فروع
الاول: هل يجوز ان يوصي شخص باعطاء اعضائه بعد موته
ليستفاد منها في ترقيع بدن المحتاجين، او لا؟
يمكن القول بالثاني، لان الوصية ليست نافذة الا فيما يجوز له
فعله في زمن الحياة، كما قال تعالى: (فمن خاف من موص
جنفا اواث‏ما فاصلح بينهم فلا اثم عليه) ((81))، وعليه فاذا
كان شي‏ء جائزا له نفذت الوصية، لانها ادامة لاختياراته في
زمن الحياة لما بعدوفاته، واما اذا لم يكن الشي‏ء جائزا في زمن
الحياة فلا تكون الوصية نافذة.
وحيث ان اعطاء العضو في زمان الحياة غير جائز لكونه ضررا
على البدن، فالوصية باعطائه بعد وفاته غير جائزة، اذ لم يكن‏له
في زمان حياته اختيار اعطاء الاعضاء، بناء على ما عرفت من
حرمة الاضرار على النفس.
ويمكن ان يقال: ان الضرر على البدن من العناوين المخصوصة
بحال الحياة، لعدم تحقق صدق ذلك العنوان بعد الموت
بالنسبة‏الى البدن الميت الذي اختل من جميع الجهات، وعليه
فاعطاء الاعضاء بعد الموت مشروع، لعدم بقاء عنوان المانع، اذ
لولا المانع‏لكان اعطاء الاعضاء في حال الحياة جائزا، فاذا ارتفع
عنوان المانع بقي التقطيع على ما عليه ذاتا من الجواز،
فتشمله ادلة‏الوصية اذا كان له دواع عقلائية، ولا يلزم منه
الاذلال، والا فلا دليل على النفوذ والجواز، بل يحرم اذلال
النفس، كما دلت عليه‏الاخبار المتضافرة.
ولا دليل على اعتبار المشروعية حال الايصاء، بل اللازم هو
المشروعية حال العمل بالوصية، كما ان القدرة شرط حال
العمل لاحال تعلق الخطاب.
لا يقال: نعم، ولكن مقتضى الاخبار الدالة على ان حرمة الميت
كحرمة الحي ((82)) هو عدم مشروعية تقطيع الاعضاء بعد
الموت‏ايضا، لان تلك الاخبار واردة في مورد قطع بعض
الاعضاء، فالوصية بالتقطيع منافية لحرمة الميت المسلم، ومع
المنافاة لاتكون الوصية حال العمل مشروعة ايضا، فلا تكون
نافذة.
لانا نقول: ان التقطيع الممنوع بعد الموت هو التقطيع
العدواني، واما التقطيع الماذون فيه بالوصية فالروايات منصرفة
عنه،والتقطيع بالاذن والوصية اذا فرض له دواع عقلائية لا
يكون منافيا لحرمة الميت، الا ترى ان وضع الرجل على راس
الغير خلاف‏حرمته، واما مع اذنه بذلك لسبب من الاسباب
العقلائية فلا يكون الوضع المذكور منافيا لحرمته.
والمناقشة فيه بان حرمة الميت ان كانت من باب الحقوق
تسقط بالاذن والوصية، واما ان كانت من باب الحكم
الشرعي‏فالوصية بخلافها منافية لها.
غير سديدة بعد دلالة موثقة سماعة على ان اللّه تعالى فوض الى
المؤمن اموره كلها الا الاذلال ((83))، فان مقتضى اطلاق
تلك‏الموثقة ان غير الاذلال يكون من حقوقه، والكلام في
الوصية بالتقطيع فيما اذا لم يستلزم الاذلال. هذا مضافا الى ان
الظاهر من‏تشبيه حرمة الميت بحرمة الحي في قوله(ع):
«حرمة الميت كحرمة الحي‏» هو مشابهة احترام الميت حال
الممات مع احترامه‏حال الحياة، وحيث ان احترامه حال الحياة
من الحقوق، كان احترامه حال الممات ايضا كذلك.
وعليه، فالظاهر ان للجواز وجها، سواء كانت حياة مؤمن متوقفة
عليه او لم تكن، وان كان الاحوط هو ترك الوصية بذلك اصلا.
ولو شك في جواز الوصية بذلك وعدمه فلا مجال للتمسك
بعموم ادلة نفوذ الوصية بعد تعنونها بعدم كون الوصية
وصية‏بالاثم، لان التمسك بها في مورد الشك تمسك بالعام في
الشبهات المصداقية.
ثم انه لا يخفى عليك ان الاحكام الشرعية متعلقة بالموضوعات
العرفية غالبا، لان الشارع المطهر لم يتخذ لافادة مرامه
غيرالمحاورات العرفية، وعليه فما لم يصدق الموضوع عرفا لا
تترتب عليه احكامه، والموت والحياة في المقام من
الموضوعات‏العرفية، فاذا اوصى شخص باعطاء اعضائه بعد موته
لم يجز اعطاء اعضائه ما لم يصدق الموت. وبناء على هذا، فلو
صدق‏الموت عند الاطباء باختلال المخ وتوقف حركاته وعدم
نفوذ الدم الى عروقه ولكن لم يصدق ذلك عند العرف لعدم
توقف القلب‏بالمرة، فلا تترتب على اختلال المخ آثار الموت، فلا
يجوز اعطاء اعضائه للوصي قبل حدوث الموت العرفي، بل لو
صرح‏الموصي باعطاء اعضائه عند اختلال المخ مع عدم توقف
القلب بالمرة لا يجوز الاعطاء، لان اعطاء للاعضاء في حال
الحياة غيرجائز، والوصية به وصية بالاثم، فلا تكون نافذة.
نعم، حيث تكون الحركة القلبية الطبيعية معيارا عند العرف
لبقاء الحياة، فالحركة التي تدوم بتوسط اللات والادوات
والاجهزة‏الحديثة الموصولة بالمريض بحيث لو انفصلت عنه لا
تدوم حركة قلبه، لا تفيد في بقاء الحياة، فاذا علم او وثق بتوقف
القلب‏كان محكوما بالموت، سواء انفصلت الادوات والاجهزة او
لم تنفصل.
نعم، لو شك العرف في ان القلب توقف ام لا، يمكن الاعتماد
فيه على قول الاخصائيين، فانهم اهل الخبرة.
لا يقال: انه مع الشك يجري استصحاب الحياة.
لانا نقول: ان الاستصحاب جار فيما لو لم تكن امارة، ومع
شهادة خبراء الطب لا مجال للاستصحاب.
هذا مضافا الى امكان ان يقال: ان المرجعية الى العرف في
تشخيص الموضوعات فيما اذا احرزها العرف العام وان لم
يحرزهاالعرف الخاص، كما اذا حكم العرف العام بزوال الدم عن
الثوب عند غسله بالماء، خلافا للفلاسفة الذين لم يقولوا
بالزوال‏لان‏العرض لا ينفك عن المعروض عندهم، واما اذا لم
يكن العرف في امر كذلك كما اذا توقف المخ ولم يتوقف
القلب وشك في‏تحقق الموت وعدمه فيمكن الاعتماد على
قول الخبراء في تحقق الموت وعدمه لو اخبروا جزما عن وقوع
الموت وعدم عودالحياة.
