التلقيح الصناعي

آية اللّه الشيخ محمد اليزدي

ان من جملة المسائل التي تواجه الفقه اليوم باعتباره منهجا
يستوعب الحياة بشتى نواحيها مسالة التلقيح الصناعي
وتوليد الجنين وتربيته بالعلاج لا بالطرق الطبيعية وما يترتب
على ذلك من آثار..والمقال الذي بين يديك قد بحث هذا
الموضوع مفصلا بصوره المختلفة وبين الحكم في نفسه لكل
صورة من حيث الجواز والحرمة وكذلك بعض الاحكام
المتعلقة به سيما النسب..

مما يعد من المسائل المستحدثة حسب مقتضيات الزمان
ومتطلبات العصر توليد الانسان خارج الرحم من غير طريق
الجماع او في الرحم من طريق الزرع او التلقيح.

الاصل في المسالة:
ولابد اولا من تاسيس الاصل حتى يكون مرجعا وملجا عند
الشك في الحكم اذا لم تتم الادلة الاجتهادية من الكتاب
والسنة.

فقد يقال: حيث نعلم من مذاق الشرع المقدس في مختلف
المباحث الراجعة الى الفروج والدماء بل والانساب العناية
الخاصة والمراقبة المخصوصة من غير تسامح وتساهل فيها،
كما يستفاد ذلك من ادلة النكاح والطلاق والعدة وولد
الشبهة والحدود من رعاية جانب الاحتياط، فالاصل في المقام
هو الاحتياط، فان ثبت بالادلة الواضحة حكم الموارد
المبحوث عنها فبها ونعمت، والا فالمرجع الاحتياط لو لم نقل
بعدم الجواز.

هذا، ولكن يقال: ان الاحتياط في كثير من الموارد في خلاف
الاحتياط، وقد قال اللّه تعالى: (قل ءاللّه اذن لكم ام على اللّه
تفترون); فان الحكم بعدم الجواز او منع العباد عن الجائز
المباح استنادا للاحتياط قد يصدق عليه ذلك، فالاصل كما
عن جل الاصحاب ان لم يكن كلهم الاباحة والجواز ما لم
تثبت الحرمة وعدم الجواز، فقد جعل اللّه تعالى عباده في
فسحة وسعة، ولم يجعل عليهم العسر، كما هو واضح.

بيان محل البحث:
ثم الكلام اولا في جواز تهيئة المبادئ والمواد من الرجل
والمراة او من الرجل فقط، فان النطفة تنعقد منهما عند
اتحاد شي‏ء من ماء الرجل يسمى (الحيمن) مع شي‏ء من المراة
يسمى (البويضة)، والاول يوجد في ماء الرجل باعداد غفيرة
تتسابق للورود في قرار مكين مع ما يخرج من الترائب،
وعندها تتشكل النطفة وتتكامل شيئا فشيئا في شرائط خاصة
من الحرارة والحفظ والتغذية مما يساعد على صيرورتها علقة
ومضغة .. وهكذا.

وحيث ان الموجودات الحية الكائنة في ماء الرجل لا تفسد
بسرعة وتبقى مدة تتراوح بين ثماني واربعين الى اثنتين
وسبعين ساعة، فيمكن اخذه من طريق العزل وحفظه بعد
المباشرة الشرعية، او سحبه بالاجهزة الطبية من دون
ارتكاب محرم مثلا وكذلك من المراة، فلا نطيل الكلام في
المقام لتبيين الحلال من الحرام.

ثم بعد تهيؤ المواد يقع الكلام اولا في نفس التركيب خارج
الرحم، وذلك باضافة ومزج كل من المادتين مع الاخرى
ضمن شرائط مساعدة مشابهة لشرائط الرحم; وبذلك يتحقق
الفعل والانفعال من تلك المواد وتركيب بعضها مع بعض،
فتوجد النواة الاولى لحياة الانسان.

او تلقيح الجزء الاول الماخوذ من الرجل في الجزء الثاني
المتولد في الرحم فيه او في رحم آخر، فيتحقق التركيب
هناك، و توجدالنطفة في الرحم وتتكامل.
او حفظ هذا المركب مراعى فيه شرائطه اللازمة الى ايام
قلائل، ثم زرعه في الرحم المناسب، فان تقبله الرحم اخذ
يتدرج في مراحل الحياة ويتكامل الى ان تضعه المراة. وكلما
بقي هذا المركب خارج الرحم اكثر زاد في صعوبة القبول
وسهولة الرد.

