وهذا البيان تام لولا ان يستظهر من دليل مبطلية وقوع
المنافي ولو سهوا اثناء الصلاة ارادة اثناء ما هو صلاة العامد
العالم، اي‏ماهي الوظيفة الاولية، فانه حينئذ يكون مقتضى
اطلاقها البطلان، وهو اما مقدم على القاعدة لو فرض نظره
اليها او اخصيته‏منها او معارض معها بنحو العموم من وجه،
فيرجع بعد ذلك الى مقتضى القاعدة، وهو يقتضي الاعادة، الا
ان هذا الاستظهارلا وجه له بعد وضوح اختلاف الوظيفة في
الصلاة باختلاف الحالات، كما انه لا موضوع له في المنافي
الثابت بالادلة اللبية‏كالفعل الكثير الماحي لصورة الصلاة ونحو
ذلك، فما افاده الاستاذ تام صناعيا.
النقطة السابعة:
قد يقال بالتعارض بين عقد المستثنى في القاعدة وبين اطلاق
حديث رفع النسيان لنسيان احد الاركان بناء على انه رفع
واقعي لاظاهري كما هو المشهور وتطبيق ذلك على
الجزئية والشرطية، واثبات صحة الناقص بادلة سائر الاجزاء
والشرائط، لكون‏الحديث بمثابة الاستثناء لادلة الاجزاء
والشرائط، والتعارض بنحو العموم من وجه، لعدم شمول حديث
الرفع لصورة الاخلال‏العمدي بالركن بخلاف اطلاق المستثنى
في القاعدة.
وفيه:
اولا: ماتقدم في الاصول من عدم صحة تطبيق حديث الرفع
بلحاظ الاحكام الوضعية من الجزئية او الشرطية، وقد اشرنا
الى‏ذلك في المقدمة.
وثانيا: لو فرض صحة التطبيق المذكور فانما يصح فيما اذا كان
النسيان مستوعبا، والا لم يكن الواجب او الجزء منسيا،
لانه‏عبارة عن جامع الفعل في الوقت لا في خصوص زمن
النسيان، فلا يصح التمسك بحديث الرفع لرفع الجزئية او
الشرطية لمن‏لايكون نسيانه مستوعبا. كما لايصح التمسك به
لرفع الامر والتكليف بالاكثر ايضا بناء على ماهو الصحيح من
كونه رفعاللتنجز لا للفعلية.
وثالثا: القاعدة اخص مطلقا من حديث الرفع، اما لاختصاصها
في نفسها بغير العمد كما ذكرنا وجهه في الابحاث السابقة،
اولعدم امكان تخصيصها بصورة العمد، بخلاف حديث الرفع
فانه يمكن تخصيصه بغير الاركان من سائر الواجبات
المشكوكة،بل سائر التكاليف.
ودعوى: ان ما لا يمكن تخصيصه بصورة العمد انما هو عقد
المستثنى منه اي «لاتعاد» دون عقد المستثنى اي الاعادة
من الخمسة.
مدفوعة: مضافا الى ان موضوع العقدين لابد وان يكون واحدا
ان هذا يوجب الغاء التفصيل في القاعدة بين الاركان
وغيرها،لان غيرها ايضا تعاد الصلاة من الاخلال بها عن عمد.

زراعة الاعضاء/1
القسم الاول

آية اللّه السيد محسن الخرازي 

زراعة الاعضاء او ما يسمى بالترقيع هي ان يؤخذ عضو من اعضاء
الانسان او الحيوان ثم يوصل ببدن آخر بنحو من الانحاءالرائجة.
ويقع الكلام فيه: من جهة انه هل يجوز للانسان ان ينقص شيئا
من اعضائه واعطاؤه للغير ام لا؟
اما ادلة المانعين:
فقد استدلوا للمنع بوجوه:
الوجه الاول: ان ذلك اضرار بالبدن، والاضرار حرام. فالبحث في
المقام يكون في جهتين:
الاولى: في الكبرى، والثانية: في الصغرى.
اما الجهة الاولى: فقد استدل لها بروايات وبعض اليات:
اما الروايات:
فمنها: موثقة زرارة المروية في الكافي: عن عدة من اصحابنا،
عن احمد ابن محمد بن خالد، عن ابيه، عن عبداللّه بن بكير،
عن‏زرارة، عن ابي جعفر(ع) قال: «ان سمرة بن جندب كان له
عذق في حائط لرجل من الانصار، وكان منزل الانصاري
بباب‏البستان، وكان يمر به الى نخلته ولا يستاذن، فكلمه
الانصاري ان يستاذن اذا جاء، فابى سمرة، فلما تابى جاء
الانصاري الى‏رسول اللّه(ص) فشكا اليه وخبره الخبر، فارسل
اليه رسول اللّه(ص) وخبره بقول الانصاري وما شكا، وقال: ان
اردت الدخول‏فاستاذن، فابى، فلما ابى ساومه حتى بلغ به من
الثمن ما شاء اللّه، فابى ان يبيع، فقال: لك بها عذق يمد لك في
الجنة، فابى ان‏يقبل، فقال رسول اللّه(ص) للانصاري: اذهب
فاقلعها وارم بها اليه، فانه لا ضرر ولا ضرار» ((24)).
بتقريب ان قوله: «فانه لا ضرر ولا ضرار» تعليل، وهو عام لا
يختص بالمورد، ومقتضاه هو نفي كل ضرر واسبابه.
بيان ذلك: ان الضرر اسم مصدر واسم جنس، والنفي متعلق
بالجنس، ومقتضاه هو نفي جنس الضرر، والضرر معلول
لعلل‏واسباب مختلفة، فنفي المعلول نفي لجميع انحاء علله،
سواء كانت العلة هي الاحكام الشرعية، فان العمل بها ربما
يكون‏موجباللضرر، او اطلاق السلطنة على المال والنفس، فانه
ربما يؤدي الى الضرر، او لزوم بعض المعاملات، او عدم جعل
حق‏الشفعة، وغير ذلك.
فاطلاق نفي المعلول يدل بدلالة الاقتضاء على نفي العلل،
فانشاء نفي الضرر شرعا من اساسه واصله وجذوره يدل
بدلالة‏الاقتضاء على ان الشارع سد جميع موجبات الضرر، سواء
كانت من ناحية الشارع واطلاق حكمه، او من ناحية عدم
جعل‏الحكم، او من ناحية غير الشارع، سواء كان نفسه او غيره.
ويرجع هذا النفي الى محكومية الاطلاقات والعمومات
الضررية، والى النهي عن ايراد الضرر على النفس وعلى الغير،
والى‏تدارك الضرر بجعل الخيار فيما اذا اوجب اللزوم الضرر.
وبالجملة: نفي الضرر تشريعا ينتج النفي والنهي والتدارك، بل
الحكم‏السلطاني فيما يحتاج نفي الضرر اليه.
وهذا اولى مما ذهب اليه الشيخ الاعظم(قدس سره) من ارادة
نفي الحكم من نفي الضرر، لان استعمال عنوان الضرر
وارادة‏الحكم منه يحتاج الى عناية، اذ الضرر غير عنوان المضر،
والمنفي هو الضرر لا المضر، اي الحكم.
كما ان ما ذكر اولى ايضا مما ذهب اليه صاحب الكفاية من ان
المراد هو نفي الحكم بنفي الموضوع الضرري،
كالوضوءالضرري، فانه خلاف الظاهر ايضا، لان الضرر عنوان غير
عنوان المضر والضار والضائر، فالمنفي هو نفس الضرر الذي
هوالنقص، لا المضر الذي هو المنقص، كالوضوء الضرري.
ثم ان المراد من «الضرار» هو المصدر، والمراد من كلمة «لا» فيه
اما النهي، فهو ظاهر في تحريم ايراد الضرر، سواء كان على‏الغير
او على نفسه، واما النفي، فهو ظاهر في نفي ايراد الضرر، فيدل
بدلالة الاقتضاء على نفي اسبابه. ولعل الثاني انسب‏بسياق نفي
الضرر.
ثم ان المراد من الضرار هو الاصرار على الضرر، كما يشهد له
تطبيق عنوان المضر على سمرة.
وكيف كان، فقوله: «فانه لا ضرر ولا ضرار» يدل بعمومه
واطلاقه على عدم جواز اضرار الانسان بنفسه، ولا فرق في
ذلك بين‏كون المراد من الضرر هو المختار، اي نفس الضرر
او الحكم، او الموضوع الضرري لنفي الحكم، فان اطلاق سلطنة
الانسان‏على نفسه من الاحكام، فنفي الحكم الضرري، او نفي
الحكم بلسان نفي الموضوع الضرري، يشمله ايضا.
نعم، ربما يدعى: «ان مفاد الفقرة الاولى انه لا يتوجه الى
المكلف في محيط الشرع ضرر، فهي ناظرة الى ورود الضرر
عليه من‏الخارج، ومنصرفة عن ورود الضرر على الانسان من
ناحية نفسه، فلازمها انه لا يصل الى الانسان ضرر في محيط
القانون،فلم يحمل عليه ما يضر به، ولم يجوز للغير ايراد الضرر
عليه، واما اضرار الانسان بنفسه فهو خارج ومنصرف عنه.
كماان‏ظاهر المصدر في الفقرة الثانية ايضا هو الاضرار بالغير
وايراد الضرر عليه، فلا يعم ايراد الشخص للضرر على
نفسه‏»((25)).
ويمكن الجواب عنه: بانه لا وجه للانصراف بعد اطلاق النفي،
وتخصيصه بالاحكام الشرعية لا شاهد له بعد عدم
اختصاص‏النفي بضرر خاص، فالضرر والاضرار منفيان، او منفي
ومنهي، من دون تقييد بالغير.
وايضا لا وقع لما قيل من ان وجه الانصراف هو ان الانسان
بطبيعته يدفع الضرر عن نفسه، فيختص نفي الضرر بنفي
التسبيب‏الى الضرر بجعل حكم شرعي يستوجب له ((26)).
لان الانسان كثيرا ما يقدم على ايراد الضرر على نفسه، فلا وجه
لدعوى الانصراف. هذا مضافا الى ان نفي الحكم الشرعي‏يشمل
باطلاقه نفي اطلاق سلطنة الانسان على نفسه، فانه ايضا من
الاحكام الشرعية.
فتحصل: ان عموم نفي الضرر والضرار كاف للحكم بحرمة
الاضرار بالنفس.
ومنها: ما رواه المشايخ الثلاثة بطرق مختلفة، من قبيل ما رواه
في الكافي: عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد بن
خالد،عن محمد بن اسلم، عن عبد الرحمان بن سالم، عن
مفضل بن عمر قال: قلت لابي عبد اللّه(ع): اخبرني جعلت
فداك! لم حرم اللّهتبارك وتعالى الخمر والميتة والدم ولحم
الخنزير؟ فقال: «ان اللّه سبحانه وتعالى لم يحرم ذلك على
عباده واحل لهم سواه‏رغبة‏منه فيما حرم عليهم، ولا زهدا فيما
احل لهم، ولكنه خلق الخلق وعلم عز وجل ما تقوم به ابدانهم
وما يصلحهم، فاحله لهم‏واباحه، تفضلا منه عليهم به تبارك
وتعالى لمصلحتهم، وعلم ما يضر[هم] فنهاهم عنه وحرمه
عليهم، ثم اباحه‏للمضطرواحل ه له في الوقت الذي لا يقوم
بدنه الا به، فامره ان ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك...».((27))
وطرق الرواية كلها مخدوشة، اما من جهة الارسال، او الجهالة،
او الضعف. وسند الكافي موثق الا من جهة محمد بن
اسلم‏ومفضل بن عمر، فان محمد بن اسلم غير موثق، والعجب
من صاحب الوسائل انه ذكر مكان محمد بن اسلم محمد بن
مسلم،ولم اره في نسخة الكافي، ومفضل بن عمر محل خلاف،
وان ذهب الى توثيقه الوحيد البهبهاني والسيد الخوئي
وملاعلي‏العلياري، ويؤيده ما حكي فيه من عدوله عن
الخطابية، وكونه من اصحاب الامام الكاظم(ع).
وكيف كان، فقوله: «وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه‏» يدل على
كبرى كلية هي انه تعالى نهى عباده عما يضرهم.
والظاهر من الرواية انه في مقام افادة وجه تحريم المحرمات
من دون تخصيصها بالماكولات والمشروبات، وعليه
فتطبيقهاعلى موارد الماكول والمشروب لا يوجب تخصيصها
بها، كما لا يخفى.
ومنها: ما رواه في العلل: حدثنا علي بن احمد، قال: حدثنا
محمد بن ابي عبد اللّه، عن محمد بن اسماعيل، عن علي بن
العباس،قال: حدثنا القاسم بن الربيع الصحاف، عن محمد بن
سنان: ان ابا الحسن علي بن موسى الرضا(ع) كتب اليه بما في
هذا الكتاب‏جواب كتابه اليه يساله عنه: «جاءني كتابك ... انا
وجدنا كل ما احل اللّه تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم،
ولهم اليه‏الحاجة التي لا يستغنون عنها، ووجدنا المحرم من
الاشياء لا حاجة بالعباد اليه، ووجدناه مفسدا داعيا الفناء
والهلاك... فكيف‏ان الدليل على انه لم يحل الا لما فيه من
المصلحة للابدان وحر م ما حرم لما فيه من الفساد؟!» ((28)).
والرواية ضعيفة من جهة جهالة بعض رواتها وضعفه، ولكنها
تدل على المدعى، اذ الظاهر منها ان وجه تحريم الاشياء
هوافسادها.
لا يقال: ظاهر الافساد هو ما ينتهي الى الهلاك وفساد البدن
فلا يعم ما دونه، كما تشهد له نسخة العلل حيث ضمت الى
الافسادقوله: «داعيا الفناء والهلاك‏»، فلا يشمل كل ضرر لم يبلغ
تلك المرتبة.
لانا نقول: قوله: «وجدناه مفسدا» في توجيه جميع المحرمات
يابى عن اختصاصه بالمهلكات والمفنيات، اذ ليس
جميع‏المحرمات كذلك، فيكون المراد من الافساد هو الاعم
من المهلكات، وعليه فقوله: «داعيا الفناء والهلاك‏» باعتبار
بعض‏المحرمات، او باعتبار العذاب الاخروي المقرر في كل
حرام، فلا تغفل.