ويشكل ذلك: بان الاعتماد على قول الخبراء فيما اذا اتفق
العرف والخبراء في مفهوم الموت والشك في تحقق مصداقه،
وفيمانحن فيه لا يكون كذلك، لان مفهوم الموت مختلف فيه
بينهما، والقدر المتيقن منه هو توقف القلب والمخ وسكون
النفس، وفي‏مثله لا تفيد شهادة الخبراء على تحقق الموت، لان
الموت الذي يشهدون على تحققه هو توقف المخ، وهو اول
الكلام، فالمتبع في‏مثله ولو شهد الخبراء على تحقق الموت
هو الشك في تحقق الموت واحتمال بقاء الحياة، فيجري فيه
الاستصحاب الحكمي لاالموضوعي، لانه من باب الشك في
الغروب والمغرب، ومقتضى الاستصحاب الحكمي هو عدم جواز
قطع الاعضاء قبل توقف‏القلب والمخ وسكون النفس.
نعم، لو قلنا بان الموت والحياة امران واقعيان، فلو جزم العرف
بموت شخص وحكم الاطباء بحياته لما جاز دفن
الشخص‏المذكور، وليس ذلك الا لان الموت امر واقعي،
ويترتب حكم الدفن عليه لا على صدق مفهوم الموت عرفا، والا
فهو معلوم‏الصدق عند العرف، ومن هذه الجهة لا يقاس المقام
بباب صدق زوال الدم عرفا مع حكم الفلاسفة ببقائه، فان
الموضوع فيه هوالمفهوم العرفي من الدم لا واقع الدم. وهكذا
اذا اخبر الاطباء بوقوع الموت، لامن جهة ان مفهوم الموت
صادق بل من جهة‏ان‏حقيقة الموت واقعة، لجواز الاعتماد
عليهم ولو شك العرف فيه فانهم اهل خبرة في وقوع الموت
وعدمه.
ويؤيد ما ذكر من كونهما واقعيين ما ورد في الاخبار من لزوم
تاخير الدفن فى موارد، كالغريق والمصعوق، وتخطئة العرف‏في
جزمهم بالموت، لقوله(ع) بعد امره بترك الميت ثلاثة ايام
قبل ان يدفن في الغريق والمصعوق: «فانه ربما ظن انه قد
مات‏ولم يمت‏» ((84))، او قوله(ع): «قد دفن ناس كثير احياء ما
ماتوا الا في قبورهم‏» ((85)). ولكن المسالة بعد لا تخلو عن
الاشكال.
وكيف كان، فهذا كله فيما اذا اخبر الخبراء على وجه الجزم
واليقين بتحقق الموت وعدم وجود الحياة.
واما اذا احتمل اهل الخبرة وجود الحياة ولو كان الاحتمال
ضعيفا في غاية الضعف، فلا يمكن الاعتماد على شهادتهم،
لعدم‏تحقق الموت لا وجدانا ولا بشهادة اهل الخبرة.
ثم ان الاطباء فرقوا بين موت المخ والاغماء، وقالوا: ان المخ في
الاغماء لم يمت، ولذا يمكن له العود في الحركات
والاوامر،فان‏الاختلال في الاغماء في سطح المخ بخلاف موت
المخ ، فان الاختلال في اصله وساقه بحيث يقطع ارتباطه
بالبدن ويشبه مااذا قطع الراس عن البدن.
ثم لو اوصى باعطاء اعضائه في ازاء اخذ مال، فهل تكون وصيته
نافذة ام لا؟ الاقوى هو الثاني بناء على ما اخترناه في
بيع‏النجاسات الذاتية من عدم مشروعية جعلها مورد المعاملة،
اذ المفروض ان الاعضاء بعد الابانة صارت كالنجاسات الذاتية.
اللهم الا ان تكون الوصية منحلة الى امرين: احدهما اعطاء
الاعضاء بعد الموت. وثانيهما اخذ الوجه في مقابلها، فتكون
الوصية‏نافذة في الاول دون الثاني، فتامل.
الثاني: لا يجوز في حال الحياة قطع الاعضاء التي يؤدي قطعها
الى الموت ولو كان لحفظ نفس الغير، سواء قلنا بجواز
تقطيع‏الاعضاء او لم نقل، وسواء كان مع اذن صاحب الاعضاء او
لم يكن.
وذلك لانه قتل للنفس المحترمة، وهو كبيرة، ولا يجوز ذلك
كما نص عليه في الروايات:
منها: ما رواه في الوسائل عن الفقيه باسناده عن الحسن بن
محبوب، عن ابي ولاد الحناط، قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع)
يقول: «من‏قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها»
. ولعل التعبير بالخلود لكثرة طول عذابه. ((86))
قال الصدوق في المشيخة: «وما كان فيه عن ابي ولاد الحناط
فقد رويته عن ابي عن سعد بن عبد اللّه، عن الهيثم بن ابي
مسروق‏النهدي، عن الحسن بن محبوب، عن ابي ولاد الحناط
واسمه حفص بن سالم مولى بني مخزوم‏»، انتهى ((87)).
روى ابن ابي عمير عن الهيثم بن ابي مسروق النهدي قال في
حقه النجاشي انه قريب الامر، ولم يستثنه ابن الوليد، وفيه
ايماءالى وثاقته، وروى عنه كامل الزيارات، واما بقية السند فهم
ثقات، فالرواية موثقة.
ومنها: ما رواه في جامع الاحاديث عن عقاب الاعمال قال:
حدثني محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثني عبداللّه
بن‏جعفرالحميري، عن احمد بن محمد، عن الحسن بن
محبوب، عن ابي ولاد الحناط، قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع)
يقول: «من قتل‏نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها».((88))
والظاهر ان المراد من احمد بن محمد هو احمد بن محمد بن
خالد البرقي، وهو ثقة وان اكثر الرواية عن الضعاف،
فالرواية‏موثقة، ولكنها متحدة مع سابقتها وليست رواية اخرى.
ومنها: ما رواه في جامع الاحاديث عن الكافي، عن محمد بن
يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن معاوية بن
عمار،عن ناجية قال: قال ابو جعفر(ع): «ان المؤمن يبتلى بكل
بلية ويموت بكل ميتة الا انه لا يقتل نفسه‏» ((89)). الا ان
ناجية غيرموثق.
وغير ذلك من الاخبار.
هذا مضافا الى اليات الكريمة:
منها: قوله تعالى: (ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة) ((90)).
ومنها: قوله تعالى: (ولا تقتلوا انفسكم ان اللّه كان بكم رحيما *
ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك
على اللّه يسيرا)((91)).
قال في آلاء الرحمن بعد نقل الروايات :
منها: عن العياشي عن اسباط بن سالم: سال الصادق(ع) رجل
عن ذلك، فقال: «عنى بذلك الرجل من المسلمين يشد ((92))
على‏المشركين وحده يجي‏ء في منازلهم فيقتل، فنهاهم اللّه
عن ذلك‏» ((93)).
ومنها: ان المروي عن ابي عبد اللّه(ع): «لا تخاطروا بانفسكم
في القتال فتقاتلوا من لا تطيقونه‏» ((94)).
