى تحدد سلوكيه الخليفه وتحركه. فى حدود تتبعى لم اجد دراسه تجمع خلفاء مدرستى النص والاجماع، ومحاوله المقارنه بين الشخصيتين، وذلك لتوفير الفرصه المناسبه للقارى والباحث من ان يكونا صوره واضحه لرويتهما الفرديه او العامه كذلك. ومحاولتى هذه هى امتداد لتجربتى السابقه عند دراسه عقائد الاماميه بروايه الصحاح السته، حيث وجدت منطقه فراغ، ثقافى، فكرى، تاريخى، لا يملاه الا اسلوب بحوث (التاريخ المقارن) اذا صح التعبير، وحاولت دراسه هذا (التاريخ المقارن) بروايه نصوص اهل السنه، لتفعيل بحوث الحدث الاسلامى والابتعاد عن اسلوب تهميش الحدث، او تقزيم القضيه الاسلاميه. واللّه من وراء القصد.

السيد محمد على الحلو

قم المقدسه / 25 ربيع الثانى / 1418 هـ

المدخل

تمخضت سنوات الصراع الفكرى عن بروز مدرستين متقابلتين، احداهما نشات بعيد رحيل النبى(ص)، والثانيه كانت امتدادا لمدرسه ارسى دعائمها النبى(ص) من قبل، وحرص على ابرازها كمظهر من مظاهر العطاء الالهى الكريم. توغلت المدرستان فى خضم الحدث الاسلامى العام، وتفاعلت معهما مراكز قوى سياسيه واجتماعيه بل وحتى اقتصاديه، وافرزت على غرارها اطروحات عمليه وفلسفات تنظيريه، التزمت باخراجها تلك القوى المذكوره، فبينما اتخذت بعض هذه القوى موقفا خاصا من اعلان السقيفه، انضمت الى كتلتها فورا بعد مفاوضات عاجله تحت تاثيرات كان للايحاءات المستقبليه الحظ الاوفر فيها، ليحسم الموقف لصالح الشيخين، ذلك ان هذه القوى لم تجد بديلا عن كتله الشيخين غير على بن ابى طالب(ع)، وهو من المعلوم سوف لن ينسجم مع ايه اطروحه سياسيه او اقتصاديه او اجتماعيه تتخلف ولو قليلا او موقتا عن المنظور الاسلامى، وسيكون حزم على وعدم مساومته تفويتا لفرصه يوظفها بعضهم لصالحه، فقبلت هذه القوى بالوضع الجديد على امل الحصول على فرص جديده تفرزها الاحداث الساخنه التى تفسح المجال لاى قوه تترك اثرا على الواقع الجديد لمناصره الشيخين. لاقت كتله الشيخين احتجاجات لم يكن من اليسير التغاضى عنها، او الالتفاف عليها واحتوائها على انها حاله وجدانيه ناشئه عن تخطى اشخاص او كتل واستبعادها عن معترك الاحداث، بل كانت هذه الاحتجاجات نابعه من صميم الواقع العملى المعاش متوجا بنصوص تكشف عن تراث نبوى مدخر، يوكد الخليفه الشرعى ويعارض بصراحه ايه محاوله فرديه او جماعيه يكون من خلالها استبعاده. لم يخف على معارضته، ولم تخف السقيفه اقرارها له كذلك، بل لم يستطع المهاجرون والانصار كتمان استنكارهم، حتى خرج سيد الخزرج سعد بن عباده مغاضبا دون ان يمد يده لمن بسطها فى سقيفه بنى ساعده للبيعه، قال المسعودى: (لما بويع ابو بكر فى يوم السقيفه وجددت البيعه له يوم الثلاثاء على العامه، خرج على فقال: افسدت علينا امورنا ولم تستشر ولم ترع حقا، فقال ابو بكر: بلى، ولكنى خشيت الفتنه. وكان للمهاجرين والانصار يوم السقيفه خطب طويل ومجاذبه فى الامامه، وخرج سعد بن عباده ولم يبايع فصار الى الشام فقتل هناك).

× × × وانت اذا تمعنت فى كلام المسعودى تصورت الحاله العامه المائجه بكل اعتراض، والهائجه بكل استنكار، مما اتخذ من قرار يوم السقيفه، فاستنكار الانصار غير اعتراض المهاجرين، وتوبيخ على لاصحاب السقيفه غير تمرد ابى سفيان، وغضب سعد بن عباده على قرار السقيفه غير تردد عثمان وبنى ابيه فى اعلان التاييد والرضا بالخليفه الجديد، واستنفار سلمان والمقداد وعمار وابى ذر غير تروى سعد بن ابى وقاص وعبد الرحمن بن عوف فى اعطاء البيعه للشيخين. فالانصار استنكروا على الشيخين، حيث استبعد شيخهم سعد رئيس الخزرج وقد عرفوا فيه القدره على الاداره واللياقه للرئاسه، وليس للانصار وهم اهلها من خطر فى رسم الاحداث بعد ان بذلوا لاخوانهم المهاجرين كل غال ونفيس ابان المحنه، يوم هاجر المسلمون اليها فتخلوا عن كثير، وآثروهم على الاهل والاولاد، فضلا عن تصدر المهاجرين الاحداث وتدافعهم على مناصب الدوله الفتيه، وقد غض الانصار طرفهم عما يعترى اخوانهم المهاجرين من شعور، فاحس النبى(ص) بذلك واشفق على الانصار من ان يهضموا، فاخى بين الفريقين وجعل لكل مهاجر اخا فى اللّه من الانصار، وتجاوز الانصار الازمه حرصا على الا يسخطوا رسول اللّه(ص) فى اصحابه، فعاجل النبى باستبعاد كل من تاقت نفسه لاستغلال الظروف تجبرا على اخوانه اهل المدينه من الانصار، وردد رسول اللّه(ص) فى اكثر من مناسبه حبه للانصار، وجعلهم الشعار والدثار، وقربهم واسترضاهم بعد ان اشفق عليهم وهم يتكتمون على تحركات بعض المهاجرين، الذين ظنوا انهم اولى برسول اللّه(ص) من غيرهم، وانهم ذوو السابقه فى الاسلام وقد صدقوا النبى(ص) وآزروه، فتوهموا بعد ذلك ان لهم السبق فى كل شىء حتى فى قربهم من رسول اللّه(ص)، فظن الانصار بذلك خيرا وحملوا اخوانهم المهاجرين على احسن محمل، وحاولوا ان يتجاوزوا كل ذلك ليسموا الى رضا الرب تعالى ومناصره نبيهم على كل حال. هكذا كانت العلاقه بين الحيين، تخترق بين الحين والاخر نزعه العصبيه قلوب ابنائها، لتحر مشاعرهم الجياشه بكل ما يحمله المستقبل من تطلعات، فمنهم من يتربص الى تحقيق طموحات سياسيه كبيره تهيئهم لاحتلال اهم مناصب الدوله الفتيه، ومنهم من يتطلع الى نشر الرساله خارج حدود الجزيره، وقد وطن نفسه على الشهاده والفداء لرساله ربه، فيمهد السبيل لرسول اللّه(ص) او خليفته الشرعى ان يبلغا ما امرهما اللّه به، ويصدعا بكلمته الكبرى.

