«الفقه و المنهج الموسوعى‏»
القسم الثاني

الشيخ صفاء الخزرجي

اقسام دوائر المعارف:
تطلق دائرة المعارف او الموسوعة على صنفين من اصناف
التاليف: فتارة يلحظ في ترتيبها الموضوع فقط، وتسمى:
بدوائر المعارف الموضوعية، وتارة يلحظ في ترتيبها المادة
حسب وضع حروفها، وتسمى: بدوائر المعارف الالفبائية او
الابجدية.

وكل منهما اما ان يتحدد فيه دائرة البحث بموضوع علم‏واحد،
واما ان تعم مجموعة من‏العلوم، فتكون الاقسام اربعة.
قال المحقق الطهراني(قدس‏سره): «والكتب المدونة فيها
على قسمين، خاصة ببعض العلوم او عامة لجميعها، وكل
منهما اما ان يترتب على حسب موضوعات العلوم فموضوعية،
واما ان يترتب على ترتيب حروف الهجاء فقاموسية. فهذه
اربعة:

1- عامة قاموسية.
2- عامة موضوعية.
3- خاصة قاموسية.
4- خاصة موضوعية‏».
وستقف على نماذج لهذه الاقسام في فهرس الموسوعات ذيل
هذا الفصل والذي يليه.

اولا : دوائر المعارف الموضوعية
ان اكثر الكتب والمؤلفات التي يطلق عليها اسم: «الموسوعة او
دائرة المعارف‏» الى القرن الخامس الهجري، سواء في العهد
الاسلامي او قبله تندرج في القسم الاول «دوائر المعارف او
الموسوعات الموضوعية‏» حيث كان مدار التاليف والترتيب
على الموضوع، ولما كان المتقدمون من ارباب المصنفات قبل
الاسلام وبعده بشكل خاص لا تنحصر ثقافتهم بعلم او فن دون
آخر، فقد كان كل واحد منهم يعد جامعة من العلوم المتنوعة
كما تشهد لذلك آثارهم، حتى ان المقل منهم او المنصرف
لباب او بابين من العلم لا يعد ممن يؤخذ منه العلم، (اذ كانت
المعرفة في نظر طلابها كلا واحدا لا يتجزا يشمل علوم الدين
والدنيا، ويعتبر الكون كله مجالا للبحث والتفكير والتاليف،
وكان على طالب الثقافة ان يحفظ القرآن ويحيط بمعانيه،
ويلم بما تيسر له من الحديث، ويحفظ ما تيسر له من شعر
الجاهليين والمعاصرين، ويتمكن من اللغة وتاريخ العرب
وايامهم وعلومهم الاولى كالطب والطبيعي والنبات والانواء
والقيافة وماالى ذلك) وعرف مؤلفوا تلك الاثار بالموسوعيين
او المكثرين.

الا ان الاتجاه الموسوعي هذا قد ضعف بعد القرن الرابع او
الخامس على اكثر تقدير، ولا شك ان ثمة اسباب ادت لضمور
هذا الاتجاه وضعفه:

منها ذاتية ترجع للعلماء انفسهم. ومنها موضوعية، وهي الاهم،
ونعني بها اتساع العلوم وتشعب اصولها كما اشرنا اليه، فان
الموسوعية اقترنت مع دور تكون العلوم وظهورها، ولاريب
فان الاحاطة باصول تلك العلوم واتقانها امر داخل في
المقدور وان كان ليس بالامر اليسير في نفس الوقت الا ان
ذلك لم يقدر له ان يستمر مع تقدم العلوم وتضخمها، ففقد
العلم طابعه الموسوعي وخضع للامر الواقع، وبدا ينحو باتجاه
التخصص والتعمق اكثر، فلبست الموسوعية ثوبا آخر، وهو
لباس القدرة على التفريع في العلم الواحد او المسالة الواحدة،
وتنافس العلماء في ذلك حتى انه لا يعد العالم عالما ان لم
يكن ماهرا في التفريع من الاصول وكثرة التحقيق، والا كان
مقلدا، ولكن بدرجة اعلى من درجات التقليد المحض.

فافرزت هذه الحركة الجديدة قمما من العلم سموا
بالمجددين، الذين جددوا في العلوم وابواب المعرفة واضافوا
فيها.
وقد ترك الموسوعيون الاوائل كتبا وآثارا جمة تعكس
المامهم وسعة ثقافتهم وتنوعها، تلقاها المتاخرون عنهم
بالاهتمام واعتبروها من امهات المصادر في بحوثهم، كما
اعتبرها المعاصرون في القرون المتاخرة دوائر معارف او
موسوعات في بابها.

قال في الذريعة «وعلى هذا فجميع الكتب العلمية القديمة قد
دونت بصورة يمكن لنا ان نسميها اليوم: (دائرة المعارف) كما
ان ما يكتب اليوم بعنوان علم واحد من العلوم قد يجي‏ء زمان
يتشعب فيه ذلك العلم، فتسمى هذه الكتب ايضا (دوائر
معارف). ولكن يمكن لنا ان نخص هذا اللفظ بالكتاب الذي
جمعت فيه من العلوم ما قد انشعبت وتفرقت وتباينت في
زمان تاليف ذلك الكتاب، بحيث لا يعد مؤلفه خصيصا بفن،
بل يعد ذا فنون في زمانه‏».

وقد قسم بعض الباحثين المعاصرين طبقات الموسوعيين
القدامى الى اتجاهين.
الاول: الاتجاه غير المنظم، وهم الذين كانوا يقراون ويكتبون
دون نظام، وينتقلون في الفقرة الواحدة من علوم القرآن الى
الشعر الجاهلي الى النبات الى الحيوان الى الفلك مما يتعب
القارى‏ء في الظفر بمراده. وعد من هؤلاء: هشام ابن محمد بن
السائب الكلبي (ت‏204 او 206ه )، وابو عبيدة معمر بن المثنى
(ت‏210 - ه 825 م) كتب كما يقول ابن النديم مئة وخمسة
كتابا في مختلف الموضوعات، والاصمعي عبدالملك بن قريب
(ت 214 - ه 829 م) الف بضعة واربعين كتابا، وابو سعيد بن
اوس الانصاري (ت 215 - ه 830 م) كتب قريبا من العدد
السابق في شتى الفنون والعلوم، وابو عبيد القاسم بن سلام
(ت‏223 - ه 838 م) الف في علوم الاسلام واللغة والتاريخ وله
كتاب «الاموال‏» في الشؤون المالية و«الغريب المصنف‏»
موسوعة في الانسان، والطعام، والابنية، والمراكب، والسلاح
وغيرها، ويعد الاخير من غرر الكتب. وكانت موسوعية هؤلاء
موسوعية اتجاه لا منهج.

واما الاتجاه المنهجي فهم رواد الاتجاه الثاني: الاتجاه المنظم،
الذين سلكوا الطريق الذي مهده لهم اصحاب الاتجاه الاول.
واعمدة هذا الاتجاه حسب المصدر السابق هم:
1- قدامة بن جعفر الكاتب (ت 237 - ه 851م) وله موسوعته
المعروفة في الشؤون المالية للدولة كتاب «الخراج‏».

2- ابو عثمان الجاحظ (255ه - 869م) وهو عميد
الموسوعيين وصدرهم، واشهر كتبه في هذا الباب كتاب
«الحيوان‏».

3- ابن قتيبة الدينوري (276 - ه 879م) له كتاب «عيون
الاخبار» و«ادب الكاتب‏»، وهو يضاهي الجاحظ فيما كتب.

4- ابو حنيفة الدينوري (282ه - 895م) وله «الاخبار
الطوال‏».

5- ابو العباس المبرد (285ه - 898م) وله «الكامل‏» موسوعة
لعلوم العرب الى عصره، والحق بهؤلاء من القرن الرابع ابن عبد
ربه الاندلسي (328 - ه 940م) صاحب «العقد الفريد»، وابوالفرج
الاصفهاني (356ه - 967م) وله «الاغاني‏» وهو دائرة معارف
في الفن والتاريخ والادب.

وجاء بعد اولئك جيل آخر من الموسوعيين بعد ان اصبحت
الموسوعية تخصصا وفنا، اضراب: النويري (732ه - 1332م)
صاحب «نهاية الارب‏» والقلقشندي صاحب «صبح الاعشى‏»
(821ه - 1418م) والعمري (748ه - 1347م) صاحب
«مسالك الابصار».