ومنها: عن امير المؤمنين(ع) عن رسول اللّه(ص) في حديث
ساله فيه عمن كان في برد يخاف على نفسه اذا افرغ الماء
على‏جسده، فقرا(ص): (ولا تقتلوا انفسكم ان اللّه كان بكم
رحيما) ((95)). الى غير ذلك.
اقول: ويمكن الجمع بين الروايات بان المنهي عنه في الية
هي المقدمات والافعال التي ينشا عنها زهوق النفس، ولا
مانع‏ايضامن شمول الية لقتل المسلم مسلما آخر بغير حق، فان
المنهي عنه هو قتل النفوس المضافة الى جماعة المؤمنين
الشاملة‏لنفس القاتل ونفوس غيره من المؤمنين، ولا حاجة
فيما ذكرناه الى الجمع بين الحقيقة والمجاز، لا في الاضافة
ولا في المضاف‏اليه ((96)).
ولقد افاد واجاد. ومثله ما لو امر جماعة المؤمنين بمراعاة عزة
نفوسهم، فانه لا يختص بالخرين، بل يشمل نفس من
اعزالناس‏ايضا، فتامل.
وكيف كان، فالمقصود من الية بشهادة الروايات يعم قتل
الانسان نفسه، بل لعل تقطيع الاعضاء لا يجوز فيما اذا كان
فيه‏مظنة الهلاك او خوفه، كما يدل عليه قوله تعالى: (ولا تلقوا
بايديكم الى الت هلكة) بناء على عدم اختصاصه بالتهلكة
اليقينية، بدليل انه لو اختصت بها لزم الوقوع في التهلكة كثيرا
ما.
هذا مضافا الى ان النهي عن الهجوم على العدو الذي لا يطاق
دفعه لا يلزم الهلاك اليقيني، بل هو مظنة للهلاك.
على ان المخاطرة المنهي عنها في الاخبار هي القاء النفس في
الخطر، وهو لا يلازم الجزم بوقوع الخطر.
ويشهد لما ذكر ايضا: ما ورد في المنع عن استعمال الماء مع
الخوف على النفس، كمعتبرة محمد بن مسكين المروية
في‏الوسائل عن الكافي: عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن
ابي عمير، عن محمد بن مسكين وغيره، عن ابي عبد اللّه(ع)،
قال:قيل له: ان فلانا اصابته جنابة وهو مجدور ((97))، فغسلوه
فمات. فقال(ع): «قتلوه! الا سالوا؟ الا يمموه؟ ان شفاء العي
((98))السؤال‏» ((99)). ثم ان محمد بن مسكين موثق بالتوثيق
العام، لرواية ابن ابي عمير عنه.
ووجه الشهادة: ان من المعلوم ان الذين غسلوه لم يعلموا بلزوم
الموت، ومع ذلك وبخهم الامام(ع)، وليس ذلك الا
لممنوعية‏افراغ الماء مع الخوف.
الثالث: لا يخفى عليك بعد ما عرفت ان الضرر وتنقيص البدن
نقصانا معتنى به محرم انه لا فرق بين كون الاعضاء
من‏الاعضاء الرئيسية وبين غيرها، اذ الملاك هو حرمة الضرر،
فلا وجه للتفصيل المذكور، كما يظهر من عبارة بعض
الاعلام‏حيث قال: «هل يجوز قطع عضو من اعضاء انسان حي
للترقيع اذا رضي به؟ فيه تفصيل: فان كان من الاعضاء
الرئيسية للبدن‏كالعين واليد والرجل وما شاكلهما لم يجز، واما
اذا كان من قبيل قطعة جلد او لحم فلا باس به‏» ((100)).
نعم، من لم يتم عنده حديث لا ضرر امكن له التفصيل بين ما
يفسد البدن وغيره، كما يدل عليه خبر محمد بن سنان، حيث
كتب‏فيه علي بن موسى الرضا(ع): «انا وجدنا كل ما احل اللّه
تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم اليه الحاجة
لايستغنون عنها، ووجدنا المحرم من الاشياء لا حاجة بالعباد
اليه، ووجدناه مفسدا داعيا الفناء والهلاك الى ان قال‏:
فكيف‏ان‏الدليل على ان ه لم يحل الا لما فيه من المصلحة
للابدان وحرم ما حرم لما فيه من الفساد؟!» ((101)).
ولكن الخبر ضعيف. هذا مضافا الى تقيد الفساد بالفناء والهلاك.
اللهم الا ان يراد من الفناء والهلاك الاعم من الموت، كما
يشهدله جعل كل محرم كذلك مع ما نرى ان كل محرم لا
يوجب الهلاك بمعنى الموت، ويؤيده تعليل الذيل بمطلق
الفساد، فافهم.
فتحصل ان الضرر المعتنى به يحرم.
واما بذل كلية واحدة هل يكون ضررا او لا؟ فقد ذكر بعض
الاطباء انه ليس بضرر.
الرابع: هل يجوز للحي تنقيص الاعضاء وتقطيعها لو توقف حفظ
حياة مؤمن على بذل عضو من اعضائه او لا يجوز؟
ربما يقال بالجواز بل الوجوب، لدوران الامر بين حرمة الضرر
ووجوب حفظ النفس، فيصير المورد من موارد التزاحم،
وحيث‏ان حفظ النفس اهم فيقدم جانبه.
ويستدل على اهمية حفظ النفس بامور:
منها: اخبار التقية، بتقريب: ان التقية ثابتة في كل شي‏ء وجوديا
كان او عدميا، كما نص عليه في صحيحة الفضلاء: «التقية
في‏كل شي‏ء يضطر اليه ابن آدم فقد احله اللّه له‏» ((102))،
وعليه فالتقية مقدمة على كل واجب وحرام، فان كل شي‏ء
يعمهما.
وحيث ان كل واجب وحرام لا يخلو عن الملاك اللازم الرعاية،
فتقديم التقية عليهما يكون من باب اهميتها عليهما.
ثم ذكر وجه هذه الاهمية في صحيحة محمد بن مسلم عن ابي
جعفر(ع) قال: «انما جعل التقية ليحقن بها الدم، فاذا بلغ
الدم‏فليس تقية ((103))». ومثلها موثقة ابي حمزة الثمالي.
فيدل مجموع هذه الاخبار على ان حفظ الحياة هو المجوز
لمخالفة كل حرام‏او واجب، وعليه فحفظ الحياة واجب اهم
واولى بالرعاية من جميع الواجبات والمحرمات، فلا محالة كلما
دار الامر بين حفظ‏الحياة وحفظ واجب او حرام آخر فالاهم هو
حفظ الحياة.
ويشكل ذلك بان ظاهر هذه الاخبار هو تشريع التقية لحفظ
النفوس من تجاوز الاعداء ولا نظر لها بالنسبة الى حفظ
النفوس عما يعرضها بسبب العلل الطبيعية كالامراض المهلكة.
ويمكن ان يقال: ان ظاهر التعليل في قوله(ع): «انما جعل
التقية ليحقن بهاالدم‏» هو ان معيار تقديم التقية حفظ النفوس
ولا نظر فيه الى اسباب هدمها، فلا تفاوت في ذلك بين
الاسباب الطبيعية وغيرها،فتامل.
لا يقال: ان التعليل بحفظ الدم لا يشمل دم الغير، وعليه
فالمعيار مختص بحفظ دم الانسان نفسه ولا يرتبط بحفظ دم
الخرين‏من المؤمنين، والمقام راجع الى حفظ دم المؤمنين.
لانا نقول: ان التقية لحقن الدم لا تختص بالمتقي، بل تشمل
التقية لحفظ دم الخرين، فلا وجه لتخصيص التحليل بدم
المتقي.
لا يقال: ان الدم اعم من قتل النفس، وعليه فيكون مفاد الرواية
ان التقية انما شرعت ليحقن بها الانسان من الجرح والقتل مما
فيه‏الدم، فاذا بلغت التقية الدم بالمعنى المذكور فلا تقية.
وعليه، فكل شي‏ء يؤدي الى الجرح والقتل لا يجوز، والمقام مما
يؤدي الى الجرح، فان تقطيع الاعضاء لا يمكن بدون الجرح
والدم‏كما لا يخفى. وعليه، فلا تصلح هذه الاخبار للاستدلال
في المقام.
لامكان ان نقول: ان الدم في هذه المقامات يستعمل كثيرا في
قتل النفس، كقوله(ع): «وصارت البينة في الدم على المدعى
عليه...واليمين على المدعي، لانه حوط يحتاط به المسلمون،
لئلا يبطل دم امرئ مسلم‏» ((104)).
او «شهادة النساء... لا تجوز في الطلاق ولا في الدم‏» ((105)).
او كقولهم: «عرض المسلم كدمه‏».
وغير ذلك من الموارد. فكثرة الاستعمالات تصلح لانصراف
الدم الى دم النفس لا للاعم من دم الجرح، فافهم.
ولو سلم تمامية الاستدلال باخبار التقية من الجهات
المذكورة، فلا نسلم تماميتها من جهة الاطلاق، فان قوله: «انما
جعل التقية‏ليحقن الدم بها، فاذا بلغ الدم فلا تقية‏» في مقام
بيان عدم جواز التقية بسفك دم الغير، فلا اطلاق لها من ناحية
موارد جواز التقية‏من الاسباب القهرية العدوانية والاسباب
العادية الطبيعية.
ومنها: اخبار جواز الحلف كذبا لحفظ مال المسلمين، كموثقة
اسماعيل بن سعد الاشعري المروية في الوسائل عن الكليني:
عن‏محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن اسماعيل بن
سعد الاشعري، عن ابي الحسن الرضا(ع) في حديث قال:
سالته عن‏رجل احلفه السلطان بالطلاق او غير ذلك، فحلف.
قال: «فلا جناح عليه‏». وعن رجل يخاف على ماله من السلطان
فيحلفه لينجو به‏منه. قال: «لا جناح عليه‏». وسالته: هل يحلف
الرجل على مال اخيه كما يحلف على ماله؟ قال: «نعم‏».((106))
بدعوى ان مورد الروايات وان كان هو التضرر المالي للاخ
المؤمن، ولكن نتعدى الى التضرر العرضي والنفسي
بطريق‏الاولوية، ويشهد له موثقة السكوني عن جعفر، عن ابيه،
عن آبائه، عن علي: قال: «قال رسول اللّه(ص): احلف باللّه
كاذباونج‏اخاك من القتل‏» ((107)).
فالمستفاد من هذه الاخبار ان الجامع في تسويغ التقية في
ترك الواجب او فعل الحرام انما هو الضرر المتوجه الى النفس او
الاخ‏المسلم في شي‏ء من المال او العرض او النفس. هذا مضافا
الى دلالة خبر معمر بن يحيى على ان الضرر المتوجه الى الاخ
المسلم‏او المؤمن هو مما يوجب الضرورة على نفس الانسان
حيث قال(ع) في جواب سؤال السائل: ان معي بضائع للناس
ونحن نمربها على هؤلاء العشار، فيحلفونا عليها، فنحلف لهم؟
فقال: «وددت اني اقدر على ان اجيز اموال المسلمين كلها
واحلف عليها،كل ما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله
فيه التقية‏» ((108)) لتطبيق الكبرى المذكورة في الذيل
على موارد الضررالمتوجه الى الاخ المؤمن.
وكيف كان، فهذه الروايات تدل على جواز التقية في ترك
الواجب او في فعل الحرام للضرر المتوجه الى الغير، سواء كان
ماليا اوبدنيا، وعليه فلا مانع من رفع اليد عن حرمة الاضرار
بالبدن للضرر المتوجه الى الغير.
وفيه: ما عرفت في اخبار التقية من ان غاية الاستدلال بها هو
جواز التقية في ترك الواجب او فعل الحرام عند تجاوز الاعداء،
ولااطلاق لها بالنسبة الى الضرر المتوجه الى الاخ المؤمن
بالاسباب الطبيعية، بل هذه الاخبار جاءت مندرجة تحت اخبار
التقية‏لانها بالحمل الشائع تقية.
ومنها: اخبار وجوب حفظ الماء خوفا من العطش: كصحيحة
عبد اللّه بن سنان، عن ابي عبد اللّه(ع) انه قال في رجل
اصابته‏جنابة في السفر وليس معه الا ماء قليل ويخاف ان هو
اغتسل ان يعطش، قال: «ان خاف عطشا فلا يهريق منه قطرة،
وليتيمم‏بالصعيد، فان الصعيد احب الي‏» ((109)).
وموثقة الحلبي قال: قلت لابي عبد اللّه(ع): الجنب يكون معه
الماء القليل، فان هو اغتسل به خاف العطش، ايغتسل به او
يتيمم؟ فقال: «بل يتيمم‏» ((110)).
وموثقة سماعة قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن الرجل يكون معه
الماء في السفر فيخاف قلته. قال: «يتيمم بالصعيد ويستبقي‏
الماء، فان اللّه عزوجل جعلهما طهورا، الماء والصعيد».((111))
لا يقال: ان بعض الاخبار مختص بحفظ الانسان لنفسه،
وشمول قوله(ع): «ان خاف عطشا» لحفظ نفس الغير، مع ان
السؤال عن‏خوف العطش على نفسه غير واضح.
لامكان ان نقول: ان العبرة باطلاق الجواب، فان قوله: «ان خاف
عطشا» يشمل عطش الغير. هذا مضافا الى ان اطلاق
السؤال‏وترك الاستفصال في موثقة الحلبي وموثقة سماعة
يشهد للشمول.
ان قلت: ان هذه الاخبار واردة في الطهارة المائية التي لها بدل
وهي الطهارة الترابية، فجواز رفع اليد عن مثلها لا يسوغ
التعدي‏عنها الى ما لا بدل له كسائر الواجبات والمحرمات.
قلت: لا مجال لاحتمال خصوصية كون الواجب ذا بدل في
ذلك مع الاتفاق على وجوب انقاذ الغريق ولو كان متوقفا على
الحرام، كقطع الصلاة او الدخول في دار الغير، فان مثلهما لا
بدل له. فمنه يظهر ان معيار التقديم هو اهمية وجوب حفظ
نفس الغير لاكون الواجب ذا بدل.
وعليه، فهذه الاخبار تدل على وجوب حفظ نفس الغير ولو كان
سبب الهلاك امرا طبيعيا، وذلك الحفظ يتحقق برفع اليد
عن ‏الواجب، وهو الوضوء او الغسل.
اللهم الا ان يقال: ان مع خوف العطش يصدق عنوان (فان لم
تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) ((112))، ومعه فلا موضوع
للغسل‏والوضوء، ولا يكون من باب التزاحم وتقديم وجوب حفظ
النفس على وجوب الغسل او الوضوء.
ولكنه كما ترى، لانه مع وجود الماء للوضوء او الغسل ورؤيته لا
يصدق عدم وجود الماء، فالتقديم من جهة التزاحم
واهمية‏حفظ النفس، لا من جهة عدم موضوع الوضوء او الغسل.
وحيث كان الوضوء او الغسل لا موضوعية لهما، فيتعدى منهما
الى كل واجب وحرام، فاذا توقف حفظ النفس على ترك
الواجب‏او فعل الحرام امكن القول بالجواز من جهة اهمية حفظ
النفس، ولكنه محل تامل، لان التعدي من الواجبات البدلية
التي تكون هي‏مورد الروايات الى غيرها بقرينة خارجية يختص
بمقدار تدل عليه القرائن، والاتفاق على وجوب الانقاذ وتقديمه
على حرمة قطع‏الصلاة او الدخول في دار الغير لا يدل على
تقديم حفظ النفس على حرمة الاضرار بالبدن، لان قطع
الصلاة او الدخول في دارالغير ليس من هذا القبيل.
ومنها: الاخبار الدالة على جواز شق بطن المراة الميتة لاخراج
ولدها حفظا لحياة الولد، او على جواز تقطيع الولد الميت
واخراجه‏من بطن المراة الحية حفظا لحياة الام:
كصحيحة علي بن يقطين قال: سالت العبد الصالح(ع) عن
المراة تموت وولدها في بطنها. قال: «يشق بطنها، ويخرج
ولدها»((113)).
والظاهر من قوله: «يشق بطنها» هو وجوب ذلك، لان السؤال
عن كيفية الحكم عند دوران الامر بين المحذورين، فان كان
الحكم‏هو الجواز لما خصصه بشق البطن، فحيث خصصه به
يظهر ان المتعين هو شق البطن. ولا ينافيه قوله: «لا باس‏» في
الرواية‏التالية، لانه من جهة اقدام الرجل في مقابل النساء لا من
جهة اصل القطع والاخراج.
وخبر وهب بن وهب عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قال امير
المؤمنين(ع): اذا ماتت المراة وفي بطنها ولد يتحرك فيتخوف
عليه،فشق بطنها واخرج الولد».
وقال في المراة يموت ولدها في بطنها فيتخوف عليها، قال: «لا
باس ان يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه اذا لم ترفق به
النساء»((114)).
والرواية وان كانت ضعيفة ولكنها كما في الجواهر غير
قادحة بعد الانجبار بعمل الاصحاب.
فهذه الروايات تدل على رفع اليد عن حرمة تشقيق بدن الميت
وتقطيعه في مقابل وجوب حفظ النفس، مع ان تقطيع بدن
الميت‏وتشقيقه يوجب الدية، لو لم تدل الاخبار المذكورة على
عدمها، وهذا حاك عن اهمية حفظ النفس، فيستفاد منها ان
مع تزاحم‏حرمة الاضرار بالبدن مع وجوب حفظ نفس الغير
يلزم رفع اليد عن حرمة الاضرار.
ويشكل ذلك: بان رفع اليد عن حرمة التقطيع في الاموات
يلازم رفع اليد عن حرمة الاضرار في الاحياء، والغاء الخصوصية
لامجال له. هذا مع ان وجود الميت في مورد الاخبار من اسباب
موت الحي، بخلاف المقام، فان الحي لا سببية له في ازالة
الحياة‏من الغير، بل ازالة الحياة من الغير مستندة الى الاسباب
العادية والطبيعية، فتامل.
ومنها: ما يظهر للمتتبع في تضاعيف ابواب الفقه نصا وفتوى
من تقديم حفظ النفس المحترمة على ارتكاب المحرمات او
ترك‏الواجبات، وليس ذلك الا لاهمية حفظ النفس المحترمة
بالنسبة الى سائر الواجبات والمحرمات، وبعض هذه الموارد
كما يلي:
1- جواز اكل الميتة حفظا للنفس.
2- جواز قطع المضطر للاكل بعض اجزاء بدنه مما لا يوجب
الهلاك، معللا بانه اتلاف بعض لاستبقاء الكل ((115)).
3- جواز شرب الخمر او البول عند الاضطرار اليهما ((116)).
4- جواز غصب مال الغير لحفظ الانسان اذا توقف عليه، مع
ضمان المثل او القيمة ((117)).
5- وجوب بذل الطعام على صاحب الطعام للمضطر اذا لم يكن
نفسه مضطرا، معللا بوجوب حفظ النفس المحترمة عليه
ولولغيره، خلافا للمحكي عن الخلاف والسرائر فلم يوجباه،
للاصل، بعد منع كونه اعانة وعدم دليل يدل على وجوب حفظ
نفس‏الغير مطلقا، حتى لو توقف على بذل المال، اذ ليس الا
الاجماع، وهو في الفرض ممنوع، بل لعل السيرة في الاعصار
والامصارعلى خلافه في المقتولين ظلما مع امكان دفعه
بالمال، وفي المرضى اذا توقف علاجهم المقتضي حياتهم
باخبار اهل الخبرة آعلى بذل المال. قال في الجواهر بعد نقل ما
ذكر: الا انه لا يخفى عليك ما في ذلك كله، ضرورة المفروغية
عن وجوب حفظ نفس‏المؤمن المحترمة ((118)).
6- وجوب شراء العلف لحفظ نفس الحيوان ((119)).
7- وجوب الطبابة عينا على الطبيب مع الانحصار مع اخذ
الاجرة ((120)).
8- جواز قتل مباح الدم كالحربي للمضطر الذي يحتاج الى
لحمه، ويحل له منه ما يحل من الميتة ((121)).
9- وجوب الدفاع عن الغير عند القدرة على الدفع عن غيره
مطلقا او مع التقيد بالامن من الضرر ((122)).
10- وجوب انقاذ الغريق ونحوه كفاية او عينا عند الانحصار ولو
توقف على ارتكاب الحرام او ترك الواجبات، وغير ذلك
من ‏الموارد التي تدل على اهمية حفظ النفس وتقديم جانبه
على المحرمات والواجبات.
وفيه: اولا: ان هذه الموارد جملة منها مربوطة بمحافظة
الانسان على نفسه ولا يرتبط بالمقام.
وثانيا: ان جملة اخرى منها وان دلت على تقديم جانب حفظ
نفس الغير ولكنها مختصة بتقديمه على الاموال، ولا يستفاد
منهاوجوب بذل الاعضاء لحفظ نفس الغير، بل يظهر من
الجواهر خلافه، حيث قال: «لا يجوز للانسان ان يقطع جزءا
منه‏للمضطروان قطع بالسلامة، الا ان يكون المضطر نبيا، فانه
يجوز وان قطع بالسراية‏» ((123)).
وايضا قال: «لا يجوز للمضطر ان يقطع من غيره ممن هو
معصوم الدم اتفاقا، كما في المسالك، اذ ليس فيه اتلاف البعض
لابقاء الكل، بل الظاهر ذلك وان قطع بالسلامة المقطوع منه.((124))
ومنها: بناء العقلاء وسيرتهم على لزوم حفظ نفس الغير بحيث
لو اهمل من يقدر على حفظه استحق المذمة، ولم يردع
عنه‏الشارع. وهذه السيرة لا تختص ببذل المال ونحوه، بل هي
قائمة ايضا في انهم يقتحمون الاخطار من اجل انقاذ الغير،
لاسيما اذاكان بينهما قرابة. الا ترى ان الام او الاب او الولد
يذبون عن ذويهم لانقاذهم ولو كلف الامر اقتحام النار؟! بل
ربما علموابان‏الدخول في النار ونحوها من المخاطر لا يخلو
من الضرر ونقص البدن ومع ذلك يقدمون على انقاذه، ولم
يكونوا ملومين بل‏ممدوحين بذلك.
وعليه، فمع توج ه الخطر الى الغير يجب على الانسان حفظ
نفس الغير، ولو اخل بذلك كان ملوما ومذموما عند العقلاء ولو
لم‏يكن سببا لتوجه الخطر الى الغير.
ودعوى ان السيرة المذكورة ثابتة فيما اذا لم يعلم بالضرر، ولا
اشكال فيه، لان مع عدم العلم بالضرر يكون من
الشبهات‏الموضوعية فلا يحرم، واما مع العلم بالضرر فهي غير
ثابتة.
ممنوعة بانا نجد السيرة قائمة على دخول الانسان في المخاطر
من اجل الحفاظ على ذويه من الابناء والباء ونحوهما من‏الاقرباء
الادنين مع العلم بالنقص والضرر، ومع وجدان هكذا سيرة كيف
يمكن دعوى عدم الثبوت؟!
نعم، يمكن القول بان السيرة حيث كانت دليلا لبيا فيقتصر فيه
على القدر المتيقن، فيجوز تحمل النقص في ذوي الانسان
واهله‏وعياله، كالابناء والباء والامهات والاخوان والازواج
وغيرهم من الاقرباء الادنين، فان ضررهم ضرره، فكما ان
الانسان يدفع‏الضرر الاكثر بتحمل الضرر الاقل عند المعالجة
والامراض، كذلك يدفع ضرر ذويه بتحمل الضرر القليل او
الاقل.
واما في غيرهم فالسيرة مع العلم بالضرر غير ثابتة، اذ ليس
ضررهم ضرره، فتامل.
لا يقال: ان السيرة في المذكورين ليست على بذل الاعضاء، فان
ذلك امر لا سابقة له في تلك الايام، فكيف يؤخذ بها؟!
لجوازتحمل الضرر ببذل الاعضاء.
لانا نقول: ان ثبوت السيرة على تحمل الضرر لدفع الخطر كاف
في جواز بذل الاعضاء، ولا حاجة الى ثبوتها في خصوص
بذل‏الاعضاء بما يكون متعارفا في زماننا هذا، اذ لا خصوصية في
مصاديق الضرر، فتحمل الحرق والكسر والجرح لحفظ
الاهل والعيال من خطر الموت مع الامضاء الشرعي يسوغ
المقام، اذ الامضاء تعلق بتحمل الضرر لحفظ الاهل لا بخصوص
موارد الضرر.
هذا مضافا الى امكان ان يقال: ان الامضاء لو تعلق بخصوص
المذكورات امكن الغاء الخصوصية كما تلغى في
النصوص‏ومعاقد الاجماعات، فتدبر.
بل يمكن ان يقال: ان المورد المذكور من موارد تزاحم
الضررين، وبناء العقلاء في مثله على اختيار الاقل منهما. وهكذا
نقول في‏نفي الحرج، فان تحمل الضرر حرج، وتحمل فقدان
الاولاد والباء والامهات وغيرهم من الاهل اكثر حرجا، فيختار
اقلهماحرجاكما عليه بناء العقلاء.
ان قلت: ان ما ذكرتموه جار بعينه في اخواننا المؤمنين، لان
مقتضى الاخوة الاسلامية هو ان المسلمين بعضهم اولياء
بعض‏وامة واحدة، فالضرر اللاحق بالاخوان ضرر علينا، فاذا
مرض احدهم بمرض مهلك وامكن لنا دفعه بتحمل الضرر
يتزاحم‏الضرران، ومقتضى بناء العقلاء على اختيار اقلهما ضررا ،
والاقل هو تحمل النقص لرفع الاكثر وهو الهلاك، وبالجملة
فحكمهم‏هو حكم الاقرباء الادنين والاهل والعيال.
قلت: بناء العقلاء ليس الا في الادنين من العشيرة والخواص،
والتوصية الشرعية بالاخوة الاسلامية بنفسها شاهدة على
ان‏البناء المذكور ليس ثابتا في الاخوة، وانما اراد الشارع ان
يكون المسلمون بعضهم بالنسبة الى البعض كالاهل.
وبالجملة:التوصية بان المسلمين ينبغي ان يكونوا كذلك تغاير
بناء العقلاء على المعاملة مع الخرين معاملة العشيرة والادنين
والاهل‏والعيال.
ان قلت: تكفي التوصية الشرعية بالايثار بالنسبة الى جواز
تحمل الضرر ببذل الاعضاء للاخوان.
قلت: نعم، لو كانت التوصية المذكورة عامة او مطلقة بحيث
تشمل تحمل الضرر لدفع الضرر عن الخرين، واما اذا لم
تكن‏كذلك فمقتضى ادلة نفي الضرر هو عدم جواز تحمل
الضرر لدفع الضرر عن الخرين. وهذا بخلاف الاهل والعيال، فان
الامرفيهم يرجع الى تزاحم الضررين بالنسبة الى فرد واحد،
فيختار اقلهما ضررا.
ان قيل: ان عنوان ذوي الانسان وخاصته ممن يكون ضررهم
ضررا لنا بحيث يرجع الى تزاحم الضررين متفاوت في
الاقوام‏والملل، اذ ربما تكون الطبقة الاولى كذلك وربما تكون
ازيد وربما تكون اقل من ذلك.
قلت: فالمتبع هو كون ضررهم معدودا ضررا لنا، والقلة والكثرة
بحسب اختلاف الاقوام والملل لا تنافيان ذلك، فتدبر.
ثم بعد اللتيا والتي، يمكن ان يقال: ان عمومات اعانة المؤمنين
كقوله(ع): «ايما مؤمن منع مؤمنا شيئا مما يحتاج اليه وهو
يقدرعليه من عنده او من عند غيره، اقامه اللّه يوم القيامة
مسودا وجهه‏» الحديث ((125))، او عمومات الاستغاثة
كقوله(ع): «قال‏رسول اللّه(ص): من سمع رجلا ينادي
ياللمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم‏» ((126))، وان امكن
المناقشة في شمولها لبذل العضولكن دعوى بناء العقلاء على
عدم ملامة من اعط‏ى عضوه في سبيل نجاة الخرين من الموت
ولو لم يكن بينه وبينهم قرابة غيرمجازفة، وعليه فدعوى
انصراف حديث «لا ضرر» عن مثله غير بعيدة. فتحصل ان اعطاء
العضو لنجاة الخرين من الموت‏جائز، لقيام بناء العقلاء على عدم
كون الباذل ملوما، ولم يردع هذا البناء، اذ العمومات لا تكفي
للردع، بل يحتاج الردع الى‏التصريح والتنصيص. نعم، لا يكون
ذلك واجبا عند العقلاء، بخلاف الاهل والعيال فان ترك البذل
لهم يوجب المذمة والملامة.ومما ذكر يظهر ما في كلام صاحب
الجواهر من منع بذل العضو للمضطر ((127))، فتدبر.

من الذي بيده امر الخمس؟

آية اللّه الشيخ محمد اليزدي 

لا اشكال عندنا في وجوب اداء الخمس من عدة اشياء بشرائطها:
الغنائم، والمعدن، والغوص، والكنز، وارباح المكاسب،والمال
المختلط بالحرام المجهول مقداره وصاحبه على ما فصل في
محله بادلته كتابا وسنة.
كما لا اشكال كذلك في مالكية المذكورين الستة في الية
الشريفة وانهم شركاء مع مالك الاخماس الاربعة الاخر،
لمكان‏اللام في قوله تعالى: (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان
للّه خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل...) ((128))، سواءكانت الاصناف الثلاثة الاخيرة من ذي
القربى لعدم تكرار اللام ومقتضى الروايات والعطف او لم
تكن، كما فصل في محله.
ومن المعلوم ان الملكية للّه تعالى بالنسبة الى سدس الخمس
هي الملكية الاعتبارية المجعولة، دون العينية الحقيقية
المتحققة له‏تعالى في كل الاشياء وفي جميع اجزائها، وكذا
الحال في مالكية الرسول وذي القربى سواء كان المراد منه
الامام‏المعصوم(ع) او بما هو اجلى المصاديق وكذلك بالنسبة
الى مالكية اليتامى والمساكين وابن السبيل، فانه كما تعتبر
الملكية‏للاشخاص تعتبر للعناوين ايضا، ولا اقل من اعتبار ان
تكون المصاديق لتلك العناوين ذوي الحقوق على الكلام
المذكور في‏محله.

ا - الخمس في زمن الحضور
الاسهم الثلاثة الاول:
1- ثم انه لا اشكال عندنا ايضا في وجوب ايصال سهم اللّه تعالى
الى خليفته في ارضه ووليه بين عباده رسول اللّه(ص)
زمن‏حياته، وبعد ارتحاله الى خليفته الامام المعصوم(ع)، فانه
ولي اللّه في ارضه وخليفة رسوله في اموره، فيصرفه في رضا
اللّهتعالى، فان رضاه هو المصرف المتيقن من صدق وصول مال
اللّه تعالى اليه او فيما يراه، فان فيما رآه(ع) رضا اللّه تعالى.
2- وكذلك يجب ايصال سهم الرسول اليه في زمن حياته(ص)
ليصرفه في شؤون رسالته او فيما يراه من حوائجه، وان
كان‏تملكه لسهمه بعنوانه، والى خليفته الامام المعصوم بعد
ارتحاله(ص) فيتصرف فيه كما كان يتصرف فيه الرسول(ص).
3- كما يجب ايصال سهم ذي القربى اليه(ص) زمن حياته
حتى يؤدي اليهم حقهم حسب قوله تعالى: (وآت ذا
القربى‏حقه)((129))، او ليقسم بينهم والى الامام المعصوم
خليفة رسول اللّه(ص) بعد ارتحاله(ص) لو قلنا بانه المراد من
ذي القربى اوبما هو المصداق الاجلى.
وقد تبين من ذلك انه لابد وان تؤدى الاسهم الثلاثة سهم اللّه
تعالى وسهم رسوله(ص) وسهم ذي القربى الى
الامام‏المعصوم(ع) بعد وفاة الرسول(ص) يتصرف فيها ويصرفها
في مصارفها، وهي رضا اللّه تعالى ورسالة رسوله وشؤون‏امامته
ويعرف ذلك بسهم الامام(ع) او يتصرف فيها كيف يشاء في
المصالح وان تملكها بعنوان ولاية اللّه وخلافة رسوله‏وامامته
ووصايته(ع).
ومهما كان فانه(ع) اعرف بحقه، وان كان الاقرب ان سهم كل
من الثلاثة لابد وان يصرف فيهم وفي شؤونهم
ورضاهم، فان جعل قسم من المال للّه تعالى اعتبارا مع انه
تعالى مالك السماوات والارض ومالك كل شي‏ء يشعر بلزوم
صرفه في نشردينه وهداية عباده اليه، وكذلك الامر في سهم
الرسول يشعر بافتقار الرسالة الى صرف المال في سبيل الهداية
والارشاد وابلاغ‏الرسالة، وكذلك عنوان الامام والقرابة، فلابد
وان يرجع التصرف فيها الى مصرفهم، ويعود الحاصل بوجه الى
دين اللّه ورسالة‏رسوله وامامة خليفته، والوصف مشعر بالعلية.
وكيف كان فلا اشكال عندنا حسب المستفاد من صريح الية
الشريفة ان نصف الخمس اي ثلاثة اسهم للامام(ع) بعدرسول
اللّه(ص)، ولابد من الايصال اليه زمن الحياة والحضور، ولا
يجوز التصرف فيه بغير اذنه.
ويدل عليه ايضا روايات الباب، نشير الى بعض منها:
1- محمد بن الحسن باسناده، عن سعد بن عبداللّه، عن محمد
بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عبداللّه بن مسكان،
عن‏زكريا بن مالك الجعفي، عن ابي عبد اللّه(ع) انه ساله عن
قول اللّه عزوجل: (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان للّه خمسه
وللرسول ولذي‏القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)
فقال: «اما خمس اللّه عزوجل فللرسول يضعه في سبيل اللّه، واما
خمس الرسول‏فلاقاربه، وخمس ذوي القربى فهم اقرباؤه،
واليتامى يتامى اهل بيته، فجعل هذه الاربعة اسهم فيهم، واما
المساكين وابن‏السبيل فقد عرفت انا لا ناكل الصدقة ولا تحل
لنا فهي للمساكين وابناء السبيل‏» ((130)).
2- وعنه، عن احمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن ابيه، عن
عبد اللّه ابن بكير، عن بعض اصحابه، عن احدهما(ع) في قول
اللّهتعالى: (واعلموا انما غنمتم من شي‏ء فان للّه خمسه
وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)
قال: «خمس اللّه للامام،وخمس الرسول للامام، وخمس ذوي
القربى لقرابة الرسول الامام، واليتامى يتامى الرسول،
والمساكين منهم، وابناء السبيل‏منهم، فلا يخرج منهم الى
غيرهم‏» ((131)).
3- وما عن حماد بن عيسى، عن بعض اصحابنا، عن العبد
الصالح(ع) قال: «الخمس من خمسة اشياء: من الغنائم
والغوص‏ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه
الصنوف الخمس، فيجعل لمن جعله اللّه له، ويقسم الاربعة
الاخماس بين‏من قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس
على ستة اسهم: سهم للّه، وسهم لرسول اللّه(ص)، وسهم لذي
القربى، وسهم‏لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابناء السبيل.
فسهم اللّه وسهم رسول اللّه(ص) لاولي الامر من بعد رسول
اللّه(ص) وراثة،وله ثلاثة اسهم: سهمان وراثة وسهم مقسوم له
من اللّه، وله نصف الخمس كملا ونصف الخمس الباقي بين اهل
بيته، فسهم‏ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لابناء سبيلهم،
يقسم بينهم على الكتاب والسنة...» الخبر ((132)).
وغيرها بهذه المضامين سائر روايات الباب، مثل ما عن امير
المؤمنين(ع): «نحن واللّه الذين عنى اللّه بذي القربى، والذين
قرنهم‏اللّه بنفسه وبنبيه‏» ((133)).
الاسهم الثلاثة الاخيرة:
هذا كله في الثلاثة المصدرة باللام، واما الطوائف الاخر اي
اليتامى والمساكين وابن السبيل فغير مصدرة باللام،
ولعله‏للعطف على ذي القربى حتى تفيد الية ان المراد بهم اذا
كانوا من ذوي القربى لا كل يتيم ومسكين وابن سبيل فهم
ذوي‏الحقوق في‏الخمس من دون شركة، والامام(ع) هو الذي
يؤدي حقهم ويوصله اليهم ويقسمه بينهم حسب مصالحهم،
دون‏كل‏مكلف.
وام ا ان اريد المطلق منهم حتى يجوز اعطاؤهم من نصف
الخمس ايضا وان لم يكونوا من ذوي القربى الا انهم اولى من
غيرهم‏مع افتقارهم فلا ينحصر الاطلاع والتشخيص والاعطاء
بالامام(ع) ونائبه، وللمكلف هنا ان يؤدي اليهم بنفسه مع رعاية
هذه‏الاولوية، ولا اقل ان يؤدي اليهم اذا كانوا من ذوي القربى
من غير افتقار الى اجازة الامام(ع) او نائبه.
لكنك عرفت ان المراد بهم من كان من آل الرسول(ص)، ولا
يخرج منهم الى غيرهم، فيجب ايصال سهم الامام(ع) بل وما
هوالمعروف بسهم السادات‏ اليه.
اشكال ورد:
ربما يقال بان روايات التحليل تنفي وجوب دفع الخمس الى
الامام(ع).
لكن يجاب بان ما ورد من روايات التحليل فقد صرحوا: فيها
بالعلة الموجبة لتحديد الموارد، فان تعليل التحليل
بتطييب‏الولادة في اكثر روايات الباب ولا سيما تقييد ذلك
التعليل بالتعذر عن التخلص المشار اليه انما هو في طلب حل
الفروج،بمعنى تحليل الاماء الماخوذة في الحرب مع الكفار فلا
يشمل ذلك التحليل الخمس الواجب اداؤه مما يمكن
الايصال‏اليه(ع) او الى نائبه الخاص او العام، كما يدل عليه
صراحة روايات الباب الدالة على عدم الترخيص فيه مثل: ما
عن محمدبن الحسن وعن علي بن محمد جميعا، عن سهل،
عن احمد بن المثنى، عن محمد بن زيد الطبري، قال: كتب
رجل من تجارفارس من بعض موالي ابي الحسن الرضا(ع)
يساله الاذن في الخمس، فكتب اليه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم،
ان اللّه واسع‏كريم، ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم
((134))، لا يحل مال الا من وجه احله اللّه، ان الخمس عوننا
على دينناوعلى عيالنا وعلى موالينا وما نبذله ونشتري من
اعراضنا ممن نخاف سطوته، فلا تزووه عنا ولا تحرموا انفسكم
دعانا ماقدرتم عليه، فان اخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص
ذنوبكم، وما تمهدون لانفسكم ليوم فاقتكم، والمسلم من يفي
للّه بما عهداليه، وليس المسلم من اجاب باللسان وخالف
بالقلب، والسلام‏» ((135)).
وما عن محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه قال:
«كنت عند ابي جعفر الثاني(ع) اذ دخل عليه صالح بن محمد
بن‏سهل وكان يتولى له الوقف بقم فقال: يا سيدي، اجعلني
من عشرة آلاف درهم في حل، فاني قد انفقتها، فقال له: انت
في‏حل، فلما خرج صالح قال ابوجعفر(ع): احدهم يثب على
اموال (حق) آل محمد وايتامهم ومساكينهم وابناء سبيلهم
فياخذه‏ثم‏يجي‏ء فيقول: اجعلني في حل ، اتراه ظن اني اقول: لا
افعل، واللّه ليسالنهم اللّه يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثا».((136))
فان صالح بن محمد بن سهل وان كان يتولى الوقف، ولكن
طلب الحل لم يكن في اموال الوقف، فانه لا يجوز صرفه في
غيرالموقوف عليهم بوجه، ولا معنى لطلب الحل ولا لاجابته،
بل كان لتصرفه في حق الامام مطلقا من الوقف وغيره
بانفاقه،ودلالة الجواب على لزوم ايصال مال الامام(ع) اليه
ظاهر، وان جعله الامام(ع) في المورد في حل.
وقريب منها مضامين وتعابير خاصة تدل على ذلك، كما في
جواب قوم قدموا من خراسان على ابي الحسن الرضا(ع)
فسالوه‏ان يجعلهم في حل من الخمس، فقال: «... لا نجعل، لا
نجعل، لا نجعل لاحد منكم في حل‏» ((137)).
وما عن ابي بصير عن ابي جعفر(ع) قال: سمعته يقول: «من
اشترى شيئا من الخمس لم يعذره اللّه، اشترى ما لا يحل
له‏»((138)).
واصرح من ذلك كله ما عن محمد بن عثمان العمري عن
الناحية المقدسة في جواب مسائله: «واما ما سالت عنه من امر
من‏يستحل ما في يده من اموالنا ويتصرف فيه تصرفه في ماله
من غير امرنا فمن فعل ذلك فهو ملعون ونحن خصماؤه
...»الحديث ((139)).

ب - الخمس في زمن الغيبة
كل ما تقدم كان بالنسبة الى زمن حضور الائمة
المعصومين(ع) او الغيبة الصغرى، لوجود النواب الخواص لامام
العصر(عجل‏اللّه تعالى فرجه الشريف) وامكان التشرف بملاقاته
او الايصال اليه، واما بعد ذلك في زمن الغيبة الكبرى كما في
زماننا هذا آفالنيابة العامة للفقهاء العظام بعد الفراغ عن ادلة
المرجعية والولاية وتسليم اطلاقها، وان لهم ما للامام(ع) وعلى
الامة الرجوع‏اليهم في الحوادث الواقعة والتحاكم عندهم،
ويجب عليهم قبول احكامهم واطاعة اوامرهم، ويحرم الرد
عليهم، وان الراد عليهم‏كالراد على اللّه، وانهم منصوبون من
قبلهم: لا من باب الحسبة، وان تحقيق مقاصد الشرع من
حفظ مصالح المسلمين وتولي‏الاوقاف وامور الغيب والقصر
والمجانين مطلوب اولي، وتصديهم لها بما هم اعرف بها
مطلوب آخر كما قيل.