ومنها: موثقة طلحة بن زيد المروية عن الكافي في البحار:
محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن محمد بن يحيى،
عن طلحة‏بن زيد، عن ابي عبد اللّه، عن ابيه (ع) قال: «قرات
في كتاب لعلي(ع) ان رسول اللّه كتب كتابا بين المهاجرين
والانصار ومن لحق‏بهم من اهل يثرب: ان كل غازية غزت بما
يعقب بعضها بعضا بالمعروف والقسط بين المسلمين، فانه لا
يجار حرمة الا باذن‏اهلها، وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم،
وحرمة الجار على الجار كحرمة امه وابيه...» ((29)).
بناء على ان قوله: «غير مضار» يراد منه المعنى المفعولي،
ويكون خبرا ثانيا لقوله: «الجار»، والمعنى ان الجار منزل
منزلة‏النفس، فهو لا يضار، اي لا يورد عليه ضرر كما لا يورد
على النفس ضرر، فالرواية تدل على عدم جواز ايراد الضرر
بالجار.ويستفاد منها ان حرمة ايراد الضرر على النفس امر واضح
مفروغ عنه حتى شبه حكم الجار بها.
وفيه: اولا: ان هنا احتمالات اخر، ومعها لا تكون الرواية ظاهرة
في ذلك. وفي البحار: «غير مضار» اما حال عن ((30))
المجيرعلى صيغة الفاعل، اي يجب ان يكون المجير غير مضار
ولا آثم في حق المجار، او من المجار فيحتمل بناء المفعول
ايضا، بل‏الاول يحتمل ذلك ((31)).
ولا يخفى عليك انه ان كان قوله: «غير مضار» حالا من المجار
واريد منه المعنى المفعولي، فانه يفيد ان الجار في حال عدم
ورودالضرر عليه يكون كالنفس، وهو متقارب في المعنى مع
كون «غير مضار» خبرا ثانيا للجار.
وهكذا يكون الامر ان كان حالا من المجير واريد منه المعنى
الفاعلي، لانه يفيد ان الجار كالنفس حال كون المجير غير
ضاراياه.
فالصور الثلاث المذكورة تدل على عدم جواز ايراد الضرر عليه،
لان الجار كالنفس او لصيرورته كالنفس.
واما اذا كان قوله: «غير مضار» حالا من الجار واريد منه المعنى
الفاعلي، فهو يفيد ان الجار كانفسكم تحفظ حقوقه ويكون
في‏امان حال كونه غير مضار لكم، والا فلا تشمله احكام الاجارة،
لتخلفه بالاضرار، وعليه فهو اجنبي عن المقام من حرمة
ايرادالضرر على النفس، بل هو متعرض لحدود الاستجارة
والاجارة.
وهكذا يكون الامر اذا كان قوله: «غير مضار» حالا من المجير
واريد منه المعنى المفعولي، فانه يفيد ان الجار كانفسكم حال
كون‏المجير لا يورد عليه الضرر من ناحية الجار.
لا يقال: ان الذي يقتضيه ظاهر الفاظ الحديث والتركيب
الكلامي هو ان قوله: «غير مضار» خبر ثان للجار ويراد منه
المعنى‏المفعولي، وبقية الاحتمالات خلاف ظاهر الكلام.
لانا نقول: لا نسلم ذلك بالنسبة الى بعض الاحتمالات،
كاحتمال كون قوله: «غير مضار» حالا من الجار مرادا منه
المعنى‏الفاعلي، فانه ايضا يساعده ظاهر التركيب الكلامي،
فيفيد ان الجار كانفسكم مادام لم يكن ضارا لكم، وعليه
فيحصل الاجمال،ولا يصح التمسك بالرواية للمقام.
وثانيا: ان الحديث كما في كتاب كلمات سديدة ظاهر في
التنبيه على امر اخلاقي واستفادة من غريزة فطرية. وغاية
مفاده انه‏كما ان الانسان لا يرضى بايراد الضرر على نفسه
فينبغي الا يرضى بايراده على جاره، من غير ان يكون فيه دلالة
على انه لورضي بايراده على نفسه لارتكب معصية، بل هو لما
كان في فطرته وجبلته انه لا يرضى بان يضر نفسه، فهكذا عليه
الا يرضى‏باضرار جاره ((32)).
ويمكن ان يقال: ان اهمية الحكم في طرف الجار لا تناسب
تعليله بامر اخلاقي يجوز تركه، بل تعليل الحكم بذلك يشهد
على‏ان‏حرمة ايراد الضرر على النفس امر واضح ومفروغ عنه.
وثالثا: ان ه لو سلم ان التركيب الكلامي ظاهر في كون «غير
مضار» خبرا للجار، فدلالة الحديث على حرمة ايراد الضرر
على‏النفس متفرعة على ان المراد نفس الانسان، واما اذا اريد
من النفس ما يفيد معنى «انفسكم‏»، فغاية ما تدل الرواية حينئذ
هوان‏الجار بمنزلة «انفسكم‏» فلا يورد عليه ضرر، اي ان ه كسائر
المسلمين، فكما لا يجوز ايراد الضرر عليهم كذلك لا يجوز
ايراده‏عليه، فلا يرتبط بالمقام الذي هو حرمة ايراد الضرر من
النفس على النفس.
ومنها: الروايات الدالة على ان كل ما اضر به الصوم فالافطار
واجب.
ففي الفقيه: قال الصادق(ع): «كل ما اضر به الصوم فالافطار له
واجب‏» ((33)).
وفي الكافي: عن احمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن
الحسين بن عثمان، عن سليمان بن عمرو، عن ابي عبداللّه(ع)
قال:«اشتكت ام سلمة رحمة اللّه عليها عينها في شهر
رمضان، فامرها رسول اللّه(ص) ان تفطر وقال: عشاء الليل
لعينيك ردي‏ء»((34)). وظاهر الامر هو الوجوب.
وفيه ايضا: عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد،
عن يونس، عن سماعة، قال: سالته [ اي الامام الصادق(ع) ]:ما
حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه
في السفر من كان مريضا او على سفر؟ قال: «هو مؤتمن
عليه‏مفوض اليه، فان وجد ضعفا فليفطر، وان وجد قوة
فليصمه، كان المرض ما كان‏» ((35)).
وما في تفسير العياشي: عن ابي بصير، قال: سالت ابا عبداللّه(ع)
عن حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما
يجب‏عليه في السفر في قوله: (ومن كان منكم مريضا او على
سفر)؟ قال: «هو مؤتمن عليه مفوض اليه، فان وجد ضعفا
فليفطر، وان‏وجد قوة فليصم، كان المريض على ما كان‏».((36))
وكذا ما في الدعائم: من قوله: «روينا عن جعفر بن محمد(ع)
انه قال: «حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه عدة من ايام
اخركما يجب عليه في السفر لقول اللّه عزوجل: (فمن كان
منكم مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر) ان يكون العليل لا
يستطيع ان‏يصوم، او يكون ان استطاع الصوم زاد في علته
وخاف منه على نفسه، وهو مؤتمن على ذلك ومفوض اليه فيه،
فان‏احس‏ضعفافليفطر، وان وجد قو ة على الصوم فليصم، كان
المريض [المرض خ] ما كان‏» ((37)).
لا مجال للمناقشة في سند هذه الروايات بعد الوثوق ببعضها،
فلا وجه للاكتفاء بذكر المرسلة في هذا المقام والاستشكال
عليها بكونها مرسلة.
وكيف كان، فربما يقال: ان الروايات المذكورة تدل على ايجاب
الافطار الذي يساوق حرمة الصيام في ما اذا كان
الصوم‏مضرابالمكلف، وهو كاف في اثبات ان الاضرار بالنفس
حرام، ولذا صار سببا لوجوب الافطار.
هذا، واورد عليه: بان بعض الروايات تدل على سر حرمة الصيام
على المرضى، وهو ان اللّه تعالى قد اهدى الى عباده
المرضى‏والمسافرين هدية الافطار بقوله: (ومن كان منكم
مريضا او على سفر فعدة من ايام اخر)، واكده بقوله: (يريد اللّه
بكم اليسر ولايريدبكم العسر ) ((38))، فاذا صام المريض فقد
رد هدية اللّه تعالى ردا عمليا، فكان صيامه معصية، لكونه ردا
لهدية اللّه وكان‏الافطار له واجبا. وعليه فليس ايجاب الافطار
للمريض اذا اضر به الصيام دليلا على حرمة ايراد الضرر بالنفس،
بل ايجابه‏كايجابه على المسافر بعينه.
والروايات الواردة بهذا المضمون متعددة، منها رواية يحيى بن
ابي العلاء، عن ابي عبداللّه(ع) قال: «الصائم في السفر في
شهررمضان كالمفطر فيه في الحضر ثم قال: ان رجلا اتى
النبي(ص) فقال: يا رسول اللّه، اصوم في شهر رمضان في
السفر؟فقال: لا. فقال: يا رسول اللّه، انه علي يسير، فقال رسول
اللّه(ص): ان اللّه عزوجل تصدق على مرضى امتي ومسافريها
بالافطارفي شهر رمضان، ايحب احدكم لو تصدق بصدقة ان ترد
عليه؟!» ((39)).
فالحاصل: ان ظاهر الية المباركة ان فرض المريض والمسافر
هو «عدة من ايام اخر»، وعليه فلا اقل من احتمال ان يكون
وجوب‏الافطار المذكور في مرسل الصدوق ناشئا عما تضمنته
الية المباركة لا عن حرمة الاضرار بالنفس، ومع هذا الاحتمال
لا يتم‏الاستدلال به ((40)).
ولا يخفى عليك ان تعليق وجوب الافطار على المرض المضر
على النفس في مقام التحديد كقوله: «فان وجد ضعفا
فليفطر»، اوقوله: «كل ما اضر به الصوم فالافطار له واجب‏»،
وغير ذلك يدل على ان سبب الوجوب هو الاضرار بالنفس،
وجعل السبب‏لوجوب الافطار هدية اللّه تعالى هو خلاف ظاهر
هذه الروايات. ولعل التعبير بالهدية في طول سببية الاضرار
بالنفس يعني:ان‏ايجاب الافطار من جهة سببية الاضرار
بالنفس هو من باب الهدية والامتنان على الام ة، كما ان ايجاب
الافطار من جهة سببية‏السفر وكونه صعبا غالبا هو من باب
الامتنان والهدية.
فاذا عرفت ان مقتضى ظواهر الروايات هو جعل السبب لوجوب
الافطار هو كون الصوم محظورا بنفسه، يعلم ان الاضراربالنفس
محرم. ولكنه بعد لا يخلو عن اشكال، فان مقتضى هذا
الاستدلال هو حرمة تحمل الحرج النوعي في السفر، وهو
كماترى.
ومنها: الادلة الواردة في انتقال فريضة الوضوء الى التيمم اذا
كان استعمال الماء مضرا ببدن المكلف، بدعوى ان ذلك
ليس‏الالكون استعمال الماء والحال هذه حراما تكليفيا.
ومن جملة تلك الادلة: صحيحة البزنط‏ي عن الرضا(ع) في
الرجل تصيبه الجنابة وبه قروح او جروح، او يكون يخاف على
نفسه‏من البرد؟ فقال: «لا يغتسل، ويتيمم‏» ((41)).
وقد اورد عليه في كتاب كلمات سديدة: بان الرواية لا تدل
على ازيد من انتقال الفرض معه الى التيمم، ولا ينبغي الريب
في‏ان‏منشا هذا الانتقال هو وجود المرض او الجرح والقرح او
الخوف على نفسه من البرد، وام ا ان استعمال الماء والحال
هذه آحرام تكليفي فلا دلالة فيها عليه.
نعم، تدل معتبرة محمد بن مسكين وغيره المروية في
الوسائل عن الكافي: عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي
عمير،عن محمد بن مسكين وغيره، عن ابي عبداللّه(ع)، قال:
قيل له: ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور، فغسلوه فمات،
فقال: «قتلوه!الا سالوا؟! الا يمموه؟! ان شفاء العي السؤال‏»
((42)) وغيرها على التوبيح الدال على المبغوضية، ولكنها
واردة فيما اذا انتهى‏استعمال الماء الى الموت، فلا تدل على
مبغوضية ما اذا انتهى الى ما دونه من اقسام الضرر، فلعله لو
كان ينتهي الى مجردضرر او طول برء مرض الجدري مثلا، لما
كان يوبخ عليه اصلا ((43)).
ويمكن ان يقال: ان الرواية تدل على المبغوضية فيما اذا كان
خائفا من الموت.
وكيف كان، فمما ذكر يظهر ما في كلام السيد(قدس سره) في
العروة حيث قال: «اذا تحمل الضرر وتوضا او اغتسل... فان
كان‏الضرر في استعمال الماء في الوضوء او الغسل بطل‏»
((44))، لما عرفت من عدم تمامية الادلة لاثبات الحرمة
التكليفية.
واما الاستدلال بقاعدة لا ضرر الدالة على حرمة الاضرار ولو
بالنفس، فهو وان تم ولا يرد عليه ما في التنقيح من: «ان
المحرم‏في قاعدة لا ضرر انما هو الاضرار بالغير، واما الاضرار
بالنفس فلم يقم على حرمته دليل، فلا مانع من اكل الطعام
الذي يوجب‏المرض يوما او يومين او اكثر، اللهم الا ان يكون
الاضرار بالنفس مما نقطع بعدم رضا الشارع به كقتل النفس او
قطع الاعضاءاو نحوهما» ((45))، لما تقدم من ان قاعدة لا ضرر
تعم الاضرار بالنفس ولكن الكلام في المقام في غير القاعدة
من الادلة.
ومنها: الادلة الدالة على عدم وجوب الحج وعدم حصول
الاستطاعة اذا استلزم السير الى الحج مرضا او ضررا بدنيا،
حيث‏يقال: ان حرمة الضرر هي التي اوجبت انتفاء الوجوب
وعدم حصول الاستطاعة، فانه لو جاز له تحمله لكان مستطيعا
ولوجب‏عليه الحج.
ومن جملة تلك الروايات: صحيحة هشام بن الحكم التي رواها
في الوسائل عن توحيد الصدوق(قدس سره): عن ابيه،
عن‏علي‏بن ابراهيم بن هاشم، عن ابيه، عن محم د بن ابي
عمير، عن هشام بن الحكم، عن ابي عبداللّه(ع) في قوله
عزوجل: (وللّهعلى الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا)
((46)) ما يعني بذلك؟ قال: «من كان صحيحا في بدنه،
مخلى سربه ((47))، له زادوراحلة‏» ((48))، وغير ذلك.
