بسم الله الرحمن الرحيم
سنخان من الممارسة الفكرية يتوزعان المعرفة البشرية
احدهما يختلف عن الآخر ويمتاز عنه بعدة امتيازات جوهرية ..
اولهما العلم وثانيهما الثقافة .. وليس محض التسمية هو
الفارق بينهما..فلا يظن ان المائز بينهما هو مجرد التفاوت في
اللفظ والاصطلاح.. بل لكل منهما حقيقته المشخصة له
ومنظومته الخاصة به وميدانه الذي فيه يتحرك وفلكه الذي
فيه يدور وادواته التي يعتمدها ..ولكل ستراتيجيته التي
ينطلق منها في وضع برامجه واولوياته التي يحكمها في
مباشرة ما يبتكر من طروحات.
ومن العجب ان ثلة من المفكرين التقليديين ترددت في
تحديد الفاصلة الحقيقية بين العلم والثقافة .. ولم تفلح في
الوصول الى صياغة حاسمة تعبر بدقة عما بينهما من تفاوت ..
فالثقافة لدى بعض منهم « هي مجموعة الافكار والعادات
الموروثة التي يتكون فيها مبدا خلقي لامة ما .. » في حين هي
حسب بعض آخر «ذخيرة مشتركة لامة من الامم تجمعت لها ..
وانتقلت من جيل الى جيل خلال تاريخ طويل.. وتغلب عليها
بوجه عام عقيدة دينية..هي جزء من تلك الذخيرة من الافكار
والمشاعر واللغة» ..
وهكذا يظل طلسم الثقافة عائما في وحشة الغموض غريبا
يطلب هوية لنفسه وبطاقة تعريف ..ويبقى في عزلة قاسية
محجوبا بضبابية طخياء قلقا بين تصورات غير متسقة في
سياق واحد .. ولا متفقة على مفهوم .. وكانه وقع خلط عندهم
بين الثقافة كحقيقة وبين حيثياتها التعليلية ..
البيان : ان العلم يعنى عادة بزاوية ما من زوايا عالمنا الوسيع ..
يعكف على تحليلها متوفرا عليها غير ناظر لما سواها ..
والثقافة تنفتح على الحياة بكل حيثياتها وتلحظها طرا
كوحدة واحدة .. وليس للانسان بما هو مادة للدراسة في حوزة
العلم خصوصية بها يمتاز عن اية عينة اخرى في الوجود ..
بينما هو بما له من وجدان وآمال يشكل المحور للثقافة
والهدف .. واناقصى ما يصل اليه العلم من حيوية .. وغاية ما
يبلغه من فاعليةهومواكبةالحياة كحركة..غيران
الثقافةعبارةعن مجموعة من الافكار والتصورات تنبثق من
الحياة وتتفاعل معها كرؤى وتطلعات ..
اضف ان لغة العلم المعادلة والرقم .. والثقافة لغتها المصداق
لا الشبح، والمعنون لا العنوان .. العلم يتناول مسائله طبقا
لتسلسلها المنطقي في هذا الاختصاص او ذاك .. في حين انا
نلاحظ ان المسائل الثقافية تطرح مترتبة حسب ما لها من
الاهمية..وبمقدار ما تتسم به من اولوية منبثقة من الواقع
المعاش .. هذا وقد تلعب الصدفة في بعض الحالات دورا
ملحوظافي دفع عجلة العلم وكشوفاته الى امام وتعجيل
حركته .. الا اننا لا نكاد نجد مداخلة ثقافية - وان مازجها
اللاشعور احيانا - الا ويكمن وراءها هدف ما..ولا نواجه عرضا
ثقافيا الا وينشد غاية معينة ..
وتاسيسا على ما بينا توا من فارق ماهوي بين العلم والثقافة ..
فمن الطبيعي ان يكون لكل منهما مخاطبوه وجمهوره الخاص
به. فان الخطاب العلمي يوجه الى الانسان بشرط .. والخطاب
الثقافي يوجه الى الانسان لا بشرط .. ونحن لا نبغي من ذلك
ترجيح احدهما على صاحبه بلحاظ حساب العامل الكمي
لجمهور كل منهما .. بل غرضنا هو صرف التنبيه الى ان لكل
منهما مقتضياته واقتضاءاته ولكل دوره الذي يليق به وحجمه
المناسب له .. فلايستعاضعن الثاني بالاولولا العكس.. ولا
يستغنى عن اي منهما.. فكلاهما يسهمان في صياغة الحياة
الانسانية الاسمى ..
