بسم اللّه الرحمن الرحيم
كثيرة هي المحطات الثقافية التي تنتظر الفقه كي يحط
رحاله لديها .. ويحل في رحابها مضيفا اليها رقما .. ومضفيا
عليها فهما مما يدلل على سعة دائرة المسؤولية .. الا انه لو
امعنا النظر للاحظنا ان هذه المحطات ليست كلها على حد
سواء .. بل تختلف فيما بينها وتتفاوت من جهات عديدة:
منها: رتبتها في سلم الاولوية والاهمية .. فرب واحدة اولى
واهم من اخرى .. ومنها: نوع المخاطب فيها فقد لا يحس
بضرورة فتح الحوار مع عامة المثقفين في موضوع ما ..
فيقتصر على مخاطبة خاصتهم ومفكريهم حسب ..
ومنها: درجة حساسيتها .. فثم مطبات يصعب الولوج فيها
والخروج منها بسبب وقوعها في حريم ليس من الهين اختراقه
لما يترتب على ذلك من وخز للوجدان الاجتماعي العام ..
والسير عكس التيار .. وتحد للموج المتلاطم .. بل قد يولد فتح
بعض الملفات في احايين كثيرة ردود فعل عنيفة جدا يتعالى
عندها صدى الحماس النبيل .. و يطغى عليها روح الرفض
الغيور .. مما يعد التحرش بمثل هذه المناطق مجازفة لا يعلم
مآلها .. كما ان تسليط الاضواء الكاشفة على ما وري منها يعتبر
محاولة محفوفة بالمخاطر ..
ان الشعائر الاسلامية عموما هي احدى هذه الموضوعات
الحساسة والتي ينبغي معالجتها داخل اروقة خاصة ومغلقة ..
فان تنقيح هكذا مسائل من خلال مناقشتها في الباحات
العامة يؤدي على ما نعتقد الى اثارة ضبابية مقصودة وغير
مقصودة تحدث ارباكا في حالة الثقة بحبال الوصل الرسالي ..
وتشويشا في الذهنية العامة .. وذبولا في درجة الولاء للرسالة ..
في البدء نؤكد انه لا تكاد تخفى اهمية اقامة الشعائر الالهية ..
فانه امر مفروغ عنه بين المؤمنين .. خصوصا بعد صراحة قوله
جل شانه : (ذلك ومن يعظم شعائر اللّه فانها من تقوى
القلوب) اذ ان ظاهرة الاعلان عن الولاء الرسالي ليست ناشئة
من حالة انفعالية .. بل هي منبثقة عن حرارة الايمان
ومحركية التقوى .. ونظرا لهذه القيمة الجوهرية افترقت
الممارسة الشعائرية عن سائر الاعراف الاجتماعية والطقوس
الموروثة .. ونحن وان لم نصر على امكان الاحاطة بملاكات
تشريع الشعائر جميعا .. لان دعوى الابهام والغموض والتعبد
في بعضها صحيحة .. الا ان الاعتناء بها والحث على تعظيمها
حيثية قابلة للتحليل ومبتنية على نكات عقلائية .. فانالتامل
الدقيق يكشف النقاب عن عمق المداليل والانعكاسات التي
تتركها .. باعتبار ان الشعيرة ممارسة اعلامية واسعة تضطلع
بها الجماهير المؤمنة بمختلف شرائحها وطبقاتها سيما اذا
تركزت ووصلت الى حد بحيث يصدق عليها وصف الظاهرة
الاجتماعية فانها حينذاك ستشكل رصيدا من التاييد
يطمئن الرسالة في حساباتها الفعلية والمستقبلية ..
الشعائر ومظلة الشرعية
لا كلام ولا اشكال في الشعائر المسلمة فقهيا والمنصوص
عليها بعنوانها في عصر التشريع .. سواء الواجبة منها كالهدي او
المستحبة كالاذان والجماعة لكن قد يثار ضباب التشكيك في
التبرير الشرعي لبعض الممارسات الشعائرية التي لم تكن قبل .
. بل ربما تحامل على بعضها قوم من ابناء الطوائف الاسلامية
المختلفة وقالوا فيها ما قالوا ..
ومهما يكن من امر فان المستفاد من الادلة المتظافرة
لفظية و لبية كتابا وسنة نبوية وعترتية وسيرة مستحكمة
هو مشروعية بل مطلوبية اقامة شعائر اللّه طرا والاحتفاء
بمواسم الاسلام مطلقا ولو لم تكن معروفة في الصدر الاول ..