واورد عليه في كتاب كلمات سديدة بقوله: «انه لا يبعد ان
يستفاد منها ان استلزام المسير لحصول ما يرفع
الصحة‏ايضامناف‏لشرط الاستطاعة، بمعنى انه كما ان انتفاء
الصحة ووجود المرض من اول الامر مانع صدق الاستطاعة،
فهكذااستلزام السير اليه له، وعليه فلا يجب الحج على من خلا
من الصحة بدءا ومالا ، الا انه انما هو لمكان اناطة صدق
عنوان‏المستطيع به. واما ان تحمل الضرر حرام فلا دلالة بل ولا
اشعار في هذه الادلة به‏» ((49)).
ومنها: الروايات الواردة الدالة على النهي عن اكل الطين،
بتقريب: انه لا وجه لحرمته الا لكونه مضرا بالبدن.
ومن جملتها:
1 ما ورد في الكافي: عن احمد، عن علي بن الحكم، عن
اسماعيل بن محمد، عن جده زياد بن ابي زياد، عن ابي
جعفر(ع) قال:«ان التمني عمل الوسوسة، واكثر مصائد
الشيطان اكل الطين، وهو يورث السقم في الجسم ويهيج الداء.
ومن اكل طينا فضعف‏عن قوته التي كانت قبل ان ياكله،
وضعف عن العمل الذي كان يعمله قبل ان ياكله، حوسب على
ما بين قوته وضعفه وعذب‏عليه‏» ((50)).
قال في مرآة العقول: قوله(ع): «ان التمني اي تمني الا مور
الباطلة من وسوسة الشيطان‏»، ويحتمل ان يكون اسم
شيطان،انتهى.
ودلالة الرواية على حرمة اكل الطين الموجب للسقم واضحة،
ولكن الرواية ضعيفة.
2 وفيه ايضا: عن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن
محبوب، عن ابراهيم بن حزم، عن طلحة بن زيد، عن ابي
عبداللّه(ع): «ان عليا(ع) قال: من انهمك في اكل الطين فقد
شرك في دم نفسه‏» ((51)). والانهماك كما عن النهاية :
التمادي في الشي‏ءواللجاج فيه ((52))، اي ادامة الاكل.
3 وفيه ايضا: عن احمد بن محمد، عن الحسن بن علي، عن
هشام بن سالم، عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: «ان اللّه عزوجل خلق
آدم‏من طين فحرم اكل الطين على ذريته‏» ((53)). والوجه
المذكور فيه للحرمة لا ينافي ان يكون الاضرار ايضا دخيلا في
ذلك، اللهم‏الاان يقال: لا يستفاد من مجموع الاخبار الا دخالة
المجموع، وهو غير نافع لاثبات مدخلية الاضرار استقلالا في
الحرمة.
4 وفيه ايضا: عن عدة من اصحابنا، عن سهل، عن ابن فضال،
عن ابن القداح، عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: «قيل
لاميرالمؤمنين(ع) في رجل ياكل الطين، فنهاه وقال: لا تاكله،
فان اكلته ومت كنت قد اعنت على نفسك‏» ((54)).
فان قوله(ع): «فان اكلته...» تفريع على اطلاق حرمة اكل
الطين، وليس بمقيد للاطلاق بصورة الاضرار والاعانة على
النفس. وان‏شئت فقل: ان الذيل حكمة الحكم لا علته.
5 وفيه ايضا: عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن النوفلي، عن
السكوني، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص): من
اكل‏الطين فمات فقد اعان على نفسه‏» ((55)). وغير ذلك من
الاخبار الدالة على حرمة اكل الطين.
وهذه الاخبار وان دلت على حرمة اكل الطين مطلقا، ولكن لا
تدل على ان الحرمة في جميع الموارد ناشئة عن حرمة
الاضرار،لان الاضرار حكمة الحكم لا علته، ولذا حرم اكل
الطين ولو القليل منه المقطوع بعدم اضراره.
هذا مضافا الى ان صحيحة هشام دالة على ان وجه حرمة اكل
الطين هو خلقة آدم من الطين، وكيف كان، فلا وجه
لدعوى‏ان‏حرمة اكل الطين ليست الا للاضرار، مع ما عرفت من
انه حكمة الحكم لا علته، وايضا مضافا الى كون قوله: «فان
اكلته‏ومت‏كنت قد اعنت على نفسك‏» حكمة الحكم لا وجه
لما يظهر من محكي الرياض من استفادة التعليل العام من هذه
الجملة.
نعم، يمكن ان يقال: ان هذه الجملة وغيرها تدل على ان
للاضرار مدخلية في الحكم وان لم تكن علة بل كانت حكمة،
ولكن حيث‏ان الحكمة كالعلة في التعميم لا التخصيص يمكن
التعدي والقول بحرمة كل ما يضر.
الا ان ه يشكل ذلك بان الحكمة مشتركة بين الاضرار وما
اشارت اليه صحيحة هشام.
ومنها: الروايات المستفيضة الدالة على انه ليس للمؤمن اذلال
نفسه.
ومن جملتها:
1 ما ورد في الكافي: عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن
محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، قال: قال ابو
عبداللّه(ع):«ان‏اللّه عز وجل فوض الى المؤمن اموره كلها، ولم
يفوض اليه ان يذل نفسه، اما تسمع لقول اللّه عزوجل: (وللّه
العزة ولرسوله‏ول‏لمؤمنين) ((56))؟!، فالمؤمن ينبغي ان يكون
عزيزا ولا يكون ذليلا، يعزه اللّه بالايمان والاسلام‏» ((57)).
2 وفيه ايضا: عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن عثمان بن
عيسى، عن عبداللّه بن مسكان، عن ابي بصير، عن ابي
عبداللّه(ع)قال: «ان اللّه تبارك وتعالى فوض الى المؤمن كل
شي‏ء الا اذلال نفسه‏» ((58)).
وغير ذلك من الاخبار الدالة على حرمة اذلال النفس، وهي
باطلاقها تشمل المقام، ولكن يمكن ان يقال: انها اخص من
المدعى، اذيمكن تقطيع بعض الاعضاء مع عدم لزوم الاذلال.
نعم، كل مورد يستلزم ذلك فهو محكوم بالحرمة من جهة
الاذلال.
ومنها: بعض اليات الكريمة، كقوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى
التهلكة) ((59))، بتقريب: ان اصل الهلاك كما في مجمع
البيان‏ هو الضياع، ومن المعلوم ان الاضرار بالنفس لما كان
سببا لتفويت كمال امر وجودي فهو تضييع لذلك الامر
الوجودي. هذامضافا الى انه لو سلم ظهور «التهلكة‏» في الفناء
والموت فيمكن الغاء الخصوصية عن الهلاك ليشمل كل ضرر.
واورد عليه في كتاب كلمات سديدة: بان «الهلاك فعلا
ظاهر في الفناء، فالية ظاهرة في تحريم القاء النفس الى الفناء،
ولاتعم‏مطلق الضرر والغاء الخصوصية عرفا عن الهلاك والفناء
غير صحيح‏» ((60)).