واخيرا وليس آخرا فان المحصلة النهائية للعلم هي ان يقدم
للعقل البشري كشفا .. في حين ان الثقافة مآلها ان تخلق في
روح الانسان انبعاثا ووعيا..ثم ان المحاصيل العلمية تستلمها
الثقافة كاصول موضوعية.. وعلى ضوئها يتم فك الاشكالات
وتثبيت القناعات وتحديد المسارات ..
اجل..ان العلم من دون ثقافة تتمثله وتعكس اشعاعاته ما هو
الا ركام من المدركات التي يمكنها ان تشبع الرغبة في حب
الاستطلاع .. كما ان الثقافة غير المرتكزة على العلم سحابة
من المشاعر والطموحات تسري في ليل بهيم لا يزيدها السير
الا بعدا .. ولكن عند التحامهما سيثري احدهما صاحبه ..
ولربما كانت الاستحالات الموجبة والقفزات التاريخية التي
مرت بها البشرية في حركتها الحضارية تعود عليا الى النمو
المتوازي في كلا الصعيدين من المعرفة.. كما ان العدالتنازلي
والهزال الفكري سيصبح نتيجة حتمية وطبيعية لانفصام تلك
العلاقة التبادلية بينهما..
ان نا نؤكد ان كل كيان حضاري لا يمكن ان يحالفه التوفيق
ما لم يبن على هاتين الدعامتين القويتين سواء في الافق
القيادي او الريادي .. فلا بد من اعطاء كل من البعدين حظه
وايصاله الى نصابه المرتجى له .. والا فان الاغضاء عن احدهما
سيجعل الانطلاقة عرجاء.. ويؤول بها الى الخواء .. ويعرض
حركتها الى الارباك .. ويودي بخطوها الى التباطؤ او التراجع..
ولو توخينا تصنيف معارفنا وفق الملاك المذكور فسنحصل
بالنتيجة على مجموعتين من المعرفة (العلم + الثقافة)
مستقلة احداهما عن الاخرى.. بيد انا سرعان ما نواجه في دنيا
المعرفة نمطا آخر مجمع بينهما يمكن ان نعده ثالثهما .. كما
هو الحال بالنسبة الى علم الفقه .. فهو علم بكل ما للعلم من
مساحة وشؤون .. ومن جهة ثانية هو ثقافة في ذات الوقت بكل
ما للثقافة من عناصر ودلالات.. والعلة في هذه الصيرورة
البرزخية لعلم الفقه حيث ادغم فيه النمطان هي كونه قضية
يشكل الانسان طرفيها فهو لها موضوع وهو لها محمول ايضا ..
اذ انه يتناول الانسان المسؤولالمكلف - ليصنع منه الانسان
النموذج - الممتثل - ويمتد خارجا يعالج الحياة الفعلية ليبني
منها الحياة المستقبل على اسس راسخة.. متينة متانة الحق ..
رقيقة رقة المشاعر .. واسعة سعة الامل .. طلقة طلاقة النسيم..
لا يعزب عنه اية ممارسةسلوكية..ولايغمضفيايتطلع صوب
الآفاق .. اجل، هكذا كان الفقه .. وهكذا اريد له ان يكون ..
وهكذا فليكن..
ولعلنا نجد آية ذلك التمازج بين هاتين الطبيعتين ..والتزاوج
بين المسؤوليتين في النص القرآني المقدس (وما كان
المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقةمنهم طائفة
ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم
يحذرون) فاننا نجد انالتاكيد فيه على كل من الحيثيتين
واضح بجلاء .. اما الحيثية التخصصية فقد قدمت هنا حسب
منطوق النص على اخطر تكليف وهو الجهاد.. بل هي جهاد
ايضا ولكن بنحو آخر .. ولئن كان الجهاد المسلح يمهد الارضية
المناسبة لتحكيم دين الله في الارض بازالة الموانع عن الهداية
واعداد المقتضي للاستقامة والانفتاح على رحاب الحق .. فان
الجهاد العلمي التخصصي والبيان الثقافي المبتني عليه
يفعلان فعلهما جدا في ترسيم برنامج الحياة عمليا.. وهذا ما
يشعر به التعبير صريحا (فلو لا نفر) على ان لا يكون هذا النفير
عشوائيا.. بل يتحقق وفق خطة احصائية مدروسة للتوزيع
ويتم طبق المعادلة التبليغية التالية (من كل فرقة منهم
طائفة) .. واما الحيثية الثقافية فهي ليست من ناحية الاهمية
باقل من الحيثية الاولى فان قوله تعالى: (ولينذروا قومهم اذا
رجعوا اليهم) قد جعل جزما التثقيف الفقهي نتيجة مترتبة
على التخصص الفقهي وغاية معنية له .. عسى ان يتحقق في
نهاية المطاف الانعكاس العملي المحسوس على واقع الحياة
والرشد المعرفي والنضج الفكري (لعلهم يحذرون)..