ولا داعي لانتظار وصول النص الخاص في كل مورد مورد ..
كيف؟! وقد تراكمت على اعتاب فقهنا العمومات والاطلاقات
نظير ادلة الامر بالمعروف والدعوة الى الخير .. ومن قبيل ما
ورد بصدد التاكيد على ضرورة تفقيه الناس بالدين القيم
ولزوم تعليمهم الاحكام .. وكثير غيرها ..
اجل .. انالوسوسة في جميع ذلك ستنتهي بنا الى تعطيل
كثير من العمومات والاطلاقات .. ولما بقي امامنا مجال
لاستفادة الشمول منها للمصاديق الحادثة .. ولا نحصر دورها
في حدود الصياغات التعليمية لاشكال القياس ..
ثم ان وصف هذه الشعائر ببعض الاوصاف الخاصة لا يولد لها
عنوانا في عرض شعائر اللّه .. بل هي باقية في طولها كنسبة
كل مصداق الى كليه .. اذن فنعتها بالاسلامية تارة وتسميتها
بالنبوية اخرى ووصفها بالحسينية ثالثة او بغير ذلك من
النعوت لا يخرجها عن عنوانها العام الفوقاني ..
فلا وجه للاشكال اذن في مشروعية بل مطلوبية احياء
المناسبات النبوية كيوم مولده(ص) ومبعثه وهجرته ورحلته ..
وكذا احياء ذكريات الرسالة ومواقفها كيوم بدر وخيبر ويوم
الحسين(ع) في كربلاء .. ولن ناتي الآن على تفصيل الادلة
واحدا واحدا .. فان ذلك يتطلب مقاما غير هذا .. وفرصة
اوسع مما نحنفيه .. ولانجد ضرورة فيالخوض في غضون هذا
البحثالآن .. لانه لا اقل من عدمحرمة اقامتها كمايقال
لجرياناصالةالبراءةفي الشبهات و المشكوكات البدوية ..
والحكم باباحتها لعدم ورود الحظر من الشرع ..
كلمة في البين
يجدر التنويه الى اننا بصدد معالجة فعل اجتماعي كبير مرشح
لان يصبح ظاهرة عامة مستمرة ... لا يبعد ان تكون ولو في
مدى طويل مرتعا لجملة من العناوين الثانوية التي تبرز في
البين .. فيحسن بنا التامل اكثر في هذا الموضوع وعدم
القناعة بهذا المستوى من الطرح العاجل وطي البحث مجملا
طي السجل للكتب .. اقول: ان الظاهرة العامة عادة تمتد في
بعدين:
الامتداد في داخل المحيط الاسلامي والامتداد الى خارجه ..
اما الامتداد الاول .. فان هذه الظاهرة ستتحول تدريجيا الى
سيرة يتعذر تحليلها على اغلب الناس بعد ثبوتها في الوجدان
العام كقناعة ايمانية مسلمة وعرف ديني موروث .. خاصة لدى
السواد الاعظم من عباد اللّه الذين يمتلكون الارضية المهياة
والاستعداد النفسي التام للتعبد بكل شيء لادنى مناسبة
ولاقل احتمال .. مما يجعل الظاهرة قلقة على حافة السقوط
في وادي الابتداع ..
واما الامتداد في البعد الآخر .. فالملاحظ ان الممارسة
الجماهيرية ذات طبيعة دلالية .. فانها ستكون في نظر
الآخرين مترجمة وعاكسة لمتبنيات الرسالة .. فحتى في حالة
حصانة الداخل الاسلامي ثقافيا وتحلي ابنائه بدرجة عالية من
النضج والوعي والقدرة على تمييز الفعل المتبنى من العفوي
وان كان تحقق مثل هذا الوضع النموذجي النادر بعيدا في
نفسه الا انه كيف يمكننا افتراض هذه المرتبة من الوضوح
في من يعيش بعيدا عن جو الرسالة .. ولا يعرف من الاسلام الا
ما يراه شاخصا امام عينيه فيما لو سمح لنفسه ان يفتحهما
على مجتمعاتنا ويرى طيف الايمان .. بل راينا تصرف وسلوك
الفرد احيانا يعزى الى الرسالة ..
بعبارة اخرى : ان سمة التمثيل هذه هي اثر تكويني يترتب
على الظاهرة العامة سواء قصد المسلم ذلك او لم يقصد ..
وهذا يقتضي الاحتياط تجاه الظاهرة تاسيسا وامضاء وتبنيا ..