ثانيا : دوائر المعارف الالفبائية (القاموسية)
اشرنا في مقدمة البحث الى ظهور نمط جديد (ثالث) في
عالم تدوين العلوم والثقافة العامة يعتمد ترتيب الحروف لكل
مادة يراد بحثها في هذا العلم او ذاك.
والذي يبدو ان اول ظهور هذا النمط كان في العالم الغربي،
وان كان ترتيب المعاجم والقواميس اللغوية او الرجالية
وغيرهما قد عرفه علماء المسلمين منذ امد بعيد الا ان هذا
الترتيب الحديث في تدوين العلوم والمعارف كان من ابتكار
الغربيين. قال في الذريعة: «ان تاليف الموسوعات في الاسلام
كثيرة وقديمة، ولا يمكن جمعها في عدة صفحات، ثم قال:
واما تاليف دائرة معارف عامة بمالها من المعنى اليوم فلم تبرز
الى الوجود في الممالك الاسلامية ايران ومصر وتركيا
وغيرها الا في اواخر القرن الثالث عشر واوائل القرن الرابع
عشر».

ولعل روبرت اسطفانوس هو اول من الف دائرة معارف
ابجدية سنة (1544 م) في باريس، رتب بحوثها على حروف
المعجم.
ثم تابعه على ذلك شارل اسطفانوس حيث طبع دائرة
معارف الفبائية في باريس سنة (1553 م)، ثم زاد عليها لويد
فوائد كثيرة، وطبعها في آكسفورد (1617م) ثم في لندن
(1686م).
وهكذا اخذت دائرة المعارف موقعها في الاوساط الغربية
كبديل عن عشرات المصادر التي يحتاج اليها الباحث، فكانت
نعم الاداة لاختصار عامل الزمن وتقليل الجهود.

وتعتبر دائرة المعارف التي قام بتاليفها العالم الفرنسي
المعروف: ديديروت (Diderot)  ما بين عام (1751م الى 
1772م)، من اشهر دوائرالمعارف آنذاك في العالم الغربي، لما
كانت تحمله من الحداثة، حيث كانت تهدف الى انقلاب كامل
في طريقة التفكير العام. تلك النهضة العقلية والفكرية التي
هيات الارضية للثورة السياسية في فرنسا، وقد شاركه في
تحرير بحوثها ثلة من المفكرين من امثال دالامبير وروسو
والفيلسوف الحسي كوندياك وغيرهم، وقد صدرت بعد احدى
وعشرين سنة في سبعة عشر مجلدا من النصوص واربعة عشر
مجلدا من اللوحات، كما يجب ان لا يغفل دور كل من پيربل
(1706 م) ولوئي مورري الفرنسيين وجان آلسند (1638 م)
وجان هاريس (1719 م) وچيمبرز وغيرهم ممن اسس وكتب
دوائر المعارف في العالم الغربي.

وقد تميزت منهجية دوائر المعارف والموسوعات
باصطلاحها الجديد في تنظيم وتاليف بحوثها بجملة من
الخصائص، نشير الى اهمها بشكل اجمالي:
اولا: التقيد بصياغات حديثة لا تعلو على افهام المبتدئين، ولا
تنبو عنها اذواق المتخصصين، بل تعين المثقف على نيل ما
يريد باقصر وقت ممكن، فلا يحول بينه وبين مقصوده التواء
التعبير، او ضمير يبحث عن مرجعه، او عبارة معترضة لا يعرف
حدها، او مصطلح يستعصي عليه فهمه. ونقطة مهمة ايضا
تلاحظ في الصياغة، وهي ان تكون المطالب باخصر التعابير
واقصرها تجنبا لحشو الكلام وزيادته.

ثانيا: وجود ضابطة علمية تتحكم بمنهج البحث ومادته، فكل
فقرة او فكرة تذكر في محلها المناسب الذي يترقب وجودها
فيه. والاصل الاساسي في هذه الضابطة في العمل الموسوعي
يقوم على اساس: «تجميع المتفرقات، وتفريق المجتمعات‏»
وتطبيق هذا الاصل بحاجة الى ذوق رفيع ومهارة عالية في
الموازنة بين البحوث من اجل توزيعها او تجميعها. وبعد ذاك
فلا مجال لمنطق الصدفة في طرح البحوث، او الكلام يجر
الكلام، او اقتفاء اثر الاعلام، او تتميما للفائدة، او بحث
استطرادي او غير ذلك مما درج عليه المنهج التقليدي.

ثالثا: وضع البحوث تقدما وتاخرا يخضع للترتيب الالفبائي
(القاموسي). فالمحور هو مادة الكلمة لا الموضوع، كما عليه
الموسوعات الموضوعية والمناهج المدرسية الاخرى.
والخاصة في هذا الاسلوب الدلالة على المعلومات بشكل
يتيسر على الباحث الظفر بمراده وان لم يكن من اهل ذلك
العلم او يعوزه الالمام بمواطن البحث فيه.

ولا يخفى ما توفره هذه الخصائص بمجموعها سيما الاولتين
على الباحث من وقت وجهد مما يسهم في رفد حركة العلم
وتنميتها وفي تطوير القابليات التي قد يذهب شطر كبير منها
في المناهج التقليدية لتاول العبارات وتفسيرها او لحشد
متفرقات البحث وجمعها، الامر الذي قد يتكرر بشكل غير
مدون ولا منضبط مرات عديدة بحسب عدد الباحثين.

رابعا: يتسم المنهج الموسوعي بالحيادية التامة ازاء الاتجاهات
والاراء المعروضة والتي تتجاذب الفكرة الواحدة. وعلى هذا،
فلا تسوغ الموازنة والترجيح بين الاراء ولا المحاكمة بين
الادلة، بل ذلك متروك امره للقارى‏ء.

خامسا: ان المنهج الموسوعي في اصطلاحه الجديد يعتمد
العرض الوصفي لبحوثه بمعنى: انه يعرض عبر صياغات
خاصة الناجز والمتحقق بالفعل من ابواب المعرفة البشرية،
من دون مساس بالمضمون او تصرف فيه، ومن ثم فهو لا يقدم
جديدا من حيث المادة، فدوره دور الاخبار عن المعاني، لا
انشاء المعاني.

وهذا هو الفارق الاساس بين الموسوعية الحديثة من جهة
وبين الموسوعية الموضوعية والمنهج التخصصي الذي تلاها
بعد القرن الرابع من جهة اخرى، فالمؤلف في الاولى لا يقدم
جديدا في المعرفة كما قلنا، بل يقوم بدور المهندس الذي
يتقن وضع بناء المعرفة البشرية على افضل هيئة واحسن نظام
بحسب ما تقتضيه اساليب البحث العلمي الجديد. فمهمته
الاخبار عن المادة العلمية الموجودة في بطون الكتب من
دون تصرف او اجتهاد يبديه، ولذا لا مجال لظهور شخصية
الكاتب العلمية على صفحة البحث الا بمقدار الهندسة
والمنهجة لابحاث الموسوعة، وبالطبع فان هذا فن في نفسه
يحتاج الى تقنية عالية.
واما المؤلف في الثانية، فالفكرة تتدفق منه صورة ومادة،
اسلوبا ومضمونا بما يمكنه من ظهور آراءه واجتهاداته على
طاولة البحث، فدوره دور المؤسس والمهندس معا.

سادسا: تمتاز بحوث دائرة المعارف بتوثيق المعلومات الواردة
فيها وتذييل مقالاتها بذكر المصادر ليستزيد من يريد التوسع.

عينات من دوائر المعارف العالمية:
ان الموسوعية منهج متجذر في تاريخ التدوين والكتابة، حتى
انه يمكن اطلاقها على جميع المدونات العلمية القديمة، كما
اشار لذلك كلام المحقق الطهراني(رحمه‏اللّه) المتقدم، الذي
يعتبر من اكابر المختصين والمحققين في علم وصف الكتب
(الببلوغرافيا)، وانا وان كانت تدعونا المناسبة لذكر شعاع من
تاريخ الموسوعات ودوائر المعارف في العالم الا انها لا تسمح
لنا في الوقت ذاته بالافاضة في هذا الموضوع والالمام باطرافه،
اذ ذاك من مهام المعاجم والمصادر الببلوغرافية، فلا يتسع له
المجال في مثل هذا المقال، ولكن نلمح الى عينات ونماذج
مختارة من ذلك بعد ان تحدثنا في الفصل السابق عن انواع
الموسوعات ودوائر المعارف بشكل عام.
ويمكننا تقسيم الموسوعية ودوائر المعارف خارج العالم
الاسلامي الى ما قبل الميلاد وبعده. وسوف نتعرض لذلك، ثم
نرجع للعالم الاسلامي الذي بدا عهده بالهجرة النبوية الشريفة،
فنتكلم حولها بايجاز ايضا.