والقبليه تربض فى تلك المدينه القبائليه، فتبسط يديها بين بيوتاتها لتهز ذنبها مشيره الى استعدادها للانقضاض على كل شىء، والنبى(ص) يجهد فى ترويضها حتى غفت على حنين كلمه (ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم) فتحولت عندها الى فراشه تحمل الرحيق بين بيوتات المهاجرين والانصار، فيلعقون من عسل الرساله حلاوه الايمان والايثار.

× × × لم يكن بعد رحيل رسول اللّه(ص) ما يقلق الانصار على خلافته، وظنوا ان اخوانهم المهاجرين قد وافقوهم فى رواهم هذه، ذلك لان النبى(ص) جهد فى تعيين خليفته على بكل ما كانت الكلمه او الفعل يحملان من معنى الخلافه والامامه والوصايه، فاستفادوا من نصوص النبى(ص) الخلافه بعده لعلى، كما انهم استفادوا من ذلك الامامه فيه والوصايه اليه، ولم يكن يجول فى اذهان الانصار ان اخوانهم المهاجرين قد بيت بعضهم غير ذلك، حيث اختبوا خلف جدران السقيفه ليخرجوا بمقاله غير ما اعتادها المسلمون والفها الانصار، ولم يكن الانصار قد اطلعوا على ذلك من قبل، وهم اهل الخطر والحظوه فى العده والعدد، وليس المهاجرين الا رجال صحبوا النبى(ص) فى هجرته يعيشون فى كنف اخوانهم الانصار تحت رعايه رسول اللّه(ص)، فكيف يتقدم على الانصار احد؟ وهم قد حملوا يثرب على اكفهم ليقدموها الى رسول اللّه(ص) مدينه تسمى باسمه الشريف، فغير اسمها من يثرب الخزرج الى مدينه محمد(ص)، وقد تحدوا العرب من مكه وما والاها، الى اليمن وما حاذاها، وشام قيصر وفارس كسرى، تتربص باى قوه تجاهدهم لانتزاع ملكهم، وتستبدلهم من ملوك حواضر الى رعايا اهل المله، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، او رعايا من اهل الذمه يعطون الجزيه عن يد وهم صاغرون، فلماذا يتقدم على الانصار غير الانصار؟ ولم يحكم مدينه رسول اللّه(ص) - وقد كانت بالامس يثرب الخزرج - رجل من عدى مكه، ويقره على ذلك ابن تيمها لتكون له الكلمه النافذه على خزرج المدنيين؟! واذا كانت الخلافه فى قريش - كما قال رسول اللّه(ص) اكثر من مره - فلا يعرف المدنيون غير قريش ابى طالب، الذى حكم الحجاز واقرت له الجزيره وحواضرها، وقد ترعرع النبى(ص) فى كنفه، ومن غير على من آل ابى طالب هو اليق بخلافه ابن عمه، تربى فى حجره، يشمه عرفه ويسمعه الوحى ويسره ويناجيه، ثم هو بعد ذلك يوصى اليه، ويوصى المسلمين باتباعه. كل ذلك جال فى خواطر المدنيين الانصار، واستوقفهم سوال بعد سوال، واستطردتهم الاحداث لتذكرهم بما قاله النبى(ص) لعلى كما رواه سعد عن ابيه: (اما ترضى ان تكون منى بمنزله هارون من موسى).

وما رواه عمران بن حصين قال: (ان عليا منى وانا منه وهو ولى كل مومن بعدى). هذا ما اختزنه المدنييون فى ذاكرتهم فضلا عن لياقه على نسبا وحسبا، فهو ابن النسب القصير، ابوه شيخ البطحاء، ابو طالب بن عبد المطلب (وكان عبد المطلب احسن قريش وجها، وامدهم جسما، واحلمهم حلما، واجودهم كفا، وابعد الناس من كل موبقه تفسد الرجال، ولم يره ملك قط الا اكرمه وشفعه، وكان سيد قريش حتى هلك). وعبد المطلب هذا ابن هاشم و (كان صاحب ايلاف قريش، وايلاف قريش داب قريش، وكان اول من سن الرحلتين لقريش، ترحل احداهما فى الشتاء الى اليمن والى الحبشه الى النجاشى فيكرمه ويحبوه، فاصابت قريشا سنوات ذهبت بالاموال، فخرج هاشم الى الشام فامر بخبز كثير فخبز له، فحمله فى الغرائر على الابل حتى وافى مكه، فهشم ذلك الخبز يعنى كسره وثرده، ونحر تلك الابل ثم امر الطهاه فطبخوا، ثم كفا القدور على الجفان فاشبع اهل مكه، فكان ذلك اول الحيا بعد السنه التى اصابتهم فسمى بذلك هاشما..).

فضلا عن كون على ابن عم رسول اللّه(ص)، وصهره على ابنته فاطمه(عليهم السلام)، وابا سبطيه سيدى شباب اهل الجنه الحسن والحسين 8. هذا من حيث النسب، فما اطيب المحتد، واكرم الارومه؟ اما من حيث الحسب، فهو اعلم الناس، ففيه قال رسول اللّه(ص): (انا مدينه العلم وعلى بابها، فمن اراد العلم فليات بابه). وهو اشجع الناس، فعن ابى رافع قال: (لما قتل على بن ابى طالب اصحاب الالويه جفى غزوه احدج ابصر رسول اللّه(ص) جماعه من مشركى قريش فقال لعلى: احمل عليهم، فحمل عليهم، ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبداللّه الجمحى. قال: ثم ابصر رسول اللّه(ص) جماعه من مشركى قريش فقال لعلى:

احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبه بن مالك احد بنى عامر بن لوى، فقال جبرئيل: يا رسول اللّه، ان هذه للمواساه، فقال رسول اللّه(ص): انه منى وانا منه، فقال جبرئيل: وانا منكما. قال: فسمعوا صوتا:

لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا على) وهو ازهد الناس، فعن عمار بن ياسر قال: (سمعت رسول اللّه(ص) يقول لعلى بن ابى طالب: يا على ان اللّه عزوجل قد زينك بزينه لم يتزين العباد بزينه احب اليه منها، الزهد فى الدنيا فجعلك لا تنال من الدنيا شيئا، ولا تنال الدنيا منك شيئا، ووهب لك حب المساكين ورضوا بك اماما ورضيت بهم اتباعا، فطوبى لمن احبك وصدق فيك، وويل لمن ابغضك وكذب عليك، فاما الذين احبوك وصدقوا فيك فهم جيرانك فى دارك ورفقاوك فى قصر، واما الذين ابغضوك وكذبوا عليك فحق على اللّه ان يوقفهم موقف الكذابين).