ويمكن ان يقال: ان ملاحظة الروايات وتطبيق الية عند الصدر
الاول يشهدان على كون التهلكة اعم من الموت والفناء: منها:
1- ما ورد في الافراط في الانفاق، كخبر حماد اللحام عن ابي
عبد اللّه(ع) قال: «لو ان رجلا انفق ما في يديه في سبيل من
سبيل اللّهما كان احسن ولا وفق، اليس يقول اللّه تعالى: (ولا
تلقوا بايديكم الى التهلكة واحسنوا ان اللّه يحب المحسنين)
يعني المقتصدين آ؟!» ((61)).
اذ الظاهر من التهلكة العارضة من الافراط في الانفاق ليس هو
الموت والفناء، بل هو الابتلاء بضيق المعاش والحاجة الى
الناس‏وضياع المعيشة.
2- وما ورد في التعرض للسلطان الجائر، كخبر ثابت بن دينار
الثمالي عن علي بن الحسين(ع): «وحق السلطان ان تعلم
انك‏جعلت له فتنة، وانه مبتلى فيك بما جعله اللّه عزوجل له
عليك من السلطان، وان عليك الا تتعرض لسخطه، فتلقي
بيدك الى‏التهلكة وتكون شريكا له فيما ياتي اليك من سوء».((62))
ومن المعلوم ان التهلكة العائدة على الانسان من جهة التعرض
للسلطان اعم من الموت والفناء، اذ ربما تكون بمثل
التبعيدوالحبس والمصادرات ونحوها، ويؤيد ذلك ما في ذيله
من اطلاق السوء.
3- وما ورد في ترك الانفاقات في الجهاد، كخبر البخاري، عن
يزيد بن ابي حبيب، عن اسلم ابي عمران قال: غزونا
القسطنطينية‏وعلى الجماعة عبد الرحمان بن الوليد، والروم
ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال
الناس: مه‏مه((63))، لا اله الا اللّه، يلقي بيديه الى التهلكة!
فقال ابو ايوب: سبحان اللّه! انزلت هذه الية فينا معاشر الانصار،
لما نصر اللّه نبيه‏واظهر دينه قلنا: هلم نقيم في اموالنا
ونصلحها، فانزل اللّه عزوجل: (وانفقوا في سبيل اللّه)... الية،
والالقاء باليد الى التهلكة ان‏نقيم في اموالنا ونصلحها وندع
الجهاد» ((64)).
ومن المعلوم ان التهلكة العارضة من ترك المقابلة مع الكفار
والجهاد معهم لا تنحصر في الموت والفناء، بل ربما لا تكون
كذلك،بل هي سلطة الكفار على المسلمين، وهي ليست
بموت، ولكن هي تهلكة واشد من الموت.
4- وما ورد في الياس من رحمة اللّه تعالى، مثل ما روي عن
البراء بن عازب في هذه الية: ان الرجل يصيب الذنب فيلقي
بيديه‏ويقول: قد بالغت في المعاصي، ولا فائدة في التوبة،
فيياس من اللّه، فينهمك بعد ذلك في المعاصي. فالهلاك:
الياس من اللّه»((65)).
وغير ذلك من الموارد التي تدل على ان الصدر الاول والائمة
المعصومين(ع) لم يقتصر فهمهم للتهلكة على خصوص
الفناءوالموت ، وعليه فدعوى ظهورها في الموت والفناء مع
هذه التطبيقات كما ترى.
ولعله لذلك ذهب في الميزان الى التعميم حيث قال: التهلكة
والهلاك واحد، وهو مصير الانسان بحيث لا يدري اين هو الى
ان‏قال: والكلام مطلق اريد به النهي عن كل ما يوجب الهلاك
من افراط وتفريط، كما ان البخل والامساك عن انفاق المال
عند القتال‏يوجب بطلان القوة وذهاب القدرة وفيه هلاك العدة
بظهور العدو عليهم، وكما ان التبذير بانفاق جميع المال يوجب
الفقروالمسكنة المؤديين الى انحطاط الحياة وبطلان المروة.((66))
فالتمسك بالية الكريمة لحرمة الاضرار بالبدن لانه ضياع
للبدن لا باس به. اللهم الا ان يقال: كل ضرر واضرار للبدن
لايصدق عليه ضياع البدن، نعم، يصدق ذلك في الاجزاء
الرئيسية، فتدبر.
وكيف كان، فالية تشمل صورة المظنة والخوف للضياع
والفساد ايضا، لانه لو كان الممنوع هو صورة العلم لزم الوقوع
في‏التهلكة كثيرا ما، وعليه فالممنوع هو كل ما يؤدي الى
الهلاك ولو بالظن او الخوف.
ومنها: ان الفطرة تقتضي دفع الضرر المحتمل، الا ترى ان كل
حي يدافع عن نفسه عند ادراك الخطر؟! فليس ذلك الا لكون
ذلك‏جبليا وفطريا، فمع اقتضاء الفطرة ذلك كيف يجوز
الاضرار بالنفس؟!
وفيه: اولا: ان الفطرة ثابتة بالنسبة الى الضرر الوارد من الغير،
واما بالنسبة الى اضرار الشخص بنفسه فهو اول الكلام،فتامل.
وثانيا: ان مجرد كون شي‏ء مما تقتضيه الفطرة والجبلة لا يلازم
الحكم بحرمته، الا ترى ان الفطرة تدعو الانسان نحو الاكل
اوالنوم او غيرهما ومع ذلك لا تكون تلك الامور واجبة؟! كما
تدعو الانسان نحو ترك الزيادة في الاكل والشرب ومع ذلك
ليس‏مطلق الزيادة محرما؟!
وثالثا: ان هذه الفطرة ربما تكون معارضة بما تقتضيه الفطرة
في جهة اخرى، كفطرة حفظ الولد حيث دعت لاعطاء جزء
من‏بدنه له لحفظه او لراحته.
ومنها: حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل المهتم به،
ولذا كان وجوب التفحص والتحقيق في الدين مبتنيا عليه في
علم‏الكلام.
وهو كاف في عدم جواز الاضرار بالنفس شرعا، لان كل ما حكم
به العقل حكم به الشرع.
ومنها: الاجماع، كما ادعاه بعض الاصحاب كصاحب الرياض
على ما حكي عنه، بل يظهر من محكي جملة منهم ان
حرمة‏الضرر على النفس من المسلمات، كما تشهد له كلماتهم
في مسالة ان الاصل في الاشياء الحظر او الاباحة ((67))، وفي
مسالة‏البراءة والاحتياط في الشك في التكليف ((68))، وفي
مسالة حرمة تناول السموم القاتلة والاشياء الضارة ((69)).
واورد عليه في كتاب كلمات سديدة بان من المحتمل جدا، بل
لعله المظنون، ان مستندهم هو حكم العقل بلزوم التحرز
عن‏المضار، او الاخبار الماضية وغيرها مما رواه في المستدرك
عن الدعائم وغيره، فراجع. فلا يكشف اتفاق كلمتهم عن
مستندآخر غيرها، كما لا يمكن ان يكشف بنفسه عن راي
المعصوم(ع)، وقد عرفت الكلام عن قيمة هذه المستندات.((70))
وكيف كان، فالاجماع محتمل المدرك، اللهم الا ان يقال: ان
تسالم الاصحاب لا يضره وجود المدارك الاخرى ولو كانت
مورداللمناقشة، فافهم.