فايكال مسؤولية تطبيق عنوان الشعائر على مصاديقها خارجا
في عهدة الملا الاسلامي العام .. وترك الممارسات الشعائرية
تسير باتجاهات اتفاقية امر لا يخلو منمسامحة في امر الدين ..
ويعرضنا دوما الى احراجات يكثر العثار فيها والاعتذار منها ..
وهذه نكتة ظريفة يمكن ان تسري الى رعيل معتد به من
الظواهر الاجتماعية العامة التي تبرز على السطح الاسلامي ..
وليس من الدقة في شيء قياس ذلك الامر الخطير بالفعل
المباح الذي يمارسه الفرد .. لانه قياس مع الفارق ..
فاتخاذ يوم ما عيدا او الحداد العام في ايام مخصوصة في
السنة ليس من قبيل شرب قدح من الماء.. فان القسم الاول
من الافعال المعقدة يكون في معرض العلوق من قبل طائفة
من العناوين الثانوية التي لا تحتمل بشان الافعال الفردية
البسيطة الا على فرض بعيد فيها .. وهذا ما يحتم علينا
سنورسم ضابطة للظواهر الشعائرية ووضع حد مانع لها من
دخول الاغيار ..
صحيح ان هذا المقدار من البيان لا يثبت لنا قضية كلية
مطردة في الحالات كلها بل لاغلبها .. كما ان ما ذكر من
التقريب لا ينتج لنا حكما الزاميا بالمعنى المصطلح فقهيا ..
لصعوبة اثبات هذه الدعوى احيانا .. لكن بالرغم من ذلك كله
يمكن ان تترتب عليه خارجا جملة من الآثار واللوازم العملية ..
نصاب الشعائر
انه يمكننا ان نتصيد من هنا وهناك جملة من الخصائص
ومجموعة من الضوابط التي يجب توفرها في كل شعيرة
اسلامية متبناة .. واهمها ما يلي:
1- الهية الهدف .. اي لا بد ان يكون الهدف المتوخى والكامن
وراء كل شعيرة هدفا الهيا يسعى الى تحقيقه من خلالها ..
واهم هذه الاهداف هو الترويج للرسالة والاعلام لها .. فهذا هو
المحور الرئيس الذي يجب ان يحكم كل شعيرة .. وكل ما
يتوهم في عرض ذلك من الدواعي والاهداف فهو زخرف ..
2- الهية المضمون .. بمعنى كونها ذاتا معبرة عن قيمة
رسالية وتمثل طاعة من الطاعات كالامر بالمعروف والدعوة
الى الخير وتعليم الناس وتفقيههم بمعارف الدين القيم .. او
كونها نهيا عن منكر او براءة من كفر او انحراف ..
3- الهية الشكل .. بحيث تشد الناس روحيا الى الرسالة
وتذكرهم باللّه واولياء اللّه وتقربهم الى حظيرة الايمان من
خلال الشعارات التي ترفع في تلك الشعائر ومن خلال ما
تخلق من اجواء قدسية تظلل محافل المتقين ..
الا ان احراز هذه الضوابط وتشخيصها ميدانيا ليس في عهدة
كل احد .. خصوصا مع اختلاف المستويات وتباين الاتجاهات
وتنوع زوايا النظر..
اجل .. ان الجهة المسؤولة عن ذلك والصالحة للتصدي لهذه
القضايا الحساسة وامثالها لا بد ان تتحلى بجملة من الخصائص
والشروط = [النضج العلمي + وعي الزمان وملابساته + القدرة
على توجيه الجمهور]..
ومن حسن التوفيق ان القيادة الشرعية في عصرنا الراهن
بحمد اللّه ولطفه واجدة لهذه الشرائط والاوصاف المذكورة ..
هذا وقد رايناها مارست النقض والابرام على هذا الصعيد اكثر
من مرة بكل شجاعة واقدام بمقدار ما يقتضيه الموقف
الرسالي من جدية وحرص وحكمة .. لذا فهي المرجع فيما
نحن فيه وعليها المعول في التوجيه والبيان .. ولها كلمة
الفصل في النفي والاثبات ... سواء كان ذلك بابراز حكم ناجز
او باعتماد برنامج توجيهي يتكفل المعالجة التدريجية ولو على
المدى البعيد .. هدانا اللّه والمؤمنين كافة سواء السبيل .. انه
نعم المولى ونعم الوكيل..
.. ولا حول ولا قوة الا باللّه ..
رئيس التحرير |