الصفحة السابقة
وسياتي الاستشهاد باطلاق الضرر في بعض الموارد على مثل
ذلك في كلام الشارع. ولعل مما يشهد على صدق الاضرار ما
نجده في القوانين الوضعية العرفية اليوم من اعتبار ذلك
اضرارا بلحاظ نفقات العلاج، بل وما يخسره من عمله ايضا
على ما سياتي التعرض له، ومفهوم الاضرار امر عرفي لابد وان
يؤخذ من العرف، وليس امرا شرعيا ليؤخذ من الشارع.
واما المناقشة في الكبرى فيمكن الجواب عنها بوجوه:
الوجه الاول: دعوى امكان استفادة الضمان في موارد الاضرار
من نفس «لاضرر» كما يظهر من كلمات جملة من الفقهاء
ودفع ما ذكر من انه تدارك للضرر لا نفي له بان هذا قد يصح
بالنسبة الى شخص المال المتضرر به حيث لايمكن رده
بشخصه بل ببدله، فيكون تداركا وجبرانا، الا انه اذا لاحظنا
اصل المالية والقيمة كما اذا لم تكن خصوصية لشخص
المال عند المالك فثبوت الضمان يكون نفيا للضرر لا تداركا
له; اذ لم تنقص مالية المالك اذا كان المضار ضامنا له، وهذا
امر عرفي واضح يكاد يكون انكاره مكابرة، وعلى هذا يمكن
اثبات ضمان اصل المالية بقاعدة لا ضرر; لانه نفي لطبيعي
التضرر بها واصله، لا نفي للحصة غير المتداركة واثبات
للتدارك ليقال بانه خلاف ظاهر «لا ضرر».
الوجه الثاني: ان الروايات الناهية عن الاضرار باخيك المؤمن
وفيها ما هو معتبر سندا كما تدل على حرمة الاضرار
كذلك تدل بالفحوى العرفية على لزوم التدارك وضمان ما
تضرر به الآخر، وليس مفادها مجرد الحكم التكليفي بحرمة
الاضرار، ولعل الوجه في هذه الدلالة ان الضمان وجبران الضرر
رفع للضرر بقاء، ودليل النهي عن الاضرار لا يحتمل العرف فيه
ان يكون لخصوصية احداث الضرر دخل في حرمته والنهي،
بل الوجود البقائي للضرر كالحدوثي ايضا منهي عنه ومشمول
لاطلاق النهي والحرمة، ولازمه وجوب رفعه وجبرانه وتداركه
المساوق مع ضمانه عقلائيا.
الوجه الثالث: استفادة الضمان لما يضره الانسان بالآخرين من
مثل صحيح الحلبي ومعتبرة الكناني الواردين في من اضر
بطريق المسلمين فهو ضامن لما يصيبه، او من اضر بشيء من
طريق المسلمين فهو ضامن له; فان اخذ عنوان الاضرار في
لسان هاتين الروايتين في موضوع الحكم بالضمان واضح
الدلالة على دخالته في الحكم، وان الضمان بملاك الاضرار،
وانه حكمه.
وحمل الاول منهما على ان الاضرار بطريق المسلمين موجب
لضمان ما يصيبه بملاك الاتلاف او التسبيب اليه، وحمل
الثاني على ارادة الاضرار بنفس الطريق وضمانه لا ضمان
من يصاب في الطريق خلاف الظاهر جدا; لان التسبيب الى
الاتلاف لا يشترط ان يكون بالاضرار بالطريق، بل بوضع اي
شيء فيه ولو كان بصالح الطريق وزيادة فيه او في ماليته،
على ان النظر لو كان الى ملاك الاتلاف كان ينبغي الاشارة
اليه، لا الاشارة الى عنوان الاضرار المناسب عرفا مع الضمان،
فياتي بعنوان يناسب جدا ان يكون هو موضوع الضمان عرفا
وعقلائيا في سياق الموضوع، ولكن لا يريده، بل يريد عنوان
الاتلاف الذي لم يذكر في الكلام من قريب ولا من بعيد; فان
مثل هذا ليس اسلوبا عرفيا للمحاورة جزما، وخلاف ظهور
اخذ عنوان في موضوع الحكم، خصوصا في سياق اعطاء
الكبرى والضابطة الكلية في دخله في الحكم، بل المتفاهم
من مثل هذا التعبير والاسلوب ارادة الاضرار بالمسلمين
الذين يصابون بما وضع في ذلك الطريق، فيكون وضعا بحال
المتعلق نظير «واسال القرية» اي اهلها.
كما ان حمل الثاني من الصحيحين على ارادة الاضرار بنفس
الطريق وضمانه خلاف الظاهر; اذ اية خصوصية عندئذ لذكر
الطريق وشيء منه! فلابد وان تكون خصوصية في ذكره،
وليس الا بحمله على الكناية عن الاضرار بمن يمر في الطريق،
كما هو المنسبق الى الذهن من مثل هذا التعبير عند اطلاقه
عرفا، وكما هو مصب السؤال والجواب والنظر في هذه
الروايات على ما يظهر لمن يراجع السنتها، على انه لو اريد منه
ذلك ايضا كانت الصحيحة دليلا على الضمان بملاك الاضرار
حيث لا خصوصية للاضرار بالطريق، فيحمل على المثالية،
فيكون مفادها الضمان في تمام الموارد التي يصدق فيها
الاضرار على المال.
الوجه الرابع: الاستفادة من بعض الآيات الكريمة، والمهم منها
آيتان:
احداهما: قوله تعالى في سورة البقرة: (والوالدات يرضعن
اولادهن حولين كاملين لمن اراد ان يتم الرضاعةو على
المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس الا
وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث
مثل ذلك فان ارادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح
عليهما وان اردتم ان تسترضعوا اولادكم فلاجناح عليكم اذا
سلمتمما ءاتيتم بالمعروفواتقواالله واعلموا ان الله بما تعملون
بصير).
الثانية: قوله تعالى في سورة الطلاق:(اسكنوهن من
حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقواعليهن وانكن
اولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان ارضعن
لكم فآتوهن اجورهن واتمروا بينكم بمعروفوان تعاسرتم
فسترضع له اخرى).
والاستدلال بهما مبني على استظهار ان قوله تعالى:(لا تضار
ولدة بولدها ولا مولود له بولده) وقوله تعالى:(لا تضاروهن)
بمثابة التعليل لما ذكر في الآية من الحكم بحق الرضاعة
وبالانفاق على الوالدات مدة الرضاع وعلى المطلقات مدة
الحمل، بحيثيكون عدم الانفاق او عدم حق الرضاع اضرارا
بهن، فلا يجوز تكليفا ولا وضعا، فيستفاد حق الرضاعة
والضمان لنفقتهن في تلك المدة بملاك عدم الاضرار بهن.
ودعوى: ان الامر بالانفاق لا يقتضي اكثر من وجوبه تكليفا لا
ضمانه وضعا.
مدفوعة: بان الامر بالانفاق مساوق عرفا وعقلائيا لاستحقاقه،
وبالتالي ثبوت الضمان فيه ايضا، لا مجرد حكم تكليفي.
هذا، مضافا الى ان التعبير بقوله تعالى: (وعلى المولود له
رزقهن وكسوتهن بالمعروف...) وقوله تعالى:(وعلى الوارث
مثل ذلك) كالصريح في الضمان والحكم الوضعي، وهو ثبوت
نفس الرزق والكسوة بالمعروف في ذمته وذمة الوارث، وثبوت
نفس الحق للوالدة في الارضاع.
واما الدلالة على التعليل فيمكن استفادته من الآيتين
نفسيهما، خصوصا الاولى منهما حيث ذكر فيها قوله تعالى:(لا
تضار ولدة بولد ها...) عقيب قوله تعالى:(لا تكلف نفس الا
وسعها...) الواضح كونه مسوقاللتعليل. هذا مضافا الى دلالة
بعض الروايات المتعرضة لتفسير الآية على ذلك.
وتوضيح ذلك: ان الآية الكريمة ذكرت اولا ان الوالدات
يرضعن اولادهن حولين كاملين، وهذه جملة خبرية مستعملة
في مقام الانشاء، وهو اما الطلب والتكليف عليها بالارضاع او
الحكم الوضعي باحقيتها بذلك، ثم اردفت الآية ذلك بقوله
تعالى:(وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ...) مما يعني ان
ذاك الارضاع ليس مجانا منهن، بل في قبال ارضاعهن
للمولود، وعلى الوالد نفقتهن واجرتهن بالمعروف من اجرة
المثل او ما تاخذه مرضعة اخرى، ثم ذكرت الآية بعد ذلك
جملتين (لا تكلف نفس الا وسعها...) و (لا تضار ولدة بولد ها
ولا مولود له بولده)، والجملة الاولى يمكن ان تكون تعليلا
للتشريع المذكور في الصدر، وانه مطابق مع مصلحة التسهيل
على العباد في الشريعة وملاحظة وسعهم واللائق بهم; حيث
لم يكلف كل من الابوين بما هو خلاف وسعه، فيراد بالوسع
عندئذ السهولة واللياقة وعدم الحرج والضيق والضرر، ويمكن
ان تكون بيانا للمعروف وتحديدا له، وانه انما يجب على الوالد
رزقهن وكسوتهن بالمقدار الذي يجده في المراضع الاخرى
ومع التمكن والسعة، لا مع فرض الاعسار وعدم التمكن،
فيمكن ان يراد بالوسع حينئذ القدرة والطاقة. وعلى كلا
التقديرين تكون الجملة ظاهرة في التعليل وبيان الملاك.
واما الجملة الثانية: (لا تضار ولدة بولدها...) فهي بقرينة ما
فيها من المقابلة بين ضرر الوالدة بسبب الولد كما هو ظاهر
الباء في هذا التركيب وضرر المولود له بسبب الولد، تكون
ناظرة الى طرفي الحكم المذكور في الصدر; حيث انه قد
اثبت في صدر الآية حقان: حق للوالدة وهو الارضاع باجرة
المثل، وحق للوالد وهو عدم تحمل اكثر من ذلك وامكان
نزعه للولد عن امه واعطائه لمرضعة اخرى اذا طالبت الام
اكثر مما تقبل به الاخرى. فافيد في الذيل ان مخالفة اي من
الحكمين يكون مضارة اما بالوالدة او بالوالد; اذ لو لم يكن
للوالدة حق الارضاع لولدها او كان لها ذلك ولكن من دون
نفقة ومجاناكان اضرارا بها، ولو لم يكن للاب ان ينتزع ولده
ويعطيه لمرضعة اخرى تقبل بالاقل كان اضرارابه، فقد نهي
عن كليهما او نفي المضارة بذلك، وحيث ان الآية بصدد
تشريع نفس الحقين لا الفراغ عنهما في المرتبة السابقة، فلا
محالة تكون ظاهرة في ان ثبوتهما يكون بملاك نفي الضرر
عن الوالد والوالدة، خصوصا بملاحظة وقوع الجملة بعد
الجملة الاولى الظاهرة في التعليل، وكون عدم المضارة قاعدة
وضابطة كلية مركوزة عند العقلاء وثابتة في الجملة في
الشريعة، فكانه قال: مخالفة ذلك مضارة للوالدة او للوالد، ولا
ينبغي ان تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده.
ومن هنا يمكن ان يستفاد من اطلاقها نفي اية مضارة اخرى
للوالدة او للوالد بسبب رضاع الولد، فهي كبرى كلية. نعم مفاد
هذه الآية ليس ابتداء ضمان الضرر الحاصل، بل مفادها
كمفاد قاعدة لا ضرر نفي الحكم الذي ينشا من عدم
المضارة، الا انه حيث طبق في مورد الآية على ضمان نفقة
الرضاعة، فيستفاد منها ان عدم ضمان ما يتضرر به الغير مما
يرجع الى الغير حكم ضرري ايضا، وليس بابه باب التدارك
للضرر كما قيل في الاشكال على القاعدة، وهذا امتياز الآية
على سائر ادلة لا ضرر، فكانها تثبت ب «لا ضرر» حق الضمان في
مثل هذه الموارد.
وقد استدل صاحب الجواهرقدسسره باطلاق (لا تضار والدة
بولدها...) على نفي حق اجبار الوالدة على ارضاع ولدها، ونفى
بذلك وجوب الارضاع على الوالدات. كما استدل باطلاق (ولا
مولود له بولده...) على نفي استحقاق الوالدة للنفقة اذا وجدت
مرضعة اخرى تتبرع بارضاع الولد.
والحاصل: ان المتفاهم من الآية ان قاعدة لا ضرر يمكن ان
يترتب بها ضمان النفقة اذا صدق في فرض عدمها الاضرار،
وهذا وان طبق على الرضاع الا ان نكتة عدم الاضرار حيث لا
يحتمل اختصاصها عقلائيااو شرعا بباب دون باب امكن
التعدي الى سائر الموارد اذا صدق فيها الاضرار ايضا،
خصوصامع ثبوت كبرى لا ضرر ولا ضرار في الشريعة بادلة
اخرى :
منها صحيح الحلبي عن ابي عبد الله(ع) قال: «الحبلى
المطلقة ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي احق بولدها حتى
ترضعه بما تقبله امراة اخرى ان الله عز وجل يقول:(لا
تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده)». الحديث.
وظاهره ان الاستشهاد بالآية لكلا الحكمين المذكورين في
كلام الامام(ع)، لا الحكم الثاني فقط، فيستدل على ان حق
الانفاق على الحبلى مستفاد من قاعدة (لا تضار والدة بولدها)،
بل لو كان الاستشهاد بالآية للحكم الثاني فقط دل الحديث
ايضا على انحق الرضاعة يثبت للوالدة بقاعدة لا ضرر، وهو
حكم وضعي، وليس مجر د حكم تكليفي، فالرواية واضحة
الدلالة على استفادة الاحكام الوضعية من قاعدة لا ضرر ولا
ضرار، وانه كما لا يجوز تكليفاالاضرار بالغير كذلك يكون
المسبب للضرر على الغير ضامنا لذلك الضرر لكي لا يضار
الغير من قبله، والحبلى المطلقة لكون حبلها بسبب الزوج
وولدها له يضمن الزوج نفقتها في مدة الحمل والرضاع لكي لا
تقع مضارة.
