بسم الله الرحمن الرحيم ليس الخلود سمة تشريفية تمنح لهذا او ذاك .. ولا شعارا
دعائيا يضفى على اتجاه ما .. بقدر ما هو حالة منتزعة من
حاق الشيء .. وليس جزافا ان ينعت الاسلام بذلك بل لما
ينطوي عليه من عناصر الاستمرار والديمومة .. والقدرة على
مواكبة حركة الحياة وتحولاتها المتعاقبة وانعطافاتها السريعة ..
فقد اشتمل هذا الدينالحنيف على نظام معرفي متكامل
قادر على ملء الفضاء الفكري باسره يمتد في مختلف الابعاد
العقائدية والعملية بحيثيستوعب كل رقم ثقافي وكل مفردة
تدخل في صياغة الهيكل الحضاري للانسان الامة والفرد .. وهذا الادعاء الكبير لا يتم اثباته من خلال العرض الخطابي والاثارات الموضعية المتقطعة او الفرضيات التبرعية .. بل لابد من اعتماد التصديق المنطقي كركيزة لكل تصور سيما فيما يمسحريم قضايا بهذا الحجم من الضخامة .. وبهذه الدرجة من الخطورة. بيد انا لا نريد هنا ان نؤصل اصلا جديدا . . وننسج من خيوط الحماس البريء والميول المتجذرة فينا زي العقلانية لما نحن فيه معتقدون . . فان هذه العقلانية من ذاتيات الرسالة الخالدة التي لا تنفك ولا تنفصل عنها . . سواء في المحاور المبنائية العامة او في التفصيلات البنائية الدقيقة .. وبالامكان لمس هذه الحقيقة بوضوح فيما لو عدنا الى اول واهم وثيقة ناطقة باسم الرسالة . . الا وهي القرآن الكريم . . فانه قد تناول اشد القضايا تعقيدا واكثرها حساسية كالمسائل الغيبية واخضعها للبحث والبرهنة . . وبهدوء تام واحترام كامل للفكرة وان كانتخصما . فكل قضية وان بلغت اقصى مراتب القداسة لا بد وان تقف بين يدي حكومة العقل لتكتسب شرعيتها كقضية تستحق ان تحتل مساحة في الوجود الذهني ويسوغ لها ان تمد اذرعها الى واقع الحياة . . وبهذه الروح اطلت رسالتنا العظيمة على العالم . . وعلى هذا النسق كانت تتابع النبوة خطواتها في مشروع صناعة الامة النموذجية . . وعلى هذا الايقاع نفسه سار الرعيل المعصوم من اهل بيت الوحي والعصمة في تتميم الشوط الحضاري الذي بداه الرسول الاكرم (ص) . . حتى علا صرح مدرسةاهل البيت(ع) على ارضية محكمة .. وتشخصت معالم طريقتهم المثلى . ففي الحقل العقائدي حققت هذه المدرسة تفوقا واضحا في تثبيت دعاء العقيدة الصحيحة على اسس موثقة وركائز راسخة . . جلت ان تخالطها الرؤى النسبية . . وتنزهت ان تمازجها ايحاءات اللامعقول . . فطفقت مهيمنة على من سواها من الاتجاهات الفكرية . . فترى عليا (ع) يجيب عن مسائل في غاية التعقيد وهو على منبر الكوفة بدقة وعمق بالغين ولم تشغله صياغة البيان عن صناعة البرهان . . مما اثار استغراب كثير من الباحثين الجدد . . فقد بهت بعضهم عندما اطلع على تلك البيانات الدقيقة والرؤى العميقة التي لا تتلاءم والحالة البدائية التي يعيشها المجتمع آنذاك. ولقد جنى بعض على الفكر والحقيقة فبدلا من ان يحلل هذه الظاهرة الفذةتحليلا سليما اخذ يشكك في صحة صدور مثل ذلك عن اهل البيت (ع) . . وقد غاب عنه ان اهل البيت (ع) قد زقوا العلم زقا وورثوا هذه العلوم عن رسول الله (ص) الذي علمهشديد القوى .. ولا ينطق عن هوى .. من هنا نجد ان سجل الافكار حافل بالشموخ العلمي الذي تحلى به الائمة (ع) رغم اختلاف المقاطع الزمنية التي عاشوها وتلون الظروف السياسية والاجتماعية وتباين اوضاعهم الخاصة حتى اذعن لفضلهم وعظمتهم القريب والبعيد . . ورشف من نمير وردهم الصافي العامة واهل الخاصة. ولا يمكن ان يغفل بحال من الاحوال حجم الانجاز العلمي الكبير الذي حققه اهل البيت (ع) في تعميق البعد العقائدي وتشخيص حدوده بدقة فائقة . . فقد حفظوا الامة الاسلامية من آفة الاحتواء وحالة الطفيلية الفكرية . . وذلك من خلال ما كانوا يقومون به (ع)من توجيه عام وخاص بحيثشكلوا تيارا قويا من الوعي العقيدي . . ومن ينظر بعين الانصاف يتضح له جيدا انه لولا ما بذله اهل البيت (ع) من جهود مكثفة فيبلورة الثوابت العقيدية لاختلط الحق بالباطل ولذابت الكلمة الحقة في مياه الشبه الداكنة ولتشوهت الصورة الناصعة للعقيدة البيضاء . واما في الحقل الفقهي فكان اهل البيت (ع) الينبوع الدفاق
الذي تعب من معينه العذب الامة بسائر قطاعاتها .. حتى ان
الجهات السلطوية كثيرا ما كانت تلجا اليهم لحل بعض
المعضلات .. وللخروج من الاحراجات التي كانوا يقعون فيها
على مستوى الفتوى او القضاء .. ولقد تجسدت فيهم المرجعية
الدينية بحق .. ومن بيت الوحي كانت الانطلاقة لبيان وتبليغ
احكام الله .. فقد قاموا بنشر الثقافة الفقهية العامة على نطاق
واسع .. وايضا بذروا النواة الاولى للمدرسة الفقهية الاصيلة .. وذلك ضمن محاور .. منها : اولا : تربية الكادر العلمي التخصصي من خلال ما كانوا يلقونه من دروسومحاضرات او من خلال اللقاءات التي كانت تعقد للمناظرة والحوار .. ويكفي المتابع ما اثبته المؤرخون من تلامذتهم (ع) .. فسجل الحافظ ابو العباس ابن عقدة اربعة آلاف من تلامذة الامام الصادق (ع) فقط من ضمنهم ائمة المذاهب المعروفة .. بل قيل انه روى حديثه خلقلا يحصون .. ثانيا : نشر الثقافة الفقهية على صعيد عام . . والتصدي للافتاء
والاجابة على كل ما كان يقدم اليهم من اسئلة .. ففي الصدر
الاول كان علي(ع) ملاذا للامة ومفزعا حتى اشتهر عن عمر بن
الخطاب قولته : « لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن » . .
وايضا قام اهل البيت (ع)بتوزيع الطاقات العلمية وفق برنامج
مدروس لتغطية كل الساحة الجماهيرية . . فنرى الامام
الصادق (ع) يوجه ابان بن تغلب للتصدي للفتيا في المسجد
النبوي الشريف . . ويقول له : « اجلس في مسجد المدينة
وافت الناس فاني احب ان يرى في شيعتي مثلك » . . في
حين كان ابان بن عثمان يتردد فيما بين الكوفة والبصرة . . وقد اخذ عنه ثلة من اهل البصرة كمعمر والجمحيمما حقق نقلة نوعية في المجتمع الاسلامي ككل لا في حدود الحرمين حسب . . فتنامت مراكز علمية كبرى في كثير من الحواضر الاسلامية . ثالثا : وضع الاسس المحكمة لعملية الاستنباط ورسم الحدود والضوابط القانونية لممارسة الافتاء حيث لم يكن للاجتهاد معنى مشخص لدى المسلمين في الصدر الاول مما فتح المجال امام الكثير لتبرير حالات الارتجال والفوضويةفي الفتيا ولاسباغ سمة الشرعية على بعض الممارسات المرفوضة فقهيا . . وقد تصدى اهل البيت (ع) لهذه الاتجاهات الفقهية الهشة وبينوا نقاط الخلل فيها كتصديهم لمدرسة الراي والقياس . رابعا : اعتماد الكتابة وتشجيع ظاهرة التدوين . . لحفظ الثروة
العلمية من الضياع او التشويه والتحوير العمدي او الاتفاقي . .
فاول من بدا ذلك اميرالمؤمنين(ع) فبعدكتابته لكتاب الله . .
دون كتاب الجامعة الذي اودع فيه اهم ما صدر عن رسول
الله (ص) من تشريعات واحكام . . وكتب مصنفا في الاحكام
عرف فيما بعد بكتاب ظريف . . ودون كذلك تلامذته في
عصره ماسمعوه منهكعبد الله بن ابي رافع والاصبغ بن نباتة . . واتسعت هذه الظاهرة حتى نقل ان تلامذة الامام الكاظم (ع) كانوا يحضرون معهم وفي اكمامهم الواح آبنوس لطاف واميال . . فكلما نطق ابو الحسن بكلمة او افتى في نازلة اثبتوا ذلك . .وقد دونت الاصولالاربعمئة من قبل اصحاب الائمة(ع) والتي شكلت المصدر الرئيس للجوامع الحديثية فيما بعد . . هذا وسيكون لنا عودة الى هذه المحطات ان شاء الله .. لكن ما قدمناه من بيان اجمالي يكفي لتكوين صورة عما قام به اهل البيت (ع) من خطوات مركزية في تعميق علم الفقه وتاسيس مدرسة فقهية متينة ومعطاءة تؤتي اكلها كل حين باذن ربها .. وبالرغم من انه لم يتح لها ان تمارس دورها في كل المديات .. عدا فترة محدودة من تاريخها .. اذ تم محاصرتها في ردهات ضيقة .. وحيل بينها وبين ان تقول كلمتها في المواقع المتقدمة .. والميادين العامة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية .. الا ان الله تعالى قد قيض لها في عصرنا الراهن فرصة الوصول الى مرحلة الاقتدار السياسي .. والتصدي للحكم وممارسة الادارة ولو في جزء من عالمنا الاسلامي .. فصارت امام مسؤولية كبرى من اجل اثبات حنيفيتها .. وتجسيد ما تدعيه من كفاءة وجدارة في ممارسة الحل والنقض على مستوى الواقع الرحب فضلا عن الواقعة كمفردة هنا وهناك .. في وقت اعلنت فيه الانظمة الارضية افلاسها وشرعت في عدها التنازلي .. بل اقفلت ابوابها احيانا . وكما اثبتت مدرسة اهل البيت(ع) حقانيتها في مجالات كثيرة وكتب لها النجاح .. يتوقع لها ايضا التفوق والظهور على مستوى التطبيق للاطروحة الالهية . . وهذا لا يتم ببساطة .. فان نفض التراكمات الدخيلة .. والاتزان في التكييف الفقهي للمشكلات العصرية .. يمثل خطوة نحو العمق .. وسيرا باتجاه فقه الملاكات الكبروية في التشريع .. ويالها من عملية شاقة .. ويا له من امتحان عسير يمر به الفقه اليوم . . وانه لمحك دقيق للتمييز بين الاجتهاد الحقيقي والادعائي الذي هو تقليد من الدرجة الراقية فنحن لا نحس بالفاصلة بين الاجتهاد والتقليد فيما لو كانت منحصرة في نطاق تمحيص الاقوال والاستدلالات او الترجيح فيما بينها او تطويرها فحسب .. بل الفارق الحقيقي بينهما يتمثل بالقدرة على التاسيس في المجالات المستحدثة .. ودرك الواقعة من خلال الواقع بكل ابعاده لا من خلال بعد او بعدين .. فلا يتوهم ان المشكلة تكمن في تحديث الصياغات والتعابير . وشعورا بهذه المسؤولية .. وامتثالا لامر المولى عز وجل بنشر احكام الشريعة الغراء وحفظا للتراث الذي هو امانة في عنق كل واحد منا كان هذا الاصدار الفصلي «فقه اهل البيت (ع) » والذي سياخذ على عاتقه نشر اهم ما يطرح من معالجات فقهية لما يستجد في عالمنا اليوم من قضايا ملحة تمس المسلمين وبيان ما يتبناه فقه اهل البيت (ع) من رؤى خاصة وطروحات اساسية . . من خلال ما تسطره اقلام كبار فقهائنا الافاضل وتقديم ذلك بين يدي ذوي الاختصاص والمفكرين الاسلاميين . . عسى ان نوفق لفقه احكام الدين ووعي الشريعة . . ونامل ان يكون ذلك حافزا لاصحاب الفضيلة من الفقهاء والمجتهدين للمساهمة في بلورة الحلالاسلامي للحياةالمعاصرة . . وممارسة الاستنباط بمعناه الواقعي . ومن فضل الله علينا - ان فضله كان كبيرا - اقتران باكورة
عملنا هذا بمولد النور وبزوغ شمس الهدى واطلالة اشرف
مخلوق واطهر شخصية زينت التاريخ الرسول الاكرم (ص) . . مما يقوي من عزيمتنا ويزيد في املنا بتوفيق الله وتسديده ببركة نبيه الذي ما فتئت انواره تشع على العالم وما زالت الاجيال تنهل من عطائه الثر . . وما هذا الاصدار الذي بين يديك الا نسمة من شذى الاسلام . . وخطوة في سبيل ترويج الشريعة الغراء. نسال المولى القدير ان يشد الازر ويوفق للمزيد ويتقبل عملنا بقبول حسن. . . ولا حول ولا قوة الا بالله . . رئيس التحرير |
|---|