لقد آن الاوان ان تاخذ الثقافة الفقهية موقعها الصحيح كمنبع
من منابع التوجيه العام بل اهمها .. ولئن اغفلها قوم عامدين
تمشيا مع منطلقات ايدلوجية مضادة وانسيابا مع انطباعات
معاندة .. فما بال الاصدقاء الذين حبسوا طائر الفقه في صومعة
التخصص الصرف ومنعوه من ان يغرد على افنان الحياة وهم
يحسبون بذلك انهم يحسنون صنعا تاركين الساحة الثقافية
يسرح فيها قطيع من مفاهيم لا يعلم نسبها الى الصحف
المطهرة.. ولئن كان لنا مع اولئك وقفة وحساب فانلنا مع
اولاء تذكرة وعتاب ..
ام ا كيف يمكن للفقه ان يخوض الميدان الثقافي ويقتحم
الساحة الاعلامية آخذا بزمام التوجيه؟ وما هي النوافذ التي
يطل منها على الملا العام؟ وما هي الآلية التي تنفع في هذا
المضمار؟ وهل يمكن تحقيق ذلك عمليا او لا؟ سوف ننسى
الاجابة الى حين ونؤخرها الىاجل غير مسمى ..الا اننا لا ندع
الفكرة تضيع في صحراء الاجمال .. ولا نبضعها على طاولة
التفصيل.. بل نكتفي بذكر مؤشر واحد للبيان الفقهي الثقافي ..
والتطبيق الذي نورده هنا هو اعتماد لغة الاصطلاحات
كنافذة ثقافية جاذبة .. فان الاصطلاح -كما لا يخفى يعتبر
اسرع وسيلة تتخذ لاجتياز الفاصلة الواسعة بين التخصص
والتثقيف .. وتسهل عملية التفاهم بين المتمرس والمتفرج ..
وهي لغة تستعذبها النفوس .. ولا تسامها الطباع .. وتنحت في
الاذهان تصورات قطعيةموطئةلاستقبالتصديقاتهاان لم
تحققها في اول آنات التلقي.. لذا فاننا نجد في الاتجاهات
المدرسية ان عملتها الصعبة هي المصطلحات التي يمكن من
خلالها ان تجتازجسورالعزلة عن الجمهور..
لقد ادركت المرجعية العليا والجهات العلمية ان بث المصطلح
الفقهي بين الناس وترويجه هو اوجه الوجوه التي يمكن ان
تعبر عن العمق العلمي بدقة ووضوح واختصار .. وانه المفتاح
السحري الذي يفتح امامنا ميادين ومجالات مباركة من
الممارسات والآفاق الثقافية الفقهية الاخرى..
من هنا كان تاسيس ذلك المشروع التاريخي الكبير وهو
مؤسسة دائرة المعارف الفقهية طبقا لمذهب اهل البيت: التي
يعتبر من اول مهامها اعداد وكتابة موسوعة المصطلحات
الفقهية وتقديمها بين يدي غير المتخصص كما يفيد منها
المتخصص ايضا.. والتي ستكون ان شاء الله تعالى منبرا
صادحا بانغام الشرع.. ومبشرا بجنة احكامه .. ومنذرا من
جحيم هجرانه .. وعاكسا لحسن بهائه .. ومترجمالعميق كلماته
.. وكاشفا عن كنه مراداته .. وانها لمسؤولية ثقيلة حقا تنوء
بالعصبة اولي القوة.. وتتطلب جهودا استثنائية ..ونفيرا علميا
واسعا .. وعملا تحقيقيا دائبا من اجل احكام مباني هذا
المشروع واتقانها .. ورص اسسه وترسيخها .. ولكي نطمئن
قراءنا الكرام .. ولانذرهم في دوامة الانتظار الطويل .. سنريهم
- في طيات هذا العدد من مجلتنا - نبذة من انجازاتنا ونماذج
مقتضبة تحكي صورة ما يجري في اروقة هذا المشروع من
خطى رشيدة ومساع حثيثة .. راجين وجه الله ورضاه آملين
نيل فضله ونداه ..
.. ولا حول ولا قوة الا بالله ..
|