هذا مضافا الى تمامية بعض الادلة كقاعدة نفي الضرر مفادا
وسندا كما عرفت.
فتحصل: ان الكبرى ثابتة، فالاضرار بالنفس او الغير محرم فيما
اذا كان الضرر معتنى به عند العقلاء، لاسيما اذا اوجب
الضررضياعا وهلاكا او اذلالا، كما لا يخفى.
واما الجهة الثانية وهي الصغرى : فلا يخفى ان الضرر هو
التنقيص في البدن او المال او الحال، وهو صادق على
تنقيص‏شي‏ء من الاعضاء، ولو كان ذلك لاعطاء الغير.
واورد عليه: بمنع صدق الضرر فيما اذا استهدف غرضا عقلائيا
من التنقيص، الا ترى ان اعطاء المال في مقابل الاعمال في
باب‏الاجارة او اعطاءه لمجرد الاحسان الى المستحق لا يعد
عند العقلاء اضرارا بالمال، مع ان احراق المال او افنائه بنحو آخر
بلا اي‏داع عقلائي يصدق عليه الاضرار المالي بنفسه؟!
وهكذا نقول: شرب التتن مثلا مع العلم بترتب بعض المضار
عليه اذا كان موجبا للانعاش في الجملة، لا
يكون‏مصداقاللاضرار، واذا لم يكن له اي غرض عقلائي يكون
اضرارا محضا. وايضا اذا كان تناول الاطعمة والاشربة شهوة
اليهاوالتذاذا بها اوجب ذلك الا يكون الامتلاء منهما المضر به
في الجملة، او الم ((71)) المعدة الحاصل عقيبه، ضررا ببدنه
داخلا في‏عموم حرمة الاضرار.
وبعبارة اخرى: لو قطع من شخص عضو او اكثر من اعضائه
بالقهر ولم يكن عن اذن منه ورضا، فان هذا القطع يكون
موجبالايراد النقص على بدنه، فيكون اضرارا به، واما لو كان
ذلك باختيار واذن منه وطيب نفسه به لدواع عقلائية، فلا يبعد
دعوى‏منع صدقه بعد وجود هذه الدواعي، وذلك لان كل من
اذن بقطع عضوه للانتفاع به في الترقيع فلا محالة يدعوه الى
هذا الاذن‏هدف مادي او معنوي، والعقلاء لا يسلمون لصدق
الضرر والاضرار على نقص المال او البدن او الحال اذا كان
الاقدام عليه لغاية‏عقلائية، لانه يرجع في الحقيقة الى مبادلة
عقلائية بين الغاية العقلائية والنقص الوارد على البدن او المال،
فكما ان مبادلة ماله‏بمال آخر او اعطاء ماله مجانا لغاية مادية او
معنوية لا يوجب صدق الاضرار والضرر عليه، فكذلك في اعطاء
اعضاء البدن‏حرفا بحرف.
ويمكن ان يقال: اولا: ان الدواعي العقلائية لا تخرج التنقيص
عن كونه ضررا، الا ترى ان كسر الباب لانقاذ الغريق ونحوه
امرعقلائي بل واجب شرعي ومع ذلك لا يخرج عن كونه ضررا
على صاحب البيت؟! ولذا يجب ضمانه، فمجرد صحة الداعي
لايكفي لمنع صدق الضرر.
وثانيا: ان قياس المقام بباب المعاملات مع الفارق، لان في
المعاملات كان اعطاء المال لاخذ المقابل، والمبادلة
والمعاوضة‏مانعة من تحقق الضرر، ونفس قطع الاعضاء
والتنقيص لا يقابله شي‏ء، وانما المقابلة والمعاوضة لو صحت
كانت في ازاءالاعضاء المقطوعة. هذا مضافا الى ان الاعضاء قبل
الابانة ليست بمال ولا تصلح للمقابلة والمعاوضة، بل بعد
قطعها ايضا لاتصلح للمعاملة شرعا، وان اعتبر لها المالية،
لكونها بعد الابانة من النجاسات الذاتية، وهي مسلوبة المالية
شرعا ولو كانت لهافائدة عقلائية، على ما قررناه في بيع الاعيان
النجسة.
وثالثا: ان قياس المقام بباب الانفاقات والصدقات ايضا محل
اشكال ونظر، لان الانفاقات والصدقات تتحقق باعطاء
الاعيان‏المملوكة المحللة، ولا محذور فيها بعد مندوبيتها عرفا
وشرعا. وهذا بخلاف المقام، فان قطع الاعضاء ضرر ومحرم،
ولايخرج عن الضرر بمجرد قصد اعطائه للغير، لانه ليس من
العناوين القصدية، ومع بقاء عنوان الضرر على القطع يكون
القطع‏محرما والحرام لا يصلح للمقربية.
نعم، لو قطعت الاعضاء بسبب من الاسباب القهرية، فاعطاؤها
للغير حينئذ يشبه باعطاء الصدقات في الجملة، ولكنه اجنبي
عن‏المسالة.
ورابعا: ان مجرد الانتعاش في شرب التتن او الالتذاذ بالاطعمة
والاشربة عند الاكثار منها مع ترتب الضرر المهتم به، لا يفيد
في‏حلية الشرب والاكل، لان مقتضى صدق الضرر المهتم به هو
حرمة الشرب والاكل ولو مع الانتعاش والالتذاذ فالضرر
صادق،والانتعاش والالتذاذ يقعان بفعل المحرم في الفرض
المذكور.
فتحصل: ان الضرر صادق ولو مع وجود الدواعي العقلائية.
وعليه، فالباب باب التزاحم مع وجود الدواعي العقلائية، فان
كانت‏الدواعي العقلائية من الواجبات وكان الترجيح مع
الدواعي العقلائية التي ترجع الى وجود مصالح تتزاحم مع
مفاسد الضررالمحرم، كان التقدم معها، والا فلا وان كانت
المصلحة في نفسها مما تدعو العقلاء نحوها.
الوجه الثاني: ان قطع الاعضاء والجوارح للترقيع تبتيك وتغيير
لخلق اللّه، وهو محرم، لقوله تعالى: (ان يدعون من دونه الا اناثا
وان‏يدعون الا شيطانا مريدا * لعنه اللّه وقال لاتخذن من عبادك
نصيبا مفروضا * ولاضلنهم ولامنينهم ولمرنهم فليبتكن آذان
الانعام ولمرنهم فليغيرن خلق اللّه ومن يتخذ الشيطان وليا من
دون اللّه فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم
الشيطان الا غرورا * اولئك ماواهم جهنم‏ولايجدون عنها
محيصا) ((72)) والاناث على ما في بعض التفاسير : اللات
والعزى ومناة الثالثة الاخرى واساف ونائلة، كان‏لكل‏حي صنم
يعبدونه ويسمونه انثى بني فلان، وذلك اما لتانيث اسمائها، او
لانها كانت جمادات، والجمادات تؤنث من حيث‏انها ضاهت
الاناث لانفعالها ((73)).
وربما تقرب دلالة الية: بان قوله تعالى في ذيل الية الكريمة:
(ومن يتخذ الشيطان وليا...) الية، يدل على ان الامور
المذكورة‏التي اوعد الشيطان انه يامر الناس بها لابد وان تكون
اعمالا محرمة، ومن جملتها هو التبتيك وتغيير ما خلق اللّه عما
هو عليه‏بحسب اصل الخلقة.