وهذا ما يتمكن منه الاطباء عادة عن طريق الاستفادة من
الاجهزة الطبية الحديثة.
ولا اشكال في جواز نفس التركيب خارج الرحم بعد تهيؤ
المواد; فانه لا ينطبق عليه شي‏ء من العناوين المحرمة شرعا،
سواء كانت المواد من الزوجين او من احدهما مع الاجنبي او
من غيرهما، بل ان ذلك ينفع في التحقيقات العلمية لمعرفة
الاسرار والقوانين المستترة في نظام الخلقة، ولمعرفة قدرة
اللّه تعالى.
نعم، الكلام في زرع هذا المركب اي النطفة التي ستصير
انسانا في رحم حتى تربو فيه وتتغذى الى ان يضعها ولدا، او
التلقيح في الرحم، فلابد من تفكيك صور المسالة والكلام في
كل منها.

صور المسالة:
والصور المتصورة في المقام تزيد على عشرة، تحصل من
ضرب صور مبدا اخذ الجزءين في صور محل الزرع وصاحبة
الرحم، زائدا صور تلقيح الجزء الماخوذ من الرجل في الجزء
الماخوذ من المراة خارج الرحم او فيه لا في الخارج، فلنذكر
كلا منها مع حكمها:

الاولى والثانية:
ان يكون ذلك المركب من الزوجين، لكن حيث لا يتحقق
التركيب في الرحم بالمباشرة المحللة لضعف في احدهما او
كليهما من دون نقص في مبدا الحياة الانسانية الموجود في
الماء الخارج من الصلب والترائب يؤخذ منهما ذلك ويركب
في انبوبة الاختبار ثم يزرع في الرحم بعد التركيب في
خارجه فيقبله ويغذيه ويربيه حتى يضعه، ولا اشكال ولا
شبهة في جواز ذلك; فان زرع ذلك المركب لا يصدق عليه
شي‏ء من الحرام من انواع السفاح، ولا افراغ النطفة في رحم
يحرم عليه او اقرارها فيه، ولا ينافي عفة الفرج وحفظ ما بين
الرجلين وغير ذلك مما ورد في روايات الباب:

فعن ابي عبدالله (ع) انه قال: «ان اشد الناس عذابا يوم
القيامة رجل اقر نطفته في رحم يحرم عليه‏».
وعنه (ع) ايضا انه: «اتى النبي اعرابي فقال: يا رسول اللّه
اوصني، فقال: احفظ ما بين رجليك‏».
وعن ابي جعفر(ع) انه قال : «ما من عبادة افضل من عفة بطن
وفرج‏».

نعم، ما يلازم عملية الزرع من النظر واستعمال الاجهزة
الطبية يمكن ان يعد من موارد العلاج الجائز للطبيب، سيما
مع رعاية المماثلة في الجنسية، او لوجود الحلية الشرعية من
ناحية الزارع.
وكذلك تلقيح الجزء الماخوذ من الزوج في الجزء المتولد في
رحم الزوجة فانه ايضا جائز لا اشكال فيه; لما ذكرنا. وهما
والداه وهو ولدهما يترتب عليه وعليهما جميع احكام الولادة
الطاهرة من النسب والارث والمحرمية، وان لم يكن تحصل
الجنين في رحم الزوجة من طريق المباشرة الطبيعية.

الثالثة والرابعة:
اخذ الجزءين من الزوجين وتركيبهما خارج الرحم، ثم زرع
الجنين الحاصل في رحم غير الزوجة باستئجاره، سواء كانت
المراة ذات بعل او كانت‏خلية.

والظاهر جواز ذلك ايضا في هاتين الصورتين; لعدم صدق
شي‏ء من المحرمات في عمليات الاخذ والتركيب والزرع
عليهما; فان زرع ذلك الجنين في رحم المراة ليس بسفاح،
ولا افراغ النطفة والماء في رحم لا يحل له، ولا اقرارها فيه;
فان روايات الباب راجعة الى عملية الوقاع المحرم.

ويكون الولد هناك على ما سنبحث عنه لصاحبي الجزءين،
وهما الزوجان الاولان، دون المراة صاحبة الرحم المزروع فيه
وزوجها اذا كانت ذات بعل، ولا هي وصاحب الجزء الاول
الزوج الاول وذلك:

ان ملاك النسب ليس الا الجنين الحاصل من الجزءين حتى
في الموارد المحرمة; فان ولد الزاني والزانية يعد ولدهما عرفا،
وقد ترتب عليه بعض الاحكام الشرعية مثل النفقة والحضانة
فيما اذا كان الزاني معلوما ونسبته الطبيعية محرزة بان لم
يباشر الزانية غيره، وان كان مسلوب الآثار والاحكام شرعا
مثل الارث، كما هو الحق، وصاحبة الفراش ومعطي النفقة
لايستحقان شيئا من الامومة والابوة الا اذا كانا صاحبي
النطفة، كما ثبت ذلك في العلوم العصرية التجريبية، ويمكن
استفادته من روايات باب العزل وباب العدد وان ذلك تحرز
من اختلاط المياه، وان استبراء الاماء لذلك، وكذلك من
روايات ازمنة الوقاع وتاثيرها في سلامة الولد او عيبه ونقصه،
كما سياتي.

وفي مسالك الافهام للكاظمي (رحمه‏اللّه) في قوله تعالى:
(حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم واخواتكم‏و عماتكم وخالاتكم
وبنات الاخ وبنات الاخت) : «هذا هو التحريم النسبي،
ولاخلاف بين الامة فيه، ويتحقق في العقد الصحيح في نفس
الامر او عند الفاعل او كان لشبهة فانها بحكم الصحيح عندنا،
ولو كان من زنى كالبنت المخلوقة منه فاصحابنا اجمع
على انه كذلك، وبه قال ابو حنيفة; نظرا الى ان حقيقة
البنتية موجودة فيها، فان البنت هي المتكونة من مني الرجل،
وانتفاء بعض الاحكام الشرعية عنها من الميراث وشبهه لا
يوجب نفيها حقيقة، ولظاهر قوله: (ان امهاتهم الا اللائي
ولدنهم)، فجعل الام الوالدة مطلقا، فتكون المتولدة بنتا، بل
تكون حقيقة البنتية والامية والاختية ثابتة فيها وان انتفت
الاحكام الشرعية، وحينئذ فيحرم عليه وعلى من يندرج في
الآية، وبالجملة حكمها حكم البنت عن عقد صحيح في ذلك.

وانكر الشافعي التحريم، وجوز وطاها بالنكاح من الرجل الذي
خلقت من مائه، وهو قول مالك; لانها منتفية عنه شرعا ،
لقوله(ص): «الولد للفراش‏»، وهو يقتضي حصر النسب في
الفراش، والفرض انتفاؤه، فلا يثبت بينهما تحريم. وفيه نظر;
فان انتفاء بعض الاحكام الشرعية لا يوجب عدم صدق البنتية
عليها لغة، ومدار التحريم على الصدق لغة، وهو ثابت كما
عرفت‏». انتهى.

الخامسة والسادسة والسابعة والثامنة:
اخذ الجزء الاول من الرجل وتلقيحه في الجزء الثاني المتولد
في رحم الاجنبية بتحريكه العلاجي، سواء كانت صاحبة الرحم
ذات بعل او خلية، وسواء كان الجزء الاول من الرجل المعلوم
المعين او من غير المعين.
فقد يقال: بان ذلك التلقيح يصدق عليه اقرار النطفة في
رحم يحرم عليه، وينافي عفة الفرج وحفظ ما بين الرجلين،
فهو محرم.

ولكن الدقة في صورة المسالة ترفع الشبهة; فان ذلك التلقيح
لا يكون بافراغ ماء الرجل في رحم المراة، بل بتجزئة الماء
الماخوذ من الرجل وانتخاب الجزء الحي اللائق السالم من بين
الاجزاء الكثيرة، وتطهيره من الجراثيم الملازمة، ثم تلقيحه
في الجزء المتولد في الرحم خارج الرحم، وليس ذلك افراغا
للماء ولا اقرارا للنطفة.

الا ان يقال: بان النطفة تعم جميع اجزاء الماء في الوقاع
وبعضها، والاقرار لا يختص بالطريق الطبيعي، واطلاق «رجل
اقر نطفته في رحم يحرم عليه‏» يشمل ذلك.
فيقال: اولا: انه دون اثبات ذلك خرط القتاد.
وثانيا: ان الرواية راجعة الى باب الزنى المحرم.

واما الولد الحاصل من ذلك اللقاح فحكمه ظاهر مما ذكرنا;
من انه طاهر المولد وابواه صاحبا الجزءين اذا كان الرجل
معلوما معينا، وفي صورة عدم التعين ينسب الى امه فقط
اي المراة التي ربته بين جنبيها وولدته من غير انتساب الى
صاحب الجزء الاول. ولاغرو فانه غير معلوم الاب، لا انه من غير
اب او اب غير شرعي.

التاسعة والعاشرة:
تركيب الجزء الماخوذ من الزوج مع الجزء الماخوذ من المراة
الاجنبية ذات البعل، ثم زرع الجنين الحاصل منهما في رحم
الزوجة.
وكذلك الصورة بحالها والمراة خلية اذا كانت الزوجة عقيما.

الحادية عشرة والثانية عشرة:
تركيب الجزء الماخوذ من الزوجة مع الماخوذ من الرجل
الاجنبي، ثم زرعه في رحم الزوجة اذا كان الزوج عقيما.
وحكم هذه الصور الاربعة حكم الصورتين المذكورتين قبلها;
من الجواز وطهارة المولد وانتساب الولد الى صاحبي الجزءين
او صاحبة الجزء المعين التي هي امه، وتترتب الاحكام
الشرعية حسب ما هو المعلوم من النسب.

الثالثة عشرة والرابعة عشرة:
تركيب الماخوذ من الاجنبيين المعينين وزرعه في رحم ذات
البعل او الخلية.
والحكم فيهما كسابقتيهما من الجواز وانتساب الولد الى
صاحبي الجزءين او الى صاحبة الرحم وصاحب الجزء الاول
المعلوم.

وهناك صور اخرى، مثل: ان يكون المركب من المادتين من
غير تعين صاحب الاجزاء الاصلية بل من الماخوذ من المخازن
الخاصة البنوك الحافظة لها ثم زرعه في رحم، فبعد
الفراغ عن جواز عملية اخذ المواد من الاشخاص وعملية
التركيب في انابيب الاختبار لا اشكال في جواز الزرع; لما
ذكرنا من عدم صدق شي‏ء من المحرمات عليه. والولد حينئذ
يكون لصاحبة الرحم المزروع فيه، وهي امه مع الانتساب
لزوجها اذا كانت ذات بعل وقلنا بان معنى «الولد للفراش‏» ليس
الا نفس الفراش، واما اذا قلنا بان معناه انه لمن حل له ذلك
الفراش والاستمتاع منه كما هو الحق وكمااستفدناه من
الروايات فيرجع الى ان‏الولد لصاحب الماء، فلا وجه للانتساب
لا الى الزوج ولا الى الزوجة، الا ان يقال: انها امه من غير اب
معلوم; لتغذيتها وتربيتها اياه; الحاقا بباب الرضاع. وكيف كان،
فالولادة طاهرة والولد طاهر; لعدم صدق السفاح.

اما اخذ ماء الرجل الاجنبي واراقته في رحم امراة ذات بعل
او خلية من غير التجزئة وانتخاب الجزء المناسب لكي
يتركب الجزءان في الرحم كما في الاراقة بالمباشرة المحللة،
فلابد من الكلام في جوازه وحرمته، ولا يبعد شمول اطلاق
«رجل اقر نطفته في رحم يحرم عليه‏»، ولكن مع ذلك يمكن
ان يقال بانصراف الرواية الى المواقعة المحرمة، وحيث لم
تتحقق ملامسة بين صاحب الماء وصاحبة الرحم فعملية
الاراقة لا يصدق عليها عنوان محرم.