ومنها معتبرة الكناني عن ابي عبد الله(ع) قال: «اذا طلق
الرجل المراة وهي حبلى انفق عليها حتى تضع حملها، واذا
وضعته اعطاها اجرها ولا يضارها الا ان يجد من هو ارخص
اجرا منها، فان هي رضيت بذلك الاجر فهي احق بابنها حتى
تفطمه». فان قوله(ع): «ولا يضارها» اذا رجع الى مجموع
الحكمين المذكورين في كلام الامام(ع) كان ظهورها في ما
ذكرناه واضحا، وان ارجعناه الى الحكم الثاني فقط دلت ايضا
على انه لا يجوز ان يضرها باخذ الولد منها او باعطائها اجرا
اقل مما تاخذه غيرها من المرضعات، فان هذا ايضا مشمول
لاطلاق «لا يضارها»، فتدل على ضمان تمام الاجر السوقي لها
بمقتضى عدم الاضرار.
وما ورد في بعض الروايات ومنها ذيل نفس الروايتين ايضا
من تطبيق المضارة على امتناع الزوج عن الجماع من اجل
الولد، فنهى الله ان يضار الرجل المراة والمراة الرجل لا ينافي
ما ذكرناه; لان هذا من باب التطبيق على ذلك، لا التخصيص
والتقييد به; ولهذا نجد انه قد جمع في بعض الروايات بين
المضارة في الجماع والمضارة في الانفاق، كما في ذيل رواية
الكناني بنقل علي بن ابراهيم في تفسيره، وذيل صحيح
الحلبي نفسه بنقل الكافي.
ومنها رواية ابي بصير عن ابي عبد الله(ع) قال سمعته يقول:
«المطلقة الحبلى ينفق عليها حتى تضع حملها، وهي احق
بولدها ان ترضعه بما تقبله امراة اخرى، يقول الله عز وجل:(لا
تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك)،
لا يضار بالصبي ولا يضار بامه في ارضاعه، وليس لها ان تاخذ
في رضاعه فوق حولين كاملين، فاذا ارادا الفصال عن تراض
منهما كان حسنا، والفصال هو الفطام». والاستدلال بها
كالاستدلال برواية الكناني المتقدمة.
وهكذا نلاحظ دلالة الآيتين في نفسيهما مضافا الى الروايات
المستشهدة بهما على ثبوت النفقة في مدة الحمل والاجر
في مدة الرضاع على الزوج بملاك عدم الاضرار بالزوجة
المطلقة او الوالدة، مع انصدق الاضرار عليها من قبل الزوج
اخفى من صدقه على المجني عليه من قبل الجاني; لان
الوالدة لها تعلق وانتفاع بولدها وحصوله لها بفعلها ايضا، لا
بفعل الزوج فقط.
فاطلاق المضارة في الآيتين الكريمتين على عدم الانفاق على
المطلقة الحبلى او الوالدة المرضعة كما يدل على ثبوت
الضمان بلا ضرر كذلك يشهد على صدق عنوان الاضرار في
موارد التسبيب الى تحمل الانسان خسارة الانفاق على نفسه
بسبب فعل الغير او ما يرجع اليه وان كان في طول اضطراره
الى الانفاق على نفسه منتفعا به; كما في انتفاع المجني عليه
بعلاج نفسه، او انتفاع الوالدة او الحبلى بولدها، وهذا يشهد
على ان عنوان الاضرار صادق في امثال المقام، وانه اوسع من
عنوان الاتلاف او التفويت، فاذا ثبت كبرويا انه موجب للضمان
اذا كان الضرر ماليا ثبت بذلك تمامية المقتضي لضمان
الجاني نفقات علاج المجني عليه.
والانصاف ان هذه النقطة هامة وجديرة بالبحث الفقهي، فانا
اذا جعلنا الموجب للضمان منحصرا في عنوان الاتلاف او التلف
تحت اليد كما صنعه جملة من المتاخرين من فقهائنا(قدس
الله اسرارهم) فسوف ينحصر الحكم بالضمان بموارد صدق
الاتلاف او التلف فقط، ويخرج كثير من موارد الاضرار المادي
بالغير عن الحكم بالضمان، كما في مسالتنا هذه، او في مثال
حبس الحر الكسوب ومنعه عن عمله، او حبس متاعه في وقت
رواجه وارتفاع قيمته السوقية ثم ارجاعه اليه في وقت كساده
وهبوط قيمته. وقد ذكر المتاخرون بانه لا يصدق في المثالين
الاتلاف للمال، فلا ضمان فيهما على الحابس، اما في الاول
فواضح، واما في الثاني فلانه قد ارجع اليه ماله بعينه وباوصافه،
واما نقص القيمة السوقية فهي امر اعتباري قائم بالسوق
وليس وصفا حقيقيا للعين الخارجية ليصدق الاتلاف بالنسبة
اليه.
بينما نجد مثل صاحب الرياض يؤكد على الضمان فيه بملاك
الاضرار الذي هو اوسع من عنوان الاتلاف، كما ان القوانين
الوضعية تكاد تطبق على ثبوت الضمان ولزوم التعويض عن
كل الاضرار المادية التي لحقت بالغير بسبب الفعل الضار،
فتنقيح ان موجب الضمان هل ينحصر في عنوان التلف
والاتلاف او يعم تمام موارد الاضرار او الاضرار المالي على
الاقل مسالة مهمة وخطيرة ومؤثرة في موارد كثيرة من فقه
المعاملات.
المقدمة الثانية:
واما المقدمة الثانية وهي عدم ما يدل على الردع او المنع
عن ضمان الجاني شيئا زائدا على الدية المقررة شرعا، فما قد
يستدل به على المنع الروايات المتعرضة لتقدير الدية
والاروش، حيث انها جميعا رغم تعرضها بمجموعها الى
تفاصيل كثيرة ساكتة عن ذكر نفقة العلاج وضمان الجاني
لها، باستثناء ما تقدم في معتبرة غياث التي تعرضت لاجر
الطبيب في ما دون السمحاق من الجروح.
وعندئذ يمكن ان يدعى دلالة ذلك على نفي ضمان نفقة
العلاج باحد تقريبين:
التقريب الاول استفادة ذلك من السكوت نفسه وعدم
البيان; اذ لو كان يجب على الجاني شيء آخر غير الدية كان
ينبغي ذكره والاشارة اليه ولو في بعض الروايات; لظهورها في
بيان تمام ما يجب عليه بالجناية، خصوصا الروايات المتعرضة
للمصالحة بين الجاني والمجني عليه على حق القصاص، حيث
لم تذكر في قبال ان لا يقتص منه الا اخذ الدية. وكذلك
روايات استرقاق العبد الجاني اذا كانت دية جنايته مستوعبة
لقيمته، حيث لم تدخل في الحساب نفقة العلاج، والتي قد
تكون مع الدية مستوعبة لقيمة العبد. وكذلك الروايات
المتعرضة الى الجناية التي لا يدرى اثرها، فينظر بها سنة مثلا
او اقل او اكثر; فان برىء الجرح من دون اثر على البدن لم
يكن فيه دية او كان حكومة، وان بقي له اثر وتعيب العضو او
زالت منفعته كان فيه الدية، فان مثل هذه الجروح الطويلة
العلاج تكثر لا محالة نفقات معالجتها ايضا، فلو كانت
مضمونة مع الدية ويجب على الجاني دفعها للمجني عليه كان
اللازم الاشارة اليه في هذه الروايات على الاقل، فيستكشف
من السكوت والاقتصار على ذكر الديات والاروش نفي ثبوت
شيء زائد في مواردها.
التقريب الثاني استفادة عدم ضمان شيء زائد على الدية
بالدلالة الاثباتية لا السكوتية من التعبير عن الدية في
الروايات بالضمان او الغرامة. بدعوى: ان المتفاهم العرفي منه
كون الدية قيمة الجرح والعيب الحاصل في بدن المجني عليه
وبدلا عن صحته وما لحقه بالجناية من النقص والضرر، فعندما
تدفع له لا يبقى له مزيد حق في قبال صحته وسلامته; لانه
قد استلم قيمتها، نظير ما هو ثابت في ضمان الاموال، فاذا
عيب داره مثلا او دابته ضمن الارش; اي قيمة النقص
والتفاوت بين صحيحه ومعيبه، ولا يضمن زائدا على ذلك ما
قد يصرفه المالك على اصلاح ماله من النفقات، فالضمان في
البدن كالضمان في الاموال وبنحو واحد، غاية الامر يكون
التحديد لقيمة الاعضاء وتقديرها بمقادير الديات تعبدا شرعيا.
ومما قد يؤيد ذلك ما نجده عند الفقهاء من معنى الحكومة
في ما لا تقدير شرعي له من ملاحظة نسبة ما يلحقه من
النقص في المالية لو كان عبدا، وحسابه من الدية كالعشر
ونصف العشر بنحو ذلك، مما يؤكد انهم يفهمون الدية على
انها قيمة الجرح وبدل ما نقص من وصف الصحة في البدن،
كما هو الحال في الاموال، فاذا ضمن الجاني ذلك لم يكن
عليه شيء آخر; لانه وفى تمام ما حصل من النقص.
ولعله لذلك ايضا اقتصرت رواية غياث وما يضاهيها من
الروايات عند العامة في سنن البيهقي على ذكر ضمان
نفقة العلاج في خصوص الجروح التي لا تقدير للدية ولا
للارش فيها، ففي كل مورد لا يغرم الجاني قيمة الجرح لضآلته
واندماله بحيث لا يبقى له اي اثر في البدن ولا عيب ليقدر له
قيمته، حكم بضمان نفقة علاجه لا محالة; لانه ميزان النقص
في مثل هذه الحالة.
ومما يعزز عدم الضمان ويؤيده اطباق فقهائنا على السكوت
وعدم التعرض لضمان نفقة العلاج في حدود ما فحصنا عنه
في كتبهم، وكذلك كتب العامة باستثناء ما جاء في كتاب
المبسوط للسرخسي: «لو قلع سن فنبتت صفراء او نبتت كما
كانت فلا شيء عليه في ظاهر الرواية; لان وجوب الارش
باعتبار فساد المنبت، وحين نبتت كما كانت عرفنا انه ما فسد
المنبت، ثم وجوب الارش باعتبار بقاء الاثر، ولم يبق اثر حين
نبتت كما كانت. وقد روي عن محمد في الجراحات التي
تندمل على وجه لا يبقى لها اثر تجب حكومة بقدر ما لحقه
من الالم. وعن ابي يوسف يرجع على الجاني بقدر ما احتاج
اليه من ثمن الدواء واجرة الاطباء حتى اندملت. وابو حنيفة
قال: لا يجب شيء; لانه لا قيمة لمجرد الالم، الا ترى ان من
ضرب ضربة تالم بها ولم يؤثر فيه شيئا لا يجب شيء! ارايت لو
شتمه شتيمة اكان عليه ارش باعتبار ايلام حل فيه؟!».
وجاء ايضا في كتاب (شرح كتاب النيل وشفاء العليل) من
فقه الاباضية: «ولا يلزم اجر الدواء عندنا وعند ابن القاسم من
اصحاب مالك، وقال الفقهاء السبعة من قومنا: يلزمه ذلك».
فالحاصل: يظهر من مراجعة كلمات الفقهاء واقتصارهم على
ذكر الدية والاروش المقررة في كل جرح وجناية مقدرة
والرجوع الى الحكومة في غيرها ان المركوز عندهم ايضا
ملاحظة قيمة الجرح او النقص الحاصل في البدن، وضمان
الجاني له على حد ضمان نقص المال المعيب بفعل الغير، وان
هذا تمام ما يضمنه في قبال وصف الصحة والعيب، فلا يكون
اخذ نفقة العلاج زائدا على ذلك الا كاخذ نفقة اصلاح المال
المعيب زائدا على ارش العيب.
ويمكن الاجابة عن كلا التقريبين:
اما التقريب الاول : فبان سكوت الروايات عن ذكر ضمان نفقة
العلاج يمكن ان يكون لضآلتها في تلك الازمنة، بحيث لم يكن
العلاج مستلزما لنفقات مهمة معتد بها عرفا، بل كانت تعد جزء
من المصارف والنفقات اليومية الاعتيادية الثابتة للانسان على
كل حال.
ويمكن ان يكون وجه السكوت عن نفقة العلاج ان نظر
الروايات جميعا الى التعويض عن نفس العيب او النقص
اوالجرح الحاصل في البدن بالجناية، لا ما قد تستلزمه الجناية
من خسارة مالية وضرر مادي على المجني عليه كاتلاف ماله
او تضرره من اجل العلاج، فان التعويض عن ذلك تعويض
بملاك آخر وحيثية اخرى اجنبية عن الدية; ومن هنا لم يذكر
في الروايات ضمان ما قد يتلف بالجناية من اموال المجني
عليه، كثوبه الذي على بدنه حين الجناية اذا تلف، او دابته
تحته اذا هلكت، فاذا فرضنا انضمان نفقة العلاج كان بملاك
النقص في المال وخسارة ما قد يضطر المجني عليه الى انفاقه
لا العيب او النقص الحاصل في البدن، فهذا خارج عن منظور
الروايات; لانها ناظرة الى ما يقابل ذلك النقص، لا النقص
والضرر في المال الخارجي، فلا يمكن ان يكون سكوتها عن
ذلك دليلا على عدم الضمان فيه من تلك الحيثية.
ودعوى: ان خسارة النفقة حاصلة ومسببة بالجناية او كونها
ملازمة او غالبية معها، فيكون اللازم بيان ضمانها لو كان.
يمكن دفعها: بان الحيثية اذا كانت مباينة مع الجهة المنظور
اليها فالغلبة او الملازمة او السبب لا تستوجب لزوم التعرض
لها، فكما لا تعرض لضمان ما يتلف من المال في الجناية
ولعل الغالب ذلك ولو بلحاظ اصل تلف مال ضمن الجناية،
كذلك في المقام، بل يمكن دعوى ان الدية من المركوز كونها
عنوانا لما يقابل نفس الدم او الجرح; اي المسؤولية الجنائية
اوالضمان غير المربوط بالخسارات المالية التي حكمها وملاك
الضمان فيها واضح عند العقلاء.
ومما يؤيد ذلك انه لولاه لم يكن يمكن تفسير السكوت عن
حكم نفقات العلاج ولو بنفي الضمان فيها; لانه لا اشكال ان
حدا من الضمان فيه وارد على الاقل، فكيف لم تتعرض
الروايات المذكورة لنفقته وسكتت عنه اثباتا ونفيا؟! فالسكوت
المذكور لا يمكن توجيهه وتفسيره الا بان عنوان الدية
المسؤول عنها او المتعرض لها في تلك الروايات جميعا
متعرض بحسب الارتكاز العقلائي الى ما يقابل نفس الدم
والجرح كتعويض خاص غير مربوط بالتعويضات الاخرى التي
قد تكون، بل كثيرا ما تكون بملاك الاضرار والخسارة المالية
على المجني عليه بسبب الجناية او ضمنها، وليس في شيء
من الروايات المذكورة ما يدل على ان الامام بصدد بيان تمام
ما على الجاني في مورد الجناية من الغرامات والضمانات حتى
التي بملاك اتلاف مال او اضرار كذلك، كما لا يخفى على من
تامل فيها بدقة.
ثم لو تنزلنا وافترضنا دلالة السكوت المذكور على نفي ضمان
نفقة العلاج زائدا على الدية، فهذا السكوت قصارى ما يمكن
ان يثبت به نفي النفقات التي كانت رائجة حينذاك، وهي اقل
من الدية المقدرة شرعا، لا ما اذا كانت نفقة العلاج اكثر من
الدية.
ومنه يظهر وجه عدم تعرض روايات المصالحة على حق
القصاص بالدية او استرقاق العبد الجاني اذا كانت دية جنايته
مستوعبة لنفقة العلاج وعدم ادخالها في الحساب، فان ما
يصلح جعله بدلا عن حق القصاص او موجبا لحق الاسترقاق
خصوص ما يضمنه الجاني من الدية اي من التعويض في
قبال الجرح او العيب او النقص في البدن لا ما يغرمه وتشتغل
ذمته به بملاك آخر كاتلاف الاموال وان كان بسبب الجناية
وملازما معها، كما اذا كان قيمة ثوبه الذي اتلفه مع الدية
مستوعبا لقيمة العبد فانه لا يسترق بذلك.
واما التقريب الثاني فبالمنع عن صحة ذلك الفهم للديات
اساسا; فان الحر لا يتعامل معه تعامل المال لا عند العقلاء ولا
عند الشارع، فليست دية جراحته قيمة ما نقص من قيمته
وماليته ولا تعويضا مدنيا، بل تعويض وغرامة جنائية
كالعقوبات المالية غاية الامر جعلتحقا للمجني عليه
كالقصاص; ومن هنا كانت احكام الديات تختلف عن احكام
باب ضمان الاموال الذي يعبر عنه بالمسؤولية المدنية، من
قبيل تحمل العاقلة للدية في الخطا المحض او تعلق اكثر من
دية واحدة اذا تعددت الجناية على الاعضاء بحيث كان
مجموعها اكثر من دية، بل قد تبلغ ست ديات كما في بعض
الروايات، او جعل المراة تعاقل الرجل في الدية الى الثلث ثم
تعود الى النصف، او عدم الفرق في مقدار الديات بين الصغير
والكبير والوضيع والشريف والماهر الخبير الكسوب وغيره، او
الفرق بين دية المسلم والكافر..الى غير ذلك من الاحكام التي
تدلنا على ان فهم الدية على انها قيمة المالية الناقصة
بالجراحة لبدن الانسان غير صحيح، بل الانسب كونها تكريما
للمجني عليه وجعل حق عقوبة وغرامة مالية بيده على الجاني
تتقدر بحسب فداحة الجناية وخطورتها وخفتها، والتعبير
بالضمان او الغرامة الوارد في الروايات لا يدل على خلاف
ذلك; اذ الضمان او الغرامة معنى عام ينطبق على التعويضات
والغرامات الجنائية ايضا باعتبار اشتغال ذمة الجاني بها،
كالتعويض المدني عن المال.
هذا، مضافا الى ان ظاهر روايات الدية وما ورد فيها من
التصريح بان الدية بدل العيب او النقص او الكسر او الجرح
الحاصل في البدن بالجناية انها في قبال ذلك، فلو سلمنا ان
الدية تعويض عن القيمة والمالية الزائلة بالجناية فهي قيمة
النقص والعيب والجرح، لا قيمة وصف الصحة وبدل عنها
ليتوهم اشتمالها على نفقة العلاج وتحصيل الصحة، بل لو
استرجع المجني عليه صحته وبرئ من الجرح او الكسر بنحو
لم يبق فيه اثر ولا عيب او عثم لم يستحق الدية المقدرة،
وهذا معناه ان الدية لا تدفع في قبال العلاج وتحصيل الصحة،
بل في قبال النقص الحاصل في بدن المجني عليه بالجناية،
وهو غير العلاج والبرء، والذي قد يبقى بعده ناقصا، فنفقات
العلاج التي يضطر اليها المجني عليه ضرر مالي آخر مستقل
عن النقص او العيب والشين في البدن.
ومنه يظهر عدم صحة قياسه على احداث عيب في مال الغير;
فان عدم ضمان نفقة اصلاحه زائدا على ارش العيب لانه لا
يصدق الاضرار والنقص بمالية ماله الا بمقدار ما نقص من
قيمته بالعيب لا اكثر، والذي يكون مقاربا لما يصرف في
سبيل اصلاحه او تبديله بالصحيح منه، بخلافه هنا; فانه قد
اضره بضررين: ضرر في بدنه وهو العيب الحاصل بالجناية،
وضرر في ماله وهو نفقة العلاج والبرء من الالم او الهلكة
والموت بالجراحة اذا لم تعالج.
فاذا كانت نفقة العلاج ضررا ماليا غير الضرر البدني
المستوجب للدية فلا ربط لاحدهما بالآخر، ولا تداخل بينهما،
بل قد يكون تحمل المجني عليه هذا الضرر بالانفاق على نفسه
للعلاج رافعا لموضوع النقص والشين في البدن، فيرتفع
موضوع ضمان الجاني للدية; كما اذا قطع عضوا منه بحيث لو
بقي مقطوعا كانت فيه الدية كاملة او نصف الدية ولكنه انفق
على المعالجة بنحو بحيث عاد سالما ومتصلا، فانه فيمثل
ذلك لا يحكم على الجاني بالدية; لما دلت عليه الروايات
وعليه الفتوى ايضا من ان دية الجروح والكسور انما تدفع
بعد الانتظار الى زمان البرء اذا كان مما يحتمل فيه البرء،
فكيف يمكن ان تكون الدية تعويضا عن كل ما لحق المجني
عليه من الضرر او بدلا عن وصف صحته وسلامته؟!بل كيف
يحتمل ان يكون الجاني في المثال غير مسؤول عن دية
المجني عليه لعدم قطع يده مثلا بعد العلاج واجراء العملية
الترقيعية ولا عن نفقات ذلك العلاج الباهضة التي تحملها
المجني عليه؟!
ومثال آخر: ما اذا كان قد جرحه جرحا طفيفا كالحارصة او
الدامية التي فيها بعير او بعيران، ولكنالمجني عليه كان فيه
مرض بحيث اذا لم يعالج نفسه علاجا باهضا من حيث النفقة
فسوف تؤد ي الجراحة الى هلاكه وموته، فيقال بتحمله نفقات
ذلك، وليس على الجاني الا ارش الحارصة والجرح الخفيف،
مع انه لولا العلاج لسرت الجناية الى نفس المجني عليه، وكان
يلزم الجاني الدية الكاملة، بل كيف يمكن ان يكون التقدير
الشرعي للدية او الارش قد لوحظ فيه نفقات العلاج ايضا مع
وضوح تغير تلك النفقات بحسب الزمان، بل والمكان في
الزمان الواحد وباختلاف درجة التقدم العلمي وتطور وسائل
العلاج وتعقيدها؟! فلا محالة لا تكون التقديرات الشرعية
المذكورة الا تقديرات شرعية لغرامة مالية تعطى للمجني
عليه في قبال نفس الجرح او الكسر او النقص الحاصل
بالجناية في بدنه، كما صرحت بذلك السنة الروايات من دون
نظر الى الاضرار الاخرى التي تلحق بالمجني عليه; فان لها
حسابها وحكمها الخاص.
فالصحيح: ان روايات الدية اجنبية عن نفي ضمان ما تسببه
الجناية من الاضرار المادية الاخرى على المجني عليه ومنها
نفقة معالجته، فاذا كان الاضرار موجبا للضمان ثبت الضمان
لها زائدا على الدية.
بل يمكن ان يقال: بان اللازم على الجاني اولا الانفاق لمعالجة
المجني عليه والحيلولة دون قطع عضوه او حصول نقص فيه
ان كان ذلك ممكنا فعلا، فلا تصل النوبة الى الدية الكاملة
للعضو، فمسؤوليته الاولى ارجاع وصف الصحة في بدن واعضاء
المجني عليه، فاذا بقي نقص او شين او جرح بعد ذلك كان
ضامنالديته او لارش نفس ما وقع من الجرح والالم; لانه
مسؤول وضعا وتكليفا عن رفع كل ضرر اوقعه عليه اذا كان
رفعه ممكنا; بمقتضى ادلة حرمة الاضرار و«لا ضرر»،
وبمقتضى ادلة حرمة مال المسلم ودمه وانه لا يذهب حقه
هدرا، وبمقتضى سيرة العقلاء ايضا.
ثم انه اذا لم يمكن اثبات ضمان الجاني لنفقة علاج المجني
عليه زائدا على الدية بقاعدة الاضرار بالعنوان الاولي،
فبالامكان اثبات ذلك مطلقا او في موارد خاصة بالعنوان
الثانوي وبحكم ولي الامر، نظير الغرامات المالية الاخرى التي
يجعلها في موارد التخلفات، فيجعل لمن يتخلف فيجني على
شخص ولو خطا غرامة مالية بقدر نفقة علاجه اللازمة بحسب
متطلبات الزمان يدفعها للدولة، فتصرفها الدولة في علاج
المجني عليه او تتحمل علاجه مجانا في قبال ما تاخذه من
الجاني، كل ذلك بملاك حفظ النظام والصالح العام والتامين
على حياة المجني عليهم وتوفير العلاج اللازم لهم ولسلامتهم،
ولا شك ان هذا داخل ضمن نطاق صلاحيات الحاكم
الاسلامي، ومطابق مع المصلحة العامة في مثل ازمنتنا، بل
لعل خلافه يعد اجحافا وظلما على المجني عليهم بحيثيقطع
او يطمان بان الشارع لا يرضى به.
المسالة الثانية:
وبما ذكرناه في المسالة الاولى ظهر الحال في هذه المسالة
اعني ضمان الجاني لما يصيب المجني عليه من الاضرار
المادية من ناحية كسبه ومعيشته بسبب الجرح او النقص
الذي حصل في بدنه:
ا - فانا اذا جعلنا الميزان والملاك للضمان صدق الاتلاف او
وضع اليد على مال الغير فهذا لا يصدق في المقام جزما; اذ لم
يكن مال للغير بالفعل بعد، وانما كان يمكنه ان يحصل عليه
لولا ذلك النقص او الجرح.
ب - واما ان جعلنا الميزان اعم من ذلك بحيثيشمل مطلق
تفويت مال عليه فقد يصدق التفويت، خصوصا بالنسبة لما
كان متلبسا به بالفعل من الكسب والذي عجز عنه نتيجة
الجناية، وقد حكم سيد العروةقدسسره بثبوت الضمان في
حبس الحر الكسوب باعتباره تفويتا، ولكنه قد تقدم الاشكال
في كفاية مجرد التفويت لثبوت الضمان.
ج - واما ان جعلنا الميزان للضمان مطلق الاضرار المالي، فاذا
كان الضرر بمعنى النقص في المال فايضا لا يصدق الاضرار;
لان المال المذكور بعد لم يكن حاصلا ومملوكا للمجني عليه،
وانما كان يحصل له لولا الجناية.
اللهم الا ان تدعى احدى عنايتين عرفيتين:
الاولى ان النفع والمال المذكور حيث انه كان قطعي
الحصول في موارد التلبس الفعلي بالكسب فهو عرفا بحكم
الحاصل والثابت للمجني عليه، فيكون فواته عليه انقاصا لما
هو له بالفعل عرفا، فيكون ضررا بل اتلافا.
الثانية ان يكون لنفس وصف التمكن والقدرة على التكسب
وتحصيل المال من خلاله قيمة ومالية عقلائيا وعرفا، وقد
انقصها وسلبها منه، فيكون ضامنا لقيمتها، بل على هذا قد
يصدق الاتلاف ايضاللوصف الذي له مالية، كما اذا عيب ماله
بازالة وصف من اوصافه المرغوب فيها عقلائيا والمؤثرة في
المالية.
وكلتا العنايتين محل تامل واشكال:
اما الاولى فلان مجرد تحقق وقوع النفع لولا الحبس او
الجناية لا يكفي لصدق مفهوم النقص والضرر الا بالعناية
والمجاز بحيث لا يمكن استفادته من مطلقات لا ضرر او
الاتلاف.
واما الثانية فلما ثبت في محله من ان الاوصاف حيثيات
تعليلية لان تكون الاعيان او الاعمال اموالا، ولا يكون الوصف
بنفسه مالا; ومن هنا لا يضمن الوصف المرغوب الزائل في
العين، وانما تضمن العين التي نقصت ماليتها بسبب زوال
وصفها المرغوب; ومن هنا نجد ان المشهور ايضا حكموا بان
منع الحرالكسوب عن عمله لا يوجب الضمان، ففي تحرير
الوسيلة كتاب الغصب:
مسالة 5 لو استولى على حر فحبسه لم يتحقق الغصب لا
بالنسبة الى عينه ولابالنسبة الى منفعته وان اثم بذلك وظلمه
سواء كان كبيرا او صغيرا... وكذا لا يضمن منافعه، كما اذا
كان صانعا ولم يشتغل بصنعته في تلك المدة، فلا يضمن
اجرته. نعم لو استوفى منه منفعة كما اذا استخدمه لزمه
اجرته».
وفي المسالة 13 لو منع حرا عن عمل له اجرة من غير
تصرف واستيفاء لم يضمن عمله، ولم يكن عليه اجرته. وهذا
بخلاف منافع الاعيان فانها تعتبر ملكا موجودا بالفعل للمالك
بتبع وجود العين، ومن هنا يحكم بضمانها بمجرد منع مالكها
عنها ولو لم يستوفها الغاصب، فلو غصب دابة مثلا ضمن
منافعها سواء استوفاها ام لا. نعم، في باب الاعمال المشهور هو
الحكم بالضمان اذا كان اجيرا للغير في زمان فحبسه حتى
مضى فيضمن للمستاجر.
وفي المسالة 12 لو حبس حرا لم يضمن لا نفسه ولا
منافعه ضمان اليد حتى في ما اذا كان صانعا، فليس على
الحابس اجرة صنعته مدة حبسه.
نعم لو كان اجيرا لغيره في زمان فحبسه حتى مضى ضمن
منفعته الفائتة للمستاجر».
ولعل الوجه في هذا التفصيل عند المشهور ان العمل اذا
تعلقت به الاجارة اصبح مالا مملوكا بالفعل للمستاجر، وهذا
نحو وجود اعتباري له، فيكون تفويته عليه اتلافا وانقاصا لمال
مملوك له بالفعل، فيصدق الاضرار، بل والاتلاف واذهاب ملكه،
فيضمنه لمالكه وهو المستاجر، بخلاف ما اذا لم يقع
متعلقاللاجارة فانه لا يكون للعمل وجود بعد لا في الخارج
لعدم تحققه فيه ولا في الاعتبار; لعدم اعتبار الملكية
بالنسبة للانسان واعماله وذمته ونفسه لنفسه، فلا يصدق عرفاَ
الاتلاف او الاضرار بمعنى نقص المال لا بلحاظ مال خارجي ولا
اعتباري.
وعلى هذا قد يفصل في المقام ايضا ، فيقال بضمان الجاني ما
يفوت المجني عليه من الكسب اذا كان قد آجر نفسه للغير ولو
كان مدة طويلة، فيضمن الجاني اجرة مثل عمله للمستاجر،
ويستحق المجني عليه اجرة المسمى بعقد الاجارة.
الا ان الصحيح ان هذا الاستثناء لو قبلناه فليس المقام من
تطبيقاته; لان مورده ما اذا منع الاجير عن عمله مع بقائه
قادرا عليه في نفسه، كما في مثال حبس الحر، لا المقام الذي
تكون الجناية موجبة لعيب الاجير وزوال قدرته على العمل في
نفسه; فان هذا يوجب انفساخ الاجارة وانكشاف ان الاجير لم
يكن في لوح الواقع متمكنا من العمل المستاجر عليه في زمانه،
وهو يوجب الانفساخ. فالحاصل: فرق بين منع الاجير وحبسه
عن القيام بالعمل المستاجر عليه مع قدرته عليه في نفسه،
وبين اتلاف عضوه وجعله غير قادر في نفسه على العمل، كما
هو في المقام; فانه في الاول لا موجب للانفساخ، بخلاف الثاني.
ومن هنا فصل المشهور في باب اجارة الاعيان ايضا بين ما
اذا غصب العين المستاجرة من المستاجر فيضمن اجرة مثل ما
تبقى من المدة للمستاجر، وبين ما اذا اتلفها او عيبها
حيث خرجت عن الانتفاع فيضمن قيمتها للمالك، وتنفسخ
الاجارة في المدة الباقية، ويرجع المستاجر بالاجرة المسماة
لتلك المدة على المالك; لانه ينكشف عدم وجود المنفعة في
تلك المدة للمالك واقعا.
وهكذا يتضح ان موجب الضمان ان كان صدق عنوان الاتلاف
او الاضرار بمعنى النقص في المال فهذا لا يصدق الا اذا كان
له مال مملوك بالفعل حقيقي او اعتباري ينقصه منه ويذهبه
عليه، وهو غير حاصل في المقام الا اذا قبلنا احدى العنايتين
المتقدمتين. نعم، عنوان التفويت لا يتوقف على فعلية المال،
فهو يصدق في المقام، ولكن لا دليل على ايجابه للضمان
كبرويا كما تقدم.
هذا، مضافا الى انه يمكن دعوى عدم صدق التفويت ولا
الاضرار في المقام حتى اذا قبلنا اقتضاءهما للضمان كبرويا،
وقبلنا صدقهما في مثل حبس الحر الكسوب.
والوجه في ذلك: ان الجناية عرفا بمثابة الاتلاف للنفس او
للعضو، فيكون كالاضرار بالعين واتلافه من حيث انه لا يضاف
الى منافع النفس او العضو مستقلا زائدا على اضافته الى العضو
او النفس، فكما لا يصدق على من اتلف دابة الغير انه يضمن
قيمة منافعها زائدا على ضمان قيمة نفسها لانه فوتها على
مالكها، كذلك في المقام; فلا يقال لمن قطع يد الغير مثلا الا
انه اتلف يده واضره او فوت عليه يده، واما منافع يده وكسبه
منها فلا يكون هناك تفويت واضرار آخر بالنسبة اليها ليكون
له ضمان آخر، بل تلحظ المنافع الفائتة كحيثيات تعليلية
لضمان نفس العين حينما يكون الاتلاف والنقص واقعا عليها،
وانما يلحظ تفويت المنفعة مستقلا اذا كانت فائتة مع بقاء
العين، وهذه نكتة عرفية لا ينبغي التشكيك فيها. وعلى
اساس منها نقول في المقام: بانا حتى اذا قبلنا ضمان اجرة
عمل الحر الكسوب اذا حبس من قبل الغير بملاك التفويت او
الاضرار مع ذلك لا يمكن قياس المقام عليه والحكم بضمان
الكسب الذي عجز عنه المجني عليه نتيجة وقوع النقص
والجناية عليه، كالرسام او النجار اذا قطعتيده مثلا او
القارىء اذا قطع لسانه; لان هذا من باب اتلاف العين لا تفويت
المنافع.
هذا، مضافا الى انه لا ضابطة عرفية او شرعية لتحديد مقدار
التعويض اللازم جزاء ما يفوته من الكسب والمنفعة لولا
الجناية; لتفاوت المكاسب والواردات المحتملة كما وكيفا
وعدم امكان تحديدها في مقدار معين الا اعتباطا، مما يبعد
فكرة الضمان في المقام زائدا على ما حدده الشارع من الدية.
بل يمكن ان ندعي القطع او الاطمئنان على الاقل بعدم
ضمان الجاني في شرعنا الاقدس لما يفوت المجني عليه من
الكسب ونحوه من الاضرار التبعية، والتي حكمت اكثر القوانين
الوضعية اليوم بضمانها; وذلك لاننا لو لم نستطع ان نستفيد
من سكوت كافة روايات الديات عن ذكر ذلك دلالة على
عدمها بدعوى كونها في مقام بيان ضمان دية العيب
والنقص الواقع على البدن فقط لا الاضرار المادية الاخرى
فلا اشكال في ان هذه المسالة كانت موضع الابتلاء كثيرا، فما
اكثر الجنايات التي تقع عمدا او سهوا او خطا في المجتمع،
والتي كان يقضى فيها بدفع الدية او بالقصاص! فلو كانت
المنافع والمكاسب العائدة الى المجني عليه مضمونة على
الجاني وعادة يكون للمجني عليه كسب وعمل يفوته ولو
مؤقتا بالجناية لانعكس ذلك واشتهر وبان في الروايات
والفتاوى، مع انه لم يرد شيء من ذلك، ولم يرد في مورد ان
القضاء الاسلامي غرم الجاني ما كان يكسبه المجني عليه لولا
الجناية، بل ولعل في الروايات الدالة على ان المسلمين تتكافا
دماؤهم وانه لا فرق في الدية بين الصغير والكبير والشريف
والوضيع منهم ما يدل على نفي مثل هذا الضمان، وليس يرد
هنا ما اوردناه في المسالة الاولى من ضآلة قيمة العلاج ونفقاته
وكونها ضمن النفقات اليومية الاعتيادية للانسان كما لا يخفى.
وهذا بحسب الحقيقة دليل لبي يمكن ان يستدل به على عدم
ضمان الجاني زائدا على الدية ونفقات البرء والعلاج اذا قلنا
بضمانها في المسالة الاولى تعويضا عما يفوته او يفوت عائلته
من الكسب والمنفعة.
واما المسالة الثالثة فهي ضمان الجاني نفقات المرافعة
والمقاضاة، وقد ذكرنا ان هذا البحث لا يختص بباب الجنايات،
بل يجري في كل مرافعة ودعوى حتى المدنية، فهل يحكم
بثبوت نفقات المرافعة على المحكوم عليه دائما او لا؟ وينبغي
ايراد البحث في فرعين:
الفرع الاول في ضمان المحكوم عليه للمحكوم له ما قد
يصرفه من نفقات في سبيل الحصول على حقه اذا توقف
استحصاله عليه، وهذه مسؤولية وضمان تجاه صاحب الحق.
الفرع الثاني في ضمان المحكوم عليه لنفقات المرافعة
للدولة، فيجوز ان تستوفيها المحكمة منه لا من المحكوم له،
وهذه مسؤولية مدنية وضمان تجاه الحكومة.
اما الفرع الاول: فقد يقال بضمان من عليه الحق لصاحب
الحق ما يبذله في سبيل استحصال حقه منه، ومنه نفقات
المرافعة وتكليف المحامي والوكيل للدفاع وغير ذلك; بدعوى
ان هذه النفقات والتكاليف وان كان قد صرفها صاحب الحق
باختياره الا ان انفاقها كان في سبيل تحصيل حقه المهدور
وفي طول منع المحكوم عليه واخذه بحقه، فيكون هو السبب
عرفا لفواتها وذهابها عليه وخسارته، فيضمنها الجاني
بالتسبيب.
الا ان الظاهر عدم كفاية هذا المقدار للتسبيب، فاننا ذكرنا ان
المراد منه ما يوجب استناد موجب الضمان من الاتلاف او
الاضرار او التفويت الى غير المباشر، ومن الواضح ان مجرد
منع الغاصب لحق صاحب الحق وتوقف تحصيله على بذل
المال لا يكفي لان تستند خسارة تلك النفقات التي صرفها
الى الغاصب، فيكون هو المتلف لها او الضار او المفوت لها زائدا
على الحق الاول; لان هذا الانفاق كان من قبل صاحب الحق
لمصلحة نفسه، وهو وصوله الى حقه، فلم يكن له حقان
وضمانان: حق ماله الاول مثلا وحق ان ياخذ منه ما يوصله
الى حقه الاول، فهذا المقدار لا يكفي للتسبيب وانتساب
الاتلاف او التفويت للمحكوم عليه ومن عليه الحق، بل الفعل
الصادر باختيار الفاعل المباشر كالانفاق من صاحب الحق
في سبيل استحصال حقه في المقام لا يستند الى غير
المباشر الا اذا كان هناك تسبيب من الجاء واكراه او تغرير
واستدراج ونحو ذلك، وليس في المقام شيء من ذلك.
ودعوى: صدق الاضرار به بلحاظ ما صرفه فعلا في سبيل
تحصيل حقه خصوصا اذا كان منع الحق عن علم وعمد،
ممنوعة الا بنحو من العناية.
كما ان دعوى: ان لنفس التمكن من ماله وحقه وكونه تحت
اختياره مالية وضمانا مستقلا قد فوته عليه الغاصب، واضحة
الفساد; لاستلزامه الضمانين من اول الامر سواء صرف في
سبيل تحصيله مال ام لا، وهو كما ترى، بل لعل في ما دل
على حرمة الربا وان المالك له راس ماله لا اكثر تصريحا
بخلاف هذه النكتة.
نعم، قد يكون الاجل حيثية تعليلية لارتفاع قيمة المال في
المعاملات، وتلك نكتة اخرى، كما ان حيثية الزمان والمكان
قد تكون دخيلة في المالية او تكون مضمونة بنفسها اذا كان
مورد غرض عقلائي، وتلك ايضا نكتة اخرى لا دخل لها
بالمقام. ودعوى: ان الغاصب يؤخذ باشق الاحوال وانه يمكن
ان نثبت به الضمان في المقام.
مدفوعة: مضافا الى كونها قاعدة متصيدة وتعبيرا فقهيا لا
قاعدة شرعية بان المراد بها ان ما يستلزمه من رد المال
المغصوب من الضرر على الغاصب لا يكون مضمونا له، وهو
اجنبي عن محل البحث.
واما الفرع الثاني: وهو ضمان المحكوم عليه نفقات المرافعة
للحكومة، فتارة يراد اثبات هذا الضمان والمسؤولية كحكم
ثانوي، كما اذا قرر الحاكم وولي الامر في سياسة ادارة القضاء
والمحاكمات ان تجعل نفقات المرافعة على من يثبت عليه
الحق، فتستوفى منه اذا ثبت عليه، واذا لم يثبت تستوفى
ممن اقام الدعوى او منهما معا، وهذا لا اشكال فيه، ويكون
حاله حال سائر الاحكام النظامية التي يقررها الحاكم
الاسلامي حسب ما يشخصه من المصالح والمفاسد في اطار
الشريعة الاسلامية الغراء.
واخرى يراد اثبات هذا الضمان على المحكوم عليه كحكم
اولي وبقاعدة من قواعد الضمانات الثابتة في الاموالوا لاعمال.
وتقريب ذلك:
ان عمل المقاضاة وما تستلزمه من تسجيل الدعوى والتحقيق
فيها واصدار الحكم وغير ذلك، عمل محترم له مالية، فتكون
مضمونة بالاستيفاء او الامر او الاتلاف، كما هو حال سائر
الاعمال التي لها مالية. وفي المقام ان كانت المرافعة بطلب
من المحكوم عليه كان ضامنا لها بالامر، وان كان بطلب
المحكوم له او بطلبهما معا او بامر الحاكم ابتداء يكون الضمان
على المحكوم عليه ايضا; لانه بمنزلة السبب الذي يكون اقوى
من المباشر; اذ لولا منعه لحق الغير وسلبه له لم يكن يلزم
على الحاكم المسؤول عن اقامة العدل وارجاع الحق الى
اهله ان يقوم بالمقاضاة وفصل الخصومة بناء على جواز اخذ
الاجرة على الواجبات حتى في باب الحكومة; لعدم تقييد
دليل ايجابها بان تكون على نحو المجانية.
صحيح ان من له الحق لو كان يتنازل عن حقه ولم يرفعه الى
الحاكم لما كان يقع مقاضاة وعمل من الحاكم، الا ان صاحب
الحق من حقه المطالبة بحقه، بخلاف من عليه الحق; فانه
ليس من حقه سلب الحق، بل عليه رده الى صاحبه، فتكون
هذه نكتة عرفية لصدق التسبيب بلحاظه، لا بلحاظ من له
الحق ويطالب به، نظير ما اذا سحب المالك ثوبه من يد
الغاصب فامسكه الغاصب وجره الى نفسه فتمزق، فان التلف
وان كان حاصلا بفعلهما معا، ولكنه يقال بان الغاصب حيث
كان لا يحق له امساك ثوب الغير ومنعه عنه فهو السبب للتلف،
فيكون ضامنا لتمام قيمته، او نظير شاهد الزور الذي يحكم
عليه بضمان ما ذهب من مال صاحبه بسبب اخفائه للحقيقة
وشهادته على خلاف الواقع; لكونه اقوى من المباشر، وهو
القاضي، فاذا جزمنا بهذه النكتة ثبت الضمان عليه، والا كان
مقتضى الاصل عدم الضمان هنا ايضا، كالمسالة السابقة. |