دوائر المعارف قبل الميلاد:
1- الصين: وهي اقدم البلاد، وشعبها اقدم الامم في هذا
المجال، يرقى عهدهم في الموسوعية الى القرن الخامس عشر
قبل التاريخ، واهم الموسوعات لديهم هي الانسكلوبيديا
المعروفة ب«ينغ لوتاتين‏»، وقد اسهم فى تاليفها (2200) كاتب،
وقد بلغ عدد مجلداتها (892) مجلدا، وايضا الانسكلوبيديا
الصينية المعروفة ب (سان تسان توفهي) وتقع في (130) مجلدا.

2- اليونان: اليونانيون هم ثاني الامم واصحاب الحضارات بعد
الصين في كتابة دوائر المعارف والموسوعات الموضوعية.
ويعتبر سبوسيبوس ابن اخي افلاطون (ت حدود 329 ق.م)
عند اكثر المؤرخين اول من كتب الانسكلوبيديا، ولم يحفظ
الا بعض المقاطع. كما ان لارسطو طاليس وفارو وبلينوس
دوائر من هذا القبيل، وللاخير منهم مجموعة كبيرة مؤلفة من
(120) الف مادة مهمة مقتطفة من نحو الفي مجلد في الهيئة
والرياضيات والطبيعة والنبات والمعادن والطب وغيرها مما
يظهر التقدم العلمي لتلك الحضارات.

3- الروم: ظهرت في القسطنطينية والروم الشرقية اواخر
القرن الثاني قبل الميلاد، بعض الاعمال الموسوعية على يد
ماركوس ترنيتوس وارو (27 116 ق.م) حيث كتب
انسكلوبيديا باسم(Disci Plinaram librix)
تسعة من علوم عصره هي: النحو، الجدل، البلاغة، الهندسة،
الحساب، النجوم، الموسيقى، الطب، الفن المعماري.

دوائر المعارف بعد الميلاد:
1- الروم: اشتهرت بلاد الروم بعد الميلاد بمجموعة من دوائر
المعارف الخاصة والعامة. منها: كتاب التاريخ الطبيعي للعالم
الرومي المعروف «بپليني‏» (ت 79 م)، ومجموعته عبارة عن
(37) كتابا، ويشتمل على (20) الف مادة من علوم شتى، رجع
في تاليفه كما قيل الى (2000) مصدر.
وفي حدود عام (47 م) قام فليكس كاپلا (Felix Capella)
بتدوين مؤلفه «سايتر يكون‏» نثرا وشعرا. ومحتوياته: الكتاب
الاول والثاني في شرح المقدمات، ومن الكتاب الثالث
الى التاسع مرتبا في: النحو، الاحتجاج، الخطابة، الهندسة،
الحساب، النجوم، الموسيقى.

2- اسپانيا: كتب الاسقف الاشبيلي في القرن السابع
الميلادي الموافق للقرن الاول الهجري كتاب «الاصول
والاشتقاقات‏» ويشتمل على اكثر معارف عصره.
ويقع في عشرين كتابا، وصار كتابه هذا محتذى لمن جاء
بعده ممن كتب في دوائر المعارف.

دوائر المعارف العالمية المعاصرة:
اولا: دوائر المعارف الفرنسية:
1- دائرة المعارف الشرقية، قام بتاليفها: هربلو تقع في ستة
مجلدات، وقد طبعت‏سنة (1783 م).
2- دائرة المعارف الجديدة، طبع تحت اشراف: كورتين في
(24) مجلدا بباريس سنة (23 1832 م). وطبع ثانيا مع (12)
مجلدا ضمائم و (3) مجلدات خرائط ورسوم.
3- دائرة المعارف والفنون المعروفة برجال العالم، اشترك
في تاليفها جماعة، وطبع في (22) مجلدا بباريس سنة (33
1845 م).
وهناك دوائر اخرى كثيرة لا نتعرض لها للاختصار، الا ان اهم
تلك الدوائر في فرنسا، بل تمثل حجر الاساس لما بعدها هي
دائرة معارف ديديرو التي تقدم بعض الحديث عنها.

ثانيا: دوائر المعارف البريطانية
1- دائرة المعارف الاسلامية، وقد طبعت من سنة (1913م
الى 1936م) بثلاث لغات هي: الانجليزية، الفرنسية، الالمانية،
واشترك في تاليفها تسعة من المستشرقين. وتعتبر هذه
الدائرة من اوسع دوائر المعارف واشهرها، وقد ترجمت الى
عدة لغات.
2- دائرة معارف المذاهب تاليف: جيمز هستينك طبع في
(15) مجلدا مرتين (1908 1932م).
3 سيكلوپيديا، وهي دائرة معارف وضعها: افرايم چيمبرز
في مجلدين عام (1728م) في لندن، وطبع خمس مرات
خلال ثمانية عشر عاما، وترجم للفرنسية والايطالية، وهي اول
دائرة معارف قاموسية في بريطانيا على الظاهر.

ثالثا: دوائر المعارف الالمانية
1- قاموس محاوري ادبي عام، من تاليف: لويل، وطبع في
ستة مجلدات سنة (1796 1810م) ثم اكمله برول هاوس
وطبعه في عشر مجلدات، والطبعة الحادية عشر في (15)
مجلدا وطبع في سنة (1903 م) في (16) مجلدا.
2- قاموس عالمي عام، تاليف: ارخ گروبر في (167) مجلدا،
وصدر سنة (1818 م).
3- دائرة المعارف بروك هاوس، طبع في (65) مجلدا من
عام (1926) الى (1947 م)، ويعتبر من اشهر دوائر المعارف.

رابعا : الصين واليابان
1- دائرة المعارف ينغ لوتاتين، شارك في تاليفها (2200)
كاتب، وقد وصل مجموع مجلداتها الى (892) مجلدا (1407م
810ه ).
2- دائرة المعارف سان تساي توفهي، طبع منها (130) مجلدا
باللغتين اليابانية والصينية في بدايات القرن التاسع عشر
الميلادي. وموضوعاتها تدور حول ثلاث محاور هي: الانسان،
الارض، السماء.

3- دائرة معارف اخرى طبعت ببكين عام (1726 م)، (وفي
نقل) ان مجلداتها بلغت (5020) مجلدا، يوجد واحد منها في
المتحف البريطاني. ومن الملاحظ ان اكثر مجلدات هذه
الدائرة وسابقتها لم يبق منها الكثير بسبب الحروب وضياع
الكتب وحرق المكتبات.
وهناك الكثير من دوائر المعارف العالمية الاخرى كدوائر
المعارف الامريكية والايطالية والهولندية والروسية والسويدية
وغيرها مما لا يسع المجال لذكرها.

دوائر المعارف في العالم الاسلامي:
لاريب ان شطرا عظيما من تراثنا العلمي وكتبه تعتبر من
اضخم الموسوعات ودوائر المعارف، فان مجموعات كبرى من
امثال: احصاء العلوم للفارابي (339ه )، واقسام العلوم لابي زيد
البلخي (322ه )، ومفاتيح العلوم للخوارزمي الذي اتمه سنة
381ه ، ومراتب العلوم، وكذا منازل العلوم لابن مسكويه
الرازي (421ه )، والشفاء والقانون لابي علي الشيخ الرئيس
(428ه )، والمدهش لابن الجوزي (597ه )، واقسام الحكمة
لنصير الدين الطوسي (672ه )، ومفتاح العلوم للسكاكي
(626ه )، والتعريفات للجرجاني السيد مير شريف (816ه )،
ورسائل اخوان الصفا التي تشتمل على احدى وخمسين
رسالة في علوم مختلفة، تعد من اشهر الموسوعات الفلسفية
في اواسط القرن الرابع، وغيرها كثير وكثير جدا لا يمكن
عدها كتبا عادية كسائر الكتب، فان وفرة مضامينها وتنوعها
في مختلف ابواب الثقافة والمعرفة تشهد بذاتها على عدم
انحصار الغرض فيها بمجال دون آخر، مما يميزها عن سائر
كتب التراث الاخرى. حتى ان بعض المعاجم الببلوغرافية
كالذريعة لم تدرج اسماء الكتب من هذا القبيل حسب
التسلسل العام للنظام الالفبائي، بل جمعتها تحت عنوان
(دائرة المعارف) من حرف الدال في المجلد الثامن، فراجع
اليها، وراجع ايضا بعض المقتطفات التي سجلناها ذيل
الحديث عن دوائر المعارف والموسوعات الموضوعية.

والذي يهمنا بحسب ما تقتضيه المناسبة وتسمح به التعرض
لموجز عن دوائر المعارف المعاصرة في البلاد الاسلامية،
ونعني بها الدوائر الالفبائية التي ظهرت لاول مرة بهذا الترتيب
القاموسي في العالم العربي على يد بطرس البستاني عام
1876م، ثم توالت في الظهور، وشقت طريقها للبلدان
الاسلامية الاخرى.

(1)- مصر :
1- دائرة المعارف الاسلامية المترجمة عن اللغة الفرنسية، وهي
في الاصل لجماعة من المستشرقين بثلاث لغات كما تقدم.
وقد قام بالترجمة: محمد ثابت، احمد الشنتناوي، ابراهيم
زكي خورشيد، عبدالحميد يونس. طبع الجزء الاول منها
بمصر سنة 1933 م.
2- دائرة معارف القرن العشرين، طبعت عام 1910، وهي ثاني
دوائر المعارف في العالم العربي بعد دائرة معارف البستاني.
قام بتاليفها محمد فريد وجدي.

(2)- تركيا:
1- محيط المعارف، كتبت في العهد العثماني 1900 تحت
اشراف امر اللّه افندي ثم توقفت لاسباب سياسية.
2- قاموس الاعلام التركية، في ست مجلدات، باللغة التركية.
تاليف شمس الدين سامي بيك المتوفى 1904 م.
3- ترجمة دائرة المعارف الاسلامية.

(3)- ايران:
1- نامه دانشوران، اشترك في تاليفها جماعة بامر من ناصر
الدين شاه.

2- لغتنامه دهخدا، وهي قاموس لغوي فارسي واسع
بالاضافة لتعرضه للاعلام والاماكن واصطلاحات العلوم.

3- دائرة المعارف الفارسية، تحت اشراف الدكتور غلام
حسين مصاحب وباهتمام جمع من المؤلفين، وقد اشتملت
على ترجمة بعض مقالات دائرة المعارف الاسلامية.

4- دائرة المعارف الشيعية، بدات برئاسة الدكتور مهدي
محقق، ثم عهد بها لاخرين، صدر منها 4 اجزاء الى عام 1993،
والمامول ان تصدر في خمسة عشر جزء.

5- دائرة المعارف الاسلامية الكبرى، وهي دائرة ضخمة
اسست سنة 1982م من اجل تدوين موسوعات عامة
وتخصصية، وذلك تحت اشراف السيد محمد كاظم
البجنوردي، ويشترك في تنظيم وتاليف مقالاتها جماعة من
الكتاب. صدر منها المجلد السادس وترجمت بعض مجلداتها
الى اللغة العربية، ويعد لترجمتها للانجليزية، ويجري حاليا في
مركز هذه الدائرة العمل على تدوين دائرة المعارف
الفلسطينية.

6- الموسوعة الفارسية الكبرى: تهدف الموسوعة الى تاليف
جامع للمعارف البشرية باللغة الفارسية، وثمة اقسام وفروع
تتالف منها الموسوعة هي: فرع الرياضيات، فرع الفيزياء، فرع
الكيمياء، فرع الطبابة البيطرية، فرع النفط، فرع الرياضة
والتربية البدنية، وغير ذلك من الاختصاصات الاخرى.
وتسعى هذه اللجان المختصة والتي تتشكل كل واحدة
منها من خسمة الى سبعة اخصائيين ما عدا فرع النفط فان
اخصائية احد عشر شخصا الى تدوين وتنظيم بحوث
الموسوعة على امل اصدار مجلداتها بشكل متسلسل. علما بان
بداية تشكيل الموسوعة كان في عام 1990م، وقد اسندت
الرئاسة العليا لمؤسسة الموسوعة الى رئيس الجمهورية
الاسلامية سماحة حجة الاسلام والمسلمين الشيخ الهاشمي
الرفسنجاني ايده اللّه، كما ان هيئة الامناء فيها تضم نخبة من
المفكرين والكتاب.

7- موسوعة العالم الاسلامي او (دائرة المعارف الاسلامية):
في عام 1982م اقترح سماحة قائد الثورة الاسلامية اية اللّه
الخامنئي دام ظله ابان رئاسته للجمهورية تدوين موسوعة
تاخذ على عاتقها بحث كل ما يرتبط بالعالم الاسلامي من
علوم وفنون وسائر الجوانب الثقافية والحضارية، سواء ما
يدخل منها في التاريخ الاسلامي او ما هو قائم في البرهة
المعاصرة.
وقد جاء هذا الاقتراح بعد انتصار الثورة الاسلامية احساسا
بالخلا الموجود في هذا المجال، والذي لا يسده الا اقلام
مفكري هذه الامة قبل غيرهم .. من اجل هذا فقد تاسس
مجلس الامناء لهذه الدائرة وبدا العمل، وكان المتوقع ان
تكتمل الموسوعة في اربعين اصدارا، الا ان توسع ابحاثها ينبئ
عن تضاعف عدد اجزائها، وقد اكتملت وصدرت معظم بحوث
حرف الباء.

8- موسوعة دول العالم الاسلامي : تاليف الدكتور مرتضى
اسعدي.
بدا العمل في هذه الموسوعة في عام 1980 م، وذلك من اجل
البحث عن شؤون وتاريخ وجغرافيا الدول الاسلامية وشعوبها،
بالاعتماد على اوثق المصادر واقدمها. وقد بحثت الموسوعة
في اصدارها الاول عام 1986 حول الدول التالية: الاردن،
افغانستان، الامارات العربية المتحدة، اندنوزيا، البحرين،
وبحثت في اصدارها الثاني عام 1989: بنجلادش، الباكستان،
تركية. ويبلغ عدد بحوث الموسوعة خمسون بحثا على عدد
الدول الاسلامية.

9- المعجم الجامع للاديان: تاليف الدكتور عبد الرحيم
گواهي:
الغرض من تدوين هذا المعجم هو: اولا التعريف بالاعلام
والمصطلحات الدينية في العالم، وثانيا: توحيد المصطلحات
والعناوين التي لها اكثر من عنوان واحد. وقد ترجمت في هذا
السبيل بعض الكتب الى اللغة الفارسية مثل كتاب (تاريخ
الاديان) لجان ناس وكتاب (تاريخ مختصر للاديان الكبرى)
لفيلين شاله وغيرها من الكتب.
وتتحدد المداخل الرئيسة للمعجم في مدخلين، الاول:
الاصطلاحات الاجنبية وما يعادلها في الفارسية. الثاني: شرح
وتوضيح حول كل واحد من هذه المصطلحات.

10- موسوعة متكلمي الاسلام: تتعرض الموسوعة لاراء وآثار
واحوال المتكلمين
في الاسلام، وآخر النظريات الكلامية، وقد تم لحد الان وضع
مداخل ( متكلمي الشيعة)، والموسوعة برئاسة محمد رضائي.

11- دائرة معارف (نخبة الشرق الاوسط): تاليف الدكتور
بيژن اسدي.
وهو الاسم المقرر فعلا لهذه المجموعة الى ما قبل طباعتها،
والهدف من تدوينها التعريف بالنخبة البارزة من رجال الفكر
والعمل في منطقة الشرق الاوسط وافريقيا في المجالات
السياسية والاقتصادية والثقافية، وعدة هؤلاء يقرب من الف
شخصية معروفة، وقد صنف العمل في ذلك ضمن محاور
ثلاث:

ا - عبارة عن قادة الحركات التحررية والمناوئة للاستعمار،
والتي استطاعت ان تحقق الاستقلال النسبي في بلادها،
امثال آية اللّه الكاشاني، الدكتور مصدق، جمال عبد الناصر،
احمد بن بلا، وهواري ابو مدين، واخيرا الامام الخميني
(قدس‏سره).

ب - الخط المؤيد للتواجد الاستكباري في المنطقة والذين
عملوا لصالح الاستعمار وخدمته، وهؤلاء على طائفتين، طائفة
من الاجانب من امثال: سرهنري مك ماهون، لرد آرتور بالفور،
وادوارد لارنس وغيرهم، وطائفة من ذات بلدان الشرق
الاوسط كالشريف حسين، وابنه الملك عبداللّه، والملك
فيصل، وابن سعود، والملك حسين وغيرهم.

ج - الطبقة الشابة من الذين خدموا بلادهم في المجالات
السياسية والاقتصادية والعسكرية، وكان عملهم في الغالب الى
غير صالح الملوك والحكام.

12- دائرة معارف الثورة الاسلامية: لا شك ان الثورة
الاسلامية جاءت تحمل معها ثقافتها الخاصة بها، وهي عبارة
عن مجموعة من المفاهيم والرؤى والتصورات او الاحداث او
الشخصيات التي كان لها دور فعال فيما قبل وبعد الثورة. وقد
تاسست دائرة معارف الثورة الاسلامية من اجل التعريف بهذه
الثقافة وشرح مفاهيمها ومفرداتها من قبيل مفهوم «وكر
التجسس‏» و«الدفاع المقدس‏» و«الحرب المفروضة‏». وهي
برئاسة المهندس محمد حسين علي محمدي.

13- دائرة معارف الموضوعات والمفاهيم القرآنية: برئاسة
حجة الاسلام مصطفى المحامي.
تتناولت هذه الدائرة جميع ما احتوت عليه الايات القرآنية من
مفاهيم وعقائد ومذاهب واماكن واعلام وما يرتبط بعلوم
القرآن، ويجري العمل في الوقت الحاضر لاكمال فهرس
المداخل والكلمات العنوانية لبحوث هذه المجموعة.

14- دائرة معارف الامام السجاد عليه السلام: تاليف السيد
احسان نبوي.
موضوع الدائرة جمع وتدوين البحوث المتعلقة بشخصية
الامام السجاد علي بن الحسين(عليهماالسلام) وادعيته
ورسائله والاحاديث المروية عنه وتفاصيل حياته. وقد انجز
معظم العمل فيها (90%)، وهو معد للطبع. ومن المقرر ان
تصدر الموسوعة بثلاثة لغات (العربية، الفارسية، الانجليزية)
في ثمانية آلاف صفحة.

15- دائرة معارف الامام الحسين(ع): برئاسة حجة الاسلام
السيد محمد حسيني الشاهرودي.
تعنى هذه الدائرة بالبحث عن المحورين التاليين:

ا ثورة عاشوراء، الاسباب والمعطيات.
ب شخصية وحياة الامام الحسين(ع). وقد تم اعداد ثلاثة
آلاف مدخل للبحث. وستصدر هذه المجموعة في خمسة
مجلدات.

16- دائرة معارف المكتبات في العالم: برئاسة السيد علي
الرفيعي.
تبحث عن المكتبات العامة والخاصة في القديم والحاضر،
وقد استخرج لحد الان خمسة واربعون الف من اصل مئة الف
معلومة من الكتب بمختلف اللغات حول المكتبات طوال
التاريخ، وقد صدرت مقدمة هذه الدائرة بعنوان (مدخل
لدائرة معارف مكتبات العالم).

18- دائرة معارف الفقه الاسلامي طبقا لمذهب اهل
البيت(ع): وسياتي الحديث عنها في قسم الموسوعات الفقهية.
وثمة بلاد اسلامية اخرى كالباكستان، وافغانستان، ولبنان،
والكويت، والهند، وسورية، وتونس واندنوسيا وغيرها تحتفظ
مكتباتها بدوائر المعارف والموسوعات المختلفة قام بتدوينها
اشخاص ومؤسسات عديدة لا يسع المجال للاحاطة بها جميعا،
وانما ذكرنا نماذج لها.

دوائر المعارف الفقهية:
تقدم ان الغرض المهم من المقال تسليط الضوء على اهم
الموسوعات ودوائر المعارف الفقهية الصادرة في عالمنا
الاسلامي، والتي جاءت منسجمة ومقتضيات العصر لتسد خلا
جليا كانت تعاني منه المكتبة الفقهية، وبالطبع فان هذا لا
يعنى انا وصلنا الى نهاية المطاف بحيث‏يكون الفقه مستغنيا
عن مثل هذه المشاريع وتطويرها، اذ هو بحاجة دائما الى
الاكمل والاوسع في هذه المشاريع العلمية... كما ان علم الفقه
يعتبر فاتحة الطريق بالنسبة لبقية العلوم الاسلامية في
التفسير والاصول والحديث والفلسفة وغيرها من علومنا
الاسلامية التي تنتظر الكثير من محاولات التعديل والترتيب
والصياغة، ورحاب هذا الميدان واسع جدا، كما ان خوض
غماره واقتطاف ثماره ليس بالامر الهين ايضا.

1- موسوعة الفقه الاسلامي المقارن المعروفة بموسوعة
جمال عبدالناصر:
وهي اول موسوعة قامت بعرض الفقه الاسلامي بطريقة
موسوعية وفق الاسلوب الابجدي، وقد صدر الجزء الاول منها
عام 1386 ه .ق، وهي الان عشرون مجلدا، ابتداء ب«آبد» في
الجزء الاول وانتهاء ب«اقامة‏» في المجلد العشرون، وعليه فهي
لم تتجاوز حرف الالف الى الوقت الحاضر.

وقد بحثت الموسوعة المادة الفقهية لدى المذاهب الثمانية
المعروفة، وهي المذاهب الاربعة المشهورة لدى الجمهور
بالاضافة للمذهب الامامي والزيدي والاباضي والظاهري.
وبالاضافة للمصطلحات الفقهية فقد ضمنت المصطلحات
الاصولية ولكن بشكل غير موسع.

وتعود البوادر الاولى لفكرة الموسوعة الى عام 1951، اثر
مطالبة بعض الاوساط العلمية من خارج العالم الاسلامي
وعلى وجه التحديد من كلية الحقوق بجماعة باريس في
مؤتمرها الثاني بتاليف لجنة تاخذ على عاتقها افراغ الفقه
الاسلامي في صياغة معجمية على غرار المعاجم والموسوعات
القانونية الحديثة، وقد جاء في تقرير شعبة الحقوق الشرقية
من المجمع الدولي للحقوق المقارنة في مؤتمرها في باريس
عام 1951 باسم «اسبوع الفقه الاسلامي‏»:

«ان اختلاف المذاهب الفقهية الاسلامية في هذه المجموعة
القانونية العظمى ينطوي على ثروة من المفاهيم والمعلومات
ومن الاصول القانونية هي مناط الاعجاب، وبها يتمكن الفقه
الاسلامي ان يستجيب لمطالب الحياة الحديثة والتوفيق بين
حاجاتها».

وفي عام 1956 تحملت كلية الشريعة بجامعة دمشق بفضل
جهود عميدها الدكتور مصطفى السباعي عب‏ء النهوض
بالمشروع، وبعد الوحدة السورية المصرية شاطرها مهام الامر
المجلس الاعلى للشؤون الاسلامي بوزارة الاوقاف بمصر،
فانبثقت منه لجنة الموسوعة من كامل اعضاء لجنة دمشق،
واضيف اليها اعضاء مصريين، وتراس اللجنة الاستاذ الدكتور
محمد معروف الدواليبي، وبعد مراحل عديدة من العمل صدر
الجزء الاول عام 1386.

منهج الموسوعة:
اعتمدت الموسوعة اسلوب العرض المقارن في تعجيم
المعلومات، فيتم بحث المسالة ونقل آراء المذاهب فيها بشكل
مستقل، الامر الذي يستدعي التكرار لمفروض المسالة
وحكمها لدى كل واحد من المذاهب الثمانية.
وقد اعتمدت لجنة الموسوعة بجامعة دمشق الكتب التالية:

1- المجموع للنووي (فقه شافعي).
2- بدائع الكاساني (فقه حنفي).
3- كشاف القناع للبهوتي والانصاف للمردوي (فقه حنبلي).
4- مواهب الجليل على متن الخليل (فقه مالكي).
5- البحر الزاخر للامام المرتضى (فقه زيدي).
6- شرح النيل لمحمد اطفيش (فقه اباضي).
7- جواهر الكلام (فقه امامي).
8- المحلى لابن حزم (فقه ظاهري).

وكانت هذه اللجنة مؤلفة من الدكتور عبدالرحمن الصابوني،
الدكتور احمد مراد، الدكتور محمد فوزي فيض اللّه، الدكتور
محمد اديب صالح، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
وقد قامت هذه اللجنة في مراحل العمل الاولى بتعجيم كتاب
المحلى، وقد تمت فهرسته وطبع في مجلدين عام 1385 ه
1966 م. ومن الاعمال التحضيرية للجنة دمشق «دليل الالفاظ
والمصطلحات الفقهية‏»، وهو من ضرورات العمل الموسوعي
للتسهيل على الباحثين الاهتداء الى مواطن المصطلحات
ومظانها، صدر من هذا الدليل الجزء الاول عام 1391ه 1971م،
وبلغت مصطلحاته‏1179 مصطلحا اولها (آبق) وآخرها (يهودي).

وقفة قصيرة مع الموسوعة:
(1)- لا شك في ان موسوعة الفقه الاسلامي اول تجربة ظهرت في
العالم الاسلامي، بهدف التعريف بهذا العلم واخراجه عن
دوائره الخاصة ليكون في متناول الاوساط العلمية والحقوقية
في العالم اجمع. ومما لا يعلوه غبار الريب فان هذه التجربة قد
آتت ثمارها ورفدت التجارب التي تلتها واكسبتها خبرة اكثر
جعلتها تعالج وتتفادى بعض الامور التي لازمت عمل
الموسوعة. وانا اذ نتابع القراءة بشكل سريع لبعض بحوثها نذكر
طرفا من الملاحظات التي يمكن تسجيلها على عمل
الموسوعة:

1- اعتمدت الموسوعة كما تقدم اسلوب النقل الحرفي من
مصادر الفقة لدى المذاهب الاسلامية مقتصرة في ذلك على
البعض منها، وهذا يعني انها تعكس بالضرورة وجهة نظر
صاحب المصدر الذي تنقل منه وتوضح اجتهاده الخاص،
وحينئذ فلا يمكن تعميم ذلك ونسبته الى المذهب بشكل عام.
ولا اقل من صحة هذا الادعاء وجلائه في دائرة الفقه الامامي
باعتبار انفتاح باب الاجتهاد فيه وتعدد الاراء في القضية
الواحدة في كثير من القضايا ان لم يكن هو الاكثر، وعليه فما
ينقل مثلا من الروضة او المختصر النافع او غيرهما من مصادر
الفقه الامامي لا يمثل الراي السائد لدى المذهب بقدر ما
يمثل راي صاحبه واجتهاده.

واما باقي المذاهب الاسلامية فهي وان كانت لا تعتمد الا فقه
ائمتها وهم محصورون عددا وفتوى، الا ان ذلك لا يعني اتحاد
المنقول عنهم اثباتا بشكل مطرد او عدم وجود التعدد في
فتاواهم حسب تبدل آرائهم ثبوتا.
وظاهر الموسوعة التنبيه على ذلك في الموارد اللازمة
خصوصا في مثل آراء الامام الشافعي في مذهبه القديم
والجديد وابي حنيفة باعتبار اختلاف كتب المذهب الحنفي
في النقل عن امامهم، الا ان اثبات هذا كمنهج عام في
الموسوعة بحاجة الى تتبع وفحص اوسع.

2- ان ما يجسد افكار الموسوعة وبحوثها بحسب الغالب هو
النص الحرفي لكتب الفقه، الامر الذي يمكن القول معه بعدم
تغلب الموسوعة على مشكلة الصياغة والتعبير بشكل كامل
مما يحجم دائرة المخاطب بها ويحصره بمن الف لغة الفقه من
مصادره الاصلية. وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود صياغات
خاصة تستقل بها الموسوعة في بيان مقاصدها الا انه غير كثير
في قبال ما ذكر.

3- نرى ضعفا واضحا في بعض بحوث الموسوعة من حيث
التقسيم الفني لمادة البحث واخضاعها للعناوين الكلية احيانا
او الفرعية في احيان كثيرة. الامر الذي قد يؤدي لارباك
البحث على القارى‏ء بسبب تداخل شقوق المسالة وتعدد
الفرضيات فيها وما يستتبع ذلك من احكام كل واحدة منها.
وكنموذج لذلك ما نلاحظه في بحث (آنية) حيث نرى سردا
مسترسلا يمزج بين اقسامها وانحاء استعمالها واقتنائها ونقلها
واحكام ذلك، ولو اضفنا لذلك تكرار المسالة وفروعها ثماني
مرات بعدد المذاهب الفقهية المستعرضة فان الصورة تكون
اكثر تشويشا وابهاما مما يعوز القارى‏ء الى استئناف عملية
ذهنية او خارجية لترتيب المادة ووضع الفواصل والحدود
بينها، ولعل شطرا من هذه المشكلة يرجع الى اعتماد
الموسوعة اسلوب تكرار الفرضية حسب المذاهب دون اسلوب
عرض الاتجاهات الذي استفادت منه الموسوعة الكويتية
وتفادت به ذلك فان الالتزام بهذا الاسلوب التكراري لا
يسمح للمادة ان تاخذ حظها الطبيعي من التقسيم والتوزيع
الفنيين في الموسوعة، وينتج تضخما في عدد صفحاتها
واجزائها بما يخرجها عن حد الاعتدال.

4- تعرضت الموسوعة في بعض عناوينها الى جهات لا تتصل
بالبحث الفقهي، كما في عنوان (بسملة)، حيث بحث فيها كون
البسملة آية من القرآن او بعض آية، او عنوان (اب) ادرج تحته
حكم اسقاط الاب حق مولاه في الشفعة، فان هذا الحكم لا
يرتبط بالاب من حيث هو اب، بل من حيث هو مولى.

5- من الاصول الضرورية في العمل الموسوعي «تفريق
المجتمعات وتجميع المتفرقات‏» بحسب ما يقتضيه الذوق
العلمي والمهارة في العمل، الا ان الملاحظ عدم تبلور هذا
الاصل بشكل دقيق في بعض مباحث الموسوعة.
ومن امثلة ذلك عنوان «اب‏»، فان طبيعة هذا العنوان وان
كانت تستدعي جمع متفرقاتها باعتبار عدم استقلاليته في
كتب الفقه التقليدي الا انها لا تعني حشد جميع تلك الاحكام
في هذا العنوان وافراغ الكلمات العنوانية الاخرى من البحث،
كما انها لا تعني ايضا في ذات الوقت اخلاء العنوان المبحوث
وهو عنوان «اب‏» في مثالنا عن الاشارة لتلك البحوث.

والصحيح في مثل هذه الحالات الاستفادة من اصل آخر وهو
اصل «الاحالات‏»، ففي مثالنا هذا يشار الى حكم الزكاة او مال
الصغير، ولكن تفصيل البحث الى موطنه فيحال عليه، حتى
يستوفي كل عنوان او مصطلح فقهي حظه المناسب من
البحث.

6- يعتبر اختيار المصطلح الفقهي من ظرائف العمل
الموسوعي في مراحله الاولى، فان هذا الاختيار لابد ان يخضع
لموازين فنية وذوقية دقيقة لترشيحه في قائمة المصطلحات
التي تجسد الهيكل اللفظي للموسوعة او دائرة المعارف. الا انا
نجد تساهلا في هذا الامر كما نرى ذلك في مصطلحات
اثبتتها موسوعة الفقه الاسلامي، فمثلا عنوان «اراقة‏» او «اتباع‏»،
كلمات لم ترق في البحث الفقهي الى حد العنوانية والمشيرية،
اذ ليس لها موضوعية او استقلالية في كلماتهم بحيث تجعل
القارى‏ء يتتبعها لتكون دليله الى بغيته، فكان من المناسب ان
يبحث‏حكم «الاراقة‏» حيث بحث فيها اراقة دم الاضحية او
الخمر تحت عنوان «اضحية‏» و«خمر»، وحكم «الاتباع‏» حيث
بحث فيه الاقتداء والمتابعة في الجماعة تحت عنوان «صلاة
الجماعة‏»، او تحت عنوان «اقتداء»، لمعروفيته في الفقه اكثر
من «الاتباع‏».

7- ورد التعبير ببعض الالفاظ غير المعهودة مثل: آنية
الضمان، ويراد بها ضمان الانية.
8- مزج بعض بحوث الاصول بالبحث الفقهي مثل: اباحة،
اجمال، اجماع، اجزاء ونحوها، والانسب افرادها في ملحق
اصولي مستقل.

9- وملاحظة اخرى فيما يرجع للنقل عن المصادر وتوثيق
المعلومات فقد تعزو الموسوعة المنقول لكتاب مع انه لاخر،
كما نسبت متنا طويلا في بحث (آنية) الى المستمسك،
والحال انه من كتاب العروة الوثقى، ولم يميز الكاتب بين
المتن والشرح، فان الاول شرح للثاني.

(2)- موسوعة الفقه الاسلامي:
وفي مصر ايضا صدرت موسوعة الفقه الاسلامي عن جمعية
الدراسات الاسلامية في وقت مقارب لصدور الجزء الاول من
موسوعة جمال عبدالناصر، وقد قام بتحرير بحوث هذه
الموسوعة جماعة من المتخصصين باشراف الشيخ محمد ابو
زهرة، وقد صدر من هذه الموسوعة مجلدان فقط ثم توقف
العمل فيها، وقد جاء ترتيب بحوثها وفق النظام الالفبائي ابتداء
بمادة «آل‏» وانتهاء بكلمة «اثبات‏». وقد حوت الموسوعة بعض
البحوث الاصولية، كما انها لم تخل من التعرض وربما
باسهاب لبعض الجهات التاريخية للبحث الفقهي، كما في
عنوان «آل‏» او غيره من العناوين.

ويمكن ان يقال : ان هذه الموسوعة جرت على نفس الطريقة
في سابقتها من حيث الاطار العام، مع فوارق بينهما ليس هنا
محل التعرض لها.
واخيرا فان هذه الموسوعة تناولت التراث الفقهي وفقا
للمذاهب الثمانية بما فيها الفقه الامامي. ولا نرى حاجة
للبحث‏حول هذه الموسوعة وخصائصها، لما تقدم من عدم
استمرار مشروعها وتوقفها عن الصدور.

(3)- الموسوعة الفقهية (الكويتية):
بدات هذه الموسوعة اعمالها عام 1967 م برعاية واهتمام
الحكومة الكويتية، واستمر العمل فيها دؤوبا حتى صدر الجزء
الاول منها سنة 1400 ه (1980 م).
وتلاحقت الاجزاءالاخرى بالظهور حتى تجاوزت الثلاثين، ولا
زال العمل فيها متواصلا في مراحله النهائية. وابتدات
الموسوعة بعنوان «ائمة‏».
وقد مر العمل فيها والذي استغرق اربعة عشر عاما قبل
صدورها بمرحلتين رئيستين:

المرحلة التحضيرية، تم فيها وضع الخطة ووضع معجم فقهي
مستخلص من كتاب المغني لابن قدامة، وتدوين خمسين
بحثا، نشر منها ثلاثة بحوث في طبعة تمهيدية تجريبية لتلقي
الملاحظات من الاوساط العلمية وذوي الاختصاص، وقد
انهت هذه المرحلة اعمالها اواخر سنة 1971 بعد خمسة اعوام
متواصلة اعقبتها فترة توقف وتريث لمدة اربعة سنوات ثم
استانف العمل سنة 1975 ببعض الاعمال التحضيرية الاخرى
وحشد الطاقات العلمية من خلال الاتصال بذوي الخبرة
والاختصاص، واستمر الحال حتى عام 1977، وقد تمخضت
عن ذلك كله اختيار تسعة نماذج اخرى من البحوث. وقد
اشرف على العمل في هذه المرحلة الاستاذ مصطفى الزرقا
بعد ان انتدبته الحكومة الكويتية لذلك واربعة من
المساعدين العلميين هم: الدكتور عبد الستار ابو غدة
والدكتور محمد رواس قلعجي، والاستاذ القاضي سعدي ابو
حبيب، والاستاذ بسام اسطواني، بدا العمل فيها على اعقاب
المرحلة الاولى، وذلك اثر صدور قرار وزاري بتاريخ 1/3/1977
يقضي بتشكيل اللجنة العامة لمشروع الموسوعة الفقهية،
وكان ابرز مهام هذه اللجنة حسب ما ورد في مقدمة
الموسوعة امران:

ا - وضع خطة منقحة للكتابة.
ب - الافادة من نتاج المرحلة الاولى وتجاربها.
وتلاحقت الخطوات في العمل تحت اشراف هذه اللجنة حيث
توجت هذه الجهود بصدور باكورة نتاجاتها سنة 1980 م.

واما المصادر المعتمدة لدى الموسوعة في تدوين فقه
المذاهب فهي:
ا - شرح المنهاج وحواشيه (فقه شافعي)، وقد تمت فهرسته
وطبع عام 1400 ه 1980م.
ب - المغني لابن قدامة (فقه حنبلي)، وقد تمت فهرسته
وطبع باسم معجم الفقه الحنبلي عام 1393 ه 1972 م.
ج - حاشية ابن عابدين (فقه حنفي) وقد تمت فهرسته وطبع
عام 1400 ه 1980م.

وبهذا تكون الحصيلة توفر خمسة فهارس (او معاجم)
مطبوعة طبقا لفقه المذاهب الاربعة باضافة المحلى في الفقه
الظاهري الذي وضعته لجنة موسوعة الفقه الاسلامي بدمشق،
كما تقدم.

موضوع الموسوعة.. هدفها.. اسلوبها:
تناولت الموسوعة التراث الفقهي للمذاهب الاسلامية لابناء
العامة لغاية القرن الثالث عشر الهجري، وذلك بصياغة عصرية
واضحة تعتمد الطريقة الالفبائية في عرض المصطلحات
والعناوين الفقهية عرضا مجردا عن سرد تفاصيل المناقشات
والنقوض المذهبية مكتفية بذكر القول وما يحتج به اصحابه
من الادلة. كما انها اقصت المسائل المستحدثة وبحوثها من
صلب الموسوعة من اجل وضعها في ملحق خاص بها، لما
تقدم من ان الاطار الزمني لابحاث الموسوعة هو الفقه خلال
القرون الثلاثة عشر الهجرية لا اكثر.

وثمة ملاحق اخرى اشير اليها في مقدمة الموسوعة هي:
ملحق لتراجم الاعلام الوارد ذكرهم في الموسوعة، ملحق
اصول الفقه وتوابعه، ملحق غريب لغة الفقه، الا ان المطبوع
من مجلداتها خال عن الملاحق سوى ملحق التراجم.
وتهدف الموسوعة من خلال بحوثها «احياء التراث الفقهي
وترشيحه للدراسات الدولية الحقوقية المقارنة، وهو الهدف
التاريخي لبزوع فكرة الموسوعة‏» وايضا «توفير الوقت على
المختصين وغيرهم بالاحرى في التعمق بدراساتهم الشرعية،
ولا سيما في التعليم العالي والقضاء والتشريع‏».

واما الخطة التي اعتمدتها منهجية الموسوعة في العمل فهي
عبارة عن خمس مراحل:
ترتيب الموسوعة، تصنيف المصطلحات، عرض الاتجاهات،
الاسلوب والمراجع، الادلة والتخريج.
والذي يهمنا من هذه المراحل الخمس المرحلة الثالثة، فقد
اختارت الموسوعة لنفسها في مجال العرض اسلوب
«الاتجاهات الفقهية‏» الذي يعتمد استقراء الاتجاهات التي
يمكن ذكرها في المسالة الواحدة ثم يتبع ذلك بذكر القائل به
من المذاهب الاسلامية، وبالطبع فان الراي المشهور يقدم
على سائر الاراء.

كلمة حول الموسوعة:
على الرغم من تفوق الموسوعة الفقهية الكويتية على نظيرتها
المصرية من حيث مستوى العرض والمنهجة والصياغة كما
سنلاحظ ذلك.. الا انها لم تخل من هنات وملاحظات يمكن
ابرازها، وقد يجد المتتبع غير ما نذكره:

1- لم تكن الموسوعة موسوعة للفقه الاسلامي بجميع
مذاهبه واتجاهاته، فقد تحددت مساحة البحث فيها بالتراث
الفقهي للمذاهب الاسلامية الاربعة المعروفة متجاهلة لاءي
سبب كان ما تملكه المذاهب الفقهية الاخرى من رصيد
وتراث فقهي، ونقصد بالتحديد الفقه الامامي على ما يتمتع به
من خزين علمي هائل، ومادة فقهية غزيرة تحمل من عناصر
الاصالة والعمق والشمول مالا يمكن تجاهل نظرياته وآرائه
الغنية. الامر الذي قلل من المستوى العلمي لمحتوى
الموسوعة.. على ان هذا الاقصاء للفقه الامامي خطوة لا
تنسجم والاهداف التي من اجلها كانت الموسوعة كاحياء
التراث الفقهي وترشيحه للدراسات الدولية الحقوقية!
واخيرا، فان كان هذا يعد خسارة فهو خسارة للموسوعة لا
للفقه الامامي.

2- على الرغم من تفوق منهجية الموسوعة الكويتية على
منهجية نظيرتها المصرية من حيث اعتمادها اسلوب عرض
الاتجاهات الفقهية ومن حيث التقسيمات والعناوين الفرعية
في كل بحث.. الا انه قد يلاحظ في بعض التقسيمات
والعناوين الفرعية ضعفا من حيث التداخل او من حيث عدم
الاستيعاب لجميع المادة وتقسيماتها، وهذا ما يظهر للمراجع
لبحوث الموسوعة وتقسيماتها ومقارنتها بالمادة الفقهية في
المصادر الاصلية، وقد جربنا ذلك في بعض بحوث الموسوعة
ومصطلحاتها.

3- حوت الموسوعة بعض البحوث غير الفقهية مثل: بحث
الاجزاء، بحث اتحاد الحكم والسبب وغيرها من البحوث
الاصولية التي مجال بحثها الملحق الاصولي الذي جاء ذكره
في مقدمة الموسوعة، واغرب من ذلك ان اول عنوان في
المجلد الاول من الموسوعة هو عنوان «ائمة‏» الذي ذكرت
تحته اطلاقات هذا العنوان حيث‏يطلق على الفقهاء او ائمة
الحديث او التفسير او الاصول.. مع انه لا علاقة لهذه
الاطلاقات بالبحث الفقهي، ثم ترجع الموسوعة وفي مقام بيان
الحكم الشرعي العنوان «ائمة‏» فتذكر ان المقلد مخير في
اختيار اجتهادات احد الائمة من المذاهب!!
مع ان من الممكن جدا ارجاء هذا الحكم الى مصطلح «تقليد»
مثلا ليتم بحثه مع سائر احكام تلك المادة.

4- تطرقت الموسوعة لبعض العناوين غير المصطلحة في لغة
الفقه والفقهاء كاصطلاح فقهي، مثل عنوان: «اثر» بمعنى ما
يترتب على الشي‏ء في كتب الفقه كل مسالة في بابها او بمعنى
بقية الشي‏ء مثل بقية النجاسة.
ومن الواضح ان المعنى الاول لا اثر فيه للباحث، كما ان
المعنى الثاني لا يقصده المراجع بل يقصد عنوان «نجاسة‏» مثلا.

5- من المفارقات التي يمكن ملاحظتها على الموسوعة
التصريح في مقدمة الموسوعة بوجود مجموعة ملاحق في
الاصول والمسائل المستحدثة وغريب لغة الفقه، الامر الذي لم
يتحقق خلال الاجزاء المطبوعة، اذ ليس فيها الا ملحق
التراجم، واكثر من ذلك وجود الاحالات في بعض الكلمات
العنوانية الاصولية على الملحق الاصولي.

علامات فارقة بين الموسوعتين:
ينفرد كل جهد علمي عما يشاكله من الجهود بعدة مميزات
وفوارق من حيث النقص والكمال.. وهذا ما تمليه الطبيعة
البشرية وقابلياتها.. ومن هنا فان ثمة فوارق في هذا الصدد
يمكن تسجيلها بين الموسوعتين:

1- طبقت الموسوعة الكويتية كما تقدم اسلوب عرض
«الاتجاهات الفقهية‏» في تعجيم المعلومات والبحوث، وهي
طريقة معروفة وناجحة يمكن من خلالها تفادي تكرار الراي
الفقهي مع دليله والقائل به، كما انها توصل القارى‏ء الى
مواضع الخلاف او الوفاق او الراي المشهور فقهيا بسرعة ودقة.
وهذا ما نجد عكسه في الموسوعة المصرية حيث اعتمدت
طريقة عرض المسالة عند كل مذهب من المذاهب الثمانية،
ولا يخفى ما تنطوي عليه هذه الطريقة من التكرار والزيادة.

كما انها لا تغني الباحث عن جهد مستانف لابد ان يقوم به في
مقام كشف الاتجاهات والقائلين بها في المسالة المبحوثة.
ومن مضاعفات ونتائج هذه الطريقة تحميل المذهب الواحد
راي احد فقهائه المنقول عبارته في الموسوعة، كما تقدم
توضيحه.

2- امتازت الموسوعة المصرية بطريقة العرض المقارن للاراء
الفقهية لدى جميع المذاهب حتى غير المشهورة منها، ولذا
فان تسميتها بموسوعة الفقه الاسلامي المقارن امر يتطابق
والغاية التي من اجلها دونت من جهة وبين واقعها ومسماها
من جهة اخرى.. وان كانت قد لا تكون موفقة كثيرا في بلوغ
هذه الغاية.

3- تختلف الموسوعتان في مستوى الصياغة.. فقد التزمت
الموسوعة المصرية في اغلب صياغاتها النص الحرفي والنقل
من كتب المذاهب لبيان الاراء والاحكام، فيما نجد نظيرتها
الكويتية تستقل في صياغاتها الخاصة بها، الامر الذي يمكن
القول معه ان الاخيرة تغلبت على مشكلة التعبير والبيان التي
يواجهها القارى‏ء المثقف عند مراجعة المصادر الام في الفقه.

4- على ضوء النقطة السابقة فان مستوى القارى‏ء والمخاطب
في كل منهما يختلف عن الاخر، بمعنى ان الموسوعة المصرية
اخص نطاقا من حيث القراء والمخاطبين.

5- تعتبر الموسوعة الكويتية اكثر تفوقا من الجهة الفنية،
فمن الامور التي يمكن ملاحظتها على عمل الموسوعة
المصرية اعتمادها طريقة السرد المجرد للمادة من دون
اخضاعها لعناوين جزئية، وربما كلية ايضا، فقد نشاهد تحت
عنوان من العناوين العامة سردا مسهبا لحشد من الفروع
والاحكام كان يمكن انتزاع عناوين عديدة منها ثم توزيعها
والحاق كل فرع بما يناسبه من العناوين.

ولعل هذا الامر ناتج عن الطريقة التي اختارتها الموسوعة في
تناول المادة وعرضها كما اوضحناه في النقطة الاولى
حيث يكتفى باعطاء عنوان عام ثم تدرج تحته آراء المذاهب
واحدا تلو الاخر، الامر الذي لا يمكن معه تجزئة المادة الى
عناوين جزئية اخرى وعطف آراء المذاهب على هذه العناوين
واحدا واحدا، لما يلزم من ذلك من تضخم في حجم الكتاب
وخروجه عن حده الطبيعي.

6- يبدو من بعض البحوث عدم تحري الدقة فيها، مثل ما
وقع في تعريف الاجارة حيث عرفت بانها عقد يفيد تمليك
المنفعة بعوض، ونسب ذلك الى جميع الفقهاء وانه لا خلاف
فيه، مع ان البعض ياخذ في حقيقتها كونها عقدا.
وفي تعريف الانية جاء انها هي الوعاء لغة، ثم قال انه بهذا
المعنى يستعمله الفقهاء في كتب المذاهب.
ومن الواضح ان المعنى الاصطلاحي للانية هو نفس المعنى
العرفي دون المعنى اللغوي، اذ ليس كل ما يوعى فيه فهو انية.
وهذا الاخير وارد على الموسوعة الكويتية في بحث الانية
ايضا.

7- اعتمدت الموسوعة المصرية مصادر متاخرة عن القرن
الثالث عشر الهجري فيما التزمت الموسوعة الكويتية بالوقوف
عليه من حيث الفترة الزمنية، ولذا فقد تنقل الاولى في الفقه
الامامي مثلا من جواهر الكلام او المستمسك او غيرهما مما
هو مؤلف في القرن الرابع عشر.
8- واخيرا فان تراجم الاعلام في ملحق الموسوعة الكويتية
جاء اكثر تفصيلا منه في الموسوعة المصرية.