فقال: «نعم ربما يمكن ان تستفاد ولاية الحاكم على التعيين
وعلى الجهات المتعلقة بالسهم المبارك مما ورد في بعض
النصوص‏من انه ليس ملكا له(ع) بشخصه الشريف، بل ملك
لمنصبه المنيف منصب الزعامة الدينية، فيتولاه من يتولى
المنصب. ويشيرالى ذلك ما تضمن ان سهم اللّه تعالى وسهم
الرسول(ص) راجع الى الامام ((203))، وان عزل الحاكم
الشرعي عن الولاية عليه‏يؤدي الى ضياع الزعامة الدينية،
والاحتفاظ بها من اهم الواجبات الدينية، لان بها نظام الدين
وبها قوام المذهب وبها تحفظ‏الحقوق لاهلها، ولولاها لاختل امر
الدين والدنيا، واني ابتهل الى اللّه جل شانه في ان يؤيد ولاتها
ويسددهم ويرعاهم بعين‏رعايته، وما توفيقي الا باللّه عليه
توكلت واليه انيب‏» ((204)). انتهى.
ولنساله،: ان هذه الزعامة الدينية التي بها تقام الفرائض وتحفظ
الحقوق وعلينا ان نبتهل الى اللّه تعالى حتى يؤيد
ولاتهاويسددهم اذا كنا مع بسط اليد واعلان الحكومة وتثبيت
نظامها ومنظماتها واستقرارها في قطر وبلد هل تستحكم
وتسددباعطاء سهم الامام(ع) لكل من كان فقيها يستنبط
ومجتهدا يفتي، فيتصرفون فيه حسب آرائهم المتشتتة
وانظارهم المختلفة‏في المصارف والاولويات، ويبقى الفقيه
الولي الحاكم بالفعل متصديا لامور المسلمين ومتوليا ومسؤولا
عن شؤونهم سيمالو تزامن ذلك مع ظروف عصيبة ووجود
اعداء يكيدون على الاسلام والمسلمين بطرق عديدة من غير
مال في يده ليدبر به‏امورهم ويصلح به شؤونهم، افهل يمكن
ذلك ويصح؟!
فان كانت الولاية على سهم الامام(ع) او على جهاته بما هو
ملك منصب الزعامة الدينية ويتولى ذلك من يتولى المنصب،
وكان‏عزل الحاكم الشرعي عن الولاية عليه يؤدي الى ضياع
هذه الزعامة والواجب الاحتفاظ بها، فلا وجه لولاية غير الزعيم
من‏الفقهاء بما هم فقهاء على سهم الامام(ع) وامواله، وليس كل
فقيه زعيما وان كان لابد وان يكون كل زعيم فقيها.
هذا شطر من فتاوى اصحابنا المتقدمين والمتاخرين وقريب
منها فتوى متاخري المتاخرين الى بعض المعاصرين.
وفي كتاب مجمع المسائل للفقيه الگلپايگاني، بعد ان ذكر
سؤالا محصله انه: «لا شك ان نصف الخمس سهم الامام(ع)
ملك له‏ومختص به ولا يجوز التصرف في ملكه الا باذنه
واجازته، ولا يوجد ما يدل على هذه الاجازة لا من الكتاب ولا
من السنة، وماهو المشهور من ان الفقهاء نواب عنه لا اصل له،
اذ «رب مشهور لا اصل له‏»، وما في روايتي مقبولة عمر بن
حنظلة‏ومشهورة ابن خديجة من قوله(ع): «قد جعلته عليكم
حاكما» و«قد جعلته عليكم قاضيا» لا يدل الا على نفوذ قضاء
الفقيه وحجية‏فتواه، والاكثر على جواز تصرفه في الامور
الحسبية، ولا دليل على وجوب اداء سهم الامام(ع) الى
المجتهدين والفقهاء» قال‏مجيبا عن هذا السؤال ما محصله:
«ان ملاحظة ادلة ولاية الفقيه والدقة فيها حتى فيما اشير
اليه من الروايتين في السؤال سيما بمناسبة الحكم والموضوع
تعط‏ي‏امورا:
منها: ان الامور العامة لم تترك في عصر الغيبة مهملة وبلا
نظام.
ومنها: ان احكام اللّه تعالى في غير ما اشترط بتصدي شخص
الامام المعصوم(ع) او نائبه الخاص لم تعطل.
ومن ذلك يستفاد ان ولاية الفقيه تشمل كل ما لابد وان
يتصدى له الحاكم والوالي من امور المسلمين.
وسهم الامام(ع) من الامور المالية الاسلامية التي امرها بيد من
بيده الامر، كما كان كذلك في عصر حياة الرسول(ص)
واميرالمؤمنين(ع)، وكذلك سائر الائمة المعصومين(ع) كانوا
يتولون تلك الامور ما لم تمنعهم الموانع.
مع ان طبيعة الحكم والتشريع في الامور المالية من الاخذ
والتقسيم تقتضي ان يكون بيد ولي الامر، ولا دليل على جواز
تصرف‏من عليه الحق.
والحاصل: ان ولاية الفقيه على سهم الامام(ع) تستفاد من ادلة
الحكومة، مع ان ولايته على اموال الغيب لحفظ مصالح
اموال‏الناس مقبولة معتمدة كما يستفاد من رواية محمد بن
اسماعيل بن بزيع: «اذا كان القيم به مثلك ومثل عبدالحميد
فلا باس‏»((205))، فبطريق اولى هو ولي لاموال الامام
الغائب(ع)، حفظا لمصالحه ورعاية لشؤونه، لما نعلم من قوام
الامور المالية‏الدينية على هذا التصرف، بل يجب على الفقيه ان
ياخذ اموال الامام(ع) ويصرفها في مراضيه اليقينية، فانه لا فرق
بين‏امواله(ع) واموال سائر الغائبين زائدا على جواز تصرف
الفقيه في امواله(ع) حسبة في مصالح الاسلام حسب
تشخيص‏الحاكم وتعيينه.
مع ان اشتغال ذمة المكلف معلوم لا يعلم بالبراءة اذا تصرف
فيها بنفسه، والفقيه ابصر بالموارد وجهات المصالح
الشرعية،وعليه تحصيل البراءة، ولا يكتفي باحتمال الامتثال،
وفي مثل المقام لا يصح التمسك بادلة البراءة لنفي وجوب
الاداء الى‏الفقيه.
ثم بعدما ثبت وجوب الاداء الى الفقيه ووجوب الاخذ عليه ياتي
الكلام في كيفية صرفه، وما ذكر في المقام من الدفن، او
الحفظ‏والوصية به، او صرفه في مصارف سهم السادات
ضعيف، بل معلوم البطلان، فان بعضها تضييع واتلاف للمال،
ونحن نعلم‏ان حكم لزوم التصدق بالمال المجهول مالكه لا
يشمل مثل المقام الذي نعلم برضا المالك في مصرف خاص
من حفظ اساس‏الدين ورفع قواعد الشرع ولواء التوحيد وحفظ
معارف الاسلام وتبليغها وذب الشبهات عنها، فلا يجوز صرفها
في غيرها.
واما صرفها في مصارف السادات بما انهم اقرباؤه(ع) ورحمه
فغير موجه مع وجود مصارف الاهم عنده(ع)، واللّه
العالم‏»((206)). انتهى.
وقال، مثل ذلك في نهاية الاختصار في اجوبته تحت ارقام
898، 909، 1164، 1171، 1186، فراجع المجلد الاول الطبعة
الثانية.
ومن المعلوم ان مدار الجواب ومركز البحث هو العلم برضا
المالك في مصارف خاصة، والفقيه الحاكم هو الذي يكون
ابصرواعلم بتلك المصارف، وصرفه فيها ايصال اليه او تصرف
فيما كان يتصرف بنفسه الشريفة لو كان حاضرا، واذا كان
الامركذلك فالحاكم الفقيه هو المقدم على الفقيه غير الحاكم،
بل لا وجه لتصرف غير الحاكم، لاحتمال وجود مصرف الزم
وحاجة‏اشد في نطاق حفظ اساس الدين وتشييد القواعد ورفع
اللواء، الا ان ياذن له الحاكم المشرف على مجموع المصارف
العالم‏بالاولويات والضروريات، وشمول استدلال الاشتغال
ولزوم تحصيل البراءة لذلك ايضا من العلم بحصولها بادائها الى
الفقيه‏الحاكم دون غيره.
وقال الفقيه المتبحر الخوئي، في جواب احد الاستفتاءات: «اما
نصف الخمس فهو حق السادة، ويجب الدفع الى فقرائهم،
واماالنصف الخر الذي يرجع الى الامام(ع) فالتصرف فيه
موقوف على مراجعة الحاكم الشرعي واخذ الاجازة منه،
فيصرفه‏حسب ما يعينه له، واللّه العالم‏» ((207)).
وفي موضع آخر قال: «لو تعذر الوصول الى المجتهد المتولي
للامور حقا تصل النوبة الى التوصل بعدول المؤمنين‏». جوابا
عن‏سؤال «ما تقولون في ولاية عدول المؤمنين على سهم
الامام في حالة تعذرها للمجتهد؟» ((208)).
ومن المعلوم ان تعبيره، بقوله: «الحاكم الشرعي‏» و«المجتهد
المتولي للامور حقا» يفيد ان الملاك عنده الحكومة وتولي
الاموردون نفس الفقاهة، وان كان الحاكم الشرعي المتولي
للامور لابد وان يكون فقيها شرعا، فلا يبعد استفادة وجوب اداء
سهم‏الامام(ع) الى الفقيه الحاكم دون كل فقيه من كلامه، كما
لا يخفى.
وقال الاستاذ الاعظم آية اللّه العظمى الفقيد الراحل الامام
الخميني(رضوان اللّه عليه):
«النصف من الخمس الذي للاصناف الثلاثة المتقدمة امره بيد
الحاكم على الاقوى، فلابد اما من الايصال اليه او الصرف
باذنه‏وامره، كما ان النصف الذي للامام(ع) امره راجع الى
الحاكم، فلابد من الايصال اليه حتى يصرفه فيما يكون مصرفه
بحسب‏نظره وفتواه او الصرف باذنه فيما عين له من المصرف،
ويشكل دفعه الى غير من يقلده الا اذا كان المصرف عنده هو
المصرف‏عند مقلده كما وكيفا، او يعمل على طبق نظره‏».((209))
وعنه(قدس سره):
«مسالة 1: ليس لاحد تكفل الامور السياسية كاجراء الحدود
والقضائية والمالية كاخذ الخراجات والماليات الشرعية
الاامام‏المسلمين(ع) ومن نصبه لذلك.
مسالة 2: في عصر غيبة ولي الامر وسلطان العصر(عجل اللّه
فرجه الشريف) يقوم نوابه العامة وهم الفقهاء الجامعون‏لشرائط
الفتوى والقضاء مقامه في اجراء السياسات وسائر ما للامام(ع)
الا البداة بالجهاد.
مسالة 3: يجب كفاية على النواب العامة القيام بالامور المتقدمة
مع بسط يدهم وعدم الخوف من حكام الجور وبقدر الميسور
مع‏الامكان‏» ((210)).
ومن المعلوم ان صراحة فتاواه(رضوان اللّه عليه) ان الخمس
كله بل الامور المالية كلها امرها الى امام المسلمين ومن
نصبه‏لذلك، وان الفقهاء الجامعين لشرائط الفتوى والقضاء هم
نوابه يقومون مقامه، وعليهم القيام باموره بقدر الميسور ومهما
امكن‏حسب بسط ايديهم وعدم الخوف من حكام الجور، فلهم
التصرف في سهم الامام وصرفه فيما يكون مصرفا عندهم
حسب‏فتواهم، بل على المكلف ان يؤديه الى مقلده دون غيره
الا مع العلم بوحدة المصرف عندهما، ولكن كل ذلك بما هم
نواب وولاة‏بنيابتهم عنه(ع).
وهذا الكلام انما هو مع حضور حكام الجور وضيق نطاق قدرات
الفقهاء العظام في البلاد، فانهم حينئذ يقومون مقام
الامام(ع)بقدر الميسور الذي لا يترك بالمعسور، ولكل فقيه ان
يتصرف في تلك الامور حسب قدرته كما كانت عليه السيرة
المستمرة‏طيلة عصر الغيبة، بل في فترة من زمن الحضور مع
حكام الجور.
واما في زمن الغيبة مع زوال الحكومة الجائرة وتصدي الفقيه
الواحد امر الولاية والحكومة اما بحكم شرعي في تلك
الاجواءوالظروف حفظا للانظمة الشرعية، واما بتفويض الخبراء
من الفقهاء الامر اليه وبسط يده وسعة نطاق حكومته فلا
وجه‏لتصدي سائر الفقهاء امر الامامة والولاية، بل يستفاد من
قوله(رضوان اللّه عليه): «يجب كفاية على النواب العامة القيام
بالامورالمتقدمة‏» انه يسقط عن غيره بعد تصدي احدهم،
فليس لهم تكفل الامور السياسية كاجراء الحدود، والقضائية
كالحكم بان هذاالمال المختلف فيه لفلان او راجع الى بيت
المال، والمالية كاخذ الخراجات والماليات الشرعية مثل
الحقوق الشرعية، ومنها مانحن بصدده مثل سهم الامام(ع)،
فان الملاك عنده(رضوان اللّه عليه) ايضا الولاية والنيابة دون
الفقاهة وان كان يشترط في‏النيابة والولاية الفقاهة، فان كل
ولي لابد وان يكون فقيها لا ان كل فقيه ولي مطلقا.
وقال ولي امر المسلمين السيد علي الخامنئي(دام ظله) في
جواب احد الاستفتاءات وان كان السؤال مختصا بنصف
الخمس،اي سهم الامام(ع): ان السهمين المباركين من
المنابع المالية للدولة الاسلامية وامرهما الى ولي امر
المسلمين.
وفي مورد آخر اجاب(دام ظله) بانه: لا فرق بين سهم السادات
والسهم المبارك الذي للامام(ع).
وفي مورد آخر: انه ليس للمكلف ان يتصرف في السهمين
بنفسه، وعندما راى امرا لازما عليه ان يستجيز من ولي
امرالمسلمين.
وفي مورد آخر: ان الراي والفتوى عندنا في الخمس كما ذكر
ما كان عند الامام الراحل(رضوان اللّه عليه) من ان امر
الخمس‏الى ولي امر المسلمين ((211)).
ولنختم هذا الفصل في نقل الاقوال بما عن كتاب «الفقه على
المذاهب الخمسة‏» لمؤلفه محمد جواد مغنية في بحث
مصرف‏الخمس، جاء فيه:
«قال الشافعية والحنابلة: تقسم الغنيمة وهي الخمس الى
خمسة اسهم، واحد منها سهم الرسول ويصرف على
مصالح‏المسلمين ، وواحد يعط‏ى لذوي القربى وهم من
انتسب الى هاشم بالابوة من غير فرق بين الاغنياء والفقراء
والثلاثة الباقية‏تنفق على اليتامى والمساكين وابناء السبيل،
سواء اكانوا من بني هاشم او من غيرهم.
وقال الحنفية: ان سهم الرسول سقط بموته، واما ذوو القربى
فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من
الرسول.
وقال المالكية: يرجع امر الخمس الى الامام يصرفه حسبما يراه
من المصلحة.
وقال الامامية: ان سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى
يفوض امرها الى الامام او نائبه يضعها في مصالح
المسلمين،والاسهم الثلاثة الباقية تعط‏ى لايتام بني هاشم
ومساكينهم وابناء سبيلهم ولا يشاركهم فيها غيرهم.
ثم قال: ونختم هذا الفصل بما قاله الشعراني في كتاب
الميزان، باب زكاة المعدن: للامام ان يضع على اصحاب
المعدن مايراه احسن لبيت المال، خوفا ان يكثر مال اصحاب
المعدن فيطلبوا السلطان وينفقوا على العساكر، وبذلك يكون
الفساد.
وهذا تعبير ثان عن النظرية الحديثة بان راس المال يؤدي
باصحابه الى السيطرة على الحكم، وقد مضى على وفاة صاحب
هذاالراي (406) سنوات‏» ((212))! انتهى.
اقول: كيف يفتي فقيه وامامه كتاب اللّه تعالى يقول: (للّه
وللرسول ولذي القربى) فلا يرى للّه سهما، ويتصور ان ذكره
تعالى تبرك‏في مثل هذا السياق، ويسقط عنده سهم
الرسول(ص) بارتحاله الى ربه، ولا يرى لقرابة الرسول وجها،
ويصرح بانه يعطى‏اليهم لفقرهم لا لقرابة الرسول؟!

الاثبات القضائي قاطعية الاقرار

الشيخ قاسم الابراهيمي 

يقع البحث في قاطعية الاقرار عن عدة مباحث:

المبحث الاول - المراد من القاطعية:
والقاطعية الموصوف بها الحجية في كلمات القانونيين يحتمل
فيها ارادة احد معنيين: درجة التصديق العالية غير
المشوبة‏بالشك المعبر عنها بالجزم واليقين، والابانة المساوقة
للفصل والحسم المقابلين للوصل والتعلق.
ففي الوسيط مثلا: «والحجة هنا قاطعة لا يجوز اثبات عكسها،
ولكن هذا لا يمنع من ان يطعن المقر في اقراره بانه صوري
تواطاعليه مع خصمه، او انه وقع نتيجة غلط او تدليس او اكراه،
او انه صدر منه وهو ناقص الاهلية. فاذا اثبت ذلك بالطرق
الجائزة‏قانونا بطل الاقرار.
ولا يكون هذا رجوعا في اقرار موجود، بل هو الغاء لاقرار ظهر
بطلانه، اما الاقرار الصحيح فلا يجوز الرجوع فيه، ولا
يجوزاثبات عكسه‏» ((213)).
وفي ادلة القانون غير المباشرة قال: «ومن هذا المبدا يكون
الاقرار اعلى من اي دليل في اثبات هذا الحق غير المستقر،
ويجعل‏الواقعة القانونية المقر بها ثابتة يقينا، لا مفر منها ولا
محل لانكارها، مما يوجب على المقر ان يرفع يده عن تلك
الواقعة مع‏الزامه بما ترتب في ذمته من آثار هذا الاقرار...
وبهذه الخصائص يتميز الاقرار ويعلو على جميع طرق الاثبات،
حيث يغني المحكمة والخصوم عن البحث عن الدليل، فهو
اكثرتاكيدا واقوى من الشهادة، حيث ينفي الاختلاط بين
الحقوق، ويثبت المتزلزل منها، ويجعله مستقرا على وجه
اليقين، وملزمابتسليمه لصاحبه.
اما الشهادة فلا تكون ملزمة لوحدها الا اذا اتصل بها حكم
القاضي. اما الحكم بالاقرار فما هو الا من قبيل معاونة صاحب
الحق‏لاستيفاء حقه، فلو اقر احد اثناء المرافعة بحق عليه، ثم
تركت الدعوى بعد تسجيل الاقرار، فيجوز لخصمه ان يطلب
الحكم في‏اي وقت كان بناء على ذلك الاقرار امام القضاء.
اما لو اقام المدعي الشهادة لاثبات دعواه، ثم ترك الدعوى قبل
الحكم، فلا يكون لتلك الشهادة اثر، لانها لم يتصل بها
حكم‏»((214)).
اذ رتب النصان المتقدمان على صفة القاطعية امورا ينسجم
بعضها مع المعنى الاول، كالثبوت اليقيني للواقعة المصرح به
في‏النص الثاني، وبعضها مع المعنى الثاني، كعدم الحاجة الى
اتصال الاقرار بحكم الحاكم في ثبوت الحق للمقر له من
دون‏تصريح واضح بمعناها وهو ما يوجب اجمالا فيه وان كان
الظاهر ارادتهم معنى الالزام للمقر منها.

المبحث الثاني - آثار القاطعية:
ومهما يكن للقاطعية من معنى عند القانونيين فانهم اشاروا
الى ثبوت امور اربعة للاقرار الحجة هي: يقينية الاقرار،
وعدم‏قابليته لاثبات العكس، وعدم امكان الانكار والرجوع،
وانحسام الدعوى لصالح المدعي دون حاجة الى حكم الحاكم.
والبحث يقع‏في جميع هذه الامور:
الامر الاول - يقينية الاقرار:
ان منشا يقينية الاقرار هو عدم تعقل الحاق العاقل الضرر
بنفسه، كما مر بيانه ((215)).
واحتمال تطرق الاشتباه بل وقصد الحاق الضرر الى المقر في
بعض الاحيان وان كان معقولا في نفسه، لكنه احتمال
غيرمعتدبه عند العرف. فيبقى المقابل: داخلا تحت مسمى
العلم عرفا، الكافي مع اتباعه بالحكم في صدق الحكم عن
علم،الموصوف صاحبه في بعض الروايات بان ه في الجنة كناية
عن مشروعية حكمه، وخارجا عن مسمى الحكم بغير علم،
المنهي‏عنه او عن اقتفائه في اليات والروايات ((216)).
ففي بيان ادلة قاعدة الاقرار قال البجنوردي في قواعده
الفقهية:
«الاول اتفاق العقلاء من جميع الملل كافة على نفوذ اقرار كل
عاقل على نفسه، بمعنى ان اقرار العاقل على نفسه طريق
مثبت لمااقر به عندهم جميعا، ولم ينكره احد. وذلك ان العاقل
لا يقدم على اضرار نفسه الا لبيان ما هو الواقع، لوخز ضميره
من الخلاف‏الذي صدر عنه، سواء اكان ذلك الخلاف هي
السرقة، او جناية، او غصبا، او قذفا ((217))، وما شابه ذلك، او
يقر على نفسه‏ببيان الواقع حذرا من العذاب الاخروي.
مثلا لو كان مال غيره في يده وتحت سيطرته وتصرفه، فلا
يعترف انه لذلك الغير الا لما ذكرنا من الوجوه، كما انه لو
كان‏لنفسه فلا يعترف انه لغيره، لعدم الداعي الى ذلك في
الغالب.
نعم، قد يتفق له الداعي على اقراره بما هو ضرر عليه مع انه
على خلاف الواقع، ولكن هذا القسم شاذ قليل الوجود، ولو لم
يكن‏موجودا اصلا لكان الاقرار على النفس موجبا للعلم بصحة
ما اقر به. ولكن وجود هذا القسم من الاقرار على النفس اتفاقا
صارسببا لان يكون من الامارات الظنية القوية، ولذلك العقلاء
بنوا على حجيته‏» ((218)).
الامر الثاني - عدم قابلية الاقرار لاثبات العكس:
والمراد بها احد وجوه: الاول: عدم القابلية ذاتا، لايجابه اليقين
الممتنع الاجتماع مع احتمال الطرف الخر ليكون قابلا
للاثبات،فسلب القابلية عنه بلحاظ نقيض متعلقه الفاقد
لمقومات الاثبات، اعني احتمال الصدق.
ويرده: ان العلم الحاصل بالاقرار ليس ذلك العلم العقلي
الممتنع الاجتماع مع احتمال مقابله ليمتنع اثباته، كما تقدمت
قبل قليل‏الاشارة اليه، بل علم عرفي تركن اليه النفس، ويقبل
احتمال الطرف المقابل، ربما عبر عنه بالاطمئنان.
الثاني: عدم القابلية وقوعا ولو من غير المقر، لكون العلم
الحاصل بالاقرار اقوى من غيره من ادلة الاثبات مع التكاذب.
ويرده: اولا، تقدم علم القاضي بالخلاف عليه في الحجية
لوجدانية احرازه، وذاتية ثبوت الحجية له، واستحالة انفكاكها
عنه،لاستحالة انفكاك الذاتي في نفسه، بل لا حجية للاقرار
معه، اذ حجيته لا تثبت الا لما اورث العلم بالذات، او الظن
الاقوى من سائرالادلة بمطابقة الاقرار للواقع بالاولوية، او
الاحتمال المعتد به عند العقلاء بها بالتعبد بالروايات. وجميعها
لا يجتمع مع علم‏القاضي بالخلاف، وما يجتمع غير معتد به ولا
ملتفت اليه.
وعلى ذا اتفقت كلمة القانونيين والفقهاء، وان افترقت في سعة
ذلك، بقصر القانونيين اشتراط نفوذ اقرار العاقل على نفسه
بعدم‏علم القاضي بكذبه على الدعاوى الجنائية دون المدنية
والحقوقية من ناحية، وعلى علمه الحاصل من مطالعة الادلة
دون ماحصل بالاطلاع الشخصي من ناحية اخرى، لانكارهم
حجية مثل هذا العلم اساسا، وصلاحيته مستندا للقضاء من قبل
نفس‏القاضي، وان اقروها للشهادة به عند قاض آخر، وتعميم
الفقهاء له الى جميع القسمين على التقسيمين.
ففي الموسوعة الجنائية قال: «ان الاعتراف في المسائل
الجنائية لا تسري عليه قواعد الاعتراف في المسائل المدنية،
بل هوخاضع لتقدير قاضي الموضوع الذي له ان يضعه في
المكان الذي يرى انه يستحقه من الاهمية بنفس الحرية التي
يملك بهاتقدير صحة كافة اركان الاثبات التي تطرح عليه،
ودرجة ارتباطها بالدعوى التي ينظرها بدون ان يكون ملزما
قانونا فيما عدااحوال معينة تعتبر ذات صبغة خاصة باتباع
اي قيد فيما يتعلق بنوع الاثبات‏» ((219)).
وفي الكافي عند استدلاله لحجية علم القاضي: «فلو كان يعتبر
في الحكم الاقرار والبينة واليمين دون العلم لم يجز ابطال
ذلك‏متى علم الحاكم كذب المقر او الشهود او الحالف.
والاجماع بخلاف ذلك‏» ((220)). ومثلها عبارة صاحب السرائر.((221))
وثانيا: امكان تعارضه باقرار غيره على ذات الفعل فيبتلى دليل
حجية الاقرار بالتعارض الداخلي الذي لا مرجح لطرف
دون‏طرف فيه عقلا ولا شرعا، خصوصا وقد تقدمت في المقالة
السابقة رواية الحسن بن صالح الواردة في القتل، التي خير
فيهاالامام(ع) ولي الدم بالاقتصاص من اي شاء المقتضي
لحجية كلا الاقرارين على تعارضهما، كما تقدمت الاشارة الى
ضعف‏سندها ايضا ((222)).
وثالثا: بغيرها من ادلة الاثبات كما دلت عليه صحيحة زرارة
المتقدمة في المقالة السابقة ايضا الواردة فيمن قامت البينة
عليه‏بالقتل واقر غيره على نفسه، التي خير فيها الامام(ع) ولي
الدم بالاقتصاص من احدهما او منهما جميعا الكاشف عن
حجيتهمامعا رغم التعارض ((223)).
لكن ذكر جملة من الفقهاء تقدم الاقرار على البينة، بل وعلم
الحاكم عليها ايضا، لاقوائيتهما منها في الحجية عند العقلاء
((224)).قال في القواعد الفقهية: «ان اقيمت البينة على ان
هذا المال له، وهو اقر بانه لزيد مثلا وكذب البينة، او في باب
الجنايات، فلوشهدت البينة المعتبرة ان هذه الجناية صدرت
من فلان، وهو اقر واعترف بانه الجاني وفاعل هذه الجناية،
فمقتضى القاعدة وان‏كان تساقط الامارتين بناء على ما هو
الصحيح عندنا من كون حجية الامارات من باب تتميم الكشف،
ولكن الظاهر ان بناءالعرف والعقلاء على تقديم الاقرار عليها،
ففي المثال المذكور بعد ان اقر ان هذا المال الذي في يده
ليس له ولزيد، فقيام البينة انه‏له لا اثر له.
ولعل السر في ذلك انهم يرون الاقرار اكشف من البينة، كما انه
لو علم كذب البينة فلا حجية لها، لان التعبد بالامارة في
ظرف‏الجهل بالمؤدى، واما لو علم بوجود المؤدى وثبوته او
علم بعدمه، فلا معنى ولا مجال للتعبد بوجوده او عدمه.
والحاصل ان العقلاء لا يرون كاشفية للبينة في ظرف الاقرار
المشهود له على خلافها، كما انه لا كاشفية لها مع العلم
بالخلاف.
ولكن وردت روايات في انه اذا قامت البينة على ان زيدا مثلا
قاتل ثم اقر شخص آخر بانه انا القاتل، ان للولي الاخذ باية
واحدة‏من الامارتين، فله قتل اي واحد منهما اذا اراد. وكل
ذلك لصحيحة زرارة عن ابي جعفر(ع)، وقد عملوا بها وافتوا
على طبقها وان‏كان مفادها على خلاف مقتضى القواعد
والاصول، لكنه يجب العمل بها في موردها على كل حال‏».((225))
وكلامه تام ان جعلنا الاقرار من الامارات لا من الاصول كما
سياتي بحثه ان شاء اللّه في مقالة قادمة وقلنا بان تمام ملاك
حكم‏الشارع بحجية الامارات هو مقدار كشفها عن الواقع، كما
عليه السيد الصدر(قدس سره) في التفرقة بينهما، والا لم يتم.
وكيفما كان، فادعاء عدم قابلية الاقرار لاثبات العكس بهذا
المعنى غير تام.
الثالث: عدم القابلية من خصوص المقر وقوعا، وقد يستدل له
بقصور ما عدا الاقرار من ادلة اثبات الموضوعات عن مقاواته
في‏الحجية ليقينيته وظنيتها، اولا، وقصور نفس الاقرار عن
التحقق في مورد العكس، لتقيده بكونه على النفس لا لها، وهو
على‏العكس لها لا عليها.
وفيه: ان حجية الاقرار غير ثابتة لخصوص المفيد لليقين من
الاقرار، بل له بالحجية الذاتية للعلم، وللظن اما بالاولوية من
البينة المدلول على حجيتها بالادلة الكثيرة القاطعة، او بالنصوص
الكثيرة المتقدم بحثها في العددين السابقين مفصلا.((226))
ولا موجب شرعي او عقلي لتقديمه عليها في غير المفيد العلم،
لتقدم رده من السيد البجنوردي فيما تقدم بناء على
اقوائية‏اماريته ثانيا، والصحيح ان يقال: ان اثبات العكس بدليله
لا يخلو من كونه اما سابقا على الاقرار، او مقارنا، او لاحقا.
والاول، مع‏تبدل موقف المقر من الدعوى من الانكار الى
الاقرار، رجوع عن دليل اثبات العكس، موجب لبطلانه، وبدونه
يتحد مع الثاني في‏عدم صدق الاقرار، لاخذ قيد الجازمية في
الاخبار فيه على ما مر في تعريفه غير المتحقق هنا، والثالث
رجوع عنه، والاقرار لايقبل الرجوع على ما سياتي التعرض
اليه في الامر الثالث بل لا يكون مجامعا له، لتبدله الى الانكار
حتى على فرض قبوله،فصدق كون الاقرار لا يقبل اثبات
العكس.
وكيفما كان، فالظاهر ان المعنى الاخير هو المقصود
للقانونيين، اذ قال محمد علي الصوري في تعليقه المقارن
على مواد قانون‏الاثبات: «اما كون الاقرار حجة قاطعة، فذلك
لان الاقرار القضائي متى اكتملت عناصره وتوفرت شروطه
اصبح حجة قاطعة،كاملة، ملزمة للمقر، لانه صدر ضد مصلحته
الشخصية، مما يجعل احتمال صدقه ارجح من احتمال كذبه،
باعتبار ان الاقراراخبار يحتمل الصدق والكذب، وليس للمقر
بعد اقراره هذا ان يقدم دليلا لاثبات عكس ما اقر به...».((227))
الامر الثالث - امتناع الانكار والرجوع:
والمراد به امتناع تاثير انكار المقر ورجوعه في رفع الاقرار، او
الغاء حجيته بعد اكتمال اركانه واجتماع شرائطه، لا نفي
حق‏الطعن في صدوره صحيحا منذ البداية، كما تقدم التنبيه
عليه في كلمات الحقوقيين.
وهذا الامر متفق عليه قانونا وفقها، اما في القانون فيكفيك
مضافا الى ما مر من كلماتهم تصريح المواد القانونية
لقوانين‏الدول المختلفة بذلك، اذ جاء في المادة (1277) من
القانون المدني الايراني: «الانكار بعد الاقرار لا يصغى اليه‏»، وفي
المادة (68)من القانون المدني العراقي: «يلزم المرء باقراره الا
اذا كذب بحكم، ولا يصح الرجوع عن الاقرار»، وهي واردة
بعينها في المادة(99) من قانون البينات السوري مع الحاق
عبارة: «الا لخطا في الواقع على ان يثبت المقر ذلك‏» بذيلها،
وفي المادة (1588) من‏المجلة: «لا يصح الرجوع عن الاقرار في
حقوق العباد»، وفي المادة (224) من قانون اصول المحاكمات
اللبناني: «لا يجوز للمقرالرجوع عن اقراره بحجة انه لم يفقه
بنتائجه القانونية‏»، وغيرها.
واما في الفقه فقد صرح كثير من الفقهاء في مواضع مختلفة
من كتبهم بذلك، حتى صارت عندهم من القواعد الفقهية،
ففي‏الكافي قال: «واذا رجع المقر بحق غيره عليه لم يؤثر
رجوعه عنه في صحة الحكم به‏» ((228)). وفي الدروس
الشرعية: «لو رجع‏المقر عن اقراره لم يسمع، سواء كان بعد
رجوع المقر له او قبله، ويقبل الرجوع عما يوجب الرجم من
الحدود» ((229)).
لكن القانونيين لم يذكروا دليلا على رفضهم الانكار من المقر
مع قبولهم اقراره، رغم ان مستندهم في الاخذ بالاقرار
ليس‏الاتصديقه على ظاهر كلامه الموجود حال الانكار ايضا،
بخلاف الفقهاء حيث ذكروا في قبولهم الاقرار دون الانكار
بعض‏الادلة، نسوقها مستشهدين بكلماتهم فيما يلي، ومضيفين
اليها غيرها:
فمنها: ان موجب الاخذ بالاقرار هو عدم معقولية اقدام العاقل
على الاضرار بنفسه الا لبيان ما هو الواقع بدافع وخز
الضميرللخروج عما ارتكب من الذنب، مما يشكل امارة على
صدقه وصحة ما اقر به فيصدق، بخلاف الانكار فان الامارة على
كذبه مماهي على صدقه ادعى، لمعقولية اخبار العاقل بما في
مصلحته جدا، فانكاره لا اعتداد به.
ففي قضاء السيد الگلپايگاني: «انما لا يسمع الانكار بعد الاقرار
لان الاقرار يكون دائما في ضرر المقر، فاذا انكر كان
للخلاص‏من الضرر، فلا يسمع‏» ((230)).
واما استدعاء تصديقه في الاقرار تصديقه في الانكار فانما حيث
تكون نكتة التصديق خصوصية المخبر من وثاقته وامانة‏نقله، لا
الخبر كما نحن فيه، فانها قد تتبدل بتبدله.
لكن قد يشكل عليه: بان غاية ما يدل عليه التقريب المتقدم هو
عدم الدليل على حجية الانكار، وفي مثله يرجع الى
مقتضى‏الاصل، بل قد يتمسك بعموم قاعدة درء الحدود
بالشبهات فيما لو كان مورد الانكار المتعقب للاقرار هو
الحدود.
ومنها: اطلاقات ادلة حجية الاقرار المتقدمة الدالة باطلاقها
على ثبوت الحجية للاقرار مع لحوق الانكار وعدمه.
لكن قد يقال: ان ظاهر الروايات عدم كون الادلة بصدد البيان
من هذه الجهة، وانما هي بصدد معرفة حكم كل واقعة مع
فرض‏قيام الاقرار عليها بالفعل حال السؤال، والا كان على
السائل التعبير عن مراده بنحو اوضح بالتنصيص على حال
الاقرار بعدالانكار.
ومنها: الروايات الخاصة الدالة على حجية الاقرار المتعقب
للانكار، وهي غير قليلة:
فبعضها وارد في الاقرار بالحدود: كصحيحتي الحلبي ومحمد
بن مسلم الاوليين: عن ابي عبد اللّه(ع) في رجل اقر على
نفسه‏بحد ثم جحد بعد، فقال: «اذا اقر على نفسه عند الامام انه
سرق، ثم جحد، قطعت يده وان رغم انفه، وان اقر على نفسه انه
شرب‏خمرا، او بفرية، فاجلدوه ثمانين جلدة‏».
قلت: فان اقر على نفسه بحد يجب فيه الرجم، اكنت راجمه؟
فقال: «لا، ولكن كنت ضاربه الحد» ((231)).
ودلالتاهما على المطلوب واضحة، وان امكن التشكيك في
تعميمهما لجميع الحدود فضلا عن الحقوق، لاقتصار الامام(ع)
فيهماعلى التمثيل لذلك ببعض الامثلة واعراضه عن اعطاء
ضابطة كلية رغم سؤاله عنها، وانكاره اجراء حد الرجم مع
انكاره. نعم‏يمكن تعميمهما لجميع ما دون الامثلة المذكورة
بالاولوية، كما يمكن تعميم عدم اقامة الحد على ما فوق ما
استوجب حد الرجم‏بها ايضا.
وصحيحتيهما الثانيتين: الحلبي عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «اذا
اقر الرجل على نفسه بحد او فرية، ثم جحد، جلد».
قلت: ارايت ان اقر على نفسه بحد يبلغ فيه الرجم، اكنت
ترجمه؟
قال: «لا، ولكن كنت ضاربه‏» ((232)).
ومحمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه(ع) ايضا قال: «من اقر على
نفسه بحد اقمته عليه، الا الرجم فانه اذا اقر على نفسه ثم جحد
لم‏يرجم‏» ((233)).
ودلالتاهما على حجية الاقرار ولو بعد الانكار في خصوص
الحدود تامتان، بل يمكن تعميمهما الى الحقوق ايضا،
بدعوى‏ان‏ظهور روايات الحدود المجموعي في تشديد الشارع
في اثبات موضوعاتها نسبة الى موضوعات الحقوق، يجعل ثبوت
حج ية‏الاقرار بعد الانكار في الثانية اولى منه في الاولى، وقد
يشكل على الاستدلال:
تارة: بانكار وجود هكذا ظهور عند العرف، لكون الموجب
لانعقاد الظهور عندهم شخص كلام المتكلم لا مجموع كلماته،
كماذهب اليه الاصوليون في العام المخصص بالمنفصل،
والمطلق المقيد به ((234)).
وربما رتبوا عليهما عدم انقلاب النسبة مع ثالث بينه وبينهما
نسبة العموم والخصوص من وجه مع قطع النظر عن
حاصل‏نسبته مع المنفصل، ومعه نسبة العموم والخصوص
المطلق من الاولى الى الثانية.
واخرى: بعدم الدليل على حجية الظهور المجموعي بعد كون
الدليل على حجية الشخصي السيرة المتشرعية او
العقلائية‏الممضاة من قبل المعصوم(ع)، غير المنعقد لها
بحكم كونها دليلا لبيا اطلاق شامل لما نحن فيه، ولا المعلوم
جريانها عليه.
فانه يجاب: الاول: ببداهة قيام سيرة العقلاء فيه على ذلك جريا
على ما تقتضيه طبيعة العقل البشري عندهم فضلا عن
ذوقهم‏العقلائي من ضم المشتركات المتفرقة في الكلمات
المتناثرة الى بعضها وتجميعها ضمن محور واحد، وطرح
المختصات‏ثم‏انتزاع امر كلي منها. ولذا انقسمت المفاهيم
والتصديقات الذهنية الى جزئية ماخوذة مباشرة عن الواقع
وكلية منتزعة تعم‏اكثر المفاهيم والتصديقات الذهنية بما في
ذلك اسماء الاجناس، والمعقولات الذهنية الاولية والثانوية،
والتقييمات الكلية غيرالمتعل قة بواقعة معينة، وعلاقات العلل
بالمعلولات واللوازم بالملزومات التي منها ما نحن فيه، فان
السبيل للكشف عن لوازم‏الاحكام الشرعية من شدة الارادة
والملاك وضعفهما هو تجميع القرائن الصابة في محور واحد
وطرح المختصات، امابالنحو التام الموجب لحصول القطع، او
الناقص المفيد للظن المعبر عنه بالظهور. وما ينعقد بشخص
الكلام من الظهور عندالعرف ونبه عليه الاصوليون في مبحث
العام والمطلق انما هو الظهور الشخصي للكلام دون الظهور
المجموعي الذي لشخص‏الكلام بما يتضمن من القرينة
دلالة ضعيفة عليه لا يلتفت اليها سامعه لضعفها ما لم تنضم
قرائن اخرى اليها.
ومنه يتضح جواب الثاني ايضا، اذ سيرة من هذا القبيل ليس
يمتنع انكارها فحسب، بل لابد ان تكون لها من السعة والانتشار
مايقطع بصدورها مكررا امام المعصوم(ع) وامضائها من قبله،
ان لم نجزم بصدورها منه ايضا، اذ لو كانت غير مقبولة له
لردع‏عنها بما يناسب شيوعها وكثرتها، فيصل بايدينا عدد معتد
به من موارد ردعه، ولم تصل.
وكيفما كان، فهذه الروايات معارضة باخرى غيرها، منها:
مرسلتا جميل ابن دراج:
الاولى: عن بعض اصحابه عن احدهما(ع) انه قال: «اذا اقر
الرجل على نفسه بالقتل قتل اذا لم يكن عليه شهود، فان رجع
وقال:لم افعل، ترك ولم يقتل‏» ((235)).
والثانية: عنه عن احدهما(ع) ايضا في رجل اقر على نفسه بالزنا
اربع مرات وهو محصن: «رجم الى ان يموت او يكذب نفسه‏قبل
ان يرجم فيقول: لم افعل، فان قال ذلك ترك ولم يرجم. وقال:
لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين، فان رجع
ضمن‏السرقة، ولم يقطع اذا لم يكن شهود. وقال: لا يرجم
الزاني حتى يقر اربع مرات بالزنا اذا لم يكن شهود، فان رجع
ترك ولم‏يرجم‏» ((236)).
بتقريب ان الامام(ع) اوضح في الروايتين حكمين من احكام
الحدود، يتعلق احدهما بعدد الاقرارات الموجبة للحد اذ
اطلاقه‏الاقرار في الاولى من دون تقييده بعدد ظاهره ثبوت
الحد بتحقق طبيعي الاقرار الكافي فيه المرة، وتقييده له في
الثانية بالمرتين‏في السرقة والاربع في الزنا يدل بالمنطوق على
عدم ثبوت حديهما قبل تمام ذلك والثاني بحكم رجوع المقر
بعد صدور الاقرارالموجب للحكم بالحد عليه، وانه يقبل منه
ولا يقطع وان ضمنه المسروق.
والمناقشة فيها بارادة الرجوع قبل اتمام الاقرار الموجب للحد
بقرينة تغيية عدم ثبوت الحد في السرقة والزنا بالعدد
المحدد،توهم محض، يدفعه تفريعه الحكم بعدم القتل عند
الرجوع عن اقراره على الاقرار المستوجب للقصاص، بقرينة
اثباته القتل‏بالاقرار في الاولى، وجعله شقا للرجم بل تقييده بما
قبل الرجم في صدر الثانية.
لكن كلتا الروايتين ضعيفتان بالارسال، وان كان راويهما جميل
بن دراج المعدود فيمن اجمعت الطائفة على تصحيح ما
يصح‏من رواياتهم عنهم ((237))، وخصوص الثانية بضعف علي
بن حديد المضعف من الشيخ في غير موضع ((238))،
والموثق‏برواية ابن ابي عمير عنه بناء على وثاقة من روى عنه
الثلاثة ((239)) بتعارض التضعيف والتوثيق وتساقطهما
المؤدي الى بقاءالشك في الحجية ثم جريان الاصل القاضي
بعدمها.
ويمكن جعل ما ورد في الثانية من ثبوت ضمان السرقة دون
الحد مؤيدا لما تقدم منا من ظهور روايات الحدود في
تشديدالشارع في اثبات موضوعاتها، لعدم خلوه من الحمل: اما
على كفاية الاقرار مرة في السرقة لثبوت الحق في ذمته
دون‏الحدفيحتاج الى الثانية، او عدم قبوله الرجوع في الحق
دون الحد فيقبل. وكلاهما دال على المطلوب.
وبعضها وارد في الاقرار بالنسب:
احداها: صحيحة الحلبي الاولى المنقولة بعدة طرق عن ابي
عبد اللّه(ع) في حديث قال: «وايما رجل اقر بولده ثم انتفى
منه،فليس له ذلك ولا كرامة، يلحق به ولده اذا كان من امراته
او وليدته‏». ومثلها رواية علي بن ابي حمزة عنه(ع) ((240)).
وثانيتها: صحيحته الثانية عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «اذا اقر
رجل بولده ثم نفاه، لزمه‏» ((241)).
وثالثتها: مرسلة ابي بصير قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن رجل
ادعى ولد امراة لا يعرف له اب، ثم انتفى من ذلك. قال: «ليس
له‏ذلك‏» ((242)).
ورابعتها: رواية السكوني عن جعفر، عن ابيه، عن علي(ع) قال:
«اذا اقر الرجل بالولد ساعة، لم ينف عنه ابدا» ((243)).
ودلالتها على عدم ارتفاع الاقرار بالانكار واضحة، غير انها
مختصة بالمورد، وتعديتها الى غيره يتوقف على الغاء
الخصوصية‏ما لم يدع اولوية نفوذها في النسب من غيره من
الحقوق، لتوقف حقوق واحكام مهمة عليه تقدمت الاشارة اليها
في محله، على‏ان الروايتين الاخيرتين ضعيفتان، الاولى
بالارسال، والثانية بالنوفلي الراوي عن السكوني.
وقد يستدل بمرفوعة ابي عبد اللّه(ع) قال: «اتي امير
المؤمنين(ع) برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم،
واذا رجل‏مذبوح يتشحط في دمه، فقال له امير المؤمنين(ع):
ما تقول؟ قال: انا قتلته. قال: اذهبوا فاقيدوه به، فلما ذهبوا به
اقبل رجل‏مسرع... فقال: انا قتلته. فقال امير المؤمنين(ع)
للاول: ما حملك على اقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت
استطيع ان اقول وقدشهد علي امثال هؤلاء الرجال واخذوني،
وبيدي سكين ملطخ بالدم، والرجل يتشحط في دمه، وانا قائم
عليه؟! خفت الضرب‏فاقررت، وانا رجل كنت ذبحت بجنب هذه
الخربة شاة، واخذني البول فدخلت الخربة، فرايت الرجل
متشحطا في دمه، فقمت‏متعجبا، فدخل علي هؤلاء فاخذوني.
فقال امير المؤمنين(ع): خذوا هذين فاذهبوا بهما الى الحسن،
وقولوا له: ما الحكم فيهما؟قال: فذهبوا الى الحسن، وقصوا
عليه قصتهما، فقال الحسن(ع): قولوا لامير المؤمنين(ع): ان
كان هذا ذبح ذاك فقد احيا هذا، وقد قال اللّه عزوجل (ومن
احياها فكانما احيا الناس جميعا) ((244))، يخلى عنهما،
وتخرج دية المذبوح من بيت المال‏» ((245)).بتقريب ان‏رجوع
الامام علي(ع) عن حكمه الاو ل بقتل المقر الاول بالقود الى
التخلية عن كلا الرجلين، ودفع دية القتيل من بيت‏المال بعد
رجوعه عن اقراره، يدل على عدم حجية الاقرار بعد الانكار ان
لم يكن في جميع الدعاوى او خصوص دعاوى الحقوق آباولوية
الدم من غيره في الحفظ وعدم التضييع او بالغاء الخصوصية
فلا اقل من ذلك في المورد.
لكن يلاحظ على الاستدلال المذكور:
اولا: ان الرواية ضعيفة السند بالارسال والرفع.
لكنه قابل للدفع: بان الرواية وان وردت مرسلة عن ابي
جعفر(ع) في التهذيب ((246)) ومن لا يحضره الفقيه
((247))، وعن علي‏بن ابراهيم كما في الوسائل عن الكافي
، وعن ابيه كما في الكافي نفسه ((249))، وهو ((248))
الصحيح بقرينة رواية التهذيب لهامرسلة كذلك، ومرفوعة فيما
عدا الاولين، لكن صاحب الوسائل نقل عن الصدوق روايتها
باسناده الى قضايا اميرالمؤمنين(ع)، وليس فيما وصل بايدينا
من كتبه غير كتاب من لا يحضره الفقيه منها عين ولا اثر، وفيه
وردت مرسلة كماتقدم.
نعم، يحتمل عد صاحب الوسائل الواو في قوله: «وروي عن
ابي جعفر(ع)» الواردة في صدر الرواية عاطفة على ما قبلها
من‏الروايات المروية عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس
عنه(ع)، بعد جعل رواية الاصبغ بن نباتة المتوسطة بينها
وبينهامعترضة، او استفادته من السند كونها مروية عن ابي
جعفر(ع)، ومن المتن كونها من قضايا امير المؤمنين(ع) الذي
روى‏محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) كتابا فيها، على ما نص
على ذلك الشيخ والنجاشي في فهرستيهما ((250)).
ومعه يكون الطريق صحيحا، لا الى هذه الرواية بل الى كل
الروايات الواجدة لاحد الاحتمالين المتقدمين، الا ان ما ذكر
مع بعده،بل مخالفته لظاهر الرواية غير المنسجم مع العطف
المقتضي للتعبير ب«وعن ابي جعفر»، وعدم الموجب لجعل
رواية الاصبغ بن‏نباتة معترضة بالنسبة للاحتمال الاول لا
يمنع ورود بعض الروايات الواجدة لهذه الخصائص من طريق
آخر غير طريق‏الكتاب ليس بمعتبر، ولا تكون موجودة فيه، فلا
يحصل العلم المستند اليه في حجية مثل المقام بعد عدم
تصريح الصدوق‏بالسند.
وثانيا: ان الحكم المذكور يمكن ان يكون خرج مخرج الحكم
الولائي بقرينة تخلية سبيل الرجل الخر ايضا.
وهو ما قد يدفع: بان حملها عليه خلاف الظاهر، والقرينة
المذكورة مردودة باستدلال الامام الحسن(ع) باحياء الثاني
الاول،باقراره على نفسه بالقتل ودفعه القصاص عنه المحيي
للناس جميعا بما فيهم الميت المطالب بدمه.
وثالثا: ربما يجعل الحكم المذكور من باب انعدام السبيل
لتعيين القاتل المكلف به الحاكم، لابتلاء دليل حجية الاقرار
بالتعارض‏الداخلي نتيجة التعارض بين الاقرارين، الموجب
لسقوطه عن الحجية ثم الرجوع الى الاصل العملي المبتلى
بذلك ايضا، فيخلى‏سبيل المتهمين، لعدم احراز وقوع الجرم
من احدهما المعين، وعدم جواز قتلهما معا، لمعلومية محقونية
دم احدهما، وتدفع‏الدية من بيت المال، لقصور الحاكم عن
تعيين القاتل، ولئلا يذهب دم المقتول هدرا، تماما كما يفعل
في المقتول بالزحام.
ويمكن ان يجاب: بما اجيب به عن المناقشة المذكورة لدى
الاستدلال بهذه الرواية وبصحيحة زرارة وغيرها المشار اليها
لاحقا،من وجوب احقاق الحق على الحاكم بقتل احد المقرين
او كليهما عملا بمقتضى وظيفته، واستنادا الى اجراء قاعدة
القرعة‏المحكمة من الحق الكلي المعلوم المردد الانطباق على
اكثر من طرف واحد في الاول، او التقسيط عليها المتبع في
الحقوق‏المتنازع فيها بين اطراف لا مرجح لاحدها على الخر
في الثاني ((251)).
ورابعا: بان الرواية معارضة بما تقدم الاستدلال به على حجية
الاقرار فيمن اقر بقتل شخص مستقلا واقر آخر بقتله او
شهدعليه كذلك، التي خير فيها الامام(ع) ولي الدم
بالاقتصاص من ايهما شاء، الكاشف عن حجية الجميع: اقرارات
وبينة ((252)).
وقد يدفع: بالفرق بينهما بتعقب الانكار للاقرار في هذه دون
تلك.
والصحيح ان الاستدلال بمرفوعة ابي عبد اللّه(ع) غير تام
لاحتمال خروج تخلية المقر الاول، لا من باب حجية الانكار
بعد الاقراروان احتمل، بل من باب العلم ببطلان امارية الاقرار
وكشفه عن الواقع للعلم بكذبه.
وقد يدفع الاحتمال المذكور بالتمسك باشعار امر الامام امير
المؤمنين(ع) باخذ المقر الاول الى الامام الحسن(ع) للحكم
فيه‏بعدم علمه ببطلان اقراره، والا خلى سبيله وامر بالخر
وحده ليؤخذ اليه، لوضوح حكم الاول حينئذ دون الثاني، لكن
الظاهر ان‏الامام علي(ع) كان يرغب في احالة القضية بكاملها
الى الحسن(ع) للبت فيها ابانة لقدراته، ولما ورد في استدلال
الامام‏الحسن(ع) باحياء الثاني الاول الكاشف عن قطعه ببراءته،
وبطلان اعتبار اقراره.
واما تخليته سبيل الخر فيحتمل فيه عفو الامام(ع) عنه بعنوانه
ولي دم المقتول بعد فرض عدم الوارث له، كما قد يشهد
له‏اهمال ذكره في الرواية المتعارف في امثالها التعرض اليه،
وان افتى بعض الفقهاء بمضمونها على سبيل الالزام ((253)).
وحينئذ، فلابد من حمل الاستدلال الوارد فيها على بيان
رجحان عفو ولي الدم للقاتل مكافاة له على اقراره على نفسه
لتخليص‏غيره.
ومع الانتهاء في سبب تخلية سبيل الاول الى ما انتهينا اليه من
احتمال خروجه مخرج العلم بكذب الاقرار الاول، ينتفي
امكان‏جعل الرواية دليلا على ارتفاع حجية الاقرار المتعقب
بالانكار.
ومنها: ان حجية الاقرار ثبتت قبل الانكار بدليل معتبر،
فارتفاعها يفتقر الى الدليل، ومع عدمه والشك يصار الى الاصل
العملي‏المقتضي للتنجز في المقام استصحابا لمعلوم الثبوت
قبل عروض الانكار، ما لم يناقش بتبدل الموضوع فعلا من
الاقرار الى‏نقيضه اعني الانكار، وثبوت الحجية زمانا ما لا
يقتضي ثبوتها في الازمنة اللاحقة ولو بعد ارتفاع موضوعها
خصوصا في‏اثبات الموضوعات، بل الوقائع السابقة التي لا
تتبدل بتبدل الزمان.
ولا ينفع القول بصيرورة الانكار مع فقدان الدليل على اعتباره
بلا اثر، فيبقى الاقرار على حاله، كما صرح به البجنوردي
في‏قواعده قال: «الامر الثالث في ان الانكار بعد الاقرار لا يسمع،
ولا اثر له، وذلك من جهة ان الاقرار كما تقدم امارة على
ثبوت مااقر به على نفسه ونفوذه في حقه، والانكار الذي يصدر
منه بعد اقراره لا دليل على اعتباره، فوجوده كعدمه، وهذا
معنى‏سماعه، اي كلام لا اثر له‏» ((254))، لان عدم ثبوت
اعتبار الانكار عند الشرع لا يعني بقاء حجية الاقرار الدائر
ثبوتها حدوثاوبقاءوعدمه كاي حكم من الاحكام الشرعية مدار
بقاء موضوعها وارتفاعه المرتفع في المقام عند العرف المحال
عليه تشخيص‏الموضوعات على حالها.
ومن هنا يفتقر الاستدلال الى اجراء بعض التعديل عليه بالقول:
بان حجية الاقرار تثبت الحق بقطع النظر عن اتصالها
بحكم‏الحاكم، كما سياتي في الامر الرابع، وارتفاعها نتيجة
انقلاب موضوعها عما هو عليه لا يقتضي ارتفاع الاثر المترتب
عليها من‏ثبوت الحق على المقر بعد ثبوته الا بدليل يقتضي
ذلك، ومع عدمه والشك يصار الى استصحاب بقائه عليه ولو
لما بعد الانكار،بخلاف البينة التي لا يثبت الحق بمجرد قيامها
عليه ما لم يتصل بحكم الشارع، ومعه لا يجري الاستصحاب.
لكن ما ذكرناه هنا يعد مع ما جعل دليلا اولا على حجية
الاقرار بعد الانكار دليلا واحدا لتكفل ما ذكرناه هناك انكار
الدليل على‏ارتفاع الحجية، وهنا اقتضاء الاصل بقاء اثرها.
ومنها: الاجماع القطعي، بل تسالم الفقهاء على عدم ارتفاع
حجية الاقرار عنه بعد تعقب الانكار له، المستدعي لا لعدم
الاستدلال‏له فحسب، بل لعدم التشكيك فيه ايضا، والاستناد
اليه دليلا مفروغا عنه ((255)).
لكن وبالرغم من ذلك كله، ذهب كثير من الفقهاء في جملة
من الموارد الخلافية الى سماع رجوع المقر عن اقراره، منها: