صفحه قبل

تارة يراد بجهالة الاجل، عدم علم الطرفين او احدهما به مع تعينه في الواقع، كما لو نسيا المدة مثلا او كتباه في كتاب ثم ضاع الكتاب. ولا شك في ان مثل هذه الجهالة لا ترتفع بجعل الخيار للامام; اذ عدم علم الطرف الآخر على الاقل‏بالاجل باق بحاله مع ذلك . وكما اوكل صاحب الجواهر رحمه الله الامر في ذلك الى وضوحه فهو واضح لا يحتاج الى الاستدلال.

واخرى يراد بها الجهالة بمعنى عدم تعينه راسا من اول الامر، وهذه الجهالة هي الجهالة في مقام الثبوت ونفس الامر.

فالمدة المجهولة على هذا المعنى هي التي لم تعين من قبل المتعاملين، مع ذكر عنوان المدة وجعل المعاملة مقيدة بها، كما لو قالت في المتعة مثلا: زوجتك نفسي الى مدة، ففي موارد الجهالة بهذا المعنى لا شك في ان جعل الخيار لاحد الطرفين او لكليهما يوجب ارتفاع الجهالة بذاك المعنى; لان المدة تعينت في الواقع ونفس الامر وان لم تتعين في علم المتعاملين.

هذا هو الفرق الموضوعي بين النوعين من الجهالة، ثم بعد ما اتضح ذلك فلا بد من نقل الكلام الى ان الجهالة التي افتى العلماء في جميع ابواب الفقه بكونها لا تلائم جعل الاجل -في كل ما اشترط فيه الاجل وان الاجل لا بد وان يكون معلوما دائما، اريد بها اي النوعين من الجهالة؟

لا ينبغي التامل في ان الجهالة بالمعنى الثاني تضر دائما في كل عقد اشترط فيه الاجل، بمعنى ان الاجل في اي باب من ابواب الفقه لا يحتمل مثلها، والسر في ذلك ان الجهالة بهذا المعنى تنافي معنى الاجل وحقيقته; اذ الاجل. عبارة عن نهاية المدة، فكل شي‏ء لم يعين له نهاية فليس يصدق عليه ان له الاجل، مثال ذلك: الاجل في باب القرض والمتعة والنسيئة والسلم وغير ذلك، فلو كانت النهاية معينة بتعيين من قبل من له التعيين في المدة الماخوذة في العقد، فذلك هو الاجل، ولو فرض كونها مجهولة لدى بعض اطراف القضية او جميعها.

واما اذا فرض عدم تعيينها واقعا من قبل من له تعيين ذلك، فهذا لا يصدق عليه الاجل، وهذا هو سر ما عرفت‏سابقا من الشهيد الثاني وصاحب الجواهر» من ان كل اجل اشتمل عليه عقد فانه لا بد وان يكون معلوما.

فحاصل الكلام: ان الجهالة بالمعنى الثاني تضر دائما في جميع العقود التي اخذ فيها اجل، وهي الجهالة النفس الامرية، اعني بقاء الامد مجهولا في الواقع وعدم تعيينه من ناحية من له حق التعيين. واما الجهالة بالمعنى الاول اعني عدم علم احد الطرفين او كليهما بالامد مع تعيينه واقعا، فتلك وان كانت تضرفي بعض العقود كالمتعة وغيرها -وذلك ان ما يكون بدليل خاص في كل‏مورد الا انه لا دليل على كونها مضرة في جميع العقود; اذ لا دليل على مانعى ة الجهالة في العقود كلها.

ولو شككنا في مورد خاص في انه هل تضر الجهالة فيه بصحة العقد، فمقتضى القاعدة هو عدم اخلال الجهالة بهذا المعنى في العقد، على ما هو المقرر في محله في حكم الشك في الشرطية والجزئية والمانعية للعقود.

وفيما نحن فيه، اي في باب الهدنة لا ينبغي التامل في ان مجهولية المدة بالمعنى الثاني، اي بقائها مجهولة في العقد وعدم تعيينها راسا مضر في صحة العقد; لما اوضحناه آنفا، بخلاف المجهولية بالمعنى الاول، اي جهالة الطرفين او احدهما بها بعد تعيينها واقعا.

وحينئذ نقول: تعليق الهدنة وتاجيلها الى ان يشاء الامام، يرفع الجهالة بالمعنى الثاني، فالاقرب صحة العقد المؤجل به، وبيان رفع الجهالة به قد سبق فلا نكرر، والله العالم.

5 هل يجوز ان يشترط في عقد الهدنة خيار النقض ام لا؟ وهذا وان كان احد جزئيات مسالة الشرط في المهادنة التي سنوافي الكلام فيها الا انه لما كان له نوع صلة بمسالة المدة وقد تعرض له العلماء في هذه المسالة، رجحنا بيانه هنا.

ومحل الكلام فيه لا يختص بما اذا كانت المدة معلومة كما ادعاه في الجواهر، بل يجري ايضا فيما كانت المدة فيه مجهولة;فان نفس تعيين اختيار الامام للنقض امدا للهدنة، تكون بمنزلة تعيين المدة لها وترتفع بذلك الجهالة المضرة في الاجل، كما بينا ذلك آنفا.

والظاهر جواز ذلك في الجملة; لعموم ادلة الشروط، وعدم مانع منه.

وقد نسب المنع عنه الى بعض العامة، مستدلا بانها عقد لازم فلا يجوز اشتراط نقضه، والجواب ان العقد لو كان جائزا لم يكن نقضه محتاجا الى الاشتراط في العقد، بل يجوز نقضه بدون الاشتراط، فنفس تعليق جواز النقض باشتراطه حين العقد من امارات لزومه ومن لوازمه، مضافا الى ان‏العقود اللازمة كالبيع وغيره ايضا جعل فيها الخيار، وهذا ايضا نوع من الخيار كما قاله العلامة‏رحمه‏الله.

ثم ان القدر المتيقن من جواز ذلك، هو فيما جعل خيار النقض للامام اي للطرف المسلم وقد استدل له العلامة‏رحمه‏الله في المنتهى بان فيه المصلحة فيجوز. وقد ذكرنا آنفا ان الجواز مقتضى عموم ادلة الشروط مع عدم ورود رادع عنه، وقد نقل في ذلك حديث، وهو ما رواه في السنن الكبرى: «لما فتح خيبر عنوة بقي حصن فصالحوه على ان يقرهم ما اقرهم الله، فقال لهم: نقركم ما شئنا».

اما بالنسبة الى اشتراط النقض لمن شاء من الطرفين فقد منع ذلك العلامة‏رحمه‏الله في المنتهى بدعوى ان ذلك يفضي الى ضد المقصود. ولكن في الجواهر استنكر ذلك مدعيا ان فيه منعا واضحا; ضرورة اقتضاء العمومات الجواز، فيفي لهم ما داموا على العهد.

اقول : وضوح منع كلام العلامة‏رحمه‏الله في محله ان كان مراده من الافضاء الى ضد المقصود ان مثل هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد; وذلك لان هذا المقدار من المخالفة لمقتضى العقد لا يدخل الشرط في عداد الشروط الممنوعة، كما في اشتراط الخيار من الطرفين في البيع.

واما ان كان مراد العلامة‏رحمه‏الله ان مثل هذا الاشتراط يخرج عقد الهدنة من عنوان كونه ذا مصلحة، فيوجب فساده من هذه الجهة، فله وجه.

بيان ذلك: ان الاقدام بقبول الهدنة من قبل امام المسلمين لا بد وان يكون في مورد يحتاج المسلمون الى اختتام لحرب والحصول على الصلح والهدوء، اما من جهة ضعفهم عن المقاومة، او استلزام الحرب خسائر كبيرة تنافي مصلحة المسلمين، او غير ذلك من المصالح التي اشرنا اليها في اول البحث. فلو فرض ان عقد الهدنة يقترن بما يهدد حالة الصلح ويجعله عرضة للانتقاض في كل زمان، فاي مصلحة فيه يعتمد عليها في المبادرة اليه؟ فنفس اشتراط مثل هذا الشرط ينافي وجود المصلحة في عقد الهدنة، الذي هو شرط في صحته. وما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله في مقام التخلص عن هذا الاشكال من ان‏ولي امر المسلمين يفي للكفار ما داموا على العهد، لا ينهض لذلك; اذ المفروض ان نفس العود الى حالة الحرب مخالف لمصلحة المسلمين، فمقابلة المسلمين للكفار في حال عدم الوفاء وعودهم الى الحرب لا تكفي في حفظ المصلحة التي روعيت في الاقدام بعقد الهدنة.

هذا مضافا الى ان مثل هذا الشرط يجعل المسلمين في حالة الانفعال وترصد الخطر، ويجعل الكفار في حالة المبادرة والتسلط، وعليه فلا يبعد التمسك لعدم جواز هذا الشرط بامثال قوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا). هذا كله فيما لو كانت المصلحة التي لوحظت في عقد الهدنة، من قبيل ضعف المسلمين وامثاله، مما يرجع الى كون الحرب خلاف المصلحة لهم، واما في غير ذلك من المصالح المفروضة مثل حسن السمعة في الاوساط العالمية، او اتمام الحجة على الكفار الاعداء، او فسح المجال للكفار رجاء ميلهم الى الاسلام وما الى ذلك من المصالح، فجعل هذا الشرط، غير مفض الى ضد المقصود، فلا يتاتى ما ذكرناه في توجيه كلام العلامة‏رحمه‏الله.

فحاصل الكلام: ان اشتراط نقض الهدنة لمن شاء من الطرفين لا يجوز فيما ينجر الى ضد المقصود وخلاف مصلحة المسلمين كما ذكرنا ولا يشمله حينئذ عموم ادلة الشروط في المعاملات، واولى منه في عدم الجواز ما لو اشترط نقض الهدنة للكافر دون ولي امر المسلمين.

واما اذا لم ينجر الشرط الى ذلك كالامثلة التي ذكرناها اخيرا فيجوز في الموردين، وان كان اشكال تسلط الكافرين على المؤمنين باق بحاله، في بعض الفروض فلا يجوز فيها، والله العالم.

الامر الرابع : في الشروط التي تذكر في عقد الهدنة ويلزم بها بعض المهادنين البعض :

ولا اشكال في جوازها والزامها; لادلة وجوب الوفاء بالشروط، وعدم فرق بين الهدنة وغيرها من العقود المشترطة بالشروط، ولا خلاف في ذلك في الجملة على ما في المنتهى والجواهر.

وقد استثنى من ذلك شرط الافعال المحرمة، وهذا ايضا مما لا كلام فيه كما في سائر العقود، والدليل عليه الاخبار المعتبرة الدالة على عدم جواز كل شرط خالف كتاب الله، ولا باس بذكر جملة منها.

فمنها: صحيحة ابن سنان عن ابي عبدالله(ع)، قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله عز وجل‏».

ولا ينبغي الشك في ان احكام الشريعة كلها داخلة في عنوان كتاب الله وان ثبتت بالسنة، اما من جهة قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) فالاخذ بقول الرسول واوصيائه المعصومين(عليهم سلام الملك الحق المبين) اخذ بما ورد في الكتاب ولو اجمالا، واما من جهة ان المراد بكتاب الله ما كتبه الله تعالى على الناس، لا خصوص ما هو مكتوب في القرآن.

ومنها: صحيحته الاخرى عن ابي‏عبدالله(ع)قال: «المسلمون عند شروطهم الا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز». والمراد من عدم الجواز في الحديثين عدم المضي والنفوذ، كما هو واضح.

ومنها: صحيحته الثالثة، قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن الشرط في الاماء لا تباع ولا توهب، قال: «يجوز ذلك غير الميراث، فانها تورث; لان كل شرط خالف الكتاب باطل‏».

ومنها: رواية الحلبي عن ابي عبدالله(ع) في رجلين اشتركا في مال وربحا فيه ربحا وكان المال دينا عليهما، فقال احدهما لصاحبه: اعطني راس المال

والربح لك وما توى فعليك ، فقال(ع): «لا باس به اذا اشترط عليه، وان كان شرطا يخالف كتاب الله عز وجل فهو رد الى كتاب الله عز وجل‏» الحديث. وعلي بن حديد في سند هذه الرواية ممن روى عنهم ابن ابي عمير كما انه من رواة اسانيد ابن قولويه في كامل الزيارات، فهو ممن يعتمد عليه لولا ما هو المعروف من تضعيف الشيخ رحمه الله اياه في غير موضع من الاستبصار والتهذيب، ولكن المضمون ليس مما انفرد به هذا الراوي ولا يعارضه شي‏ء مما ورد من الطرق المعتبرة، فالاخذ بقوله غير محظور.

وغير ذلك من الاخبار المنتشرة في الابواب المتفرقة، وقد عمل بمضمونها الفقهاء في المعاملات وغيرها، وافتوا بها في عقد البيع وغيره، وليس فيها ما يصرفها عن مثل عقد الهدنة، وقد ذكروا تفاصيل في بيان معنى الامر المخالف للكتاب، فليراجع اليها في بحث الشروط من كتاب التجارة.

الا ان الفقهاءرحمه الله تعرضوا في هذا الباب لاحدى صغريات تلك المسالة بالخصوص، وهي شرط رد النسوة المؤمنات الى الكفار، وافتوا ببطلان هذا الشرط وفساده. قال في المبسوط: «واذا وقعت الهدنة على وضع الحرب وكف البعض عن البعض، فجاءتنا امراة منهم مسلمة مهاجرة لا يجوز ردها بحال، سواء كان شرط ردها او لم يشرط، وسواء كان لها رهط وعشيرة ام لم يكن; لان رهطها وعشيرتها لا يمنعونها من التزويج بالكافر، وذلك غير جائز... الى آخر كلامه‏». وقال المحقق -بعد التمثيل لما لا يجب وفاؤه من الشرط في الهدنة بالتظاهر بالمناكير واعادة من يهاجر من النساء: «فلو هاجرت وتحقق اسلامها لم تعد»، انتهى. ومثلهما في التصريح بالحكم بغير خلاف في ذلك العلامة‏رحمه‏الله وكذا شراح كتبه وكتب المحقق من المتاخرين‏رحمه الله.

والمستند في ذلك الآية الشريفة: (يا ايها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات‏فامتحنوهن الله اعلم بايمانهن فان علمتموهن مومنات فلا ترجعوهن الى الكفار ... الآية)، وقد نزلت كما في التفسير بعد الحديبية وعندما لجات الى المسلمين نفر من نساء المشركين، وطلبهن اهلهن، فامتنع رسول الله(ص) من درهن.

الا ان في بعض الروايات وكلها عامية السند انه(ص) استدل لذلك بانهن غير مذكورات في عهد الصلح بخلاف الرجال، مما يوهم انه لو كن مذكورات لوجب ردهن، ولكن صريح الآية يدفع هذا التوهم، كما يدفع اطلاقها بعض ما قيل في فروع المسالة، مثل: ان جاءت صغيرة ثم بعد بلوغها لم تقم على الاسلام ردت. او جاءت مجنونة فلما افاقت فان ذكرت انها مسلمة اعطى المهر ومنع منها، وان ذكرت انها لم تزل كافرة ردت اليه كما ذكر الفرعين في المنتهى فان اطلاق الآية يشمل الصغيرة والمجنونة، اذا احرز ايمانهما حين مجيئهما.

وملخص الكلام في باب الصغيرة، ان غير البالغ الذي يظهر الاسلام ويقربالشهادتين، يبنى على كونه مسلما في الفقه; وذلك للعمومات الدالة على كفاية الشهادتين في الحكم باسلام الشخص واجراء احكام المسلم عليه. ومن المعلوم ان المراد بالمؤمنات في الآية الشريفة ليس الا اللاتي يطلق عليهن المسلمة، دون ذوات الايمان بالمعنى الاخص. كما ان الظاهر ان المراد بامتحانهن في قوله تعالى: (فامتحنوهن) ليس هو الامتحان في المدة الطويلة التي يظهر فيها الايمان الواقعي عن الصوري، بل المراد هو السؤال عن الداعي الذي جاء بهن الى دار الهجرة وطلب الشهادتين منهن وامثال ذلك، مما يحصل منه الوثوق العادي باسلام الشخص. كما ان مقتضى الحديث المعروف: «كل‏مولود يولد على الفطرة ... الخ‏» عدم الحكم بكفر غير البالغة لا سى ما بعد اظهارها الايمان واقرارها بالشهادتين. وبناء على ذلك فلا يبقى مجال للشك‏في صدق المؤمنة على الصغيرة وشمول اطلاق (المؤمنات) في الآية الشريفة لها. فيمكن الجزم بعدم رد الصغيرة. واما لو فرض اظهارها الكفر بعد بلوغها فهذا يوجب اجراء احكام المرتدة عليها، على اشكال في ذلك.

واما المجنونة: فاما ان يعلم سبق اسلامها على الجنون، فهذه يشملها اطلاق الآية ولا يجوز ردها الى الكفار، ولا وجه للخدشة في صدق الهجرة على مجيئها هكذا مجنونة، مدعيا ان النبي(ص) كان يسال عن الداعي القلبي للمهاجرات، ويحذرهن ان يكون مجيئهن الى دار الاسلام بغضا لازواجهن او حبا لاحد المسلمين او امثال ذلك، وانما كان يقبلهن حينما يظهر له ان الداعي لهن الى الهجرة حبهن لله ورسوله(ص). فالهجرة امر متوقف على نية ومعرفة في هذا المستوى، فكيف تتمشى من مجنونة؟

وجه عدم توجه هذه الخدشة على فرض تسلم ما نقل من فعل النبي(ص) تاريخيا اولا: ان سؤال النبي(ص) واختباره النساء، دليل على ان المجي‏ء الى دار الاسلام بدواع‏مادية كالتي ذكرت في ذلك النقل ليس هجرة، ولا يدل‏على ان الهجرة تتوقف على وجود دافع وداع اكثر من الاسلام والنجاة من الكفار، وهما موجودان في المجنونة. وثانيا: ان الذي ذكر في ذاك النقل بعنوان ما يصدق معه الهجرة، اعني الحب لله ولرسوله، يتمشى من المجنونة ايضا، فالحب ليس من الامور المتوقفة على كمال العقل، كما ان بواعث الحب‏لله ولرسوله ليست منحصرة فيما تتوق ف على الاستدلال العقلاني.

واما ان علم عدم سبق اسلامها، بان كان بدء جنونها في حالة الكفر، فصدق الاسلام على ما تبدي من اللجوء الى المسلمين والقبول لهم محل اشكال، كما ان عدم ثبوت الاسلام الصحيح في التي لا نعلم بسبق اسلامها لجنونها، امر واضح. فلا يمكن الحكم باسلام المجنونة في الصورتين الاخيرتين.

هذا، ولكن اهتمام الشريعة الاسلامية بالمؤمنين، وعدم رضى الشارع المقدس بتعريض المؤمن للفتنة والانحراف، المستفاد ذلك من مجموعة من النصوص والاحكام الاسلامية، يثير احتمالا آخر في تلكما الصورتين ايضا، وهو: عدم رد المجنونة فيهما والترصد لبرئها من الجنون وما سوف تبدي بالنسبة الى الاسلام والكفر بعده، والعمل على وفقه. ولا شك في ان هذا اسكن للنفس واقرب الى الاحتياط، والله العالم.

ثم انه يجب رد مهر المراة الى زوجها او وكيله بشرط مطالبته به. والظاهر ان‏الحكم مت فق عليه بين من تعرض للمسالة من فقهائنا. وقد نقل الخلاف في ذلك عن ابي حنيفة والمزني، مستدلا بان المهر ليس عوض البضع الفائت عن الزوج حتى يلزم دفعه.

وعمدة الاستدلال على الحكم هو التمسك بقوله تعالى في ذيل الآية السابقة: (وآتوهم ما انفقوا). وهذا وان كان عاما بالنسبة لجميع ما انفقه الزوج على زوجته، الا ان المتفق عليه تفسيره بالمهر. ولم اجد من افتى بوجوب رد غير المهر مما انفقه الرجل على زوجته. وهذا بضميمة عدم وجود نص فيما بايدينا من الاخبار على هذا التفسير، يشبه نوع اجماع من العلماء على ذلك مما لا يجترئ فقيه على مخالفته، حتى ان بعض الاعاظم من معاصرينا; -مع كونه غير معتن بالشهرة الفتوائية ومع عدم اعترافه بانجبار الحديث الضعيف بعمل الاصحاب لم يفت في المسالة بوجوب رد جميع ما انفقه الزوج على امراته المهاجرة المسلمة. قال بعد الفتوى بعدم جواز ارجاع النساء المؤمنات الى دار الكفر: «نعم، يجب اعطاء ازواجهن ما انفقوا من المهور عليهن‏» انتهى، وعبارته تشعر باستناده الى الآية الشريفة: (وآتوهم ما انفقوا ...الآية). ولكن مع اطلاق الآية وعدم قرينة في الكلام تدل‏على صرفه الى خصوص المهر، خص الحكم بالمهور، وليس هذا الا من جهة فتوى العلماء بذلك.

اللهم الا ان يقال: ان مناسبة الحكم والموضوع موجبة لصرف ظهور رد الانفاق في الآية الى انفاق ما كان واقعا في قبال الزوجية، المنعدمة والمنقطعة بسبب الهجرة، دون سائر ما انفقه الزوج على زوجته كالنفقة والكسوة والهدايا وامثال ذلك، وليس ببعيد.

ومثل هذا الاتفاق وقع ايضا بالنسبة الى اختصاص الحكم اعني وجوب رد ما انفق على المراة المهاجرة بالزوج، دون غيره من رجالها، كابيها واخوتها، ولعل هذا مما يمكن استفادته من الآية الشريفة ايضا، حيث ان الظاهر ان‏مرجع الضمير امر واحد في كل من قوله تعالى: (وآتوهم ما انفقوا) وقوله تعالى قبل ذلك: (لا هن حل لهم ولاهم‏يحلون لهن)، بمعنى ان الذي يستحق ما انفق، هو نفس الذي قيل فيه انه لا يحل لتلك المراة ولا هي تحل‏له، وهو الزوج، اذ لا معنى لبيان حرمة محارم المراة لها مع ان هم كانوا قبل اسلامها ايضا محارم، فيختص الحكم بالحرمة بالزوج، الذي كان حلالا لها قبل اسلامها وهجرتها.

ثم ان رد المهر على الزوج، يختص بما اذا كان الزوج قد دفعه الى زوجته، وكان ذا قيمة في الشريعة الاسلامية، واما اذا لم يدفعه او كان مما ليس له قيمة كالخمر والخنزير، فليس على المسلمين شي‏ء في ذلك، صرح بذلك الفقهاء ووجهه واضح; اذ ما لم ينفق لا يتعلق به حكم الرد، قال تعالى: (وآتوهم ما انفقوا).

ثم ان المهر في موارد وجوب دفعه، يدفع من بيت المال، هكذا ذكر الفقهاء في كتبهم، مستدلا بان بيت المال معد للمصالح، وهذا من المصالح.

هذا كله بالنسبة الى النساء. واما بالنسبة الى الرجال، فحكم جواز اشتراط عقد الهدنة بردهم، منوط بجواز رد الرجال اللاجئين الى معسكر الاسلام، وعدم المنع منه شرعا، فلا بد اولا من تنقيح ذلك.

وليعلم اولا قبل الورود في البحث ان الهدنة بنفسها لا تقتضي ردهم; لانها ليست الااعلان ختم الحرب باحد الاوجه المتصورة له، وهذا اجنبي عن رد الاشخاص، بل لا تقتضي رد الكفار ايضا اذا ارادوا الاقامة بين المسلمين. فجواز رد الرجال او عدمه يحتاج الى ما يدل عليه، وليس هنا دليل لفظي وارد في خصوص الموضوع مثل ما كان في رد النساء، فلا بد من التماس دليل آخر من العمومات او الاصول ربما يمكن الاستدلال على عدم جواز الرد بامور ثلاثة:

الاول : حرمة الظلم وهذا ظلم، والكبرى لا تحتاج الى كثير محاولة; لكونها من واضحات الاسلام، ووضوح الصغرى ايضا غني عن البيان، فاي ظلم اعظم من التصرف في امر المسلم بمثل هذا؟!

الثاني : عموم لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، سواء كان بمعنى عدم تشريع الحكم الضرري في الاسلام، او كان بمعنى حرمة الاضرار والنهي عنه، وانطباق الاضرار على اخذ المرء المسلم وتسليمه الى العدو، امر واضح.

والثالث: عدم جواز التصرف في نفس المؤمن، وعدم الولاية عليها لاحد، وهذا مع كونه من المرتكزات العامة في عرف المسلمين بحيث‏يكاد يكون من الضروريات، بل لا يبعد ان يقال: ان تحريم التصرف في ماله انما هو من جهة كون ذلك احد انحاء التصرف في نفسه، او يقال: ان حرمة التصرف في النفس، مدلول عليها بفحوى حرمة التصرف في المال، فمضافا الى ذلك كله يمكن الاستدلال عليه ايضا ببعض الادلة اللفظية كقوله تعالى: (النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) حيث ان اثبات اولوية النبي(ص) بالمؤمنين من انفسهم، يدل بالالتزام او بالاقتضاء على عدم اولوية احد غير انفسهم عليها، والا فلا بد من ذكره، ومثله: ادلة ولاية الاب والجد على الصغير وعلى الباكرة، حيث انها تدل بدلالة الاقتضاء على عدم ولاية احد آخر عليهم.

هذا، ولكن يمكن ان يقال: ان صدق العناوين الثلاثة على مباشرة رد الرجل المسلم الى الكفار، لا كلام فيه. ولكن محل البحث ليس هو الرد بهذا المعنى، فان ذلك مما تسالموا على حرمته كما في المنتهى والجواهر وغيرهما، وانما الكلام في الرد بمعنى التمكين من استرداد العدو اياه وعدم دفعه عن ذلك، وهذا لا يمكن الجزم بصدق العناوين الثلاثة عليه. اما العنوان الثالث اعني التصرف في نفس المؤمن فامره واضح; اذ الوقوف والنظر الى من يحاول العدو لرده الى بلد الكفر، ليس تصرفا في امره، بل هو عدم التصرف فيه.

واما عنوانا الظلم والضرر، فربما يبدو ان الظاهر من كل من اللفظين انه الامر الايجابي الذي يورد على احد ظلما او ضررا، بالمباشرة او بالتسبيب، فهو المبادرة بالامر، لا الامر السلبي بمعنى عدم التصرف بنحو من الانحاء، والمعلوم ان عدم المبادرة بشي‏ء في قبال رد العدو الرجل المسلم الى بلاده، ليس امرا ايجابيا بحيث‏يصدق عليه الظلم او الضرر (بمعناه المصدري).

نعم، قد ورد في بعض التعابير عن الظلم ما يوهم خلاف ذلك، لكنه لا يخلو عن ضرب من التاويل، مثل ما يستفاد من مفهوم قول الشاعر: «ومن يشابه ابه فما ظلم‏»، فيستفاد منه ان من لم يشابهه فقد ظلم، او اطلاق «الظلم على النفس‏» على ترك الواجبات وامثال ذلك.

والظاهر تسالم العلماء على ان الضرر الناشى‏ء من ترك العمل والاقدام، لا يدخل في اطلاق قوله(ص): «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام‏»، الا في مورد ينتهي ترك العمل الى ذهاب نفس المؤمن الذي ثبت‏حرمته، او وجوب حفظ نفوس المؤمنين من غير طريق دليل الضرر.

والحاصل: ان شمول العناوين العامة الثلاثة على الرد بمعنى التمكين وعدم المجابهة عند رد الكافر المسلم الى بلد الكفر، محل ترديد بل منع.

ويمكن الاستدلال على حرمة الرد بهذا المعنى بما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله: من كونه لازم وجوب الهجرة من دار الحرب، التي لا يتمكن المسلم من اقامة شعار الاسلام فيها.

وتقرير الملازمة بعد كون دلالته على حرمة الرجوع والارجاع اليها واضحا اما بوجوب النهي عن المنكر الفعلي (في مقابل النهي اللساني) بمعنى انه يجب على كل احد النهي عن هذا الرجوع او الارجاع الذي لا كلام في كونه منكرا بالمنع عن رده وارجاعه، وعدم جواز التمكين والسلبية في ذلك، واما من جهة العلم بعدم رضى الشارع بوقوع هذا الامر فيجب ايجاد العرقلة دونه والمنع منه، كما نقول مثل ذلك في بعض الموارد الاخرى. ولعله يمكن الاستدلال لذلك ببعض آي الذكر الحكيم كقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى...) ومن هذا القبيل ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله في مقام التنظير لما نحن فيه، اعني وجوب اعانة المراة المسلمة بل المسلم المستضعف لو طلبا العون في خروجهما من عند الكفار.

هذا، ولكن يشكل ما ذكرنا بما اشتهر من السنة الفعلية النبوية في قصة الحديبية، فانه(ص) التزم في الهدنة مع الكفار في تلك القصة، برد من التجا اليه من المسلمين، ورد فعلا اباجندل بن سهيل بن عمرو، وهذا النقل مضافاالى انه ثبت بالطرق المعتبرة بحسب الموازين المعمولة في نقل الحديث -كما سيجي‏ء فقد شاع في كتب المؤرخين واصحاب السير، وتلقاه المحدثون والفقهاء بالقبول، بحيث لا يبعد ادعاء حصول الاطمئنان بصحته، وعليه فلا مناص من الالتزام بجواز الرد في الجملة، وعدم المجال لمنع ذلك على الاطلاق، كما استفدناه من الدليل الاعتباري المذكور آنفا .

ولكن مع ذلك فليس في فعل النبي(ص) كسائر الادلة غير اللفظية دلالة على جواز الرد بقول مطلق، حتى يشمل الرجل المستضعف الذي يقدر العدو على قهره وتفتينه عن الدين; لان عمله(ص) انما وقع على وجه‏ما وفي ظروف ما، وليس فيه دلالة ازيد من جواز ذلك العمل في مثل تلك الظروف وعلى مثل ذاك الوجه، فلا يستفاد منه الجواز مطلقا، اي في مطلق الظروف وعلى شتى الوجوه.

ومن هنا تعرف الاشكال في ما اختاره ابن قدامة الحنبلي في كتابه المغني، من استفادة الاطلاق من عمله(ص)، فانه بعد ما نقل تفصيل الشافعي بين من كان له عشيرة تحميه ومن لم يكن له ذلك، فيجوز الرد في الاول دون الثاني، قال: «ولنا اي على الجواز بدون قيد العشيرة ان‏النبي (ص) شرط ذلك في صلح الحديبية ووفى لهم، فرد ابا جندل وابا بصير ولم يخص بالشرط ذا العشيرة‏» انتهى.

ويمكن تقرير كلامه بحيث‏يستفاد معه اطلاق الحكم من فعل النبي(ص) ولم يرد عليه الاشكال: بان الرجلين كانا ذا عشيرة، فلعل شرط النبي(ص) كان مختصا بامثالهما ان النبي(ص) قد اطلق في كلامه الذي شرط به للكفار بردمن اتاه، ولم يقى ده بذي العشيرة، ونعلم انه(ص) كان عازما على الوفاء بشرطه بدليل رد الرجلين، فيستفاد من ذلك ان مراده المدلول عليه باللفظ المطلق كان مرادا جديا، وهذا يكفي في استكشاف جواز الرد مطلقا، ولا يخفى ان على هذا التقرير يكون الاستدلال باطلاق قوله(ص) فيما اشترط به على الكفار، لا باجمال فعله فيما فعله بعد ذلك.

وجه الاشكال على كلامه بعد استبعاد هذا التقرير عن ظاهر كلام ابن قدامة‏هو ان المراد الجدي له (ص) غير معلوم لنا مع ذلك; اذ من الممكن ان رسول الله(ص) كان يعلم بالهام من الله او بقرينة مقامية وحالية، ان الجائي اليه من المشركين لا يكون الا من ذوي المنعة والقدرة، ولا ياتي اليه من غيرهم احد، ولكن اطلق القول في الشرط، دفعا لايراد العدو او لجهة اخرى لم نعلمها، فمراده الجدي(ص) يمكن ان يكون هذا القسم من الجائين لا كلهم، وهذا الاحتمال يمنع من الاستدلال بعدم التقييد في كلامه عند المعاهدة.

فحاصل الكلام في الاشكال على ابن قدامة: ان عدم التقييد في صيغة المعاهدة لا يدل على الاطلاق في المراد، اذا احتمل ان المتكلم يعلم بعدم تحقق مصداق المعاهدة الا من بعض الافراد. فعلى هذا لا يمكن استكشاف الاطلاق في مراده الجدي(ص) من اطلاق الشرط في صلح الحديبية.

مضافا الى ان كلامه(ص) في هذا المجال غير منقول بالضبط في الروايات حتى نتمكن من الاخذ باطلاقه، كما هو الشان في نقل اغلب القضايا التاريخية التي يتركز الاهتمام فيها في بيان الحادثة لا ذكر ما صدر فيها عن المعصوم(ع) في مقام المحاورة.

هذا، ولكن نقل الشيخ رحمه الله في المبسوط: ان آية سورة الممتحنة:

(فلا ترجعوهن الى الكفار ...) انما نزلت ردعا للنبي(ص) عما عقد عليه الصلح في الحديبية، قال بعد ذكر بطلان شرط رد العبيد وامثاله في عقد الصلح: «لان النبي(ص) عقد الصلح عام الحديبية على ان يرد اليهم كل من جاء مسلمامهاجرا ، فمنعه الله تعالى من ذلك ونهاه عنه بقوله عز وجل: (يا ايها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ... الآية‏») .

فان صح ذلك اعني ان نزول هذه الآية كان في مقام الردع عن مضمون المعاهدة فلا يبعد ان يقال: ان الردع عن رد بعض طوائف الناس، اي النساء، يفيد امرين:

الاول: ان مراد النبي(ص) في معاهدته كان ما يشمل هذا المردوع عنه، اعني النساء، والا كان الردع لغوا فلا مجال لاحتمال ان قصده(ص) كان الى بعض طوائف الرجال فقط كذوي المنعة مثلا فانه(ص) اذا كان يعزم رد النساء، فعزمه(ص) على رد الرجال مطلقا وان لم يكونوا ذا منعة وعشيرة اولى.

الثاني: ان هذا الردع بمنزلة امضاء الباقي، لا من جهة الدلالة المفهومية، حتى يخدش في اعتبارها، بل من جهة دلالة الاقتضاء التي هي من الدلالات العقلية بنحو من الانحاء; اذ لولا امضاء الباقي لكان الردع عن البعض لغوا، فتامل.

فلو ثبت ما ادعاه الشيخ رحمه الله من ورود آية الممتحنة في هذا المقام، يكون نتيجته: ان مراد النبي(ص) في شرط رد الرجال في عقد الصلح بالحديبية كان عامالجميع اصناف الرجال، سواء كانوا من ذوي العشيرة والمنعة او غيرهم، وحيث انه(ص) كان بصدد الوفاء قطعا فيكون فعله هذا دليل جواز شرط رد الرجال.

فلا بد حينئذ من الرجوع الى ما ورد في ذيل الآية حتى يتضح الحال، فنقول:

اما ورود آية الممتحنة في مقام الردع والنهي، فلم اعثر على اثر صحيح يدل‏على ذلك، ولم اجد الا ما رواه الطبرسي رحمه الله‏في مجمع البيان عن ابن عباس بغير اسناد مت صل، وليس منه في مجاميعنا الحديثية عين ولا اثر.

واما ما ورد في بيان الواقعة واقعة الصلح فبعضها فيه التصريح بان الشرط كان مخصوصا بالرجال من اول الامر، وبناء عليه فلا مجال لما ادعى من ان‏آية الممتحنة نزلت في مقام الردع عن رد النساء. وبعضها ظاهر في الاعم‏من النساء، و اليك عمدة ما ورد في الباب.

فمنها : ما في تفسير القم ي عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن ابن يسار، عن ابي عبدالله(ع) وفيها: وقالوا له ترد الينا كل من جاءك من رجالنا، ونرد اليك كل من جاءنا من رجالك، فقال رسول الله(ص): «من جاءكم من رجالنا فلا حاجة لنا فيه‏» الخبر..

ومنها : ما في روضة الكافي عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي عمير وغيره، عن معاوية بن عمار، عن ابي عبدالله(ع) وفيها: «وكان في القضية ان من كان منا اتى اليكم رددتموه الينا ... ومن جاء الينا منكم لم نرده اليكم‏» الحديث.

ومنها : ما في البحار عن اعلام الورى عن الصادق(ع) وفيها:

«ومن لحق محمدا واصحابه من قريش فان محمدا يرده اليهم، ومن رجع من اصحاب محمد الى قريش بمكة ...» الحديث.

ومنها : ما في صحيح البخاري باسناده الى عروة بن الزبير، انه سمع مروان بن الحكم و... وفيها: «وكان فيما اشترط سهيل بن عمرو انه قال: لا ياتيك منا احد وان كان على دينك الا رددته الينا وخليت بيننا وبينه، وابى سهيل ان يقاضي رسول الله(ص) الا على ذلك‏» الحديث.

هذه عمدة ما ورد في ذلك من طرق الفريقين، وفيها ما يصرح بان موضوع الشرط هو الرجال لا غير، وهو ما نقلناه عن تفسير القمي;، وما لعله ظاهر في اختصاص القضية بالرجال، وهو رواية اعلام الورى حيث ان تعبير «الاصحاب‏» ربما يكون ظاهرا في الرجال دون النساء، وما هو ظاهر في الاعم من الرجال كصحيح الكافي وحديث البخاري.

اما حديث اعلام الورى فلا يكون حجة من جهة عدم كونه مسندا، واولى منه بعدم الحجية حديث البخاري، الذي في سنده من لا نعرفه من الرواة، بل فيه من نعرفه بالفسق وعدم الوثاقة وهو مروان بن الحكم، فيبقى لدينا حديثا القمي والكليني، والظاهر تعدد الحديثين وعدم اتحادهما، وان كان الكافي ايضا ينقل حديثه عن القمي عن ابيه عن ابن ابي عمير، الا ان وجود كلمة «وغيره‏» في سند الكافي، واختلاف الراوي المباشر فيهما (الذي هو معاوية ابن عمار في الكافي وابن يسار في التفسير)، والتغاير الفاحش بين متن الحديثين -سواء في محل الشاهد وغيره يورث الظن باختلاف الروايتين وعدم كونهما واحدة.

ثم ان ابن يسار في سند القمي غير معروف، واحتمال كون المراد منه سعيد بن يسار المعدود من الطبقة الخامسة، وان كان غير ممتنع من جهة الطبقة، بل حتى لا يمتنع كونه فضيل بن يسار المعدود من الرابعة، وكون رواية ابن ابي عمير عنه بواسطة -ويكون السند مع ذلك معتبرا لمكان حكم مرسلات ابن ابي عمير الا انه مع ذلك يبعد هذين الاحتمالين انا لم نجد في الاحاديث الكثيرة التي يرويها هذا الراوي الجليل، حتى رواية واحدة عن هذين، ولذا لم يعد اي منها في عداد من يروي عنهم ابن ابي عمير. كما انه يبعد الاحتمال الثاني مضافا الى ذلك، ان النقل عمن ينقل عنه بالواسطة لا بد وان يكون مع التصريح بها ولو بقوله: عن رجل، فاذا لم يذكر الواسطة فظهور النقل يابى عن كونه نقلا بالواسطة.

وبناء على هذا فالمتعين وقوع الحذف او التصحيف في الكلمة.

فمن المحتملات في ذلك ان يكون الصحيح: ابن عمار، وقد نقل في تعليقات البحار ان في بعض نسخ التفسير: «ابن عمار» بدل «ابن يسار» فبناء على ان يكون المراد به معاوية بن عمار، يكون السند مشابها تماما لسند رواية الكافي، لكن يبعده ان تصدر روايتان من امام واحد، عن طريق راو واحد ورواة عنه متحدين في واقعة واحدة، بمضمونين والفاظ مختلفة، اللهم الا ان يكون المراد بابن عمار «اسحاق بن عمار».

ومن المحتملات ولعله اقواها ان يكون الصحيح: ابن سنان، وهو عبدالله الذي يروي عنه ابن ابي عمير كثيرا. ويؤيده ان الموجود في تفسيري البرهان ونور الثقلين: ابن سنان بدل ابن يسار، وقد نقلا جميعا الحديث عن تفسير القمي، وحيث ان مؤلفيهما معاصران فقد توفي احدهما بضع سنين بعد الآخروالمظنون انهما لم يكونا مطلعين على كتاب بعضهما البعض ، فيظن ان‏الشائع في نسخ التفسير كان ما ذكراه.

ومن جملة المحتملات ان يكون الصحيح: ابن اخي ابن يسار، كما وقع في بعض آخر من الروايات، والمراد به: الحسن او الحسين بن اخي سعيد بن يسار.

وحاصل الجميع ان سند الرواية يصبح ضعيفا ; لتردد الراوي المباشر بين ثقة وغير موثق. ولكن لو بنينا على عدم الاعتناء بالاحتمال الاخير، لكونه ضعيفاجدا ، فدوران الامر يكون بين الثقتين اعني: عبدالله بن سنان واسحاق ابن عمار، فيكون المورد مورد الجمع الدلالي بينهما، ولما كانتا واردتين حكاية لواقعة، لا انشاء لحكم، فلا مجال للقول بما يقال في الدليلين المثبتين، الواردين في مقام انشاء الحكم، من عدم التعارض الموجب لعملية تقييد الدليل المطلق بالدليل المقيد، فيحكم بمضمونهما جميعا; وذلك لان وحدة الواقعة هنا تحكم بوحدة المراد من الدليلين، فلا يبقى مناص من حمل احدهما على الآخر، ولما كان اختصاص القضية بالرجال وعدم شمولها للنساء في الدليل الاخص، اوفى ظهورا من شمولها للنساء في الدليل الاعم، فيحمل ذلك عليه، كما هو مقتضى الجمع العرفي دائما.

ولكن الذي يسهل الخطب ان ما ذكره الشيخ رحمه الله في المبسوط وتبعه في نقله العلامة‏رحمه‏الله في المنتهى، من نزول آية الممتحنة وهي قوله تعالى فيها: (فلا ترجعوهن الى الكفار ... الآية) في مقام ردع النبي(ص) عما عاهد عليه الكفار، فيستفاد منه اطلاق مراد النبي(ص) وشموله لمطلق الرجال ذوي المنعة وغيرهم لا يستند الى دليل معتبر، وبناء على ذلك فاختلاف الحديثين لا يؤثر شيئا»; اذ لا فارق بينهما من جهة عمومهما لفظا لمطلق الرجال، وقد عرفت‏سابقا في مقام الاشكال على كلام ابن قدامة ان هذا الشمول اللفظي لا يكشف عن شمول مراد النبي(ص) بالنسبة الى مطلق الرجال.

فحاصل ما ذكرناه في المقام هو انه: ان تمكنا من اثبات وجوب الدفع عمن يريد الكفار ارجاعه اليهم، يكون هذا هو الاصل في المسالة، وتكون السنة الفعلية النبوية استثناء منه، ولا بد من الاكتفاء بالقدر المتيقن في الاستفادة منها. ولكن الظاهر ان اثبات وجوب الدفع بالنسبة الى ما عدا الحاكم الاسلامي مشكل جدا، وان كان رجحانه شرعا مما لا كلام فيه، الا انه ينبغي الجزم بذلك بالنسبة الى الحاكم وولي امر المسلمين، فان الحكومة الاسلامية والجهاز الحاكم على المسلمين، يجب عليها الدفع عن آحاد المسلمين، وهي مسؤولة عن شؤونهم الاساسية، التي منها: كونهم وبقاؤهم في بلد الاسلام، وعدم مقهوريتهم في النقل الى بلد الكفر تحت‏حكم الكافرين، وهذا مما تشهد عليه الادلة الواردة في بيان معنى الولاية والحكومة الاسلامية، والحقوق المتقابلة بين الراعي والرعية في الاسلام، بل مما يصدقه ويحكم به ارتكاز المسلمين.

وبناء على ذلك فالاصل حرمة رد الرجال اللاجئين الى المعسكر الاسلامي.

ولكن بمقتضى السنة النبوية الماثورة عنه (ص) في قصة الحديبية، نحكم باستثناء مورد ما عن هذا الاصل. والمستثنى بمقتضى المناسبة بين الحكم والموضوع لا يكون الا من يكون قادرا على الدفاع عن نفسه ودينه، ولا يخاف قهره وافتتانه في ايدي الكفار، بان يكون ذا عشيرة تمنعه وامثال ذلك، فيجوز رده بمعنى التمكين من رد الكفار اياه ولا يجوز رد غيره.وهذا ما افتى به المشهور، بل ادعى بعض نفي الخلاف فيه، وان لم نجد من ذكر له وجها بالتفصيل.

ثم ان حكم الصغير والمجنون بعينه هو حكمهما في باب النساء، وما ذكرنا هناك بالنسبة الى الصغيرة والمجنونة جار هنا بلا تفاوت.

هذا، وبعد ما عرفت‏حكم رد النساء المسلمات والرجال المسلمين الى الكفار، يتضح لك الحكم في مسالة اشتراط عقد الهدنة بذلك. وقد قلنا سابقا ان كل‏شرط سائغ، نافذ جائز في الهدنة، بخلاف الشرط غير السائغ. وبناء على ذلك لو شرطوا في الهدنة رد النساء، او الرجال المستضعفين، او اطلقوا الردبحيث‏يراد شموله لهم، كان شرطوا رد الرجال مطلقا، او رد كل من جاء الى المسلمين، بطل الشرط وفسد ولم ينفذ، وهذا مما لا اشكال فيه ولا خلاف.

انما الكلام في الهدنة المشتملة على مثل هذا الشرط، او اي شرط آخر مخالف لكتاب الله، وغيره من الشروط الفاسدة، فهل يفسد عقد الهدنة بفساد الشرط؟ ام يكون العقد صحيحا؟

ربما يبدو ان لازم ما ذهب اليه المحققون في باب البيع والنكاح من عدم فساد العقد بفساد الشرط الذي يتضمنه عدم فساد الهدنة ايضا بفساد الشرط الذي اخذ في ضمنها، ولكن فتوى كثير من الفقهاءرحمه الله بما فيهم بعض من ذهب الى عدم فساد العقد بفساد الشرط في عقد البيع، صريح في خلافه هنا، اي القول بفساد عقد الهدنة بسبب فساد الشرط.

قال في المبسوط: «وان شرط رد من لا عشيرة له كان الصلح فاسدا; لانه صلح على ما لا يجوز، فان اطلق رد الرجال ولم يفصل كان الصلح باطلافاسدا ».

وقال العلامة‏رحمه‏الله في المنتهى: «وفاسد الشرط يبطل العقد مثل ان يشترط رد النساء -الى ان قال: فهذه الشروط كلها فاسدة يفسد عقد الهدنة‏».

وقال في التذكرة: «لو صالحناهم على رد من جاء من النساء مسلمة، كان الصلح باطلا».

وقال في القواعد: «لو شرط اعادة الرجال مطلقا بطل الصلح‏».

وقال المحقق الكركي رحمه الله في ذيل هذه العبارة من القواعد بعد ان ذكر احتمالين في المراد من قوله: «مطلقا» اولهما: ان يكون المراد وقوع الشرط مقيدا بالاطلاق، الذي يقتضي عموم الاعادة: «ولا ريب في البطلان في الاول، لانه صريح في تناول من لا تجوز اعادته...».

وقال الشهيد الثاني رحمه‏الله في المسالك في ذيل عبارة الشرائع: «ولو شرط في الهدنة اعادة الرجال مطلقا، قيل:

يبطل الصلح‏» ذاكرا نفس الاحتمالين في المراد من الاطلاق في عبارة المحقق رحمه‏الله : «ولو اريد بالاطلاق اشتراط اعادة من يؤمن افتتانه ومن لا يؤمن مصرحا بذلك، كان الشرط فاسدا قطعا، ويتبعه فساد الصلح على الاقوى‏» ثم اشار الى التردد في ذلك في عبارة الشرائع بقوله: «ويمكن ان يكون نسبة البطلان الى القيل، بناء على التردد في فساد العقد المشتمل على شرط فاسد...».

وقال صاحب الجواهر رحمه الله: «فلو وقع الصلح من بعض نواب الامام(ع) على ذلك، كان باطلا، بل الظاهر بطلان العقد من اصله لا خصوص الشرط، لكون التراضي قد وقع عليه‏».

وقال في موضع آخر: «نعم، الظاهر فساد عقد الهدنة باشتماله على ما لا يجوز لنا فعله شرعا، كرد النساء المسلمات...».

فهذه العبارات صريحة كلها في تبعية العقد للشرط في الفساد في باب الهدنة، مع ان من اصحابها من يقول بعدم افساد الشرط الفاسد العقد المشتمل عليه في باب البيع، كصاحب الجواهر رحمه‏الله وكالشيخ‏رحمه الله على ما حكي عنه في الجواهر، نعم خيرة العلامة والمحقق والشهيد الثانيين‏رحمه الله يوافق ما اختاروه في البيع ايضا.

كما ان الظاهر من كلام بعض اعلام العصر; وصريح ما ذكره بعض آخر من المعاصرين هو عدم فساد العقد هنا، وفقا لما افتيا به في البيع. قال الاول في كتابه (منهاج الصالحين): «ولا يجوز اشتراط امر غير سائغ، كارجاع النساء المسلمات الى دار الكفر وما شابه ذلك‏».

«واما اذا اشترط ذلك اي رد الرجال فحينئذ ان كانوا متمكنين ... والا فالشرط باطل‏» انتهى كلامه، فعدم ذكر بطلان عقد الصلح المشتمل على هذا الشرط ظاهر في الجزم بعدم بطلانه، كما لا يخفى.

وقال الثاني في كتابه (مهذب الاحكام) في ذيل قوله في المتن: ولو شرط ما لا يجوز فعله يلغو الشرط: «لبطلان كل شرط مخالف للكتاب والسنة، ولكن لا يوجب ذلك بطلان العقد، كما ثبت في محله‏».

ثم بعد سرد كلمات الفقهاءرحمه الله لا بد اولا: من نظرة مارة الى اصل مسالة تاثير الشرط الفاسد في فساد العقد المشتمل عليه، او عدم تاثيره، وبيان مقتضى الدليل فيها، ثم بعد ذلك: بيان التحقيق فيما نحن فيه، وانه هل هنا شي‏ء يوجب الفرق بين عقد الصلح وغيره من العقود؟ حتى يلتزم بفساد العقد هنا وان لم نقل به في عقد البيع وغيره، ام لا؟

فنقول : عمدة ما يمكن الاعتماد عليه في القول بصحة العقد مع فساد شرطه، امور:

الاول : عمومات ادلة العقود، وادلة نفس العقد المبحوث عنه، كقوله تعالى: (اوفوا بالعقود...)، وقوله تعالى: (واحل الله البيع) ، وقوله تعالى: (وان جنحوا للسلم‏فاجنح لها وتوكل على الله ) وغيرها ... فانها بعمومها او اطلاقها تدل على نفوذ وتمامية كل عقد وكل بيع وكل سلم، وليس هناك شي‏ء يدل على تقييدها او تخصيصها بما عدا المتضمن لشرط فاسد. وادلة فساد الشرط المخالف للكتاب وسائر الشروط الفاسدة لا يدل على ازيد من فساد نفس الشرط، وليس فيها شي‏ء يدل على حكومتها على امثال تلك العمومات.

الثاني : الاخبار الواردة في ابواب البيع والنكاح، الصريحة او الظاهرة في صحة العقد مع فساد الشرط الماخوذ فيه، و اليك بعضها:

فمنها : ما رواه الصدوق باسناده عن الحلبي عن ابي‏عبدالله(ع) انه ذكر ان‏بريرة كانت عند زوج لها، وهي مملوكة، فاشترتها عائشة فاعتقتها، فخى رها رسول الله(ص) ان شاءت ان تقر عند زوجها وان شاءت فارقته، وكان مواليها الذين باعوها اشترطوا ولاءها على عائشة، فقال رسول الله(ص) : «الولاء لمن اعتق‏».

وطريق الصدوق الى عبيدالله بن علي الحلبي، صحيح.

ومنها : صحيحة عيص بن القاسم عن ابي عبدالله(ع) قال:

قالت عائشة لرسول الله(ص): ان اهل بريرة اشترطوا ولاءها، فقال رسول الله(ص): «الولاء لمن اعتق‏».

ودلالتهما مبنية على ان الشرط كان في ضمن عقد بيع بريرة لعائشة، فقرر رسول الله(ص) البيع والعتق، ورد الشرط.

ومنها : رواية الوشاء عن الرضا(ع) قال: سمعته يقول: «لو ان رجلا تزوج المراة، وجعل مهرها عشرين الفا، وجعل لابيها عشرة آلاف، كان المهر جائزا، والذي جعله لابيها فاسدا».

وقد نقله في الوسائل عن الكليني‏1 بسندين، احدهما من طريق الحسين ابن محمد الاشعري الذي هو احد مشايخ الكليني الموثقين، وفيه معلى بن محمد الذي لم يرد فيه توثيق بالخصوص، بل نسب اليه النجاشي رحمه الله‏الاضطراب، فالطريق به ضعيف، والطريق الثاني محمد بن يحيى العطار عن احمد بن محمد وهو طريق صحيح. ودلالته على فساد ما شرط لابيها مع صحة النكاح دلالة جيدة.

ومنها: رواية محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) في الرجل يتزوج المراة الى اجل مسمى، فان جاء بصداقها الى اجل مسمى فهي امراته، وان لم يات بصداقها الى الاجل فليس له عليها سبيل وذلك شرطهم بينهم حين انكحوه، فقضى(ع) للرجل: «ان بيده بضع امراته، واحبط شرطهم‏».

والحديث منقول في الكافي والتهذيب، فاما سند الكليني فمبدوء بعدة عن سهل بن زياد، ومختوم بمحمد بن قيس، اما الاخير فالظاهر بقرينة قوله: فقضى للرجل الخ انه احد شخصين: اما محمد بن قيس ابي نصر الاسدي، او محمد بن قيس البجلي، الثقتين، اللذين ذكر النجاشي رحمه الله لكل منهما كتابا في قضايا امير المؤمنين(ع). وبقرينة رواية عاصم بن حميد الثقة عنه، يقوى كونه الاخير، فلا يضر اشتراك محمد بن قيس بين اشخاص عديدة بينهم مجاهيل او ضعاف، فلا باس بالسند من هذه الجهة، واماسهل بن زياد، فالظاهر فيه ما ابداه بعض الاعاظم من اهل التدقيق من معاصرينا في كتابه: «قاموس الرجال‏» من ان اخبار سهل في الكافي معتبرات اختارها الكلينى‏رحمه الله‏لكتابه، فلا ينافي ذلك ما عليه الاكثر من ائمة الرجال من جرحه وتضعيفه. وبناء على ذلك فالرواية معتبرة. واما طريق الشيخ فباسناده عن محمد بن علي بن محبوب -وهو اسناد صحيح عن احمد بن محمد، عن ابن ابي نجران، عن عاصم بن حميد، وعلى هذا فالسند صحيح.

واما دلالتها على صحة العقد المتضمن للشرط الفاسد فواضحة وظاهرة.

ومنها : معتبرة محمد بن قيس الاخرى عن ابي جعفر(ع): «انه قضى في رجل تزوج امراة، واصدقته هي واشترطت عليه ان بيدها الجماع والطلاق، قال: خالفت السنة، وليت‏حقا ليست باهله، فقضى ان عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق، وذلك السنة‏».

ومنها : صحيحة محمد بن قيس الثالثة عن ابي جعفر(ع) في رجل تزوج امراة، وشرط لها ان هو تزوج عليها امراة او هجرها او اتخذ عليها سرية -على وزن ذرية، جمعها سراري على وزن ذراري: الامة التي تقام في البيت فهي طالق، فقضى في ذلك:

«ان شرط الله قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بما اشترط وان شاء امسكها واتخذ عليها ونكح عليها».

رواها الشيخ باسناده الى محمد بن علي بن محبوب، ومنه بسند صحيح الى محمد بن قيس، وطريق الشيخ رحمه الله الى ابن محبوب صحيح.

ومنها : رواية زرارة عن ابي جعفر(ع) قال: كان الناس بالبصرة يتزوجون سرا، فيشترط عليها ان لا آتيك الا نهارا، ولا آتيك بالليل، ولا اقسم لك، قال زرارة: وكنت اخاف ان يكون هذا تزويجا فاسدا، فسالت ابا جعفر(ع) عن ذلك، فقال: «لا باس به -يعني بالتزويج الا انه ينبغي ان يكون مثل هذا الشرط بعد النكاح، ولو انها قالت له بعد هذه الشروط قبل التزويج:

نعم، ثم‏قالت بعد ما تزو جها: اني لا ارضى الا ان تقسم لي وتبيت عندي فلم يفعل كان آثما».

واما سندها: فهي رواية الشيخ باسناده الى محمد بن احمد بن يحيى، وهو اسناد صحيح، عن محمد بن الحسين وهو ابن ابي الخطاب الثقة عن الحسن بن علي -والظاهر انه ابن فضال الثقة عن علي بن ابراهيم، عن محمد الاشعري، هكذا في الوسائل.

وقال المجلسي رحمه الله في شرح التهذيب في ذيل هذا السند: ان هذا تصحيف ظاهر، واستظهر كون السند هكذا: عن الحسن بن علي، عن ابراهيم بن محمد الاشعري -وهو الذي يروي عنه الحسن بن فضال كثيرا كما في مشتركات الكاظمي‏عن عبيد بن زرارة. وبناء عليه يكون الخبر موثقا بابن فضال.

ومثلها اخبار اخرى ... ومضمون الكل: ان فساد الشرط في العقود المذكورة في تلك الروايات لا يوجب فساد العقد، ودعوى اختصاص الحكم بالبيع والنكاح، وان كان مقتضى ورود الروايات فيهما دون غيرهما، الا انه مخالف لما يتذوق من اكثر الاخبار الواردة في البابين، من ان الجواب غير ناظر الى خصوص المورد، بل ناظر الى امر كلي عام في جميع العقود، وهو ان الشرط الفاسد لا اعتبار له حتى يؤثر في العقد المتضمن له، فوجوده كالعدم، فقوله(ع) في حديث محمد بن قيس:«شرط الله قبل شرطكم، فان شاء وفى لها بما اشترط وان شاء ... الحديث‏»، ومثله التعبير الوارد في رواية محمد بن قيس الاولى:

«واحبط شرطهم ..» معناه -والله العالم ان هذا الشرط يث‏خالف شرط الله فهو غير مؤثر في الالزام وغير معتنى به، فيكون العقد المتضمن له كانه خال عنه، وهذا امر غير منحصر بالنكاح والبيع; اذ لا خصوصية لهذين العقدين في ذلك، بل هذا امر عام بالنسبة الى سائر العقود.

هذا، ولكن قد يذكر في المقام اشكالات، تعرض لها في الجواهر وكذا في كتاب المتاجر للشيخ الاعظم‏» راجعة كلها الى: ان فساد الشرط يوجب الخلل في العقد، اما من جهة عروض الجهالة في العوضين، او من جهة عدم بقاء الرضى المعتبر في العقد في فرض فساد الشرط وعدم اعتباره شرعا، وحيث ان فساد العقد في صورة فقده لاركان الصحة، الناشى‏ء من فساد الشرط، امر مفروغ عنه. فالنتيجة: ان فساد الشرط يوجب فساد العقد. وبناء عليه فلا مناص من الاكتفاء في القول بصحة العقد عند فساد الشرط، بموارد النص‏اعني البيع والنكاح.

الا ان المحققين من الفقهاء تصدوا للجواب عما ذكر من الاشكال، وها نحن نذكر بعض ما قيل في هذا الصدد، مشفوعا بما هو الحق لدينا في دفع الاشكال.

اما الاشكال بعروض الجهالة في العوض بتقريب ان «للشرط قسطا من العوض، فاذا سقط لفساده، صار العوض مجهولا» الذي ذكره الشيخ الاعظم نقلا عن المبسوط، وتصدى له باجوبة متعددة، فالظاهر انه غير متات في ما نحن فيه; اذ العقد في باب الهدنة ليس عقدا على تبادل العوضين، حيث‏يجعل شي‏ء في مقابل شي‏ء عوضا عنه، كالبيع والاجارة وامثالهما، بل هو عقد على التسالم فيما بين الطرفين على شي‏ء واحد، وهو ترك الحرب. ولو فرضنا ان هذا الامر المتسالم عليه ينحل الى امرين يكون احدهما مقابلا للآخر على نحو العوضية، كترك حملة احد الطرفين في مقابل ترك حملة الآخر، فاعتبار عدم الجهالة فيهما مثل ما يعتبر في العوضين في باب البيع والاجارة، امر موهوم غير واقعي، ولا معنى لحصول الغرر بالجهالة في هذا العقد، كما يحصل غالبا في البيع، ولا معنى لان يقال ان الشرط واقع مقابل جزء من المتاركة من احد الطرفين، فاذا انتفى انتفى عوضه ويكون الباقي مجهولا.

وخلاصة القول ان هذا الاشكال لا ربط له بباب الهدنة ولا يتاتى فيه اصلا.

ان قلت : وقوع المال في مقابل الهدنة بان يتقبل احد الطرفين شيئا من المال في مقابل الرضى بالهدنة من الطرف الآخر غير عزيز في هذا الباب. وبناء عليه فالاشكال المفروض في المعاملات المالية مثل البيع والاجارة جار هنا ايضا بلا فرق في البين:

قلت : المال المجعول في هذا الفرض ليس احد العوضين، بان يقع التبادل بينه وبين الشي‏ء الآخر في المعاملة، بل هو شي‏ء في مقابل اصل المعاملة التي ليس فيها عوضان متبادلان، فهو مثل المال الذي يبذل في مقابل اصل البيع او الاجارة -عندما يفرض ان صاحب المال يمتنع عن بيعه، فيبذل له مال معين حتى يقبل وقوع المعاملة على ماله فهذا المال واقع في مقابل اصل الهدنة، وليس احد ركني المعاوضة فيها، وذلك لما بيناه من ان الهدنة ليست في طبيعتها معاوضة بين شيئين، بل هي قرار بين طرفين على وقوع امر مشترك بين الطرفين، وتسالم بينهما على ذلك. وبناء عليه فالشرط الواقع فيها لا يكون في مقابل جزء من العوض حتى يقال: فقده يوجب الجهالة والغرر في العوضين.

واما الاشكال بوقوع الخلل في التراضي عند تعذر الشرط وفساده، فقد اجيب عنه في باب البيع بوجوه:

الاول : ما في الجواهر من ان مدخلية الشرط في التراضي لا يوجب بطلان العقد بفساد الشرط، كما ان مدخلية الثمن والمثمن لا يوجب ذلك، بل اقصاه ثبوت الخيار للتضرر، ولا باس بالتزامه، ثم اجاب; عن اشكال ربما يورد على عدم تاثير فساد الشرط على العقد، وهو ان: التاثير لازم معنى الشرط، وهو الربط بنحو من التعليق، فاجاب عنه بان التعليق مبطل للعقد، وتضمن الشرط للتعليق معناه عدم جواز الاشتراط في المعاملة راسا.

فحاصل الجواب: انكار التعليق في معنى الشرط، ولازم ذلك عدم الباس بنفي تاثير فساد الشرط على العقد.

الثاني : ما في متاجر الشيخ رحمه الله وحاصله: ان القيود الماخوذة في احد طرفي العقد وفي جميع المطلوبات العرفية على اقسام، فمنها ما يكون ركنا للمطلوب، ككون المطلوب حيوانا ناطقا لا ناهقا، وككون المطلوب للشارع الغسل بالماء للزيارة لاجل التنظيف، حيث لا يقوم الحمار مقام العبد، ولا التيمم مقام الغسل، ومنها ما لا يكون كذلك، ككون العبد صحيحا، والغسل كائنا بماء الفرات، فان العرف يحكم في هذه الموارد بكون الفاقد للوصف نفس المطلوب. والظاهر ان الشروط الماخوذة في المعاملات من هذا القبيل لا من قبيل الاول، فلا يكون التصرف الناشى عن العقد بعد فساد الشرط تصرفا لا عن تراض، نعم غاية الامر ثبوت الخيار.

والفرق بينه وبين ما عرفت من الجواهر ان هذا البيان لا يشتمل على الاعتراف بدخالة الشرط في الرضى المعاملي، وذاك يعترف بذلك ولكن لا يرى ذلك موجبالفساد العقد وان كان موجبا للخيار. فبناء على مبنى الشيخ رحمه الله لا يكون التصرف المترتب على العقد بعد انتفاء ما ارتبط به من القيود من النوع الثاني -التي ذكر الشرط من جملتها تصرفا لا عن تراض جوزه الشارع تعبداوقهرا على المتعاقدين، بل الرضى المعاملي الذي هو المناط في صحة المعاملات المتوقفة على الرضى حاصل ولو مع فساد الشرط وانتفائه.

ولبعض الاعلام من المعاصرين بيان في توجيه عدم دخالة فساد الشرط في انتفاء الرضى المعاملي، ومحصله ان الرضى المعاملي انما علق على التزام المشروط عليه بايجاد الشرط، لا على نفس وجود الشرط وتحققه خارجا، قال: «ان الرضى المعاملي عند الانشاء لم يعلق على وجود الشرط في الخارج، والا لكانت المعاملة باطلة; لانه من التعليق المبطل، وحتى لو فرضنا صحة التعليق تكون المعاملة باطلة فيما نحن فيه; لعدم حصول ما علق عليه في الفرض، والمعلق ينتفي عند فقد المعلق عليه لا محالة، وهذا من غير فرق بين الشروط الصحيحة والفاسدة. ولازمه بطلان العقود والايقاعات عند الاشتراط مطلقا... -الى ان قال: والالتزام بايجاده لما كان حاصلا عند المعاملة وهما يعلمان بوجوده فلا يكون التعليق على مثله مبطلا، ومن الظاهر ان الالتزام بايجاد الشرط في المقام حاصل; لانه التزم به على الفرض وتكون المعاملة تامة ومتحققة، وكون ذلك امرا محرما لم يمضه الشارع مطلب آخر غير مربوط بحصول المعلق عليه للمعاملة كما هو ظاهر.

نعم، ربما يكون البائع بحيث لو كان عالما بحرمة ذلك الشرط، او كان عالمابعدم امضاء الشارع له، لما اقدم على المعاملة، وانما اقدم عليها باحتمال ان‏الشارع يمضي الشرط المحر م في المعاملة، تقصيرا او قصورا، الا ان ذلك من باب تخلف الدواعي، وهو لا يستلزم البطلان ... -الى ان قال: والوجه في ذلك ان تخلف الدواعي لا ربط له بالرضى المعاملي ابدا، فالرضى موجود; لتحقق ما علق عليه وهو الالتزام، ويشمله عموم (واحل الله البيع) وغيره من العمومات، ومعه فلا وجه للبطلان‏». انتهى محل الحاجة من كلامه نقلا عن مصباح الفقاهة، وهو تقريرات درسه‏رحمه‏الله.

اقول: هذه هي الوجوه الثلاثة التي ذكروها لاثبات ان تخلف الشرط لا يوجب بطلان المعاملة المشروطة به.

فاما ما ذكره صاحب الجواهر رحمه الله فلعله يمكن المناقشة فيه:

اولا: بان ما سلم من مدخلية الشرط في الرضى ان اريد منه الرضى المعاملي الذي يكون بمعنى تسليم كل من الطرفين لوقوع المعاوضة لا نعترف به دائما. وانما الشرط موجود دائما فيما يتراضى عليه، وهذا اعم‏من كونه ذا مدخلية في الرضى.

فان من يشتري ثوبا مشروطا بكونه نظيفا وعليه الازرار بقدر الحاجة وامثال ذلك، فصحيح انه يجعل الرضى المعاملي متعلقابالثوب واجدا لهذه الشروط، الا ان هذه الشروط غير دخيلة غالبا في حصول هذا الرضى، فوجود الشي‏ء في مجموعة ما يتراضى عليه، لا يلازم دائمامدخلية هذا الشي‏ء في الرضى المعاملي. صفحه بعد