وهناك روايات يمكن الاستناد اليها:
1- محمد بن يعقوب عن علي بن ابراهيم عن ابيه عن عثمان
بن عيسى عن علي بن سالم عن ابي عبداللّه(ع) قال: «ان اشد
الناس عذابا يوم القيامة رجل اقر نطفته في رحم يحرم عليه‏».

2- الاصبهاني عن المنقري قال: سمعت غير واحد من
اصحابنا يروي عن ابي عبداللّه(ع) انه قال: «قال النبي (ص):
لن يعمل ابن آدم عملا اعظم عند اللّه عز وجل من رجل
قتل نبيا اواماما او هدم الكعبة التي جعلها اللّه عزوجل
قبلة لعباده او افرغ ماءه في امراة حراما».

3- عن الطبرسي في الاحتجاج عن ابي عبداللّه(ع) في
حديث: «ان زنديقا قال له: لم حرم اللّه اتيان البهائم؟ قال:
كره ان يضيع الرجل ماءه وياتي غير شكله، ولواباح اللّه ذلك
لربط كل رجل اتانا يركب ظهرها ويغشى فرجها، ويكون في
ذلك فساد كثير، فاباح اللّه ظهورها وحرم عليهم فروجها،
وخلق للرجال النساء ليانسوا ويسكنوا اليهن ويكن موضع
شهواتهم وامهات اولادهم‏».

4- ...قلت لابي عبداللّه(ع) الزنى شر او شرب الخمر؟ وكيف
صار في شرب الخمر ثمانون وفي الزنى مئة؟ فقال: «يا اسحاق،
الحد واحد، ولكن زيد هذا لتضييعه النطفة، ولوضعه اياها في
غير موضعه الذي امره اللّه عز وجل به‏».

5- وعن ابي عبداللّه(ع) قال: «اتى النبي (ص) اعرابي فقال:
يارسول اللّه(ص) اوصني، فقال: احفظ ما بين رجليك‏».

6- .. سمعت ابا جعفر (ع) يقول: «ما من عبادة افضل من عفة
بطن وفرج‏».

7- وفي ذيل رواية : .. قال: «نعم ان لم يحفظ فرجه وبطنه‏».

فمن يستند الى هذه الروايات بعد الاغماض عن اسنادها
الضعاف يتصور ويحتمل شمول اطلاق «تضييع النطفة‏» او
«اقر نطفته في رحم يحرم عليه‏» او «افرغ ماءه في امراة حراما»
للصورة المبحوث عنها، ومنافاتها لحفظ الفرج وما بين
الرجلين حينما تقبل المراة ذلك التلقيح، وكذلك منافاتها لما
دل على لزوم حفظ النسب من الروايات.

ولكن دون اثبات ذلك الاطلاق خرط القتاد; فانها باجمعها
ناظرة الى الزنى المحرم، وعلى اقصى التقادير ناظرة الى توليد
ولد الحرام من النطفة ولو بغير زنى من ملامسة اورثت ذلك
من غير ايلاج مثلا، وليست الصورة المبحوث عنها من ذلك
في شي‏ء، وحرمة مطلق التضييع ترده روايات جواز العزل على
كثرتها مع صحة السند، فراجع.

مسالة النسب:
واما مسالة النسب فهناك احتمالان:
الاحتمال الاول: ان يكون الملاك النطفة فقط; اي الجزءين
من الماءين الخارجين من الصلب والترائب والجنين الحاصل
من تركيبهما.

ويمكن ان يستدل عليه بعدة آيات وروايات:
ا - اما الآيات: فقد قال اللّه تعالى في كتابه:

1- (ايحسب الانسان ان يترك سدى×الم‏يك نطفة من منى
يمنى × ثم كان علقة فخلق فسوى × فجعل منه‏الزوجين الذكر
والا نثى).

2- (هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا
مذكورا × انا خلقنا الانسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه
سميعا بصيرا).

3- (وانه خلق الزوجين الذكر والانثى × من نطفة اذا تمنى).

4- (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين × ثم جعلناه
نطفة في قرار مكين × ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة
مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشاناه
خلقا آخر فتبارك اللّه احسن الخالقين).

5- (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم
يخرجكم طفلا).

6- (فلينظر الانسان مم خلق × خلق من ماء دافق × يخرج
من‏بين‏الصلب والترائب).

7- (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان
ربك قديرا).

وتقريب الاستدلال في الجميع واحد، وهو نسبة خلق الانسان
الى النطفة، بل التصريح بانه منها وان‏النطفة من المني اذا
يمنى، ولعل التقييد بالزمان لتبيين سلامة الاجزاء وقابلية
صيرورتها انساناخلال مدة من الزمان لا من المني مطلقا ،
فيشير الى ما اثبته العلم من امكان بقاء حياة الاجزاء زمانا،
وقد اشرنا اليه اول البحث.

وكيف كان، فاذا كانت النطفة وهي الاجزاء الحية في ماء
الرجل والمراة مبدا خلق الانسان والنواة الاولى لحياته
بحيث يكون ما يورث تكاملها وتحولها منها الى العلقة والمضغة
.. وهكذا بمنزلة الطعام والشراب لبقاء الحياة ورشد الحي في
النبات والحيوان، فالولد الحاصل لاينسب الا الى صاحبي
الجزءين، وهما والداه (الاب والام) في نظام الخلقة والطبيعة،
والشارع رتب على ذلك الاحكام الخاصة من غير جعل تعبدي
في الابوة والبنوة وهكذا الامومة، بل يمكن استفادة ذلك من
اطلاق الام بعد الحمل وقبل الولادة من قوله تعالى: (ووصينا
الانسان بوالديه حملته امه وهنا...)، وقوله تعالى: (ووصينا
الانسان بوالديه احسانا حملته‏ا مه كرها ووضعته كرها ...).

ب - ويؤيد ذلك بل يدل عليه روايات عديدة في ابواب
متفرقة نشير الى بعض منها:
1- عبدالله بن جعفر في (قرب الاسناد) عن السندي بن محمد
عن ابي البختري عن جعفر بن محمد، عن ابيه عن علي (ع):
قال: «جاء رجل الى رسول اللّه (ص)، فقال: كنت اعزل عن
جارية لي فجاءت بولد؟ فقال (ع): ان الوكاء قد ينفلت، فالحق
به الولد».

2- السند نفسه: «ان رجلا اتى علي بن ابي طالب(ع) فقال: ان
امراتي هذه حامل، وهي جارية حدثة، وهي عذراء، وهي
حامل في تسعة اشهر، ولا اعلم الا خيرا وانا شيخ كبير ما
افترعتها وانها لعلى حالها، فقال له علي(ع): نشدتك اللّه هل
كنت تهريق على فرجها، فقال علي(ع): ان لكل فرج ثقبين;
ثقب يدخل فيه ماء الرجل وثقب يخرج منه البول، وان افواه
الرحم تحت الثقب الذي يدخل فيه ماء الرجل، فاذا دخل
الماء في فم واحد من افواه الرحم حملت المراة بولد، واذا
دخل من اثنين حملت باثنين، واذا دخل من ثلاثة حملت
بثلاثة، واذا دخل من اربعة حملت باربعة، وليس هناك غير
ذلك، وقد الحقت بك ولدها، فشق عنها القوابل، فجاءت بغلام
فعاش‏».

3- محمد بن محمد المفيد في (الارشاد) قال: «روى نقلة
الآثار من العامة والخاصة ان امراة نكحها شيخ كبير فحملت،
فزعم الشيخ انه لم يصل اليها وانكر حملها، فالتبس الامر على
عثمان وسال المراة هل افتضك الشيخ وكانت بكرا؟ فقالت:
لا، فقال عثمان: اقيموا الحد عليها، فقال امير المؤمنين(ع):
ان للمراة سمين سم البول وسم المحيض، فلعل الشيخ كان
ينال منها فسال ماؤه في سم المحيض فحملت منه، فاسالوا
الرجل عن ذلك، فسئل، فقال: قد كنت انزل الماء في قبلها
من غير وصول اليها بالافتضاض، فقال امير المؤمنين(ع):
الحمل له، والولد ولده، وارى عقوبته على الانكار له، فصار
عثمان الى قضائه‏».
ويؤيد ذلك ايضا روايات اقل الحمل، وهي كثيرة.

4- باسناده (محمد بن محمد المفيد في الارشاد) عن احمد
بن محمد، عن علي بن حديد، عن جميل بن صالح، عن بعض
اصحابنا، عن احدهما(ع): في المراة تزوج في عدتها؟ قال:
«يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما جميعا، وان جاءت بولد
لستة اشهر او اكثر فهو للاخير، وان جاءت بولد لاقل‏من ستة
اشهر فهو للاول‏».
وروى محمد بن علي بن الحسين باسناده عن جميل بن دراج
نحوه.
ويؤيد ذلك ايضا روايات باب العدة.

5- محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن
محمد، عن علي ابن الحكم، عن العلاء، عن محمد بن مسلم،
عن احدهما(ع) قال: «العدة من الماء».
وكذلك روايات عديدة عن ابي عبد اللّه (ع) في ان المطلقة
قبل الدخول لا عدة عليها، منها:

6- عن ابي العباس الرزاز، عن ايوب بن نوح، وعن حميد بن
زياد، عن ابن سماعة جميعا عن صفوان، عن ابن مسكان،
عن ابي بصير، عن ابي عبداللّه (ع) قال: «اذا طلق الرجل
امراته قبل ان يدخل بها فليس عليها عدة، تزوج من ساعتها
ان شاءت‏».

7- محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن
ابي عمير عن حماد بن عثمان عن ابي عبداللّه(ع) قال: « سالته
عن التي قد يئست من المحيض والتي لا يحيض مثلها، قال:
ليس عليها عدة‏».
وتقريب الاستدلال في ذلك كله ظاهر من نسبة الولد الى
الماء والحاقه بصاحب الماء، ومعلوم ان ذلك لما فيه النطفة،
فالوالد صاحب الماء والنطفة دون غيره.

الاحتمال الثاني: ان الملاك في النسب لا ينحصر بالنطفة
وصاحبها، بل يمكن ان ينتسب الى غيرها ايضا، ويستدل عليه
بآيات ايضا:
1- قال تعالى: (الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن
امهاتهم ان امهاتهم الا اللائي ولدنهم وانهم ليقولون منكرامن
القول وزورا وان اللّه لعفو غفور).

وتقريب الاستدلال ظاهر; فان صراحة الآية تدل على ان الام
هي التي تلد الولد، سواء كانت النطفة منها ومن زوجها او لا،
واطلاق ذلك يشمل جميع الصور التي ذكرناها من قبل. ولكن
الحق ان مقدمات الاطلاق غير تامة بالنسبة الى ما نحن فيه،
والمقام بصدد نفي الامومة عن النساء اللاتي يظاهرونهن، لا
في مقام الاثبات حتى يكون مطلقا.

2- وقال تعالى: (يخلقكم في بطون امهاتكم خلقا من بعد
خلق في ظلمات ثلاث ذالكم اللّه ر بكم له الملك لا اله‏الاهو
فانى تصرفون).
وتقريب الاستدلال: ان الخلق بعد الخلق ظاهر في ايجاد
جديد من مواد اخر اضافة الى المادة الاولية : النطفة والجنين،
وعندئذ فلا تنحصر النسبة والنسب بالنطفة والجنين، بل
يمكن الانتساب الى سائر المواد التي هياتها اجهزة صاحبة
الرحم وانفق عليها زوجها.

ولعله يشير اليها قوله تعالى: (اللّه يعلم ما تحمل كل انثى وما
تغيض الارحام وما تزداد وكل شي‏ء عنده بمقدار); فان تغيض
الارحام بافساد الجنين وبلعه او بالنقص والزيادة فيه او في
مدة الحمل ليس الا الخلق بعد الخلق، وهو عنده تعالى بمقدار،
وهذه الزيادة الحاصلة في جنين واحد او متعدد تعود الى
مواد اخر من ناحية صاحبة الرحم، فلا تنحصر النسبة بالنطفة.

ويؤيد ذلك روايات باب الرضاع من تاثير اللبن في الامومة
والابوة بل النسب مطلقا، بل تاثير فحل المرضعة ونفقته عليها
وتاثير اخلاقها ودينها، وانه لابد من انتخاب المسلمة الحسنة
الخلق وان لا تكون بشعة او يهودية، نشير الى شطر منها:

1- محمد بن علي بن الحسين باسناده عن الحسن بن
محبوب، عن هشام ابن سالم، عن بريد العجلي، عن ابي
جعفر(ع) في حديث: «ان رسول اللّه(ص) قال: يحرم من
الرضاع ما يحرم من النسب‏». وفي آخر: عن ابي عبداللّه(ع).
2- محمد بن يعقوب، عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن
ابي نجران، عن عبداللّه بن سنان، عن ابي عبداللّه(ع) قال:
سمعته يقول: «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة‏»، الى غير
ذلك من الروايات.

فان القرابة هي النسب، والحرمة الحاصلة من الرضاع بالحاقه
بالنسب يرجع الى تنزيل المرضعة منزلة الام وصاحب اللبن
منزلة الاب، وهذا يعني ان اللبن يؤثر في تحقق الابوة
والامومة، ومن المعلوم ان‏ذلك ليس باعتبار جعلي شرعي، بل
الحكم على الموضوع الخارجي ورعاية التاثير والتاثر، سيما
مع ملاحظة التعداد والعدد برضاع يوم وليلة، او خمس عشرة
رضعة متتالية، او ما انبت اللحم وشدالعظم، وقيد تروي
الرضيع من ثدييها، وتركه الثدي بنفسه في كل رضعة، وانه
لا رضاع بعد الفطام، واشتراط اتحاد الفحل وان اختلفت
المرضعة، وامثال ذلك.

وعلى ما ذكرنا واشرنا اليه في بعض الموارد فالمولود الحاصل
في جميع الصور المذكورة طيب طاهر المولد، وصاحبا
الجزءين ابواه، له ما لكل انسان وعليه ما عليهم، سواء كان
صاحبا الجزءين الاولين الاصليين او احدهما معلوما مشخصا او
غير معلوم، فان غاية الامر انه انسان غير معلوم الاب او الام لا
انه من غير اب وام، ولا غرو فليس كل من لا اب معلوما له غير
طاهر، بل قد يكون معلوم الاب غير طاهر; كما اذا زنى بامراة
وحملت منه من غير مباشرتها مع غيره.

واما المراة التي ربته في رحمها من غير سهم لها في اصله
وولدته، فان ارضعته بشرائط الرضاع فهي امه الرضاعية، والا
فالاحوط ايضا حرمتها عليه وان لم تكن اما; لما اعطته
باجهزتها الجسمية ما تغذى به، فتبدل بها من النطفة الى
العلقة والمضغة حتى استعد لقبول المنشا الآخر; اي الروح
من امر اللّه تعالى.

واما ما تصوره الامام الراحل (رحمه اللّه تعالى) في تحريره
من اتخاذ النطفة من الثمار والفواكه وتلقيحها في رحم المراة
فهو مما لا يمكن تحققه ولم يتحقق الى الآن; فان الحياة في
الاجزاء الموجودة في ماء الرجل مما اعطاها اللّه تعالى لها
ولكل حي، وصرف تجمع الاجزاء المادية بمقادير معينة لا
يوجب تحقق الحياة حتى في حبة ونملة وبقة، بل وكل شي‏ء
حي من نبات وحيوان وانسان لا يوجد الا بالزواج او اللقاح،
قال تعالى: (و هو الذي مد الارض وجعل فيها رواسي وانهارا
ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين‏اثنين).

وقال تعالى: (وارسلنا الرياح لواقح).
وقال تعالى: (ومن كل شي‏ء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون).

وقال تعالى: (يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين
تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان
يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب
والمطلوب × ما قدروا اللّه حق قدره ان اللّه لقوي عزيز).

فان فرخ الدجاج الصناعي لا يوجد الا من بيضة كانت لها
نطفة، لا كل بيضة جعلت في حرارة خاصة وشرائط مخصوصة
تتبدل الى الفرخ، وقد جعل اللّه لكل شي‏ء قدرا.

وقال تعالى: (وان من شي‏ء الا عندنا خزائنه وما ننزله الا بقدر
معلوم) الى قوله تعالى: (وانا لنحن نحيي ونميت‏ونحن
الوارثون)

والحمد للّه اولا وآخرا