مقدار ما يضمنه الجاني من خسائر

آية الله السيد محمود الهاشمي

ان تحديد دائرة الضمان في المجالين الجنائي والمدني من
الموضوعات المحورية في النظام الحقوقي .. والذي يشكل
رقما صعبا في النظرية الاسلامية العامة .. لذا فان هذا
البحث يعالج مسالة في غاية الحساسية والاهمية .. وما افاده
سماحة السيد الاستاذ يعد انعطافا في النظر المشهوري حول
طبيعة موقف الشريعة تجاه حدود الضمان ..

يمكن ان نتناول البحث في ثلاث مسائل:

الاولى: في ضمان الجاني زائدا على الدية اجرة الطبيب
ونفقات العلاج.
الثانية: في ضمانه ما يفوت على المجني عليه من معيشته
وكسبه.
الثالثة: في ضمان نفقات المرافعة واقامة الدعوى على الجاني.
وهذا الفرع لايختص بالدعاوي الجنائية، بل يجري في
الدعاوي والمرافعات المدنية ايضا. وسنبين ذلك مفصلا:

المسالة الاولى:
قد يستظهر من كلمات الاصحاب حيث‏سكتوا في موارد
الدية عن ذكر غيرها ان كل ما يضمنه الجاني انما هو الدية
او الارش، والدية هي الدية الكاملة، وقد تطلق على كل مقدر
شرعي، والارش نسبة منها سواء كان مقدرا شرعا او يقدره
القاضي بالحكومة، الا ان هذا الاستظهار يمكن المناقشة فيه
على ما سياتي.
والمهم ملاحظة ما تقتضيه الادلة والقواعد. وينبغي البحث
اولا في ما هو مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن روايات
تحديد الدية على كل جناية، واخرى في ما يستفاد من
مضامين تلك الروايات، فالبحث في مقامين:

المقام الاول: في ما تقتضيه قواعد الضمان العامة في هذه
المسالة:
قد يقال بالضمان وان على الجاني ان يتحمل خسارة علاج
المجني عليه وبرئه; وذلك استنادا الى احد الوجوه التالية:

الوجه الاول: التمسك بالسيرة العقلائية، حيث‏يقال بانهم
يحكمون بضمان الجاني تمام الخسائر التي تقع على المجني
عليه ومنها اجرة الطبيب والعلاج.
وان شئت قلت: ان وصف الصحة والسلامة والبرء من المرض
او الجرح من الاوصاف المرغوب فيها عقلائيا، بل المهمة
عندهم، بل هي في الانسان اهم منها في الاموال، فكما يكون
الغير ضامنا لوصف الصحة في المال اذا تصرف فيه او اتلفه
بغير اذن مالكه كذلك يكون ضامنا له في الانسان اذا جنى
عليه، ومقتضى ضمانه ذلك تحمل نفقات البرء وقيمة العلاج.
وهذا الارتكاز او السيرة العقلائية لم يرد ردع عنها من الشارع
فنستكشف امضاءها لا محالة.

وفيه:

اولا ما ذكر من اهمية وصف الصحة في الانسان بل هو اهم
منه في الاموال لا شك فيه، الا ان هذا وحده لا يكفي للضمان
ما لم يكن ذلك الامر المرغوب فيه مالا عند العقلاء. والعقلاء لا
يعتبرون المالية للانسان بالنسبة الى نفسه واوصافه واعضائه،
فاذا لم يكن وصف الصحة في الانسان مضمونا لم يكن وجه
لضمان نفقات العلاج واجرته.

وثانيا لو سلمنا ثبوت الضمان لوصف الصحة في الانسان
عقلائيا قلنا مع ذلك بان امضاء الشارع لذلك فرع عدم
احتمال ردع عنه، فلو احتملنا ان ما جاء في روايات تحديد
الدية والارش تاسيس لطريقة شرعية جديدة لكيفية ضمان
الجنايات وصحة الانسان، فلا محالة يحتمل الردع بحيث لا
يمكن الجزم بالامضاء.

الوجه الثانى: ان الجاني يضمن ما يصرفه وينفقه المجني عليه
على نفسه في سبيل العلاج باعتباره هو السبب في ذلك،
والمجني عليه مضطر الى صرفه وانفاقه، فيصدق التسبيب
للخسارة او الضرر، والسبب في مثل ذلك اقوى من المباشر،
فيكون ضامنا للمقدار اللازم انفاقه للاستعلاج لا اكثر بقاعدة
التسبيب.

مناقشة الوجه الثاني:
وقد يناقش في هذا الاستدلال كبرى وصغرى:
اما من حيث الكبرى; فبان التسبيب وضمان السبب مع كون
الفعل صادرا من المباشر بالاختيار امر على خلاف القاعدة لا
يمكن قبوله الا في الموارد الخاصة التي قام فيها الدليل عليه.

واما من حيث الصغرى; فلان كبرى التسبيب لو سلمت فهي
انما تنفع في موارد اتلاف المال او افساد الشي‏ء الموجب
لنقصه، حيث‏يقال: ان كان المباشر له انما افسده بسبب الغير
وكان السبب اقوى كان عليه الضمان; لان استناد التلف اليه
اقوى من استناده الى المباشر، ومن الواضح ان هذا فرع
صدق الاتلاف او الانقاص، وهو لا يصدق في المقام; اذ لا يكون
صرف المال للاستعلاج اتلافا له لينفعه التسبيب.

وان شئت قلت: ان قاعدة التسبيب توسع من موضوع قاعدة
من اتلف وتعينه في السبب الاقوى دون المباشر، وليست
قاعدة بحيالها، فلابد وان يصدق اتلاف المال او العضو او
النفس لكي يثبت الضمان بالتسبيب، وهذا لا يصدق في
المقام.

رد هذه المناقشة:
ان كلتا المناقشتين الكبروية والصغروية يمكن الاجابة
عنهما:
اما الاولى: فبان كبرى التسبيب يمكن اثباتها تارة بسيرة
العقلاء الممضاة شرعا، واخرى باستفادتها من مجموع الموارد
الكثيرة التي ثبت فيها حكم الشارع بضمان السبب دون
المباشر، وذلك بعد الغاء خصوصية كل مورد عرفا; لتنوعها
وعدم اختصاصها بباب دون باب، وقد وردت في عدة موارد;
فان‏جملة من هذه الروايات واكثرها صحيحة السند واردة
في باب ضمان شاهد الزور للصداق او للدية او لما اتلفه
الشاهد من المال الذي شهد عليه:

منها ما يلي:
1- ابراهيم بن نعيم الازدي قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن
اربعة شهدوا على رجل بالزنى، فلما قتل رجع احدهم عن
شهادته. قال: فقال: «يقتل الرابع [الراجع] ويؤدي الثلاثة الى
اهله ثلاثة ارباع الدية‏».

2- ابراهيم بن عبدالحميد عن ابي عبدالله(ع) في شاهدين
شهدا على امراة بان زوجها طلقها فتزوجت ثم‏جاء زوجها فانكر
الطلاق، قال: «يضربان الحد ، ويضمنان الصداق للزوج ثم تعتد
ثم ترجع الى زوجها الاول‏».

3- محمد بن مسلم عن ابي عبدالله(ع) في شاهد الزور ما
توبته؟ قال: «يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب
من ماله ان كان النصف، او الثلث ان كان شهد هذا وآخر معه‏».

وجملة منها واردة في من حفر بئرا في طريق المسلمين او
نصب ميزابا عليه فاضر بالمارة.

عن السكوني عن ابي عبدالله(ع) قال: «قال رسول الله(ص):
البئر جبار، والعجماء جبار، والمعدن جبار».
وجملة منها واردة في ضمان من دعا او اذن لشخص في
دخول بيته فعقره كلبه.
وبعضها وارد في ضمان المولى اذا جنى عبده الراكب دابته.
وبعضها وارد في ضمان من افزع شخصا فنفر من دابته او من
شاهق.
وبعضها وارد في ضمان المراة دية الرجل الاجنبي اذا ادخلته
على نفسها فقتله الزوج.
وبعضها وارد في ضمان المستغيث لما جناه المغيث في
طريقه من غير عمد.
الى غير ذلك من الموارد.

فمن يلاحظ مجموع هذه الموارد المتنوعة يشرف على القطع
او الاطمئنان بان لا خصوصية لكل مورد، وانما هذه الروايات
كلها تشير الى مطلب واحد وكبرى كلية هي ان ارادة المباشر
اذا كانت مقهورة لجهل او اضطرار او الزام قانوني وكان
للسبب الدور الفاعل والمؤثر خارجا وعملا كان استناد النتيجة
الى السبب اقوى وآكد، وكان ضمانه اولى عند الشارع كما هو
كذلك عند العقلاء، بل وجود السيرة او الارتكاز العقلائي
بنفسه يخلع على هذه الروايات ظهورا في امضاء نفس النكتة
العقلائية باطلاقها وفي تمام الموارد.

بل مثل صحيح جميل عن ابي عبد الله(ع) في شاهد الزور
قال: «ان كان الشي‏ء قائما بعينه رد على صاحبه، وان لم يكن
قائما ضمن بقدر ما اتلف من مال الرجل‏»، ومعتبرة ابي بصير
عن ابي عبد الله (ع) في امراة شهد عندها شاهدان بان زوجها
مات، فتزوجت ثم جاء زوجها الاول قال: «لها المهر بما استحل
من فرجها الاخير، ويضرب الشاهدان الحد، ويضمنان المهر لها
عن [بما غرا] الرجل ثم تعتدوترجع الى زوجها الاول‏» ظاهران
في ان هذا الحكم ليس من باب التعبد; بل لصدق الاتلاف
والاستناد الى السبب اذا كان في البين تغرير للمباشر، وهذا
بمثابة التعليل الذي يستفاد منه التعميم وعدم الاختصاص
بالمورد. فكبرى التسبيب في موارد مقهورية ارادة المباشر
لجهل او اضطرار او اداء تكليف وواجب شرعي عليه او نحو
ذلك لا ينبغي انكارها.

واما المناقشة الصغروية: فيمكن دفعها بان ما هو المعيار عند
العقلاء ليس تلف المال وانعدامه، بل ذهاب ملكيته; اي
خسارة المالك ونقصان ماله بحسب النتيجة سواء كان
بالاتلاف للمال خارجا او باخذ الغير له او بلزوم دفعه وصرفه
اضطرارا، فالميزان ذهاب المال عنه ونقصانه منه بحسب
النتيجة، وقد تشعر بذلك صحيحة محمد بن مسلم عن ابي
عبد الله(ع) في شاهد الزور ما توبته؟ قال: «يؤدي من المال
الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله ان كان النصف، او
الثلث ان كان شهد هذا وآخر معه‏». الا ان الانصاف ان عنوان
ذهاب المال وخسارته غير صادق هنا ايضا، بل بابه باب
الاستيفاء والانتفاع بالمال في العلاج; والا لزم ورود النقض
بسائر موارد انتفاع الانسان وصرفه لماله على نفسه بسبب الغير،
مع انه لا يحكم فيها بالضمان.

الوجه الثالث: التمسك بقاعدة عقلائية اخرى ممضاة شرعا;
هي وجوب رد حق الغير اليه سواء كان حقاماليا ام غير مالي،
وفي المقام حيث ان من حقوق الغير وشؤونه سلامته وبرءه
من المرض، والتي سلبها منه الجاني بجنايته، فيجب عليه
ردها اليه ولو بتحمل نفقات علاجه، وان شئت عبرت عن هذا
بضمان العهدة ووجوب رد كل ما من شؤون الغير واموره اليه
ولو لم يكن مالا، كما يجب رفع كل نقص او ضرر اوقعه عليه
ولو لم يكن ضررا ماليا.

مناقشة الوجه الثالث:
ان هذا الوجه لا ينفع لاثبات ضمان نفقات العلاج واشتغال
ذمة الجاني بها للمجني عليه اذا فرض حصول البرء بانفاقه
على نفسه ورجوع سلامته اليه، وانما يثبت مجرد الحكم
التكليفي بوجوب الانفاق عليه للعلاج اذا لم يكن من ينفق
لعلاجه، نظير وجوب النفقة لغير الزوجة، نعم للحاكم الشرعي
اجباره على الانفاق اذا لم يكن من ينفق.

الوجه الرابع: التمسك بقاعدة لا ضرر; بتقريب ان عدم ضمان
الجاني نفقات العلاج حكم ضرري واجحاف بالمجني عليه،
فيكون منفيا بالقاعدة، فيثبت ضمان الجاني لها، نظير اثبات
الخيار بالقاعدة في موارد الغبن والعيب.

مناقشة الوجه الرابع:
اولا ان هذا تدارك للضرر وليس نفيا له; لانه قد حصل بفعل
الجاني على كل حال، وقد تقرر في محله ان القاعدة لا تثبت
التدارك; لانها تنفي مطلق الضرر، لا الضرر غير المتدارك.
نعم، يمكن تبديل القاعدة ببعض الروايات التي قد يستفاد
منها ان الاضرار موضوع للضمان، من قبيل صحيح الحلبي عن
ابي عبد الله(ع): «كل شي‏ء يضر بطريق المسلمين فهو ضامن
لما يصيبه‏»، ومعتبرة الكناني: «من اضر بشي‏ء من طريق
المسلمين فهو له ضامن‏»; فان ظاهرهما ان الاضرار ملاك
وموضوع للضمان، واضافته الى الطريق باعتبار العابرين فيه،
لا باعتبار نفس الطريق، كما لا يخفى.

وثانيا ان الضرر عبارة عن النقص في مال او حق، وبناء عليه
ان فرض صدق الضرر على تقدير عدم الضمان بلحاظ نقصان
وصف الصحة، فهو فرع ان يكون وصف الصحة مالا او ارجاعه
حقا ثابتا على الجاني في المرتبة السابقة، وهو رجوع الى احد
الوجوه السابقة، ومعه لا يحتاج الى قاعدة لا ضرر، وان كان
بلحاظ ما يخسره من المال في نفقة العلاج فمن الواضح ان
النقص الحاصل فيه يكون بفعل المجني عليه، لا بفعل الجاني;
لانه المباشر لذلك، الا ان نرجع الى قاعدة التسبيب، وهو
الوجه الثاني المتقدم، وقد عرفت الاشكال فيه.

وثالثا ان ثبوت الضمان على الجاني ايضا حكم ضرري عليه،
فيكون من تعارض الضررين. ودعوى انه مقدم عليه فرع ثبوت
الضمان عليه في المرتبة السابقة، كما لا يخفى.

الوجه الخامس: وهو تطوير للوجه الاول وحاصله: ان
الجاني يضمن وصف الصحة والسلامة للمجني عليه; وذلك
لان الصحة في الانسان وان لم تكن وصفا لمال الا ان عدم
المالية تارة يكون لعدم المنفعة في الشي‏ء وكونه تافها كالحبة
من الحنطة او الخنفساء، وفي مثله لا ضمان في اتلافه; اذ لا
مالية له ولا قيمة، واخرى يكون عدم اعتبار المالية في شي‏ء
لشرافته واهميته او كونه الصق بالانسان من المال كذمة
الانسان واعماله بالنسبة الى نفسه، فانه لا تجعل الملكية
الاعتبارية لها بالنسبة الى الانسان نفسه، وانما تجعل الملكية
فيها للغير حينما يبيع الانسان شيئا في ذمته او يؤجر نفسه
على عمل للغير فيملك الغير ذمته او عمله، وان شئت قلت:
ان الانسان مالك بالملكية التكوينية او الذاتية لنفسه وعمله،
وهي مرتبة من الملكية اعلى واشرف من الملكية الاعتبارية،
فيكون جعلها له لغوا عقلائيا وشرعا.

وعلى هذا الاساس يقال: بان اتلاف وصف الصحة او اي انقاص
لعضو من اعضاء الانسان او منافعه موجب للضمان بهذا المعنى،
حيث لا يشترط فيه اكثر من كون الشي‏ء التالف مرغوبا فيه
ومطلوبا عند العقلاء وان يكون مملوكا لصاحبه او راجعا اليه
ولو بالملكية التكوينية او الذاتية، ولا يشترط خصوص الملكية
الاعتبارية، فيجب ارجاع ورد وصف الصحة اليه، ويقال بان
ذلك عرفا يكون بعلاجه; فان ردكل شي‏ء بحسبه.

مناقشة الوجه الخامس:
وهذا الوجه لا يثبت ضمان نفقات العلاج بالخصوص، وان ما
يثبت ضمان قيمة وصف الصحة. نعم قد تكون قيمتها مساوقة
او مقاربة مع نفقات العلاج اللازمة.

كما انه يرد عليه ما ذكرناه من الاشكال في التعليق الثاني
على الوجه الاول، مضافا الى امكان منع ثبوت الضمان بمعنى
العهدة حتى عند العقلاء لمثل وصف الصحة، وانما القدر
المتيقن منه في الاعيان واوصافها ولو لم تكن مالا، فمن ياخذ
حبة حنطة او بقايا الكوز المكسور من احد يجب عليه رده ولو
لم يكن مالا، ومن اخذ من الغير مكان آخر بلا اذنه يجب عليه
رده الى مكانه وان لم تتفاوت ماليته بذلك، اما في مثل وصف
الصحة ونحو هذا مما يرجع الى شؤون الحر واعراضه الانسانية
لا المادية او المالية فثبوت الارتكاز المذكور فيه محل اشكال
او منع، ولا اقل من الشك; فانه يكفي لعدم امكان التمسك
بالدليل اللبي.

الوجه السادس: ان الجاني قد فوت على المجني عليه نفقات
العلاج; اذ لولا جنايته لما كان يقع في ذلك ولما كان يخسر،
فيكون الجاني ضامنا بملاك التفويت، نظير ما يقال في حبس
الحر الكسوب من ضمان اجرة عمله وكسبه.

مناقشة الوجه السادس:
ان عنوان التفويت لم يدل دليل على كونه موجبا للضمان وان
ذكره السيد اليزدي‏قدس‏سره في العروة كثيرا، وانما موضوع
الضمان الاتلاف او اليد، وكلاهما مفقود في المقام، على ان
صدق التفويت مع كون الانفاق على العلاج صدر باختيار
المجني عليه ورغبته محل اشكال بل منع.

الوجه السابع: التمسك بالسيرة العقلائية ابتداء لاثبات ضمان
الجاني نفقات العلاج واجر الطبيب بدعوى انه لا اشكال في
ذلك عندهم; ولهذا نجد القوانين الوضعية اليوم تحكم بضمان
الجاني جميع النفقات اللازمة عادة لعلاج الجناية الصادرة منه،
ومن المستبعد ان تكون هذه السيرة مستحدثة، بل جذورها
ونكاتها ارتكازية ثابتة من اول الامر، فنستكشف من عدم
ثبوت ردع عنها امضاء الشارع لها.

ولعل هذا الوجه احسن الوجوه واسلمها عن الاشكال، الا ان
تماميته تتوقف على ان لا نستظهر من ادلة تحديد الدية
والارش في الشريعة جعل الدية بدلا عن كل ما يراه العقلاء من
الضمان وان تمام ما يستحقه المجني عليه انما هو مقدار الدية
او الارش لا غير. وعلى هذا الاساس لابد من الانتقال الى
المقام الثاني من البحث لنرى ما يستفاد من روايات الدية
والارش من هذه الناحية.

المقام الثاني: في ما يستفاد من روايات الدية والارش:
ولا شك في دلالتها على ضمان الدية وتحديدها بالمقدرات
الشرعية او بما تقدره الحكومة (حكومة العدل)، كما لا اشكال
في انها على كثرتها وتعرضها للتفاصيل وجزئيات دية كل
عضو عضو وكل كسر او جرح باقسامها ومراتبها المتعددة قد
سكتت عن ضمان نفقات العلاج واجر الطبيب، ومن هنا قد
يستظهر من هذا السكوت العام فيها نفي ضمان شي‏ء زائد على
ما ذكر فيها من الدية او الارش، والالكان ينبغي ان يذكر ذلك
ولو في بعضها.

وقد يجاب عن ذلك: بان الديات او الارش انما هي ضمان ما
يحصل من النقص في العضو او في منفعته او الشي‏ء الحاصل
بسبب الجناية في البدن، وهذا مطلب آخر مستقل عن ضمان
علاج المجني عليه وارجاع السلامة والبرء اليه سواء بقي فيه
نقص او شين ام لا، فالروايات ناظرة الى تحديد ما يضمنه
الجاني بسبب النقص او الشين، لا الجهات الاخرى، كما اذا
ادت الجناية الى تلف مال المجني عليه من تمزيق ثوبه او
عطب دابته، فالسكوت عن بيان ضمان قيمتها لا يدل على نفي
الضمان لها; لانها ليست في مقام البيان الا من هذه الناحية،
فلا يمكن ان يستفاد منها ما هو على خلاف مقتضى القاعدة.
فاذا فرغنا في المقام السابق عن ثبوت مقتضي الضمان لاجر
الطبيب ونفقات العلاج مع قطع النظر عن النقص الحاصل
بالجناية لم يكن في هذه الروايات وسكوتها عن التعرض
لضمان العلاج ما ينافي ثبوته.

الا ان هذا البيان غير تام; وذلك:
اولا: لان جملة من روايات الدية واردة في ما لا نقص فيه ولا
شين، حيث قررت الدية او الارش في ما اذا برى‏ء الجرح او
الكسر من غير عثم وهو انجبار العظم على غير استواء او
شين، مما يعني ان‏الدية او الارش المقر ر فيه ليس من اجل
النقص او الشين الحاصل بسبب الجناية; والا لم يكن موجب له
في مثل ذلك، فلابد وان تكون الدية في ذلك بلحاظ ما
تستوجبه الجناية من الضمان على الجاني، فاذا كانت مقتضية
لضمان نفقة العلاج ايضا كان يلزم ذكره وعدم السكوت
المطبق عنه.

وثانيا: لظهور جملة من الروايات في انها بصدد بيان تمام ما
على الجاني بالجناية من الغرامة، لا خصوص ما يقابل النقص.
ففي معتبرة ابي بصير عن ابي جعفر(ع) قال: «قضى امير
المؤمنين(ع) في رجل قطع ثدي امراته قال: اذن اغرمه لها
نصف الدية‏».

وفي صحيح ابن سنان عن ابي عبد الله(ع) قال: «السن اذا
ضربت انتظر بها سنة، فان وقعت اغرم الضارب خمسمئة
درهم، وان لم تقع واسودت اغرم ثلثي ديتها». فانه اذا كان
يغرم الجاني شيئا زائداعلى الدية كان ينبغي اضافته اليها في
ما اغرمه الامام.

وفي صحيح الحلبي عن ابي عبد الله(ع) في رجل فقا عين
امراة، فقال: «ان شاءوا ان يفقاوا عينه ويؤدوا اليه ربع الدية،
وان شاءت ان تاخذ ربع الدية. وقال في امراة فقات عين
رجل : انه ان شاء فقا عينها والا اخذ دية عينه‏». فان جعل ما
ياخذه من الجاني في قبال القصاص ظاهر في ان تمام ما
يستحقه المجني عليه على تقدير عدم القصاص انما هو الدية
لا اكثر.

وفي صحيح الفضيل بن يسار عن ابي عبد الله(ع) في عبد
جرح حرا، قال: «ان شاء الحر اقتص منه، وان شاء اخذه ان
كانت الجراحة تحيط برقبته، وان كانت لا تحيط برقبته افتداه
مولاه، فان ابى مولاه ان يفتديه كان للحر المجروح [حقه] من
العبد بقدر دية جراحه والباقي للمولى، يباع العبد فياخذ
المجروح حقه ويرد الباقي على المولى‏». فان الاقتصار على ان
تكون دية جراحته تحيط برقبة العبد بلا احتساب نفقة العلاج،
بل وتصريح الذيل بان حق المجني عليه من قيمة العبد
الجاني بقدر دية جراحه، كالصريح في عدم ضمان شي‏ء زائد
على الدية.

هذا، ولكن مع ذلك كله يمكن ان يقال بان قصارى ما
يستفاد من السكوت عن ضمان نفقات العلاج في مجموع هذه
الروايات انما هو نفي ضمان العلاج زائدا على الدية والارش،
واما ضمانه ضمنها بنحو التداخل فلا يمكن نفيه بهذا السكوت;
لان نفقات العلاج اللازمة للبرء في ذلك الزمان كانت عادة
اقل‏بكثير من الدية، فلعل السكوت عنها كان من جهة
استيعاب الدية لها وزيادة، فيبقى مقتضي الضمان لها تاما،
والنتيجة تظهر في المورد الذي تكون نفقة العلاج فيه اكثر
من الارش او الدية المقررة، كما في بعض الحالات في ازمنتنا،
فيثبت ضمان اعلى الحدين من الدية او نفقة العلاج اللازمة
للبرء.

ومما يمكن ان يستدل به على هذا المطلب ما ورد في معتبرة
غياث عن جعفر(ع) عن ابيه(ع) عن علي(ع) قال: «ما دون
السمحاق اجر الطبيب‏».

فان ظاهرها ان الجرح اذا كان دون السمحاق وهو الجلد
الرقيق على العظم اي لم يبلغ هذا المبلغ ففيه ضمان اجر
الطبيب، مما يدل على ثبوت الضمان لاجر الطبيب، الا ان‏ذلك
باعتبار قلته وضآلته كان اقل من الارش المقرر للمراتب
الاولى من الجراحات كالسمحاق التي فيها اربع من الابل،
فعدم ذكره كان من جهة التداخل واستيعاب الارش فضلا
عن الدية له.

وما ورد في بعض الروايات الاخرى من اثبات الارش في
الباضعة بثلاث من الابل وهي دون السمحاق، كما في
صحيح زرارة وفي رواية منصور بن حازم لا يوجب سقوط
اصل دلالة معتبرة غياث، بل غايته تقييد اطلاقها بما يكون
دون السمحاق ودون الباضعة، فتبقى دلالة المعتبرة على
اصل ضمان الجاني نفقة الطبيب والعلاج حجة، وتكون هذه
الرواية صالحة لتفسير ذلك السكوت في سائر الروايات بما
ذكرناه من التداخل.

ويمكن ان يستانس لضمان نفقة العلاج بما ورد في روايات
حد السرقة من ان امير المؤمنين(ع) كان يامر بعلاج من
قطعت يده في السرقة من بيت المال حتى يبراء، فراجع
صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: «قضى امير
المؤمنين(ع) في رجلين قد سرقا من مال الله احدهما عبد
مال الله والآخر من عرض الناس، فقال: اما هذا فمن مال الله
ليس عليه شي‏ء، مال الله اكل بعضه بعضا، واما الآخر فقدمه
وقطع يده، ثم امر ان يطعم اللحم والسمن حتى برئت‏يده‏»،
ورواية محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع) قال: «اتي امير
المؤمنين(ع) بقوم لصوص قد سرقوا فقطع ايديهم من نصف
الكف وترك الابهام ولم يقطعها، وامرهم ان يدخلوا الى دار
الضيافة، وامر بايديهم ان تعالج فاطعمهم السمن والعسل
واللحم حتى برئوا، فدعاهم فقال: يا هؤلاء ان ايديكم سبقتكم
الى النار، فان تبتم وعلم الله منكم صدق النية تاب عليكم
وجررتم ايديكم الى الجنة، فان لم تتوبوا ولم تقلعوا عما انتم
عليه جرتكم ايديكم الى النار»، والحارث بن حضيرة قال:
«مررت بحبشي وهو يستقي بالمدينة فاذا هو اقطع، فقلت له:
من قطعك؟ قال: قطعني خير الناس، انا اخذنا في سرقة
ونحن ثمانية نفر، فذهب بنا الى علي بن ابي طالب(ع) فاقررنا
بالسرقة، فقال لنا: تعرفون انها حرام؟ فقلنا: نعم، فامر بنا
فقطعت اصابعنا من الراحة وخليت الابهام، ثم امر بنا فحبسنا
في بيت‏يطعمنا فيه السمن والعسل حتى برئت ايدينا، ثم امر
بنا فاخرجنا، وكسانا فاحسن كسوتنا، ثم قال لنا: ان تتوبوا
وتصلحوا فهو خير لكم يلحقكم الله بايديكم في الجنة، والا
تفعلوا يلحقكم الله بايديكم في النار»، وغيرها; فان هذه
الروايات وان كانت متكفلة لحد السرقة والجراحة الحاصلة من
اجرائه لا الجناية، الا ان ظاهر امر الامام فيها بالعلاج من بيت
المال لزومه، فقد يستظهر من ان علاج المقطوع بالسرقة
وبرءه مضمون على بيت المال، وعندئذ يقال بان العلاج اذا
كان مضمونا في الجرح الحاصل بحق وهو اجراء الحد الالهي
فالضمان في مورد الجناية بغير حق على الجاني آكد واولى.

ونستخلص من مجموع ما تقدم: ان المقتضي لضمان نفقات
العلاج في نفسه يمكن تتميمه باحد الوجوه السبعة المتقدمة،
والتي كل واحد منها لو تم يشير الى نكتة خاصة للضمان
غير الاخرى، وقد تختلف عنها في الآثار والنتائج.

وتوضيح ذلك: ان هذه الوجوه على قسمين، فالوجه السابع
يقرب فيه الضمان لنفقة العلاج بالسيرة العقلائية ابتداء من
دون ارجاعها الى قاعدة كبروية عقلائية او شرعية اخرى،
بينما الوجوه الاخرى تقرب الضمان بارجاعه الى كبرى اخرى
كقاعدة الاتلاف او التسبيب او التفويت او الاضرار.

وهذا يتضمن بعض الفروق بين هذه الوجوه:
منها ان الوجه السابع بالامكان ارجاعه الى احد التطبيقات
للقواعد العقلائية الاخرى المبينة في سائر الوجوه لو تم شي‏ء
منها بحيث لا يكون وجها مستقلا في قباله، بل يكون ذلك
الوجه تفسيرا وتحليلا له، فالوجه السابع انما تصل النوبة اليه
اذا فرض عدم الجزم بتلك التطبيقات.

ومنها ان الوجه الثالث يختلف عن سائر الوجوه في ان مفاده
لو تم اثبات ضمان العهدة; بمعنى وجوب رد وصف الصحة
للمجني عليه ولو من باب ان علاجه يعتبر عرفا نحو استرداد
لما سلب عنه، ويدعى ان وجوب الرد ثابت في تمام الاوصاف
والشؤون الراجعة للغير ولو لم تكن اموالا ولا مؤثرة في المالية،
ومن هنا حكموا بوجوب رد ما يؤخذ من الغير مما لا مالية له،
بل حكموا بان من نقل متاع الغير الى مكان آخر بلا اذنه وجب
عليه رده الى مكانه الاول ولو لم تتفاوت قيمته او كانت قيمته
في المكان الثاني اكثر، وهذا المقدار لا يثبت الضمان بمعنى
اشتغال الذمة لو لم يرده ما لم نضم نكتة اخرى مما في سائر
الوجوه.

الا ان هذا لا يعني عدم جدوى هذا الوجه لو تم، بل فيه
فائدتان:
احداهما : ان يثبت مطلبا زائدا على شغل الذمة بنفقة العلاج
لو ثبت ذلك باحد الوجوه الاخرى وهو وجوب قيام الجاني
به، ومنه يعرف ان هذا الوجه يجتمع مع تمام تلك الوجوه.
لا يقال: مبنى هذا الوجه امكان رد وصف الصحة الى المجني
عليه، ومبنى الوجوه الاخرى او بعضها على الاقل اتلافه
وتفويته، فلا يمكن الجمع بينهما.

فانه يقال: الجمع بينهما يكون بملاحظة ان العرف يرى ان
مقدارا من وصف الصحة وهو اصل البرء من الجرح يمكن
استرداده، فيجب على الجاني القيام به، والزائد كما اذا كان
هناك عيب او نقص او حصل العلاج بانفاق المجني عليه على
نفسه وخسارته للمال في سبيل ذلك يكون مضمونا ايضا
وضعا على الجاني بالاتلاف او التسبيب، فكلا الحكمين
التكليفي والوضعي قابل للجمع لو تم صدق الاتلاف او
التسبيب بالنسبة لما يفوته من الصحة الكاملة او المال الذي
ينفقه في العلاج مع وجوب القيام بمسؤولية اصل العلاج
والبرء من الجرح تكليفا; لامكانه، فلا تهافت في مبنى هذا
الوجه مع سائر الوجوه.

والفائدة الثانية : ان هذا الوجه لو تم من دون ان يتم شي‏ء
من الوجوه الاخرى للضمان امكن للحاكم اجبار الجاني على
القيام بالمعالجة. بل يمكن دعوى انه لو امتنع قام الحاكم به
واخذ نفقته من الجاني; لان كل عمل يجب على المكلف من
اجل الغير ويكون الغرض منه حصوله خارجا ولو من غير
مباشرة ذلك المكلف امكن للحاكم القيام به على تقدير
امتناع المكلف الواجب عليه وتضمينه نفقة ذلك; لانه ولي
الممتنع.

ومنها ان الاتلاف او التسبيب او الاضرار تارة يطبق على ما
يفوت المجني عليه من المال لعلاج نفسه فلا يثبت بذلك اكثر
من ضمان نفقة العلاج، واخرى يطبق على وصف الصحة
الزائلة بالجناية فيكون الضمان عندئذ اكثر من ذلك، خصوصا
اذا فرض حصول عيب او نقص في البدن حتى بعد البرء.

ثم انه لا ينبغي التشكيك في تمام الوجوه السابقة وانكارها
جميعا; اذ من المطمان به انه لولا ادلة الديات الثابتة في
شريعتنا كان العرف ايضا يحكم بضمان مال في قبال الجناية
الواقعة على المجني عليه كتعويض عن ذلك، فان اصل هذا
مما لا ينبغي انكاره، بل ينقل المؤرخون ان فكرة الدية
كتعويض عن القتل او الجرح كانت‏سائدة في المجتمعات
البشرية قبل الاسلام وكذلك في المجتمعات التي لم تدخل
في الاسلام، كما ان فكرة التعويض بل وتحمل نفقات العلاج
مما تلتزم به القوانين الوضعية اليوم في العالم بحيث‏يعد
المنكر لذلك ظالما وخارجا على مبادى‏ء العدل والحق.

ومن غير المحتمل ان تكون الدية عقوبة صرفة، كيف ؟!
وتثبت في موارد الخطا المحض، بل والتسبيب، ففيها جنبة
التعويض جزما عند العرف، كما يستفاد ذلك من السنة
الروايات التي عبرت بالضمان او التي جمعت بين ضمانها
وضمان المال في سياق واحد وبموجب واحد.

فاذا ثبت ضمان الجاني في جميع الاعراف العقلائية لمال
يعطى للمجني عليه او وليه كتعويض عما اصابه من الجناية،
فمن المطمان به ان هذا التعويض لا يكون اقل من نفقة
العلاج اللازمة والضرورية للبرء اذا كانت الجناية دون النفس،
فان هذا اقل ما يستحقه المجني عليه من الجاني اذا كان
هناك استحقاق.

وهذا يعني ان اصل تمامية المقتضي لضمان نفقة العلاج ولو
ضمن ما يضمنه الجاني في مقام التعويض المالي عن الجناية
مما لا يمكن انكاره، وانما ينبغي البحث عن ان روايات الدية
هل يستفاد منها ما ينافي ذلك باعتبار ما فيها من السكوت
عن ذكر ضمان نفقات العلاج التي كانت موجودة سابقاايضا ام
لا ؟

وقد ذكرنا انه ان اريد ضمان نفقة العلاج زائدا على الدية
ومجتمعا معها فهذا قد يمكن دعوى ظهور سكوت الروايات
ولو في جملة منها اشرنا الى طوائف ثلاث منها في نفيه، واما
لو اريد ضمان نفقة العلاج ضمن الدية وبنحو التداخل
بحيث يكون اللازم اعلى الحدين من مقدار الدية ونفقة العلاج
اللازمة عادة وعرفا فهذا ما لا يمكن نفيه بالسكوت المذكور
في الروايات اولا، بل يدل عليه معتبرة غياث ثانيا.

والوجه فيه: ان الدية حتى بمراتبها الاولية في باب الجروح
كانت اكثر في السابق من نفقة العلاج اللازم والمتعارف آنذاك،
حيث لم يكن العلاج بالاجهزة المتطورة وما تقتضيها اليوم
من النفقات الكثيرة، فلعل‏السكوت في تلك الروايات من اجل
اشتمال الدية حتى باقل مراتبها واستيعابها لنفقة العلاج،
وحيث لا توجد دلالة لفظية على عدم ضمان نفقة العلاج
وانما غايته السكوت فمع مجي‏ء هذا الاحتمال لا تحصل دلالة
على نفي ضمان النفقة الزائدة على الدية في ازمنتنا اذا اتفقت
في مورد جرح او كسر معين وكانت نفقة لازمة لابد منها عادة،
هذا لو لم ندع انصراف روايات الدية الى ضمان قيمة العيب او
النقص او الم الجرح والكسر فقط، لا سائر الجهات التي
تقتضيها الجناية من الضمان بملاك الاتلاف او التسبيب
اوالاضرار، فكما لا يمكن ان نستفيد من السكوت المذكور نفي
ضمان ما يتلفه الجاني بجنايته من اموال المجني عليه كثوبه
الذي عليه اذا خرقه مثلا، كذلك لايمكن ان ننفي به ضمان
الطبيب والعلاج; لانه من ذاك الباب، اي من قبيل ضمان
الحال لا النفس، ومع عدم انعقاد دلالة على نفي ضمان اعلى
الحدين تكون السيرة العقلائية باحد التقريبات المتقدمة
والتي قلنا انه لا يمكن انكار اصلها تامة ومثبتة لضمان اعلى
الحدين; اي ضمان مقدار الدية المقرر بالادلة الشرعية
وضمان المقدار الزائد عليها لو فرض لزومه للعلاج اللازم
بالقاعدة العقلائية الممضاة شرعا.

لا يقال: هذا المقدار لا يكفي، بل لابد من اثبات الامضاء، ومع
احتمال ان يكون السكوت في روايات الدية والارش عن
ذكر نفقة العلاج من جهة الاقتصار على الدية المقررة وانها
تمام ما يضمنه الجاني، فلا محالة نحتمل الردع وعدم الامضاء
للسيرة العقلائية، وما هو الحجة لنا نظر الشارع ورايه، لا نظر
العقلاء وآراؤهم.

فانه يقال: يكفي في استكشاف الامضاء عدم وجود ما يصلح
للرادعية، ومن الواضح ان السكوت المذكور لا يصلح للرادعية
خصوصا عن سيرة مستحكمة وواضحة كما في المقام، وانما
يحتاج الردع عنها الى بيانات واضحة وصريحة في الخلاف،
فمع عدم وجودها يقطع او يطمان بالامضاء والقبول لها من
قبل الشارع ايضا.

هذا، مضافا الى الدليل الثاني، وهو التمسك بمعتبرة غياث
الظاهرة بل الصريحة في ان اجر الطبيب ايضامضمون اذا
كانت الجناية اقل من المراتب الاولى مما قرر فيه الارش،
وحيث لا خصوصية في ما دون تلك المرتبة وما فوقها الا من
ناحية التداخل في المراتب الاخرى مع الدية، فيمكن ان
يستظهر منها امضاء الشارع لاصل ضمان نفقة العلاج واجور
الاطباء والمعالجين في نفسه بحيث لو زاد على الدية او الارش
المقرر كما في بعض الحالات في ازمنتنا ثبت ضمانه ايضا
; لعدم الفرق في ملاك الضمان، فهذه المعتبرة يمكن
اعتبارها امضاء صريحا لما عليه العقلاء من ضمان اجر العلاج
في نفسه، بل يمكن جعلها دليلا شرعيا على ضمان اجر
الطبيب مستقلا.

والنتيجة التي ننتهي اليها على ضوء ما تقدم ضمان الجاني
لاعلى الحدين من الدية ونفقة العلاج اللازمة; فان هذا
المقدار يثبت بما تقدم، مع احتمال ان يكون حق المجني
عليه في صورة زيادة نفقة العلاج على الدية اكثر من
ذلك; اذ يمكن ان يستظهر من ادلة الدية ان العيب والشين
والنقص في العضو او المنافع بل نفس الايلام الحاصل بالجناية
ايضا يوجب استحقاق المجني عليه التعويض المالي، فلو
جزمنا بهذا الاستظهار زائدا على ضمان نفقة العلاج امكن
دعوى الجمع بين نفقة العلاج والدية ولو في هذه الحالة;
بمعنى انه لابد وان يبقى شين بازاء العيب والشين والايلام
ايضا زائدا على نفقة العلاج، ويبقى بعد ذلك البحث عن
كيفية تقدير ذلك، والله الهادي للصواب.

مراجعة جديدة للبحث
في اثبات ضمان نفقة العلاج مستقلا عن الدية لابد من تتميم
مقدمتين:
اولاهما اثبات المقتضي للضمان في نفسه.

الثانية عدم استفادة المنع والردع من روايات تحديد
الديات والاروش، بان لا يستفاد منها ان ما حدد فيها من
الديات تعويض ومصالحة قانونية عن كل ما يستحقه المجني
عليه بسبب الجناية.

المقدمة الاولى:
واثبات المقدمة الاولى تارة يكون باقامة الدليل على اقتضاء
الجناية ضمان العلاج مباشرة، واخرى يكون بتطبيق كبرى
مسلمة تقتضي الضمان في المقام، فهنا طريقان:
الطريق الاول: استفادة الضمان لنفقة العلاج من دليل ابتداء
بلا توسيط قاعدة اخرى. وهذا له تقريبان:
التقريب الاول الرجوع الى سيرة العقلاء ودعوى ان بناءهم
في باب الجنايات على تضمين الجاني نفقات علاجه ايضا.

وهذه الدعوى بلحاظ اصل التعويض للمجني عليه مما لا شك
في ثبوتها عند العقلاء وفي قوانينهم الجنائية قديما وحديثا،
وقد نص على ذلك في كتب التاريخ والقانون، كما دل على
ثبوت الدية قبل الاسلام بعض الروايات كصحيح عبد الرحمان
بن الحجاج، والوصية الطويلة التي ينقلها الصدوق باسناده الى
انس بن محمد عن ابيه وحماد بن عمرو جميعا عن جعفر بن
محمد(عليهما السلام) عن آبائه(عليهم السلام) عن النبي(ص).

الا ان هذا المقدار قد لا يكفي لاثبات ضمان نفقة العلاج
مستقلا عن الدية ما لم نحرز ان التعويض المذكور كان فيه
ملاكان مستقلان يلحظهما العقلاء معا:
احدهما التعويض الجنائي عن نفس الجرح او الكسر او العيب
الحاصل بالجناية، والآخر التعويض المدني عن الخسائر المالية
التي تصيب المجني عليه بما فيها نفقة المعالجة واجر الطبيب
والدواء. اللهم الا ان نستكشف وجود مثل هذا الارتكاز العقلائي
مما نلاحظه اليوم في القوانين الوضعية من الحكم بتعويض
المجني عليه عن كل ما تضرر به من جراء الجناية بما فيها
نفقات علاجه واعتباره من المسؤولية المدنية لا الجنائية; فان
هذه القوانين تعكس الذهنية العرفية والعقلائية لواضعيها،
فاذا كانت تتفق جميعا على تعويض نفقة العلاج دل ذلك على
وجود الارتكاز العقلائي المذكور وقدمه.

التقريب الثاني استظهار ضمان نفقة العلاج من معتبرة
غياث المتقدمة حيث انها دلت على ضمان اجر الطبيب في
الجرح الذي هو دون السمحاق، وهو اول الجروح التي قرر
فيها الارش في بعض الروايات، ومنها كتاب علي(ع) المعروف
في الديات، كما ان بعض احاديث العامة وفتاواهم ايضا جعلت
السمحاق او الموضحة التي بعدها هي اول مراتب الجرح
المقدر فيه الدية، كما صرح في بعض رواياتهم او فتاواهم بان
النبي(ص) لم يقرر شيئا في ما دون ذلك، فلا يكون فيه الا
عطاء الطبيب والدواء، وتلك الروايات والفتاوى وان لم تكن
معتبرة عندنا الا انها تقرب ما فسرنا به معتبرة غياث من ان
المراد بها ان الدية لم تقرر في المراتب الخفيفة للجرح، وهي
ما يكون دون السمحاق، فليس فيها الا ضمان اجر الطبيب.

وعندئذ يقال: اذا ثبت بهذا الحديث ضمان الجاني لاجر
الطبيب في مورد، فهذا لا يختص بجرح دون جرح، ولا بمقدار
دون مقدار; لان الملاك والنكتة لضمانه واحد بحسب
المتفاهم العرفي; وهو ان‏خسارة المجني عليه لتلك النفقة
حصلت بسبب الجناية، خصوصا اذا قلنا بارتكازية ضمانها عند
العقلاء وقبلنا انعقاد السيرة عليه في التقريب السابق; اذ تكون
هذه الرواية اشارة الى تلك السيرة وامضاء لها.

لا يقال: هذا اذا لم تكن الرواية بنفسها ظاهرة في اختصاص
ضمان اجر الطبيب بالجروح الخفيفة مما هو دون السمحاق،
وظاهر المقابلة بين ما دون السمحاق والسمحاق وما فوقه من
الجروح مما قرر فيه الدية عدم ضمان اجر الطبيب فيها، وان
المجعول فيها الدية فقط.

فانه يقال: ظاهر الرواية انه في ما دون السمحاق ليس الا اجر
الطبيب، لا ان اجر الطبيب ليس الا في ما دون السمحاق، فلا
دلالة فيها على نفي ضمان اجر الطبيب في الجروح الاخرى،
فيكون وزانها وزان ما دل عند العامة على ان الدية غير
مجعولة في ما دون السمحاق، واما ضمان اجر الطبيب فعلى
القاعدة، فلو فرض عدم احتمال الفرق في نكتة الضمان ولو
بضميمة الارتكاز العرفي بين جرح وجرح ثبت ضمان النفقات
في تمام الجروح.

وبعبارة اخرى: ظاهر الرواية على ضوء ما كان مطروحا في
بعض روايات العامة وآرائهم وبملاحظة الارتكاز العقلائي هو
التفصيل بين ما دون السمحاق وغيره من الجروح في ثبوت
الدية التي تدفع كعقوبة مالية او كتعويض عن نفس الجرح او
النقص الحاصل في بدن المجني عليه، والتي يعبر عنها اليوم
بالمسؤولية الجنائية، واما ضمان نفقة العلاج فهو تعويض عن
الخسارة التي تحصل في اموال المجني عليه نتيجة اضطراره
للانفاق على نفسه بسبب الجناية في العلاج وتحصيل البرء،
فهو تعويض مدني ومسؤولية مدنية، نظير ما اذا تلف بالجناية
بعض اموال المجني عليه، فلا يكون ذكر المعتبرة لاجر
الطبيب في ما دون السمحاق لاثبات اختصاصه بذلك وعدم
ثبوته في الجروح الاخرى، بل لنفي ثبوت الدية فيها، فكانه
لخفة الجرح لا مسؤولية جنائية فيه ولا تعويض عن نفس
الجرح، وانما يثبت التعويض المدني بمقدار ما يخسره المجني
عليه من المال للعلاج، والذي هو ثابت على كل حال في مورد
تحقق موضوعه، وهو الاضرار المالي، فلا دلالة في الحديث
على المقابلة بين نفقة العلاج وبين الديات ليستفاد منه
اشتمال الدية المقررة شرعا على تمام ما يضمنه الجاني
بالجناية في مقام التعويض الجنائي والمدني، او قل البدني
والمالي معا.

وقد يقال: بمعارضة الموثقة مع الروايات العديدة وفيها
المعتبرة الدالة على ثبوت الدية في ما دون السمحاق من
الجروح كالباضعة والدامية والحارصة وهي شبه الخدش
واخف الجروح حيث جعل في الاولى ثلاثة ابعرة وفي الثانية
بعيران وفي الثالثة بعير، فلا يبقى جرح لم يجعل فيه ارش،
فتكون تلك الروايات معارضة لا محالة مع موثقة غياث، كما
افتى بذلك الفقهاء، بحيث لابد من حملها على التقية او رد
علمها الى اهلها.

الا انه يمكن الجواب عن ذلك:
بان مفاد المعتبرة امران: احدهما: ثبوت مقتضي الضمان لاجر
الطبيب في نفسه، والآخر ان ما دون السمحاق من الجروح لا
تقدير شرعي لارش الجرح فيه، وما ينافي تلك الروايات
المفاد الثاني دون الاول; فانه غير مناف مع ثبوت التقدير بناء
على التفسير المتقدم للموثقة. اللهم الا ان يقال بعدم عرفية
مثل هذا التفكيك في اصالة الجد، فتسقط الرواية عن الحجية
في كلا المدلولين.

الطريق الثاني: التمسك باحدى القواعد الشرعية المقتضية
للضمان في نفسها وتطبيقها في المقام على نفقة العلاج، وهي
احدى قواعد اربع:
1- قاعدة الاتلاف.
2- قاعدة التفويت.
3- قاعدة التسبيب.
4- قاعدة الاضرار.

اما الاتلاف فلا اشكال في ثبوت الضمان به كبرويا; لقيام
السيرة الممضاة شرعا عليه، ودلالة جملة من الروايات
المعتبرة في ابواب مختلفة من الفقه على ان من اتلف مال
الغير فهو له ضامن، فالكبرى تامة، الا ان الكلام في امكان
تطبيقها في‏المقام وتحقق صغراها; اذ لو اريد تطبيقها بلحاظ
تلف العضو او زوال وصف الصحة في البدن فهو وان كان اتلافا
لكنه ليس اتلافا للمال، ولو فرض انه مستوجب للضمان ايضا
كاتلاف المال فغايته ضمان قيمة نقص العضو او منفعته
الفائتة، وهو الدية المقررة لا نفقات العلاج والبرء، وان اريد
تطبيقها بلحاظ المال الذي يضطر المجني عليه الى انفاقه في
العلاج بسبب الجناية فهذا لو صدق لكان موجباللضمان جزما ،
الا ان في صدقه عليه اشكالا; لوضوح ان صرف المال لتحصيل
نفع او دفع الم لا يسمى اتلافا للمال على المستفيد منه، بل
هو استفادة وانتفاع به.

ومنه يعرف الاشكال في اثبات الضمان بقاعدة التفويت; اذ
مضافا الى انه لا دليل على كبرى الضمان بالتفويت وانما
موضوع الضمان الاتلاف او اليد لا التفويت لا يصدق عنوان
التفويت على الاستفادة من المال في علاج او غذاء او غير
ذلك.

واما التسبيب فهو ليس موجبا للضمان مستقلا في قبال
الاتلاف او التفويت او الاضرار، وانما هو توسعة لموضوع تلك
القواعد الموجبة للضمان، حيث‏يقال انه لا يشترط المباشرة
فيها بل يثبت الضمان بها في ما اذا حصل الاتلاف او التفويت
او الاضرار بالتسبيب ايضا، فاثبات الضمان به موقوف في الرتبة
السابقة على ثبوت الضمان بتلك القواعد كبرى وصغرى.

واما قاعدة الاضرار فقد ناقشنا في ما سبق في امكان اثبات
كبرى الضمان به بانه لو اريد استفادة ذلك من الروايات
الناهية عن الاضرار بالآخرين فالنهي لا يدل الا على الحرمة
التكليفية لا الضمان، وان اريد استفادته من قاعدة «لا ضرر
ولا ضرار» فهي تنفي الحكم الضرري; اي الموجب لتضرر
الآخرين، ومنه جواز الاضرار بهم، فينتفي اصل الضرر، واما
الضمان فليس الا تداركا للضرر وجبرانا للخسارة لا انتفاءللضرر،
فلا يمكن استفادته من لسان نفي اصل الضرر.

كما انه قد يناقش في صغرى الاضرار في المقام; اذ لو اريد
صدقه بلحاظ النقص في البدن فهذا صحيح، ولكنه لا يقتضي
اكثر من ضمان قيمة العضو لا نفقة العلاج، كما ذكرنا في
الاتلاف، وان اريد تطبيقه بلحاظ ما ينفقه على نفسه من اجل
العلاج فهذا ليس ضررا عليه، بل استفادة وانتفاع.

هذا، ولكن الانصاف انه يمكن الاجابة عن كلتا المناقشتين:
اما المناقشة في الصغرى فبان عنوان الاستفادة او الانتفاع قد
يصدق اذا لاحظنا ما يحصل له من البرء والعلاج بلحاظ حال
مرضه وجرحه، الا ان هذا ليس هو الميزان في صدق الاضرار،
بل اللازم ملاحظة حاله الطبيعي الاول قبل الجناية، وبالنسبة
اليه يصدق الاضرار والخسارة عرفا جزما; لان ايقاعه في تلك
الحالة التي يضطر الانسان للتخلص منها بالانفاق على نفسه
يكفي في صدق الاضرار بمقدار ما يخسره في سبيل التخلص
مما لابد من التخلص منه; لكونه ضررا اهم، نظير ما اذا دل
شخص السلطة الظالمة على مكان المتهم فلم يتمكن من
التخلص من الظالم او عيونه الا بدفع مال اليه، او القاه في
البحر فاضطر من اجل النجاة من الغرق ان يترك ما يحمله
من البسته وغيرها لينجو بنفسه، فانه في مثل ذلك لا اشكال
في صدق الاضرار عليه في ما خسره، بل قد يقال بصدق
التفويت والاتلاف ايضا بالتسبيب.

الا ان الانصاف ان صدق الاتلاف مشكل; اذ لا اتلاف لاصل
المال، كما انه لا اتلاف للمال على مالكه; لانه قد ملك بدفعه
ما يقابله من العمل او الدواء الذي له نفس المالية والقيمة،
نعم الاضرار به صادق جزما.

لكن قد يناقش بان الاضرار المالي ايضا غير صادق; لان الضرر
هو النقص او الضيق، ولا نقص في ماله بالخصوص بفعل الجاني،
وانما ما تحقق به هو الاضرار البدني خاصة، واما انتقاص ماله
فقد حصل في طول دفعه باختياره ضرره البدني والمه او
جرحه بالعلاج المستلزم لصرف المال، فنحتاج في تصحيح
صدق الضرر المالي المستوجب لضمان المال ان نضيف احدى
عنايتين: اما عناية ان اهمية الضرر البدني في قبال المالي،
خصوصا اذا كان خطيرا، كما اذا لزم من عدم العلاج الهلكة او
النقص الخطير الذي يوجب صدق الاضرار المالي عليه; لان
الشق الآخر كانه خارج عن الاختيار والقدرة عرفا، او عناية ان
حق العلاج على الجاني مقتضيه تام عند العقلاء والعرف; لانه
حصل بفعله، وهو امر زائد على اصل الجرح والالم الذي حصل
باصل الجناية، والتي تكون الدية في قبالها، فيكون عدمه
ضررا حقيا، فتدبر جيدا.

الصفحة التالية