وهذا صادق على قطع الاعضاء ولو كان لداع عقلائي، كترقيع
الغير به.
وقد استدل المحقق الميرداماد(قدس سره) في محكي شارع
النجاة، والفيض القاساني في محكي الوافي، والسيد حسن
الصدرفي محكي ذكرى ذوي النهى، والسيد جعفر آل بحر
العلوم في محكي تحفة الطالب بالية لحرمة حلق اللحى
. ((74))
ولو شك في صدق التغيير على اخذ شي‏ء ينبت بعد الاخذ، كما
في اخذ اللحى ونحوها، فلا شبهة في صدقه على قطع ما لا
يرجى‏نباته، كما في قطع الكلية واخذ العروق وامثاله.
وقد اورد عليه: بان دلالة الية الكريمة على حرمة التبتيك
والتغيير في خلق اللّه وان كانت واضحة الا انه لا اطلاق لها، اذ
الية‏ليست في مقام بيان ان الشيطان اراد مطلق التغيير ثم اللّه
سبحانه ذم اتباعه في مطلق التغيير، حتى تنفع للاستدلال بها
في‏مسالة اللحى ومسالتنا.
ويعتضد ذلك بان مطلق التغيير في خلق اللّه ليس بحرام، فهل
يمكن القول بحرمة ايجاد التغيير في الجمادات
والنباتات‏والحيوانات؟! فلو كانت الية مطلقة لزم تقييد الاكثر،
وهو مستهجن.
ولا مجال لما يقال من ان الاستهجان ممنوع بعد بقاء الكثير
تحت الية الكريمة، كقطع الذان والايدي والارجل، وقلع
الاعين،وازالة الحاجب، وتشقيق الشفة، وقطع الانف وغيره.
وذلك لامكان ان يقال: ان هذه الموارد ليست بكثيرة،
لاندراجها تحت عنوان واحد وهو قطع اطراف البدن وتغييرها.
هذا مضافا الى ان هذه الموارد ولو لوحظت متعددة تكون
قليلة في قبال مطلق التغييرات الموجودة في الحيوانات
والنباتات‏والجمادات التي لا تعد ولا تحصى لو لوحظت كل
واحدة متعددة.
وعليه، فالمراد من التغيير هو التغيير الخاص الذي هو عبارة
عن العمليات الشيطانية التي تنتهي الى البدعة والاغواء،
كتشقيق‏آذان الانعام وقطعها لتكون علامة على كونها محرمة
الاكل والانتفاع كما فعله بعض الكفار في بعض الحيوانات
كالبحيرة‏والسائبة والحامي، افتراء على اللّه تعالى، كما اشير اليه
في قوله تعالى: (ما جعل اللّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا
حام)((75))، او كتغيير الفطرة بالاغواء.
قال تعالى: (فاقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر
الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيم) ((76)).
فالخروج عنها هو تغيير في‏الفطرة وموجب للخلود.
وكيف كان، فالية تدل على حرمة تغييرات خاصة اغوائية
شيطانية، فلا تشمل مطلق التشقيق والقطع في الانعام، فضلا
عن‏غيرها، كيف؟! وقد يكون ذلك مطلوبا، كاشعار الهدي، بل
هو عبادة وليس عملا شيطانيا.
فالمراد من التغيير المنهي عنه والمذموم هو التغيير الخاص،
ولا اطلاق له في موارده فضلا عن غيرها، فلا يصح
الاستدلال‏بالية الكريمة للمقام، لكونها مجملة غير مطلقة، فلا
تغفل.
واما ادلة المجوزين:
فقد استدلوا للجواز ببناء العقلاء على ان كل انسان ولي نفسه،
وله اختيار اموره، وهذا هو الذي عبر عنه بقاعدة
«الناس‏مسلطون على اموالهم وانفسهم‏».
وهذه القاعدة العقلائية امضاها الشارع في ضمن اليات
والروايات، من جملتها: قوله تعالى: (النبي اولى بالمؤمنين
من‏انفسهم )((77))، فان الية الكريمة وان كانت في مقام اثبات
مقدمية النبي(ص) في الولاية على المؤمنين من انفسهم، الا
انه لا ريب في‏دلالتها على ان للمؤمنين ولاية على انفسهم.
نعم، كانت ولاية النبي(ص) اشد وآكد.
ومن جملتها: قوله تعالى:(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء
مرضات اللّه) ((78)) بدعوى دلالتها على ان امر نفسه بيده، اذ
الشراء لايكون الا مع الولاية على المبيع، والمفروض ان المبيع
في الية هو النفس.
ومن جملتها: موثقة سماعة المروية عن الكافي: عن عدة من
اصحابنا، عن احمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن
سماعة‏قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «ان اللّه عزوجل فوض الى
المؤمن اموره كلها، ولم يفوض اليه ان يذل نفسه، اما تسمع
لقول اللّهعزوجل: (وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين) ((79))؟!
فالمؤمن ينبغي ان يكون عزيزا ولا يكون ذليلا يعزه اللّه بالايمان
والاسلام‏»((80)). وغير ذلك من الشواهد والاخبار.
وعليه، فيجوز للانسان ان يقطع بعض اعضائه لترقيع الخرين.
ويمكن ان يقال: اولا: ان بناء العقلاء دليل لبي يقتصر فيه على
القدر المتيقن، وهو ما كان في زمن الشارع مالوفا
وبمرآه،وتقطيع الاعضاء لترقيع الخرين امر مستحدث، وليس
له سابقة في تلك الايام حتى يكون موردا لتقرير الشارع او
امضائه، وماورد في اخذ السن من الميت ضعيف.
وثانيا: ان ما استشهد به كقاعدة السلطنة او قوله تعالى: (النبي
اولى بالمؤمنين من انفسهم) ليس مشرعا وان افادت
سلطنة‏الانسان على نفسه في الجملة، لانهما تدلان على ان
الناس مسلطون على اموالهم وانفسهم فيما يجوز لهم ارتكابه،
فمواردالجواز تحتاج الى بيان شرعي، ولذا صرح الفقهاء بعدم
جواز ضرب العبيد والاماء استنادا الى قاعدة السلطنة على
الاموال،فالقاعدة لا تدل بنفسها على جواز كل تصرف، بل تدل
على جوازه في كل مورد ثبت جوازه ومشروعيته من
الخارج،والمفروض في المقام ان مشروعية تقطيع الاعضاء اول
الكلام.
ولعل موثقة سماعة الدالة على تفويض الامور كلها الى المؤمن
عدا اذلال نفسه ايضا كذلك، بان يراد من الامور هي التي
كانت‏مشروعة من الخارج، فتامل، لقوة الاطلاق من جهة
استثناء الاذلال.
وثالثا: انه لو سلمنا اطلاق القواعد والروايات، فلا مجال للاخذ
بها بعد محكوميتها بقاعدة الضرر.
فتحصل الى حد الن: ان قطع الاعضاء للترقيع اذا كان ضررا
على البدن محرم، ولا يخرجه عن كونه ضرريا وجود
دواع‏عقلائية لذلك. نعم، لو زاحمه الاهم لجاز ذلك من باب
تقديم قاعدة تقديم الاهم على المهم، كتقديم حفظ الحياة.