الى غير ذلك من كرائم الصفات، واطايب السمات، وهى ذاتها شروط الامامه التى اشترطها اصحاب مدرسه الاجماع، واذا كانت هذه المكرمات جرت بين يدى الانصار، وفى محضرهم وامام اعينهم، وبين ظهرانيهم، حتى لهج بها اكابرهم، ونشا على ذلك صبيانهم، وصار دينا لاولهم يوصى به آخرهم، فهل لهم مندوحه للتخلى عن مبايعه على، او على الاقل نصرته فى تصديقه انه وصى رسول اللّه(ص) وحامل سره والمبلغ عنه؟ واذا كان الامر كذلك فهل يعذر الانصارى نفسه بالسكوت، ويقنع بالانعزال ويرى تراث رسول اللّه(ص) فى وصيه قد تخطته ايدى المهاجرين فى سقيفتهم فصار كاحد الانصار مهضوم الحق قد افسد عليه امره فلم يرع له نصيب ولم يستشر فى كبيره ولا صغيره؟ ثم هم بعد ذلك يحملوه كرها على المبايعه، والا حرقوا عليه الدار حتى لو كانت فيها فاطمه، فان لم يبايع ضربوا عنقه! قال ابن قتيبه الدينورى فى الامامه والسياسه: ان ابا بكر رضى اللّه عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند على كرم اللّه وجهه، فبعث اليهم عمر فجاء فناداهم وهم فى دار على، فابوا ان يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذى نفس عمر بيده، لتخرجن او لاحرقنها على من فيها، فقيل له: يا ابا حفص، ان فيها فاطمه! فقال وان. الى ان قال: وبقى عمر ومعه قوم، فاخرجوا عليا فمضوا به الى ابى بكر فقالوا له: بايع. فقال:

ان انا لم افعل فمه؟ قالوا: اذا واللّه الذى لا اله الا هو نضرب عنقك. قال: اذا تقتلون عبد اللّه واخا رسوله) الى آخر الخبر. هذا ما دفع الانصار الى الاستنكار على اخوانهم المهاجرين، وقد ساواهم اللّه بالاسلام واكرم المسلمين بنبى المسلمين، وهداهم جميعا بكتابه الذى لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فاى فضل صار بعد ذلك للمهاجرين على الانصار؟ واى حق تقدم به مهاجروا مكه على اهل المدينه ليحكموا مدينتهم، فيكون اهل البلد رعايا لمهاجرته مسلوبى الراى مغدورى الحق، قد استضعفهم رجال من اخوانهم؟ وقد انزل اللّه فيهم قرآنا امتدحهم على ما آثروا من اخوانهم المهاجرين على الاهل والاولاد، وشكر اللّه ايثارهم وعظم ذلك لهم فقال تعالى: (والذين تبوءو الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجه مما اوتوا ويوثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصه ومن يوق شح نفسه فاول-ئك هم المفلحون). ولم لا؟ وقد قال فيهم رسول اللّه(ص) خير مقاله، واكبرهم وحباهم وترحم عليهم ودعا لهم ولاولاد الاولاد منهم فقال:

(اللهم اغفر للانصار ولابناء الانصار وابناء ابناء الانصار) وقوله(ص) للانصار: (انتم احب الناس الى) وقوله(ص):

(الانصار لا يحبهم الا مومن، ولا يبغضهم الا منافق، فمن احبهم احبه اللّه، ومن ابغضهم ابغضه اللّه). وقال(ص): (الانصار شعار والناس دثار، ولو ان الناس استقبلوا واديا او شعبا واستقبلت الانصار واديا، لسلكت وادى الانصار، ولولا الهجره لكنت امرا من الانصار). فاى واد - يرحمك اللّه - تسلكه الانصار؟ غير انه(ص) كنى عن الطريقه التى يسلكها الانصارى حيال دينه وشوون احكامه، وهل هو الا امضاء لما ستوول اليه الامور بعده من امتناعهم عن البيعه للشيخين بادىء ذى بدء، ثم هم يبايعون كارهين وقد راووا ان المهاجرين غلبوهم بالوعد والوعيد وانها الفتنه تنذر بهم؟ وما عسى الانصار ان تفعله بعد ميل المهاجرين ومن دار فى فلكهم من الانصار الاوسيين منافسه لخزرج المدينه التى ما زالت دماوهم لم تجف بين فريقين تقاتلا بعد دهر حتى من اللّه عليهم برسوله فاطفا نائرتهم واصلح بالهم؟

× × × ولم يكن سعد سيد الانصار الا احد قومه يحس بما يتوجسه خزرجه من غلبه مهاجره المدينه على الامر، وليس لسعد حيله من نصره ابن عم رسول اللّه(ص) سوى قبض يده عن البيعه اخيرا بعد ان جاهد ليثنى عزم اخوانه المهاجرين من ان يركبوا الصعاب شططا، ويخلفوا وصى رسول اللّه عليا كالمستضعفين من الرجال يطالبوه كرها بالبيعه! حتى انثنى لهم مغاضبا، وهو يعلم ان امتناعه عن ذلك سيودى ببعضهم الى ان يميلوا على الدين ميله واحده فيكون نهبا للاهواء وغرضا للاطماع، فاثر التربص بعد لاى من المطالبه فصدوه ولم يسمعوا له مقاله، فصبر وفى الحلق شجى وفى العين قذى. وتبعه على ذلك لمه من اهل السابقه فى الاسلام، وجمع من حفدته وهم اهل القرب من رسول اللّه(ص)، وكان سعد بن عباده احدهم، حتى زاد فى استنكاره ان لم يبايع، فاخرجوه الى حران حتى لا يفسد عليهم امرا، فقتل هناك، وقيل ان الجن قتلوه، ولا نعلم قبل سعد وبعده ان الجن قتلت احدا..!! كان سعد بن عباده (نقيب بنى ساعده عند جميعهم وشهد بدرا.. وكان سيدا جوادا وهو صاحب رايه الانصار فى المشاهد كلها وكان وجيها فى الانصار ذا رياسه وسياده، يعترف قومه له بها وكان يحمل الى النبى(ص) كل يوم جفنه مملوءه ثريدا ولحما تدور معه حيث دار... دعا له النبى (ص) قائلا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عباده..) وهل ترجو من سعد - بعد هذا كله - ان ينافس فى الخلافه اهلها؟ وهو السيد اللبيب، والكيس الرشيد؟ وهل تجد لسعد مندوحه فى المطالبه بالبيعه لنفسه وقد علم مكانه على من رسول اللّه(ص) وسمعه يوصى به ويوصى اليه، على مراى ومسمع من سعد فى غير موضع وفى غير مره؟ فعن الحسن بن على قال:

قال رسول اللّه(ص): ادعوا لى سيد العرب - يعنى على بن ابى طالب - فقالت عائشه، الست سيد العرب؟ فقال: انا سيد ولد آدم، وعلى سيد العرب، فلما جاء ارسل الى الانصار فاتوه، فقال لهم يا معشر الانصار، الا ادلكم على ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعده ابدا؟ قالوا بلى يا رسول اللّه، قال: هذا على فاحبوه بحبى، واكرموه بكرامتى، فان جبريل امرنى بالذى قلت لكم عن اللّه عزوجل. فكيف يخالف سيد الانصار ما اوصى به النبى(ص) الانصار؟ وكيف يجلس فى سقيفته يوم البيعه ليطالب بالبيعه وقد كان يومها دنفا لا يقوى على شىء؟ الا انه خرج اخيرا ليثبط ما عزم عليه بعض اخوانه من اهل الهجره ليلويهم عن عزمهم ويذكرهم بمغبه تسرعهم لاخذ البيعه لانفسهم، فقالوا ان سعدا طمع بالخلافه فنافسنا على السلطان فاقتلوه، قتل اللّه سعدا. هذا ما رواه الخليفه الثانى من يوم السقيفه بقوله: انه كان من خبرنا حين توفى اللّه نبيه(ص)، ان الانصار خالفونا فاجتمعوا باشرافهم فى سقيفه بنى ساعده، وتخلف عنا على بن ابى طالب والزبير بن العوام ومن معهما.. الى ان يقول: قلت ابسط يدك ياابا بكر، فبسط يده فبايعته ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الانصار ونزونا على سعد بن عباده، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عباده، قال فقلت: قتل اللّه سعد بن عباده.

وهل تجد فى من دعى له النبى(ص) ولاله - وقد قبض يده عن البيعه - سوى امضاء له من رسول اللّه(ص) لحسن ما سلكه سعد وآل سعد فى الامتناع عن البيعه؟ فقال: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعدبن عباده، ونحن نقول اللهم آمين فاجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عباده، ومن سار على نهجهم فى متابعه لاحب الحق ومنهج الصدق فى على وآله المنتجبين. اذن، فكان ما لفقه البعض على سعد من انه اراد البيعه لنفسه، هو تبريرا لهم على ان الامور آلت الى الفتنه، فخافوا من نشوبها، وكان الفتنه تطفى نائرتها بيعه الشيخين، وكان عليا فى بيعته بعد نص النبى(ص) عليه لم يكن اهل فى اندمال الجرح ولا رتق الفتق... ام ماذا؟

× × × هذا ما كان من حال الانصار وسيدهم، وهذا ما كان من حال المهاجرين وبيعتهم، ولم يكن هذا الحال بين المهاجرين والانصار، من رد ورفض، او انكار وتاييد، ووعد ووعيد، قد اختص به حى الخزرجيين دون غيره، بل كان الحال بين المهاجرين والمهاجرين انفسهم، فبينا هم يرفضون البيعه بدءا، واذا بهم يتوعدون من تخلف عنها، ويلومون من ابطا فيها، وليس ذلك وحده، بل يتربصون الدوائر بمن اراد استبدال قوم بقوم، او بيعه دون بيعه، وكادت قبليه مكه تغلب قبليه الحيين من المدينه، وكادت عصبيه المكيين تثار للانصار من الانصار، فخزرج المدينه غير اوسها، ففى الاوس كل تاييد، وفى الخزرج كل استنكار. ففى الاوسيين ثارت نعره يوم ذاك، فذكرتهم بما بينهم وبين الخزرجيين من دماء، وفتن وبلاء، وكان اسيد بن حضير من نقباء الاوس، قد نسى ما تعهد به لرسول اللّه(ص) من نبذ ما بينه وبين الخزرج من حزازه وعداء، وكان جهد رسول اللّه(ص) قد نازعته العصبيه، فاخذت تجول بعد غيابه بين المدنيين والمدنيين، وبينهم وبين المكيين، حتى استجاب اسيد لنزعته، فقال لاهله الاوسيين: لئن وليتموها سعدا عليكم مره واحده لا زالت لهم بذلك الفضيله، ولا جعلوا لكم نصيبا فيها ابدا، فقوموا فبايعوا ابا بكر، فقاموا اليه فبايعوه.

فقام الحباب بن المنذر الى سيفه فاخذه، فبادروا اليه، فاخذوا سيفه منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعه، فقال: فعلتموها يا معشر الانصار؟ اما واللّه لكانى بابنائكم على ابواب ابنائهم، قد وقفوا يسالونهم باكفهم ولا يسقون الماء. ولم يصب اسيد وقتذاك، فاى فضيله يحوز عليها من نازع الحق اهله؟ وهل انتزاء الانصار على الخلافه - لو صح ذلك - منقبه يحسدون عليها؟ وقد سمعوا من رسول اللّه(ص) ما اوصاهم بعلى، فقد وضع الامر فيه دون غيره، عهد عهده عن اللّه تعالى، فهل فى مخالفه اللّه تعالى فضيله؟ وهل منازعه الحق اهله منقبه؟ ام لا يريد اسيد ساعتئذ الا ارضاء تلك العصبيه التى ما برحت تجول فى نفسه لتخمد انفاسه وهو سيد الاوس ونقيب المدينه؟ وكما لم يفلح اسيد الاوسيين فى فعلته عند ئذ، لم توفق الانصار جميعا كذلك حينما قادها عنادها الى ان تفلت الامور الى اهوائها، فكل حى رضى بالبيعه دون ترو، تحسبا لان يسبقه المنافس من طرفه، فالاوسيون خافوا ان يكون الامر فى غيرهم من الخزرج المنافسين، وخزرج سعد، خالفوا سعدا فى مبايعتهم لاهل السقيفه، مكابره لمنافسيهم الاوسيين الذين سبقوهم الى بيعه الشيخين تحسبا من ان يقدم من بايعه الاوس، اوسا، فيتاخر بذلك نصيب الخزرج من الحظوه عند الخليفه الجديد، ويحوز الاوس فضل السبق للبيعه عند ذاك.

وهكذا اركست الفتنه احياء المدينه، وندم الانصار على فعلتهم، وتراجع اشرافهم، واعتذروا، ولات حين مناص، حتى قالوا لو ان عليا سبق ابا بكر البيعه ما عدلنا به احد، فقد روى ابن قتيبه ما نصه: (قال على كرم اللّه وجهه: اللّه اللّه يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد فى العرب عن داره وقعر بيته، الى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا اهله عن مقامه فى الناس وحقه، فواللّه يا معشر المهاجرين، لنحن احق الناس به، لانا اهل البيت، ونحن احق بهذا الامر منكم ما كان فينا القارى لكتاب اللّه، الفقيه فى دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المضطلع امر الرعيه، المدافع عنهم الامور السيئه، القاسم بينهم بالسويه، واللّه انه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل اللّه، فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الانصارى: لو كان هذا الكلام سمعته الانصار منك يا على قبل بيعتها لابى بكر، ما اختلف عليك اثنان. قال: وخرج على كرم اللّه وجهه يحمل فاطمه بنت رسول اللّه(ص) على دابه ليلا فى مجالس الانصار تسالهم النصره، فكانوا يقولون: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو ان زوجك وابن عمك سبق الينا قبل ابى بكر ما عدلنا به، فيقول على كرم اللّه وجهه افكنت ادع رسول اللّه(ص) فى بيته لم ادفنه، واخرج انازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمه: ما صنع ابو الحسن الا ما كان ينبغى له، ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم وطالبهم). وهل فى قول بشير بن سعد هذا مندوحه من التخلف عن نصره على بن ابى طالب؟ اوليس بشير وقومه سمعوا من رسول اللّه(ص) مثل هذا الكلام، واكثر من هذا الكلام؟ وهل الكياسه فى الامور الا التروى فى معرفه عواقبها؟ ام هى نزوه رمت بالرشيد منهم، وعصفت بالحليم فيهم، فهل بعد ذلك اعتذار؟

× × × ولا تذهبن بك المذاهب، من ان الانصار اهل ثناء ودعاء من قبل رسول اللّه(ص)، حتى احب ان يكون رجلا منهم، وانه سالك ما سلكته الانصار، افليس هو امضاء لفعله الانصار من اعطاء البيعه لاهل السقيفه من شيوخ المهاجرين؟ لكن الحق الذى نقوله، ان رسول اللّه(ص) ما دعا الا لمن اتبع سنته من الانصار، وما اثنى الا على من سلك منهجه واهتدى بهداه، فاللوم على اشرافهم اهل الحول والطول، وليس على المستضعفين من سبيل، والا فما الذى يفعله من لا حول له ولا قوه؟ الا ان يخضع الى اهل الكلمه من ساداته، واهل الجوله من اشرافه، والمدينه يومئذ تموج باشراف المهاجرين والانصار، وهم من قد عرفت اهل عدد وعده، وليس على اتباعهم ومواليهم المستضعفين الا الاستماع لما قاله هذا وما امضاه ذاك، واى تحرك خلاف ذلك سينفع من لا قدره له على مواجهه الاحداث العارمه، والاهوال العاصفه، بكل وجود ليس خليقا ان يغير على السادات من ذوى القرار، وما خطر هذا وذاك مقابل ما تخاصم به الاشراف من الانصار مع الاشراف من المهاجرين؟ ثم تصالحوا عليه بعد حين وكان شيئا لم يكن، فلا تهديد الانصارى اربك المهاجرين، ولا المهاجرون تحسبوا لما عزم عليه الانصار وعقدوا عليه السنتهم دون قلوبهم. لكنا لا نريد ان نعذر احدا من الانصار فى فعلتهم هذه، لا اهل الحول والطول من كبرائهم، ولا المستضعفين من رجالهم، فان المسلمين جميعا - ومنهم الانصار - بايعوا رسول اللّه(ص) على ان لا ينازعوا الامر اهله، بل بايعوه على الموت ايضا، وهو ما رواه عباده بن الصامت، قال (بايعنا رسول اللّه(ص) على السمع والطاعه فى المنشط والمكره، وان لا ننازع الامر اهله، وان نقوم او نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف فى اللّه لومه لائم). وعن يزيد قال (قلت لسلمه: على اى شىء بايعتم النبى(ص) يوم الحديبيه؟ قال على الموت). فهل وفى البعض حقا ما بايع عليه رسول اللّه(ص)؟ ام ماذا؟؟

× × × هذا ما كان من حال الانصار مع الانصار، والمهاجرين مع المهاجرين، وهذا ما دار بين الانصار والمهاجرين فى مساجلات من الكلام، ومجاذبات من التقريع والتوبيخ، وجمل من الكلام، كل يلوم بها صاحبه، وينحو باللائمه على غيره، ولم تستقر الامور حتى افرزت كتله الخزرج سعدا، والمهاجرين المكيين حزب السقيفه، وقد انثنى لها بعض الانصار من الاوس، ثم التحق فى ركابهم خزرج الانصار منافسه منهم للاوسيين من المدنيين كما قدمنا، وبنو اميه لم يكونوا قد قنعوا بما ارتضاه الشيخان، فراوا ان عثمان احق بالامر من غيره، فتكتلوا متربصين حتى حين، وكابر بنو زهره بشيخيهما، سعد بن ابى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وكونهما اهل الخلافه والرئاسه، فما الذى قدم غيرهما عليهما؟ ابسابقه فى دين اللّه، وقد سبق سعد عمر الى الاسلام، ام بفضل وقد تساوى الجميع بانهم اصحاب رسول اللّه؟ ومثل هذه الاعتراضات لم تنقطع، ومثل هذه الكتل لم تعقم، فاعتراض تلو اعتراض، وكتله تولد كتله، وقد وصف لنا توفيق ابو علم فى كتابه اهل البيت الحاله الضاجه بالتحزب لفكره دون اخرى، والتكتل لقبيله دون غيرها فقال:

ان الناس انقسموا بعد وفاه الرسول الى عده احزاب: حزب سعد بن عباده رئيس الخزرج، حزب الشيخين وهم جل لمهاجرين، حزب على وهم بنو هاشم ومعهم قليل من المهاجرين منهم الزبير وكثير من الانصار، ويقول الطبرى: ان اكثرهم ارادوا البيعه لعلى، ونضيف الى هذه الاحزاب الثلاثه حزب عثمان من بنى اميه وحزب سعد بن ابى وقاص وعبد الرحمن بن عوف من بنى زهره. هذه الحاله العامه، كانت ساعه اعلان السقيفه عن خليفتها، وهذا غايه ما استطاع بعض المعترضين ان ينجزوه، وهذا اقصى ما استطاعت ان تقدمه السقيفه للخطب الجلل، الذى حل بين ظهرانيهم عند وفاه رسول اللّه(ص) فالانصار بقدهم وقديدهم كانوا فى حيص وبيص، اقاموا الدنيا ولم يقعدوها، حتى استقر امرهم ان نافس بعضهم بعضا، واتهم بعضهم بعضا، بان كل فريق يريد ان يحوز الاماره لنفسه، فتباغضوا وتحاسدوا وتواعدوا حتى اخرجوها عن ايديهم الى غيرهم من المهاجرين، بعد اعتراض الفريقين انهم اولى بالامر من المهاجرين، وكانوا قبل ذلك يقولون ان الامر فى على دون سواه، وبنو اميه راوا ان الامر ان اخرجوه من تيم وعدى، استقر فى بنى هاشم الطالبيين، وكانوا قد ورثوا العداء والمنافسه لهاشم وبنيه من ذى قبل، فكل اموى قد ورث من ابيه العداء لكل هاشمى تقليدا، وحاز الهاشمى صفه الترفع عن هكذا تقليد، وراى ان اللّه قد رفعه بالاسلام ونبيه، كما ان الاموى قنع ان اللّه قد ارغم انفه بالاسلام ونبيه، فقد جاهد ابو سفيان الاسلام طمعا منه فى الجاه، كما هو يدخله اليوم طمعا فى الجاه، واذا كان الامر كذلك، فلتكن الاماره فى غير الهاشميين من قريش، ولتستقر اينما كانت وكيفما تكون، عند قريش الاباعد من تيمها وعديها، او لدى غيرهم من المهاجرين.وكيف لا وهم يعلمون انها ستكون فى على ان هم قبضوا ايديهم عن بيعه الشيخين، وعلى هو قاتل ساداتهم الاولين، ومفرق جماعاتهم يوم بدر واحد والاحزاب؟... اذن فالامويون عاجلوا الهاشميين فى اخراج البيعه عن حوزتهم، واقروها لاخى تيم تنكيلا منهم بعمرو العلا، يوم فاخر اميه على اطعام اهل مكه فغلبه عمرو واخرجه صاغرا من مكه الى بواديها. ولم يكن الزهريون باحسن حالا من الامويين، فهم حينما راوا انهم لا يقوون على منافسه الشيخيين، وان غيرهم ابعد منهم عن الخلافه والامامه يوم ذاك، ولم يكن سوى على اميرا ان هم زووها عن اهليهم المهاجرين، (فان اكثرهم ارادوا البيعه لعلى) كما هو صريح الطبرى، فليعطوا البيعه عن يد وهم صاغرون، اهون عليهم من على وآل على، فان عليا وقد اخشوشن فى ذات اللّه، وطلق الدنيا ثلاثا، لا يهون عليه ان يرى القوم وقد جعلوا الدين مطيتهم، يدورون به ما دارت به معائشهم، فعرفوه منذ نعومه اظفاره وقد صحب النبى(ص)، انه لا يهادن فى دين، ولا يداهن فى حق، ولا يساوم على شىء من حطام الدنيا، فكيف بهم، وهم اصحاب جاه ومال؟ وكيف يسوسون غيرهم بجاههم او مالهم، وعلى متربص لكل صغيره او كبيره، فلن يترك المسىء، حتى ياخذ الحق منه وان كان عزيزا، ولن يترك الضعيف، حتى ياخذ الحق له وان كان حقيرا، فالعزه والذله فى دين على هما تقوى اللّه، والمنعه والغلبه فى مفهوم على، هو عدل اللّه، فلا بديل للتقوى وان قصر عنها عزير قوم، ولا محيص عن الحق وان كان مع ضعيف، وكل هذا قد فهمه هولاء النفر، واستقر فى اذهانهم، ان عليا سيثقل عليهم ان هم بايعوه، ويستبعدون عما تاقت اليه نفوسهم ان هم ولوه، وسيكون احدهم كاحد اضعفهم، الا ما قسم اللّه له من المال والجاه، وسيكون ذلك فى كتاب موقوتا لا ياتيه الباطل من بين يديه، هذا شرع على وهذا منهجه، فهل تبقى حاجه للسوال ب(لم زويت الخلافه عن على وحمل الاخرون على رقاب المسلمين)؟ هذا ما اردناه تمهيدا لمعرفه ما نشات فيه بعض مدارس الخلافه من ظروف، وما افرزته هذه الظروف من افكار، وما سنحت لهذه الافكار من خواطر، لتلد هذه الخاطره فلسفه، وتلك الفلسفه قضيه، وهذه القضيه نظام حكم، سيكون فيما بعد خلافه اسلاميه، تلقى فى روع الاخرين واذهانهم، انها خلافه رسول اللّه(ص).

قراءه فى مبتنيات الاجماع

لحظات وداع.. ام تداعيات مواقف..؟

وبعد هذا العرض الموجز لاحداث يوم الاثنين، يوم فارق رسول اللّه - بابى هو وامى - الدنيا وطار خبره فى آفاق المدينه واركان الحجاز، وودع اصحابه، والكلمات تتزاحم على شفتيه الحبيبتين، ان: اللهم انى قد بلغت.. والالام تعتلج قلبه الشريف، بعد ان راى وسمع مالا ينبغى لنبى ان يسمعه من قومه، وقد هداهم اللّه به، وانقذهم من ارجاس الكفر والوثنيه، الى طهاره عباده الواحد القهار. فبينا هو يوصيهم بما فيه خير دينهم وصلاح دنياهم، يتنازعون فى حضرته فيوبخ بعضهم بعضا، ويتدافعون فيلوم بعضهم بعضا، ويلتحمون، بعضهم فى منكر من القول، وبعضهم يردعه، فهذا يقول: رسول اللّه يهجر حسبنا كتاب اللّه، وذاك يقول: ويلكم كيف يهجر والنبى لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحى يوحى، انسيتم كتاب اللّه، فكيف يهجر؟ وآخر يقول، ما الذى قاله رسول اللّه(ص) غير انه اراد ان يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا؟! وتصاعد اللغط وكثر الضجيج، ولا ينبغى ان يكون ذلك عند نبى، فنهرهم، واخرجهم الى حيث يختار كل طريقه، اذ قد سبقت منه اليهم الوصيه التى اراد: (انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا ابدا: كتاب اللّه، وعزتى اهل بيتى). وفارق النبى الدنيا، ففارق قوم وصيته كفراقهم مجلسه، لعله راوها او تعلل.. وخرج القوم من السقيفه بمبايعه احد الشيخين، فضج الناس بين مويد مبايع، وبين منعزل مستنكر، وكانت لاعتراضات هولاء، واستنكار اولئك، ان برزت فلسفه التبرير عما اقدم عليه اهل السقيفه، فقالوا بعد الاحتجاج عليهم: انه اجماع الامه، حيث اجمعت الامه على احدها، والامه لا تجتمع الا على خير، ومن ذلك تبلورت فكره الاجماع، ونشات الى مدرسه، لها منظروها، ومويدوها، على مر العصور، كما لها محاججوها، ومعارضوها، على طول الازمان والدهور.. فما هى مدرسه الاجماع اذن؟

مدرسه الاجماع.. او اصحاب اهل الحل والعقد..

نشات مدرسه الاجماع، يوم وفاه الرسول(ص) على مستوى التشكيل والتنظيم فقط، وتاخرت عن مستوى التنظير، قياسا بالتشكيلات المبرمجه ذات الفلسفات المدخره الى حين، وهذا ما يدعم القول، بانها كانت مرتجله الى حدما، وان كانت مبيته تحركا وتنظيما، حيث تربص اصحابها لتطويق ايه محاوله والالتفاف على كل قرار قد تسالم عليه المسلمون قبلا فى انهم لن يتعدوا على بن ابى طالب، الذى اوصى به رسول اللّه(ص)، فى نصوص صريحه جليه. لنا على ذلك ادله وشواهد، تثبت انها لم تصل الى حد التنظير عند نشوئها، وذلك للاضطراب الذى عاناه اصحابها حين تلقى الاستنكار ابتداء، فمثلا حينما واجه على بن ابى طالب ابا بكر، يوم اعلن عن نفسه خليفه بقوله - كما مر سابقا - (افسدت علينا امورنا ولم تستشر ولم ترع حقا، قال ابو بكر: بلى، ولكنى خشيت الفتنه..)، ولم يكن جواب ابى بكر منسجما مع ما اعلنته مدرسته لاحقا، من ان الامه اجمعت على البيعه، وتشاور اهل الحل والعقد، وكان على ابى بكر، ان يجيب كل من استوضحه، او استنكر عليه، ان الامه اجمعت على ذلك ولا يحق لاحد ان يعترض على ما اجمعت عليه. لكن ابا بكر، اجاب عليا بانى خشيت الفتنه، ولم يكن جوابه مقنعا لعلى، كما لم يكن جوابه مقنعا لنفسه كذلك، والا ما الذى جعل ابو بكر يتلكا فى قوله، ولم يجب بما احتجت به مدرسته فيما بعد، وهو اجماع الامه، وآراء اهل حلها وعقدها، وعدم القناعه فى الاجابه - كما يظهر - تنطوى فى سببين:

اولا: ان ابا بكر، كان على قناعه، من ان خوف الفتنه الذى احتج به لم يكن هو توجسه الوحيد، فالصحابه ايضا يشاركونه شعور الوجل من المستقبل، فلماذا يحرص هو دون غيره، على تحسبات المستقبل، التى لم تحدث الا على مستوى الهواجس والاحتمالات؟ ثانيا: ان الفتنه، اذا كانت تموج بالمسلمين وقت ذاك، وقد حرص الخليفه على اطفائها، فلماذا عمل فى الخفاء خلف جدران السقيفه، وقد ادار ظهره عن صحابه رسول اللّه(ص)، ليشاركه اربعه نفر من اهل رايه، دون مراعاه لمقام الاخرين من الصحابه، كعلى من بنى هاشم، وعثمان من بنى اميه، وسعد وعبد الرحمن من بنى زهره، بل لم يراع حقوق اخوانه من الانصار، كسعد بن عباده الخزرجى، الذى انعزل عن البيعه مغاضبا، واسيد بن حضير الاوسى، الذى دفعه تعصبه ضد الخزرج لمبايعه ابى بكر، حتى يبعدها عن شيخهم سعد، فكانت مبايعته مكابره للخزرجيين، فايه فتنه اطفئت عند ذاك، وكيف يتم اطفاء فتنه بفتن اخرى كما ترى الحال؟

مبتنيات مدرسه الاجماع..

تبلورت مدرسه الاجماع، الى نظريه حكم، وفلسفه سياسه، بعد ان مرت بمراحل تنظيريه، لم يكن قد هيا لها من ذى قبل، كما عرفت، بل حدت بها الظروف السياسيه، والتكتلات الثقافيه المغايره لها، ان تطرح نفسها على المستوى التنظيرى، لتجابه ما ازدحم عليها من اشكالات، عصفت بتشكيلاتها السياسيه، التى تزعمها خلفاء امويون وعباسيون، وقد قاد هذه الاحتجاجات الدينيه، والتشكيكات السياسيه، معارضه علويه صرفه، كمدرسه النص، او حركات ثوريه، تحمل لافتات علويه، على اقل تقدير. احتجت مدرسه الاجماع فيما بعد، بان الامه اجمعت بعد وفاه النبى(ص) على ابى بكر، ورضى اهل الحل والعقد بهكذا اجماع، وائتلفت الكلمه على تنصيبه خليفه بعد رسول اللّه(ص)، وتوحدت الامه على ذلك. قال التفتازانى فى شرح المقاصد: الامامه تثبت عند اكثر الفرق باختيار اهل الحل والعقد وان قلوا، للاجماع على امامه ابى بكر من غير نص ولا توقف الى اتفاق الكل.

 ما هو الاجماع اذن..؟

الاجماع فى كلام العرب على معنين: احدهما العزم على الشىء، من قولك (اجمعت على فعل كذا وكذا) اذا عزمت على تنفيذه وامضائه. والثانى، عباره عن الاجماع على القول والفعل المجتمع عليه. وذلك ماخوذ من اجتماع الشىء وانضمام بعضه الى بعض، فاذا قلت (اجمعت الامه على الحكم) فانه يحتمل الامرين جميعا، احدهما انها عزمت على انفاذه، والثانى انها اجتمعت على القول به وتصويبه. وقال ابن حزم فى المحلى ما نصه:

مساله: والاجماع، هو ما يتقن ان جميع اصحاب رسول اللّه(ص) عرفوه وقالوا به، ولم يختلف منهم احد، كتيقننا انهم كلهم صلوا معه(ع) الصلوات الخمس، كما هى فى عدد ركوعها وسجودها، او علموا انه صلاها مع الناس كذلك، وانهم كلهم صاموا معه، او علموا انه صام مع الناس، رمضان فى الحضر، وكذلك سائر الشرائع التى تيقنت مثل هذا اليقين، والتى لم يقربها لم يكن من المومنين، وهذا ما لا يختلف احد فى انه اجماع، وهم كانوا حينئذ جميع المومنين، لا مومن فى الارض غيرهم، ومن ادعى انه غير هذا هو اجماع كلف البرهان على ما يدعى، ولا سبيل اليه. ثم قال فى مساله اخرى: والاجماع، انما هو اجماع جميع المومنين، لا اجماع بعضهم، ولو جاز ان يسمى اجماعا ما خرج عن الجمله واحدا، لا يعرف ايوافق سائرهم، ام يخالفهم ... الى آخر كلامه. فالاجماع على هذا القول، هو ما اجمعت عليه الامه قولا وفعلا، وتظافرت عليه آراوها، واتفقت فيه كلمتها، وكل ما كان خلافه، فهو ليس باجماع، فالمخالفه اذن، خرق للاجماع، ويسقط عندها عن الحجيه مطلقا. والسوال الذى يمكن طرحه الان: هل انعقد الاجماع يوم السقيفه، على مستوى الخاصه فى داخل السقيفه، وعلى مستوى العامه خارجها؟ وللاجابه عن هذاالسوال لابدمن استيضاح مقدمتين تقودنا اولاهما الى الثانيه:

الاولى: اتفاق جميع المسلمين، على ما اتفق عليه اهل السقيفه:

فهل تحقق مثل هذا الاتفاق؟ ولعل الاجابه على هذا السوال غير متعسره، اذا ما استقرءنا الحاله العامه للامه آنذاك، فقد قدمنا ان المسلمين تكتلوا الى عصب واحزاب، فمنهم من بايع، ومنهم استنكر، ومنهم من انعزل يتربص الامور الى حين. فعثمان انفرد ببنى ابيه معتزلا، وسعد بن ابى وقاص وعبد الرحمن مستنكرين، وابو سفيان مهددا متوعدا، وسعد بن عباده قد عرفت حاله، لم يبايع حتى استبعد الى حران لكيلا يفسد عليهم امرا، وقتل هناك، حتى قالوا ان الجن قتلت سعدا، وقد سمعت ما حدى بالاوسيين للمبايعه، بعد ان غلبت عليهم شقوه المنافسه بينهم وبين خزرج المدنيين، فضلا عن بنى هاشم، وقد صرح سيدهم على بان المهاجرين لم يستشيروه، فاعترف له بذلك ابو بكر، واستنكر على الانصار مناصرتهم لعصبيتهم، يوم تدافعوا على البيعه عنادا لاخوانهم آل سعد الخزرجيين، وقد قدمنا ذلك فى مدخل البحث. اذن، والحاله هذه لم ينعقد اجماع صحيح، كما اصطلح عليه فقهاء اهل الاجماع. ولعل هذا الاشكال يتصدى للاجابه عليه الحافظ البيهقى، فى كتابه (الاعتقاد على مذهب السلف)، اذ قال (لما قبض رسول اللّه(ص) قالت الانصار منا امير ومنكم امير، قال: فاتاهم عمر فقال: يا معشر الانصار الستم تعلمون ان رسول اللّه(ص) امر ابابكر ان يصلى بالناس؟ قالوا بلى، قال: فايكم تطيب نفسه ان يتقدم ابا بكر؟ قالوا: نعوذ باللّه ان نتقدم ابا بكر). وهذا يعنى ان الاجماع قياسى محض، ذلك ان الخليفه الثانى، قاس الاجماع يوم السقيفه على صلاه ابى بكر، يوم كان النبى(ص) مريضا، وهو كما ترى قياس عليل، بل لم يوافق حتى قول اهل القياس انفسهم، حيث ان امامه ابى بكر للمسلمين، بعد رسول اللّه(ص)، قيست على امامته فى الصلاه. واذا صححنا خلافه من صحت امامته فى الصلاه، فسيترتب على ذلك، مايلى:

1 - صحه خلافه العبد.

2 - صحه خلافه ولد الزنا.

3 - صحه خلافه الاعرابى، وهو ممن سكن الباديه.

4 - صحه خلافه الغلام، الذى لم يحتلم. وذلك، لصحه من ذكرنا امامته فى صلاه الجماعه، حيث اجاز فقهاء اهل الاجماع، صحه ذلك، واليك ما رواه البخارى فى صحيحه قال:

باب امامه العبد والمولى: وكانت عائشه يومها عبدها ذكوان من المصحف، وولد البغى والاعرابى، والغلام الذى لم يحتلم، لقول النبى(ص) يومهم اقروهم لكتاب اللّه. قال ابن حجر العسقلانى فى شرحه على صحيح البخارى:

ان عائشه كان يومها غلامها ذكوان فى المصحف، ووصله الشافعى وعبد الرزاق من طرق اخرى عن ابن ابى مليكه انه كان ياتى عائشه، باعلى الوادى، هو وابوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمه وناس كثير، فيومهم ابو عمرو مولى عائشه، وهو يومئذ غلام لم يعتق، وابو عمرو المذكور هو ذكوان، والى صحه امامه العبد ذهب الجمهور قال ابن حجر: قوله (وولد البغى) بفتح الموحده وكسر المعجمه والتشديد اى الزانيه .. والى صحه امامه ولد الزنا ذهب الجمهور ايضا. قال ابن حجر: قوله (والاعرابى) بفتح الهمزه اى ساكن الباديه، والى صحه امامته ذهب الجمهور ايضا. قال ابن حجر: قوله (والغلام الذى لم يحتلم) ظاهره انه المراهق.. قال: واحتج ابن حزم على عدم الصحه بانه(ص) امر ان يومهم اقروهم قال: فعلى هذا انما يوم من يتوجه اليه الامر، والصبى ليس بمامور لان القلم رفع عنه فلا يوم، كذا قال: ولا يخفى فساده لانا نقول: المامور من يتوجه اليه الامر من البالغين بانهم يقدمون من اتصف بكونه اكثر قرآنا فبطل ما احتج به، والى صحه امامه الصبى ذهب ايضا الحسن البصرى والشافعى واسحق، وكرهها مالك والثورى.. الى آخر كلامه. وعلى هذا فلا مانع، من كون العبد، وولد الزنا، والاعرابى، والغلام الذى لم يبلغ الحلم، ان يكون خليفه المسلمين! وهذا مالم يقل به احد حتى من اصحاب هذا القياس. اذن فلابد من سقوط قول من قاس الامامه الكبرى للمسلمين على الامامه الصغرى فى الصلاه، او الرضا، بان يكون خليفه المسلمين غلاما لم يبلغ الحلم، وهو عبد كذلك، وولد زنا، واعرابى من اهل الباديه، فاى مسلم يرضى بذلك؟ والى هذا، تفطن ابن حزم الاندلسى، فى كتابه (ابطال القياس) فقال: