من فقهائنا: 3

الصدوق الثانى
محمد بن بابويه القمى (قدس‏ سره)
القسم الثانى

الشيخ صفاء الخزرجى

3- عصره
من الواضح ان نشاط الحركه العلميه او خمولها في كل مكان
وزمان مرتبط ارتباطا وثيقا بالوضع السياسى ومتغيراته. وقد
شهد تاريخنا السياسى من حالات التفاعل بين حركه العلم
وبين الظروف والاوضاع السياسيه الكثير، فعندما دب الضعف
فى الدوله الامويه وانقرض سلطان حكامها الذين عرفوا
بجاهليتهم وابتعادهم عن رحاب العلم والثقافه تنفست الامه
الاسلاميه الصعداء، سيما اتباع مدرسه اهل‏البيت
(عليهم السلام)، حيث استغل ائمه اهل البيت(عليهم السلام)
فرصه هذا الانفراج السياسى الحاصل‏من سقوط دوله
الامويين وقيام دوله بنى العباس الفتيه في‏تنشيط الحركه
العلميه وتفعيلها فازدهرت حاضره المدينه المنوره والكوفه
على عهد الامامين الباقرين(عليهماالسلام) ونفقت سوقها
واستقام الحال على ذلك فتره، ثم تناوبته بعد ذلك فى
زمن الدوله العباسيه فترات تراوحت بين الضمور والظهور،
والنشاط والفتور، بحسب رغبه الحكام العباسيين في العلم
واهله الا ان الخطب اشتد على الشيعه بشكل اكثر اواخر
الدوله العباسيه وساءت الاوضاع واخذوا كل ماخذ، فانحسرت
الحاله العلميه وقل ارتباط العلماء والرواه بالائمه المعصومين
نتيجه الظروف السياسيه الحرجه التى احدقت بهم الا ان تلك
المحنه اعقبت انفراجا ويسرا ، وذلك عندما عصفت الاحداث
بحكم العباسيين وال امرهم الى الوهن وضعف مركز الخلافه
ببغداد حتى اوشك الامر ان يخرج من يدها بالكليه واذنت
اركانها بالتداعى والانهيار. في تلك الحقبه الملتهبه بازمه
الصراع السياسى من اجل القبض على دست الحكم ظهرت
دول جديده التاسيس في هذا الجزء من العالم الاسلامى وذاك،
وقد عرفت تلك الدول الجديده بولائها او تشيعها لاهل
البيت(عليهم‏السلام) مما فسح الفرصه من جديد للشيعه في
ان يستعيدوا نشاطهم ويتمتعوا بحرياتهم السياسيه والمذهبيه
واظهار معتقداتهم.
ويمكن الاشاره الى تلك الحكومات التى اسهمت في بناء الوضع
الجديد، وهى عباره عن:
1- دوله الادارسه في المغرب (194 - 305).
2- دوله العلويين في الديلم (205 - 304).
3- دوله الفاطميين بمصر (296 - 567).
4- دوله البويهيين في بلاد العراق وايران (321 - 447).
5- دوله الحمدانيين في سوريا والموصل وكركوك (293 -
392).
6 الاماره الطاهريه في هرات (205 - 259).
ولقد كان للدوله البويهيه الضاربه بملكها على مركز الخلافه
ببغداد واكثر بلاد ايران كفارس والاهواز وكرمان واصبهان
وهمذان والرى وجميع بلاد فارس الجنوبيه وغيرها من بلاد
العالم الاسلامى حتى خطب لحكامها بعمان، كان لها الدور
الفاعل والبليغ في تشجيع الحركه العلميه وتطويرها من خلال
اتصال حكامها وامرائها بالعلماء واكرامهم وعقد المناظرات
العلميه في مجالسهم، وكذلك من خلال انشاء المكتبات
كمكتبه عضد الدوله بشيراز ومكتبه دار العلم التى اسسها
سابور بن اردشير عام 381 او 383 في بغداد، وتعتبر من
المكتبات الغنيه في عالمنا الاسلامى، ومكتبه الصاحب بن عباد
(م‏360)، ومكتبه ابن العميد في الرى.
وامتازت هذه البرهه من تاريخ الشيعه بامتيازات قلما حصلوا
على مثلها في تاريخهم الطويل الملى‏ء بالصراع وكم الافواه
ومصادره الحريات. ولا شك فقد نعمت مراكز العلم سيما في
قم والرى تحت ظل هذا الاستقرار السياسى واتسع نشاطها
واتصالها بسائر البلاد والحواضر الاخرى خاصه عاصمه العلم
ببغداد، كما ساعد هذا الوضع على فسح المجال للعلماء
للتجوال والترحال الى مراكز العلم الاخرى وعقد المناظرات
واللقاءات فيما بينهم.
وقد عاصر الشيخ الصدوق(رحمه‏اللّه) من حكام الدوله البويهيه
الحسن بن ابى شجاع بويه الملقب بركن الدوله الذى بسط
ملكه على الرى واصفهان وهمذان وسائر بلاد العراق العجمى،
وكانت ايام ملكه التى دامت اربعا واربعين عاما حتى وفاته
سنه (366) عامره بالعدل بين الرعيه وحسن السيره وتكريم
اهل العلم. قال ابن الاثير: (كان حليما كريما، واسع الكرم، كثير
البذل، حسن السياسه لرعاياه وجنده، رؤوفا بهم عادلا في
الحكم بينهم، وكان متحرجا من الظلم، مانعا لاصحابه منه،
عفيفا عن الدماء يرى حقنها واجبا الا فيما لا بد منه، وكان
يحامى على اهل البيوتات، وكان يجرى عليهم الارزاق،
ويصونهم عن التبذل، وكان يقصد المساجد الجامعه ...، ويتعهد
العلويين بالاموال الكثيره، ويتصدق بالاموال الجليله على ذوى
الحاجات، ويلين جانبه للخاص والعام .. رضى اللّه عنه وارضاه،
وكان له حسن عهد وموده واقبال). وقال في وفاته: اصيب به
الدين والدنيا جميعا، لاستكمال جميع خلال الخير فيه.
ولما نزل شيخنا الصدوق (طيب اللّه رمسه) الرى اكرمه ركن
الدوله وادناه وعقد له مجلس المناظره في دار امارته بمحضر
ومشاركه منه، وللشيخ في مجلسه خمس مناظرات جرت بينه
وبين علماء العامه، وقد سجل القاضى نور اللّه التسترى بعضها.
وعلى كل حال، فقد تمتع الشيخ الصدوق (عليه الرحمه) بحريه
مطلقه في اظهار ارائه ومعتقداته في حله وترحاله في عهد
ركن الدوله.

واما فيما بعد وفاه ركن الدوله وجلوس ابنه عضد
الدوله مجلسه سنه 366ه الذى حكم من هذا التاريخ
الى سنه 372ه ، فلم يحدثنا التاريخ عن العلاقه فيما
بينهما على وجه التحديد، والذى نحدسه من سيره
عضد الدوله مع العلماء هو تبجيلهم وتعظيمهم
واجراء الارزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين
وغيرهم، فلا بد ان تكون للشيخ الصدوق نفس
المكانه المرموقه التى كان يتمتع بها على عهد ركن
الدوله. الا ان الذى يقطع به انه (رحمه‏اللّه) كان على
صله وثيقه بالصاحب بن اسماعيل بن عباد ابى
القاسم العالم والاديب الفاضل وزير فخر الدوله
البويهى سنه 373، حتى انه صنف كتاب عيون اخبار
الرضا(ع) لقصيدتين رائعتين للصاحب في مدح
الامام الرضا(ع) وابلاغه السلام والتحيه بلسان
المنظوم. والذى يكشف عن طرف من هذه العلاقه
ما اثبته الصدوق(رحمه اللّه) في اول ديباجه
الكتاب حيث قال: (فصنفت هذا الكتاب لخزانته
المعموره ببقائه، اذ لم اجد شيئا اثر عنده واحسن
موقعا لديه من علوم اهل البيت(عليهم‏السلام)،
لتعلقه بحبهم واستمساكه بولايتهم واعتقاده بفرض
طاعتهم وقوله بامامتهم واكرامه لذريتهم (ادام اللّه
عزه واحسانه الى شيعتهم)، ثم قال: قاضيا بذلك
حق انعامه على ومتقربا به اليه لاياديه الزهر عندى
ومننه الغر لدى).وعلى كل حال، فقد استثمر
الشيخ الصدوق فرصه استتباب الامن واستقرار
الوضع انذاك وقربه ومكانته من الامراء البويهيين،
لخدمه المذهب واعلاء كلمته من خلال مباحثاته
وسجالاته مع مخالفيه في الاعتقاد، ومن خلال
ما انجز من مصنفات ضخمه وتراث عملاق، خاصه
اثره الخالد (من لا يحضره الفقيه) وكتابه العظيم
(مدينه العلم) الذى ضن الزمان به على الباحثين
وغيبته يد الاحداث.

4- رحلاته
لا يخفى على احد ما تنطوى عليه كثره الاسفار والتطواف بين
البلدان وحواضر العلم من عظيم الفائده والاثر في تطويرحركه
العلم وتعميقها، على الرغم مما يكتنف ذلك من الاخطار
والمشاق، سيما في تلك الاعصار المتقدمه. الا ان كل ذلك
يضؤل اذا بات الهدف مقدسا، وكانت العزيمه راسخه ف (ما ضعف
بدن عما قويت عليه النيه).
وقد كان الشيخ الصدوق (عليه الرحمه) من اولئك الافذاذ
الذين قويت فيهم العزيمه في اللّه وللّه، فهاجر من اجل طلب
العلم ونشره، اذ ليس من بلده او مدينه كان الشيخ يدخلها الا
وافاد فيها او استفاد من شيوخها وارباب الروايه والحديث.
والذى نحسبه ان الذى كان يدعوه الى الاكثار من الترحال
والسفر حتى بلغ مجموع اسفاره الى اصقاع العالم الاسلامى
سبعه عشره رحله بحسب ما ظهر من اسانيد كتبه هو
الامور التاليه:
1- حبه الشديد وشغفه المفرط في طلب العلم وتحصيله.
2- اعتقاده بعدم ايفاء حاضرته العلميه في قم والرى بما يرومه
ويريد البلوغ اليه، لوجود الكثير من الفقهاء والمحدثين في
حواضر العلم الاخرى الذين لا تتحقق الافاده منهم الا بشد
الرحال اليهم.
3- شعوره بالمسووليه في كثير من هذه الاسفار كما في سفره
الى الرى واقامته فيها بطلب من اهلها وعلمائها، وكذا اسفاره
الاخرى التى كان يتولى فيها نشر المذهب والذب عن عقائده
ودحض الشبهات الموجهه ضده وتثبيت قلوب المومنين
وارشادهم.
واليك تفصيل اسفاره ورحلاته التى طاف فيها كثيرا من البلاد،
حتى وصفه ب (الرحله) كثير ممن تعرض لترجمته.
1- الرى: وهى موطنه الثانى من بعد قم، واول البلاد التى نزل
فيها، حيث بقى فيها الى اواخر حياته حتى توفي ودفن في
تربتها. والرى مدينه مشهوره من امهات البلاد واعلام المدن،
قال الاصطخرى عنها: (والرى مدينه ليس بعد بغداد في
المشرق اعمر منها)، وقال ايضا : (كان السواد الاعظم فيها من
الشيعه). وعلى كل حال فقد جعلها الشيخ الصدوق منطلقا
لاسفاره الاخرى يعاود اليها الرجوع بعد كل سفر، وقد سمع
فيها من مشايخها سنه 347 كابى الحسن محمد ابن احمد بن
على الاسدى المعروف بابن جراده البردعى، ويعقوب ابن
يوسف بن يعقوب، واحمد بن محمد بن الصقر الصائغ العدل،
وابى على احمد بن محمد بن الحسن القطان المعروف بابى
على بن عبد ربه الرازى، والاخير من مشايخ الرى كما وصفه
الشيخ الصدوق.
2- خراسان: ورد الشيخ الصدوق(رحمه‏اللّه) خراسان ثلاث
مرات:
الاولى: وكانت في شعبان من سنه 352، وهى التى استاذن
فيها الامير ركن الدين البويهى في الزياره لمشهد الرضا(ع)
فاذن له وساله الدعاء والزياره عنه. ثم رجع في تلك السنه.
الثانيه: في شهر ذى الحجه من سنه 367 اى بعد خمسه عشر
عاما من زيارته الاولى وسمع فيها من السيد ابى البركات على
بن الحسين الحسينى الحلى، وابى بكر بن على، ثم رجع الى
الرى قبل محرم الحرام من سنه 368 واملى فيها في اول محرم
المجلس السابع والعشرون من مجالس اماليه. الثالثه: في سنه
368 في شعبان، واملى فيها اربعه مجالس. وخراسان من البلاد
الواسعه، معروفه بالعلم والحديث، قال الحموى واصفا اهلها
(فاما العلم فهم فرسانه وساداته واعيانه)، وفي كتاب الحضاره
الاسلاميه انها جنه العلماء، وللشيخ الصدوق(رحمه‏اللّه) مكانه
ساميه فى نفوس العلماء والمحدثين بخراسان انذاك، قال
المجلسى الاول(قدس‏سره): (وبعد انصرافه اى الصدوق من
الحج توجه الى خراسان لكثره مشايخ الحديث فيها من الخاصه
والعامه من سائر البلاد. واشتهر في خراسان شهره عظيمه
وكان مجلسه حافلا بالعلماء على الدوام).
وقد تكرر وروده الى خراسان مرات عديده كما عرفت توقف
فى الثانيه منها قرابه السنه، واما الثانيه فلم يعلم مده توقفه
فيها. الا ان القرائن تدل على طول مكوثه فيها، فقد وصفه
النجاشى بانه وجه الطائفه بخراسان، مما يعنى بقاوه مده
ليست بالقليله حتى صح نعته بذلك، هذا كله على تقدير انه لم
يدخل خراسان اكثر من ثلاث مرات، واما لو قلنا بدخوله اكثر
من ذلك مما لم يحدثنا التاريخ به فالامر اوضح.
ومما يشهد لما ذكر ان بعض اصحاب التراجم وصفه بالخراسانى
على حد وصفه بالقمى والرازى.
3- نيسابور: وتقع في طريق خراسان، وكان قد وردها في
شعبان سنه 352 بعد منصرفه من زيارته الاولى لمشهد مولانا
الرضا(ع)، وتوقف فيها واقام يسمع من مشايخها كابى على
العطار، وابى منصور احمد بن ابراهيم بن بكر الخوزى، وابى
على الحسين بن احمد البيهقى، وعبدالواحد بن محمد بن
عبدوس، وابى سعيد محمد بن الحسن بن محمد بن على بن
الصلت القمى، وعبداللّه بن محمد بن عبدالوهاب السنجرى،
وغيرهم.
وكانت نيسابور من مدن العلم المشهوره انذاك، وصفها
الحموى بانها (مدينه عظيمه ذات فضائل جسيمه معدن
الفضلاء ومنبع العلماء، فما طوفت من البلاد مدينه كانت
مثلها). وقد ذكرنا سابقا توقف الشيخ الصدوق فيها لرفع
الالتباس والحيره عن نفوس الشيعه في امر الغيبه.
4- مرو: وفى سفره المتقدم الى خراسان من تلك السنه
(352) ورد مرو وسمع فيها من جماعه، منهم: ابوالحسين
محمد بن على بن الشاه الفقيه المروزى، وابو يوسف رافع بن
عبداللّه بن عبدالملك.
5- بغداد: وفى سنه 352 ايضا وكذا سنه 355 دخل بغداد
عاصمه العلم ومركز الخلافه وقتئذ وحدث فيها كما تقدم عن
النجاشى وسمع منه الشيخ المفيد ووالد النجاشى واجازه
فيها جميع كتبه‏ومحمد بن طلحه النعالى شيخ الخطيب
البغدادى وغيرهم، كما سمع فيها من ابى الحسن على بن ثابت
الدواليبى، وابى محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوى
المعروف بابن ابى طاهر، وابراهيم بن هارون الهيستى، ومحمد
بن عمر الحافظ. وكان دخوله الثانى (سنه 355) بعد رجوعه
من الحج.
وتوهم البعض من عباره النجاشى التاليه: (ورد بغداد سنه
355، وسمع منه شيوخ الطائفه وهو حدث السن)، ان محل
سماع الشيوخ منه كان ببغداد، مع ان عمره انذاك اذا لاحظنا
سنه ولادته (حدود 306) هو خمسون عاما، ولا يقال لمثله انه
حدث السن.
الا ان التامل في عباره النجاشى كفيل برفع هذا التوهم، فان
عباره (وسمع منه شيوخ الطائفه) تتعلق بسماع المشايخ منه،
لا بدخوله الى بغداد.
6- همدان: وردها سنه 354 في طريقه الى الحج، وسمع فيها
من جماعه منهم: ابو احمد القاسم بن محمد بن احمد بن
عبدويه السراج الهمدانى، واحمد ابن زياد بن جعفر الهمدانى
واجازه فيها ابو العباس الفضل بن عباس الكندى الهمدانى.
7- الكوفه: وردها سنه 354 في طريقه الى الحج وسمع من
شيوخها بمسجدها الجامع: محمد بن بكران النقاش واحمد بن
ابراهيم بن هارون الفامى، والحسن بن محمد بن سعيد
الهاشمى، وسمع فيها ايضا من محمد بن على الكوفي وابى
الحسن على بن الحسين بن شقير الهمدانى في منزله بالكوفه
وغيرهم.
8- مكه والمدينه: قصدهما بعد خروجه من الكوفه سنه 354،
والظاهر ان هذه حجته الاولى.
9- فيد: منطقه صغيره تقع في منتصف الطريق بين مكه
والمدينه، دخلها بعد رجوعه من الحج من تلك السنه، وسمع
فيها من ابى على احمد بن ابى جعفر البيهقى.
10- سرخس: وردها وهو في طريقه الى خراسان، وسمع بها
من ابى نصر محمد بن احمد بن ابراهيم بن تميم السرخسى
الفقيه.
11- سمرقند: وردها سنه 368 وسمع بها ابا اسد عبدالصمد بن
عبد الشهيد الانصارى وعبدوس بن على الجرجانى، وهى من
بلاد ما وراء النهر.
12- بلخ: من بلاد ايران القديمه، دخلها سنه 368، وسمع بها
من جماعه، منهم: على الحسن بن على العطار، وابو عبداللّه
الحسين بن احمد الاشنانى الرازى العدل، والحاكم ابو حامد
احمد بن الحسن بن على، وغيرهم، واجازه فيها ابو القاسم
عبيداللّه بن احمد الفقيه وابو الحسن طاهر بن محمد بن يونس
ابن حيوه الفقيه.
13- ايلاق: وهى من اعمال سمرقند، وردها سنه 368، وحمل
فيها عن ابى الحسن بن عمر بن على بن عبداللّه البصرى، وابى
نصر محمد بن الحسن ابن ابراهيم الكاتب الكرخى، وابى محمد
بن بكر بن على بن محمد بن الفضل الحنفى، وابى الحسن على
بن عبداللّه بن احمد الاسوارى.
14- فرغانه: وهى من مدن بلخ، وردها سنه 368، وسمع فيها
عن تميم ابن عبداللّه بن تميم القرشى، وابى احمد محمد بن
جعفر البندار الشافعى الفرغانى، وابى محمد محمد بن عبداللّه
الشافعى.
15 و 16- استرآباد وجرجان: سمع بهما من ابى الحسن محمد
بن القاسم، ومن ابى محمد القاسم بن محمد الاسترابادى،
وابى محمد عبدوس بن على بن العباس الجرجانى، ومحمد بن
على الاسترابادى.
والذى يبدو ان الشيخ الصدوق لم يكن يقصد من مجمل اسفاره
المتعدده الى اطراف العالم الاسلامى واصقاعه طلب الحديث
ونشره فحسب، بل كان يرمى الى ما هو ابعد من ذلك. فقد
كانت اسفاره ورحلاته تحمل رساله التعريف بمذهب اهل
البيت(عليهم‏السلام) ومهمه الدفاع عن معتقداته الحقه
واظهار تفوقه ومزاياه في الفقه والحديث والتفسير وغيرها،
خصوصا اذا لاحظنا اسفاره في البرهه الاخيره من حياته حيث
مكانته العلميه ومرجعيته بحيث لا يمكن تبرير ذلك بمجرد
الاستزاده في طلب الحديث وضبطه.

5- مشايخه
من الابعاد الواضحه في حياه الشيخ الصدوق(قدس‏سره) كثره
مشايخه ومن لقيهم وتحمل العلم والحديث عنهم. ولا ريب
فان لهذا البعد الدور الكبير في بناء شخصيته(رحمه‏اللّه) وسعه
ثقافته والمامه بالمرافق الهامه من ابواب العلم.
وقد ذكر المحدث النورى(رحمه‏اللّه) في معجم اساتذته 198
شيخا، وزاد على هذا العدد المحقق الشيخ عبدالرحيم
الربانى(رحمه‏اللّه) في مقدمته على معانى الاخبار جماعه
اخرى استخرجها من اسانيد كتبه المطبوعه، وهى الفقيه
والامالى والتوحيد وثواب الاعمال وعقاب الاعمال وعلل
الشرائع وعيون الاخبار واكمال الدين ومعانى الاخبار والمقنع
والهدايه فبلغ مجموع اساتذته 252 محدثا. وتاتى هذه الكثره
الكاثره من المشايخ ممن لقيهم الشيخ الصدوق واخذ عنهم
نتيجه طبيعيه لوفره اسفاره وتطوافه بين البلاد الاسلاميه
وحواضر العلم كخراسان والرى وبخارى ونيسابور وبغداد
والكوفه والحجاز وغيرها من البلاد التى كانت تزدحم اروقه
العلم فيها بطلاب الفضيله وائمه العلم الذين تشد اليهم الرحال
من كل مكان.
ومما لا شك فيه فان ثمه فوارق مذهبيه او فكريه كانت
موجوده بين هذه المراكز والحواضر، ربما تصل الى حد التباين،
مما يفتح افقا واسعا للناظر فيها يساعده على الاحاطه بها
والوقوف على اتجاهاتها ومناحيها.
اجل، لقد استفاد الشيخ الصدوق من هذه الحواضر واخذ عن
اعلامها من الخاصه والعامه. وبالطبع فليس جميع من سمع
منه وحدث عنه على حد واحد في مقدار ما استفاده منهم، فقد
كان لبعضهم الدور البارز في تربيه الصدوق(رحمه‏اللّه)
واسماعه اكثر ما يمكن من الروايه والعلم. ونظرا لضيق المجال
عن ايراد فهرس اسماء اساتذته ومشايخه نقتصر على ذكر
ابرزهم، وهم:
1- والده الفقيه الاجل على بن الحسين بن بابويه القمى.
2- الشيخ الثقه الثبت محمد بن الحسن بن الوليد.
3- الشيخ محمد بن على ماجيلويه.
4- الشيخ الاجل محمد بن موسى بن المتوكل.
5- الشيخ احمد بن على بن احمد بن محمد بن عمران الدقاق.
6- الشيخ محمد بن يحيى العطار.
هولاء هم اعلام اساتذته البارزين. وينبغى التنبيه هنا على
امرين:
الامر الاول: انه قد عد المحدث النورى في جمله اساتذته
الشيخ جعفر بن محمد بن قولويه.
وعقب المحقق السيد الخوئى(رحمه‏اللّه) على الكلام المذكور
بقوله: (ولم نجده في كتبه اى لم نجد لابن قولويه ذكرا في
كتب الصدوق نعم لا مانع من روايه الصدوق(قدس‏سره) عنه
بحسب الطبقه، فان جعفر بن محمد مات سنه 368
والصدوق(قدس‏سره) مات سنه 381، فلا مانع من روايه
الصدوق عنه بحسب الطبقه.
وما ذكره(قدس‏سره) في صدر عبارته من عدم وجوده في
اسانيد الموجود من كتب الصدوق حق لا دافع له، ولا يمكن
احتمال وجوده في المفقود منها، اذ من المستبعد جدا عدم
نقله فيما بين ايدينا من كتبه ولو في مورد واحد مع اشتهار
بعضها خصوصا من لا يحضره الفقيه.
نعم، احتمل استاذ المجتهدين الوحيد البهبهانى في تعليقته
على منهج المقال ان يكون جعفر بن محمد بن مسرور هو
نفس جعفر بن محمد بن قولويه، لان قولويه كما ذكر اسمه
مسرور، وهو فى طبقه الكشى الى زمان الصدوق، ثم قال:
فتامل.
اقول: منشا هذا الاحتمال هو ما ذكره النجاشى في ترجمه على
بن محمد بن جعفر بن موسى بن مسرور (اخو ابن‏قولويه)
حيث‏ابدل بمسرور.
الا ان المحدث النورى والمحقق الخوئى استبعدا الاحتمال
المزبور غايه الاستبعاد، وقد ذكر في معجم رجال الحديث وجها
للاستبعاد، فراجع.
ومما يويد هذا الاستبعاد ايضا ما ظهر لنا من خلال المقارنه بين
اسانيد كامل الزيارات لابن قولويه وتتبع مشايخه فيه، وبين
الاسانيد التى وقع فيها جعفر بن محمد بن مسرور في كتاب
من لا يحضره الفقيه ومعانى الاخبار والخصال والتوحيد
واكمال الدين، فلم نجد وجها محصلا لما افاده في التعليقه، اذ
لم نجد تطابقا بين مشيخه ابن قولويه ومشيخه ابن مسرور،
وكذلك الامر في باقى رجال السند. نعم، وجدنا الاشتراك في
الحسين بن محمد بن عامر، ومحمد بن عبداللّه بن جعفر
الحميرى مع اختلاف في بعض رجال السند، ومن الواضح فان
الاشتراك في رجلين لا ينهض باثبات دعوى الاتحاد انصافا.
وعلى هذا، فاثبات الاتحاد عسير جدا، بل غير واقع، واليك
مضافا لما تقدم بعض ما يشهد على ذلك:
1- ذكر النجاشى ان ابن قولويه روى عن ابيه واخيه. ومن راجع
كامل الزيارات يجد صحه هذه الدعوى، بل انه اكثر الروايه عن
ابيه جدا، في حين انا لم نعثر بحسب التتبع على سند واحد
لجعفر بن محمد بن مسرور يحدث فيه عن ابيه او اخيه او
غيرهما من مشايخ ابن قولويه في كتابه، سوى المشتركين
المشار اليهما. بل اكثر ما يحدث عن الحسين بن محمد بن
عامر عن عمه عبداللّه بن عامر، ويحدث ايضا عن محمد بن
جعفر بن بطه.
2- ان المعروف عند الاصحاب كالمفيد في الامالى والشيخ
فى الغيبه وغيرهما التعبير عن ابن قولويه بذكر كنيته
(ابوالقاسم) عند ذكر اسمه، ولم نظفر بمورد واحد ذكر فيه ابن
مسرور بهذه الكنيه.
3- انا نستغرب من الشيخ الصدوق على فرض الاتحاد اهماله
التعبير باشهر اسميه، وهو (ابن قولويه)، والتزامه الدائم في
التعبير عنه بابن مسرور!

الامر الثانى: عد السيد بحر العلوم(قدس‏سره) في الفوائد
الرجاليه كما هو ظاهر عبارته ثقه الاسلام
الكلينى(رحمه‏اللّه) في جمله مشايخ الشيخ الصدوق، ولم يذكر
هذا بحسب التتبع احد سواه، فان كان مراده اخذه عنه
بالمباشره فهذا ما لا مثبت له لا في اسانيد كتب الشيخ الصدوق
ولا فى كتب التراجم، فلا بد ان يكون المراد الاخذ عنه
بالواسطه، فقد صرح الشيخ الصدوق في مشيخه الفقيه بان ما
كان فى كتاب من لا يحضره الفقيه عن محمد بن يعقوب
الكلينى فقد رواه عن:
1- محمد بن محمد بن عصام الكلينى.
2- على بن احمد بن موسى.
3- محمد بن احمد السنانى.
قال: وكذلك جميع كتاب الكافي فقد رويته عنهم عنه عن
رجاله.
وبعد الفحص لم نجد في (من لا يحضره الفقيه) الا سبعه موارد
نقل فيها عنه بلفظ روى محمد بن يعقوب الكلينى(رضى‏اللّه
عنه)، او بلفظ في كتاب محمد بن يعقوب الكلينى، واليك
تفصيل هذه الموارد من كتاب من لا يحضره الفقيه وايضا
جميع ما ظفرنا به بحسب التتبع والبحث في باقى كتبه
لاهميه الموضوع، كما لا يخفى.
اولا: من لايحضره الفقيه وفيه سبعه مواضع كما اشرنا لذلك،
وهى:

1- المجلد الثالث، الصفحه 353 من كتاب الصيد، باب الاكل
والشرب في انيه الذهب والفضه، الحديث‏10 قال: وهذا الحديث
في روايات محمد بن يعقوب الكلينى(رحمه‏اللّه).
2- المجلد الرابع، الصفحه 203، كتاب الوصيه، باب الرجلين
يوصى اليهما فينفرد كل واحد منهما بنصف التركه، الحديث
الثانى ، قال: وفي كتاب محمد بن يعقوب الكلينى(رحمه‏اللّه) ...
الخ.
3- المجلد الرابع، الصفحه 222، كتاب الوصيه، باب الوصى
يمنع الوارث ماله بعد البلوغ، الحديث الاول، قال: روى محمد
بن يعقوب الكلينى (رضى‏اللّه عنه) .. الخ.
4- المجلد الرابع، الصفحه 227، كتاب الوصيه، باب الرجل
يوصى الى رجل بولده، الحديث الاول، قال: روى محمد بن
يعقوب الكلينى (رضى‏اللّه عنه) ... الخ.
5- المصدر السابق، الصفحه 232، كتاب الوصيه، الباب السابق،
الحديث السابع، قال: وروى محمد بن يعقوب الكلينى
(رضى‏اللّه عنه) ... الخ.
6- المصدر السابق والكتاب والباب المتقدمين، الصفحه 236،
الحديث السابع عشر، قال: وروى محمد بن يعقوب الكلينى
(رضى‏اللّه عنه) ... الخ.
ثانيا: كتاب الخصال وفيه مورد واحد. قال: حدثنا محمد بن
على ماجيلويه(رضى‏اللّه عنه) قال: حدثنا محمد بن يعقوب
الكلينى ... الخ.
ثالثا: كتاب التوحيد وقد روى عنه في عشرين موضعا بطرق
واسانيد متعدده، روى بعضها عن محمد بن محمد بن عصام
الكلينى منفردا، وفي بعضها منضما الى على بن احمد بن
محمد بن عمران الدقاق، وروى بعضها عن الثانى منفردا.
رابعا: اكمال الدين روى فيه عن الشيخ الكلينى في عشر
مواضع، في تسع منها عن محمد ابن محمد بن عصام الكلينى،
والعاشر عنه وعن على بن احمد الدقاق وعلى بن عبداللّه
الوراق.
خامسا: علل الشرائع روى عنه في سبعه مواضع، في ثلاث منها
عن محمد بن محمد بن عصام الكلينى والباقى عن على بن
احمد بن محمد الدقاق.
سادسا: معانى الاخبار روى عنه في خمسه مواضع، ثلاثه منها
عن محمد ابن محمد بن عصام الكلينى، والرابع عن على بن
احمد بن محمد الدقاق، والخامس عن على بن احمد بن
موسى.
سابعا: عيون اخبار الرضا(ع) روى عنه في سته مواضع ثلاثه
منها عن ابن عصام الكلينى، وفي واحد عن محمد بن على ما
جيلويه، وفى اخر عن على ابن احمد الدقاق، والاخير عن
الدقاق وعلى بن عبداللّه الوراق، وابن عصام الكلينى، والحسن
بن احمد المودب، والحسين بن ابراهيم المودب جميعا.
ثامنا: كتاب الامالى روى فيه عن الكلينى في سته مواضع،
اربعه منها عن ابن عصام الكلينى، والخامس عن على بن احمد
بن موسى، والسادس عن محمد بن موسى بن المتوكل.
وعلى هذا يكون مجموع ما رواه الشيخ الصدوق عن محمد بن
يعقوب الكلينى(رحمه‏اللّه) هوا ثنان وستون روايه او ما هو قريب
منه لاحتمال التكرار، بحسب بعض المطبوع من كتبه، واما
البعض الاخر وهى كتاب عقاب الاعمال، وكتاب ثواب الاعمال،
وكتاب المواعظ وصفات الشيعه، وفضائل الاشهر الثلاث،
ومصادقه الاخوان وكتاب المقنع وكتاب الهدايه فلم يحدث في
شى‏ء منها عنه.

6- قدراته الذاتيه ( نبوغه وبراعته)
لقد كان من الطبيعى ان تترك دعوه الامام الحجه(عج) في
حق الشيخ الصدوق اثارا عظيمه في تكوين شخصيته الفذه
وموهلاتها العلميه، فظهرت اثار تلك الدعوه المباركه في عده
مجالات من حياته، كان اهمها حبه الواسع للعلم، وحده ذكائه
وبراعته، وقوه حفظه لما يسمع، حتى عرف عنه ذلك واشتهر
بين القميين وكانوا يعزون الامر فيه لدعاء الامام(عج)، وربما
صارح بعضهم شيخنا الصدوق به. وهذا ما يحدثنا به الشيخ
الصدوق نفسه حيث يقول: (كان ابو جعفر محمد بن على بن
الاسود(رضى‏اللّه عنه) كثيرا ما يقول لى اذا رانى اختلف الى
مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد(رضى‏اللّه
عنه)، وارغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب ان تكون لك
هذه الرغبه في العلم وانت ولدت بدعاء الامام(ع)).
ولا شك فان حضوره في سن مبكر على استاذ عظيم كابن
الوليد بحيث يستوى صفه مع بقيه الحضار من مشايخ الحديث
والروايه ينطوى على معنى كبير في ذاته، ويعكس بلا شك
نبوغ الصدوق وتقدمه على اترابه، لا بل على مشايخ الحديث في
وقته، فقد نقل الرجالى الكبير ابو العباس النجاشى: ان شيوخ
الطائفه سمعوا منه وهو حدث السن.
وينقل شيخ الطائفه الطوسى في كتابه الغيبه عن ابى عبداللّه
بن سوره (رحمه‏اللّه) انه كان يقول: (كلما روى ابو جعفر
يعنى به الصدوق وابو عبداللّه ابنا على بن الحسين شيئا
يتعجب الناس من حفظهما ويقولون لهما: هذا الشان خصوصيه
لكما بدعوه الامام لكما، وهذا امر مستفيض في اهل قم).
وقال الشيخ الطوسى ايضا عن حفظه وفطنته (لم ير في
القميين مثله في حفظه وكثره علمه). بل في درايه والد الشيخ
البهائى انه لم ير في عصره مثله في حفظه وكثره علمه.
ووصف الذهبى حفظه بانه يضرب به المثل وكان اخوه الفقيه
الحسين بن على رحمه شريكا له في الحفظ والذكاء فانه عقد
مجلس البحث والتدريس وله من العمر دون العشرين سنه، ولا
ريب فان لهذا الامر مدلوله الخاص في قم ذلك المركز العلمى
الحافل بائمه العلم ومشيخه الحديث والفقه والتفسير.
وبالطبع فقد افرز هذا النبوغ الذى حظ‏ى به شيخنا المترجم
تراثا علميا ضخما قد ناهزت مولفاته الثلاثمئه.
انوار من سيره الشيخ الصدوق (قدس‏سره): حياه العلماء مليئه
بالدروس والعبر، وحرى بكل طالب علم ومثقف ان يتملى
ويتزود لحياته من الملكات الفاضله والخصال الروحيه الرفيعه
التى كان يتمتع بها علماونا.
وانا اذ لا زلنا نتصفح حياه شيخنا الصدوق ونتفى‏ء ظلاله،
ونمتع ناظرنا ببحبوحه رياضه وجنانه نجد الكثير من مشاهد
العبر، ودروس العظمه في حياه ومواقف هذا الرجل العظيم،
تعرفنا على غنى معدنه، وعظيم سره وذاته. وقد شاء الزمن ان
يكشف عن طرف من ذلك من خلال البحث والمطالعه في فناء
حياته الشريفه، ولعل ما خفى علينا كثيرا جدا لا يعرفه الا اللّه
فهو اعلم بعباده.
وبما ان المنشود من تسجيل حياه العلماء والحديث حولها،
ليس هو العرض المجرد، بل الانتفاع بسيرتهم وتكميل النفوس
باقتفاء اثرهم والتخلق باخلاقهم، نلوى عنان القلم لاستعراض
نفحات طيبه ودروس بليغه من حياه الشيخ الصدوق (رضوان
اللّه عليه) من خلال النقاط التاليه:
اولا الاحساس بالمسووليه: من الامور التى تميز بها فقهاونا
على مر العصور شعورهم بالمسووليه، ونهوضهم باعبائها في
جميع مواقع الحياه ومجالاتها. ولا يخفى هذا الامر على كل من
سبر تاريخ اولئك الاعاظم وتامل في تفاصيله ووقائعه. ولا غرو
فان الفقهاء هم حصون الامه وحماتها.
وان المتتبع لحياه شيخنا الصدوق اعلى اللّه مقامه يجد تجسيد
ذلك في اكثر من مجال من حياه هذا الامام الفقيه الذى كان
يقدر مواقع المسووليه في جسم الامه فيحاول ان يملاها
بوجوده الشريف تاره وبقلمه وبيانه اخرى، وبسجالاته
ومناظراته تاره ثالثه.
ولعل في طليعه تلك المسووليات التى وضعت نفسها بين يدى
شيخنا الصدوق(رحمه‏اللّه) تستنهضه لحمل اعبائها، سفره الى
الرى واقامته فيها برغبه وطلب اهلها الذين رغبوا في حضوره
واقامته للافاده من محضره على كثره من في الرى من
المحدثين والفقهاء وذوى الفضل.
ولم يرد في المصادر تحديد دقيق لتاريخ هجرته الى الرى. نعم
الموجود في اسانيد بعض كتبه‏وجوده بقم الى سنه 339.
وعلى اى تقدير فقد نزل الشيخ الصدوق بالرى والتفت حوله
جماهيرها ومحدثوها، يستمطرون وابل علمه ويستظلون
بغمائم فضله، قد غمرتهم رعايه الشيخ وعنايته، وعلاهم وقاره
وهيبته، وبهرتهم غزاره علمه وتدفقه ما تركهم عكوفا على بابه،
ذاهلين عمن سواه.
ولقد كان من ثمرات وجوده (رحمه اللّه) بالرى دفاعه عن
المذهب الحق من خلال محاججاته ومناظراته مع بعض علماء
المسلمين او الملاحده بحضره الامير ركن الدوله البويهى
الذى كان مجلسه واسعا لاهل العلم والفضل، وقد جرت تلك
المناظرات في موضوعات شتى كالامامه ومساله النص والغيبه
وغير ذلك. وكان الشيخ يلزم انداده في البحث بالادله الدامغه
والحجج الساطعه فيمسك الخصم عن مجاراته ويذعن بالحق
الصراح الذى كشف الشيخ عن جليته واماط اللثام عن غرته.
وهكذا نجد المسووليه في موضع اخر تحرك شيخنا الصدوق
لان يقف بنيسابور بعد منصرفه من مشهد الامام الرضا(ع)،
ليذب الشبهات والتشكيكات حول موضوع الغيبه، التى حيرت
اتباع اهل البيت(عليهم السلام) حتى عدلوا عن طريق التسليم
الى الاراء والمقاييس، ثم يصنف بعد ذلك كتاب اكمال الدين
لاستئصال شافه الشبهه وفق‏ء عين الفتنه. وبمثل هذا الحماس
والحميه على الحق هب يذود عن المذهب ويبرئه بالمنطق
العلمى مما نسبه اليه البعض من القول بالجبر والتشبيه فقبحوا
بذلك عند الجهال صوره مذهبنا ولبسوا عليهم طريقتنا،
فوضع للرد على تلك التخرصات والسفاسف كتاب (التوحيد).
وهكذا، فقد كان الشيخ الصدوق يتحرى مواقع الحاجه فيندفع
لرفعها ولو كانت في اطار ضيق وفردى، كما في تاليفه لكتابه
العظيم (من لا يحضره الفقيه) اذ كان ذلك استجابه لرغبه
كاشف بها الشريف محمد بن الحسن ابو عبداللّه المعروف
بنعمه شيخنا الصدوق (رحمه اللّه) في ان يصنف له كتابا في
الحلال والحرام (رساله عمليه)، فلبى الشيخ الصدوق رغبته
واجابه الى منيته من غير تعلل او اعتذار في انجاز هذا السفر
الكبير لرغبه انسان واحد، وذلك عندما وجد ان من مسووليته
القيام بمثل هذا الامر.
ولعمرى، فان هذا التواضع الجم والخلق الرفيع لهو من دلائل
العظمه وسمو الذات ولا يجمع العلم الا بالتواضع وما تلك
الابهه والمجد الذى بناه الشيخ الصدوق الا من ثمرات تواضعه
وخصاله الحميده، وحقا فان من تواضع للّه رفعه.
ثانيا اخلاصه: لا ريب ان عامل الاخلاص يمثل جوهر العمل
ولبه، فهو الذى يوجه الممارسه فينقلها الى عالم المعنى
والعباديه ومن ثم يرشحها للقبول. كما انه يضمن سلامه العمل
واستكماله ببلوغه المراحل النهائيه منه حتى يكتب له البقاء
والخلود. وقد تجلى عامل الاخلاص في اعمال الشيخ
الصدوق (رحمه اللّه) بشكل بارز وملموس من خلال ما سطرته
يراعته من مولفات. واليك بعض النماذج التى استهل بها كتبه
لتكشف عن طرف مما ذكرنا.
قال في خطبه الخصال بعد ان ذكر العله من تصنيف الكتاب:
فتقربت الى اللّه جل اسمه بتصنيف هذا الكتاب، طالبا لثوابه،
وراغبا فى الفوز برحمته، وارجو ان لا يخيبنى فيما املته
ورجوته منه بتطوله ومنه، انه على كل شى‏ء قدير.
وفى ثواب الاعمال: ان الذى دعانى الى تاليف كتابى هذا ما
روى عن النبى(ص) انه قال: الدال على الخير كفاعله، وسميته
كتاب (ثواب الاعمال) وارجو ان لا يحرمنى اللّه ثواب ذلك، فما
اردت من تصنيفه الا الرغبه في ثواب اللّه وابتغاء مرضاته
سبحانه، ولا اردت بما تكلفته غير ذلك، ولا حول ولا قوه الا
باللّه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وفى كتاب التوحيد بعد التنبيه على الداعى لتاليف الكتاب
قال: فتقربت الى اللّه تعالى ذكره بتصنيف هذا الكتاب في
التوحيد ونفى التشبيه، مستعينا به ومتوكلا عليه، وهو حسبى
ونعم الوكيل.
هذه نظره سريعه في لوح الاخلاص الذى سجل فيه الشيخ
الصدوق جمله من اعماله، ولا شك فان اخلاص الشيخ وسلامه
نواياه كانا وراء خلوده واشتهار صيته.
ثالثا شغفه بالعلم: عندما تتقدس الغايه يتضاءل كل ما دونها،
وعندما يسمو الهدف يصغر جميع ما سواه. ولقد كان العلم من
اجل احياء الدين وخدمه الشريعه هدفا مقدسا عند الشيخ
الصدوق(رحمه‏اللّه) تراجعت امامه جميع الاولويات في حياه
هذا الرجل الفذ، وارخص دونه كل غال من الراحه والاستقرار
والدعه.
كان الشيخ الصدوق دووبا في طلب العلم منذ صباه وهو يعيش
تحت رعايه ابيه، حريصا على تحصيله وضبطه، منصرفا عما
سواه، وقد هياه انقطاعه للعلم للحضور عند اكابر العلماء
والمحدثين في قم، ثم رشحه نبوغه للتصدى لكرسى الحديث،
فسمع منه شيوخ الطائفه وهو في حداثه سنه وباكوره عمره.
ولم يوقفه شغفه بالعلم للاكتفاء بما في حاضرته العلميه بقم،
بل جنح به لتحمل وعثاء السفر ومكابده الغربه، والابتعاد عن
الاهل والوطن، لا يثنى عزمه بعد الشقه ولا يفت في ارادته الم
الغربه او شيخوخه السن، وقد نيف على الستين مما يعنى انه
كان ماضيا في طلب العلم وجمع الحديث من اصقاع الارض
حتى قبل وفاته بما يقل عن العقد.
ولعمرى ان هذا لهو اعظم الجهاد، وابلغ الدرس في المثابره
والاستقامه يقدمه امثال الشيخ الصدوق لاجيالنا الحاضره من
طلبه العلم. نسال اللّه تعالى الرشاد لما هدى اليه السلف الصالح.
رابعا تواضعه: من السمات البارزه في سيرته تواضعه في طلب
العلم مع ما كان عليه امره من الجلاله والفضل والمكانه
العلميه الرفيعه، الا ان ذلك لم يكن يصده عن الاخذ والافاده
من الاخرين، وهذا ما يتكفل باثباته اسفاره التى دامت حتى
اخريات حياته يبادل السماع فيها ارباب الحديث وهو رئيس
الاماميه وصاحب التصانيف القيمه الغزيره، حتى انه لما ورد
سرخس و ايلاق سنه 368 وكان ذلك في اواخر حياته حيث
توفي 381 سمع فيهما من ابى نصر محمد بن احمد السرخسى
الفقيه، وابى الحسن محمد بن عمرو بن على بن عبداللّه
البصرى، وابى نصر محمد بن الحسن بن ابراهيم الكرخى
الكاتب، وابى محمد ابن بكر بن على بن فضل الحنفى وغيرهم،
مع انه كان معه من كتبه في تلك السفره مئتان وخمسة
واربعون كتابا نسخها الشريف ابو عبداللّه المعروف بنعمه
باجمعها عند وروده على الشيخ الصدوق بقصبه ايلاق، كما نص
عليه الصدوق نفسه في خطبه من لا يحضره الفقيه.