الحرية في الخطاب المعاصر  

القسم الثالث

لا نزال نواصل البحث في بيان الضوابط وتشخيص الملاكات للاعتقاد بالحرية.. باعتبار ان الحرية مفهوم مرن وحمال ذووجوه قابل لان يفسر بعدة تفسيرات متباينة تختلف بحسب المنطلقات والاجواء.. سيما وانها اليوم عملة رائجة يتداولهاالمغرض والنبيل.. وقد تناولنا هناك اصالة الحرية وضرورة تقنينها..

عدم واقعية الحرية المطلقة:

ان فرضية الحرية المطلقة لا يمكن ان يكون لها تشخص واقعا بل لا وجود لها الا في مخيلة الشعراء والا اذا تجاوزنا عالمناالمادي وافترضنا وجود عالم اخر مجرد ربما يمكن تعقل الحرية منسلخة عن كل قيد.. فالحرية المطلقة اشبه ما تكون باحلام‏اليقظة وذلك:

1 - ان الحرية المطلقة تصطدم مع الطبيعة البشرية.. فان البشر محدود تكوينا في كل قابلياته وقدراته مما يفرض عليه ذلك ان‏يتنازل قهرا عن قسط مما يشتهيه وما يرغب فيه.. ويضطر الى ان يخطو بمقدار ما يتناسب مع قدرته.. فهو مثلا ليس حرا في ان‏ياكل اكثر مما يتحمله جهازه الهضمي ولا ان يتناول ما لا تسحقه معدته وهو لن يستطيع ان يخرق الارض ولن يبلغ الجبال‏طولا..

2 - ان العالم المحيط بنا عالم يتحرك طبقا لانظمة وقوانين طبيعية محكمة لا تتزحزح استجابة لمشيئة انسان ولا تتعطل عن‏العمل نزولا عند رغبته.. بل انها سنن جارية لا تتوقف عن فعلها وتضع امام كل موجود انسانا كان او غيره جملة من الخطوط‏الحمراء التي لا يمكن تجاوزها الا بسلطان وقانون كوني.. فمن اراد ان يحلق في السماء فان قانون الجاذبية الطبيعي سيجبره‏على الهوي الى الارض.. ومن يعرض يده الى النار فسيحترق..

3 - ان الحرية المطلقة لو تصورنا لها معنى محصلا سوف تنتهي الى الغاء نفسها.. وستحكم على نفسها بالفناء بسبب ماتبتلى به من تزاحم وتعارض داخلي.. اذ ان ممارسة الشخص للحرية في مجال سيصطدم قطعا مع ممارسة غيره لتلك الحرية‏في المجال نفسه او غيره من المجالات.. وهذا من الوضوح بمكان..

ولناخذ مثالا بسيطا في هذا الشان: لو اراد شخص مغرم بسماع عزف موسيقي معين ك «سنفونية بتهوفن‏» ان يرفع صوت‏مذياعه الى اقصى ما يمكن ليتمتع نفسيا وليستشعر بذلك اللذة النفسية.. فهذا سيتعارض مع رغبة جاره الذي يريد ان يحظ‏ى‏بلحظة من الهدوء.. فماذا نصنع لحل مثل هذا التعارض؟! انه لا طريق لحل التزاحم والتعارض بين الحريات الممنوحة للافراد او الجهات الا بتقنين هذه الحريات وتشخيص الحدود لكل‏منها..

4 - ان الحياة كما تقتضي الحرية تقتضي قيما ضرورية اخرى لا يمكن الغض عنها بحال كالعدالة.. بل يمكن القول بان الحرية‏ليست الا اثر من اثار العدالة ومظهر من مظاهرها وتجل من تجلياتها.. فان العدالة عبارة عن اعطاء كل ذي حق حقه..

والحرية‏تمثل واحدا من الحقوق الاولية للانسان.. فالمجتمع العادل هو المجتمع الذي ينعم افراده بالحرية بشكل متساو..

والمجتمع‏الظالم هو مجتمع الاستبداد الذي يسلب الحقوق ويصادر الحريات.. فلا يمكن ان نرفع اليد عن مبدا العدالة في سبيل احرازوتحقيق الحرية.. وهكذا سائر القيم الضرورية والمصالح الهامة..

ولعل هذا ما يبرر ظاهرة التركيز على معالجة مسالة العدالة في ادبياتنا الاسلامية بشكل ملفت للنظر في حين يندر التعرض‏لمسالة الحرية بما لها من بعد اجتماعي وحقوقي ولم تفرد بعنوان مستقل.. فان الحرية اصل متفرع عن اصل اخر وهوالعدالة.. ومهما يكن من امر فاننا سواء قبلنا فرعية اصالة الحرية لاصالة العدالة او رفضنا ذلك وقلنا بكون الحرية اصلامستقلا في نفسه فان كل ذلك لا يؤثر على كونها ضرورة انسانية وحياتية..

5 - ان عقلاء الدنيا كافة يجمعون عملا وارتكازا سواء صرحوا بذلك ام لا على قبول الحرية المقننة والتي تعد من البديهيات‏الحياتية التي لا يمكن اغفالها او التراجع عنها.. اذ لم يوجد ولن يوجد مجتمع يرفض القانون الذي ينظم حركة الافراد وشبكة‏العلاقات المتبادلة بينهم ضمن سياق معين وعلى اساس رؤية خاصة واهداف مرسومة.. ومن المعلوم ان الوظيفة الاساسية‏للقانون هي وضع جملة من الالزامات ومجموعة من الانظمة التي تؤول عمليا الى الحد من سلوك وتصرفات الناس وتضييق‏حرياتهم.. وبذلك يتبين ان قبول الحرية المطلقة بمثابة انكار القانون ورفض النظام والدعوة الى الفوضوية المناقضة مع‏المباني العقلائية ولا تنسجم مع ظاهرة التحضر والتمدن الانساني والحس الاجتماعي..

فاتضح لك بذلك ان الحرية الواقعية والتي يمكن ان تتجسد كممارسة عملية وطريقة في الحياة هي الحرية المقننة فقط‏وفقط..

فينبغي اذن ان نستبعد من البحث تلك الاتجاهات الطوباوية والمثالية التي تدعو الى الحرية المطلقة وغير المقننة لعدم‏واقعية مثل تلك الفرضيات والتصورات.. وتبقى الفكرة التي تستحق ان تطرح للبحث والدراسة والتقويم فيما لو امتدت خارج‏حد المثالية..

(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب) ولا حول ولا قوة الا باللّه رئيس التحرير

ارث المسلم من الكافر وحجبه لورثته الكفار

 اية اللّه السيد محمود الهاشمي

 يعالج هذا المقال احد قوانين الارث، وهو التوارث بين المسلم والكافر من عدة جهات: الجهة الاولى ان المسلم‏يرث الكافر دون العكس من غير فرق في موجبات الارث بين النسب والسبب والولاء... الجهة الثانية هل‏ان‏المسلم وان بعد يحجب الكافر عن ارث تركة مور ثه الكافر؟ الجهة الثالثة هل يحجب المسلم اذا كان الوارث‏صغيرا؟ وسيتضح من خلال البحث في الجهتين الثانية والثالثة رجحان القول بعدم الحجب. الجهة الرابعة آان‏بامكان ولي الامر ان يلتزم بعدم الحجب لو اشترط ضمن عقد الذمة.. وتعد هذه المعالجة المطروحة سيما في‏الجهة الرابعة من المعالجات المهمة التي تقدم حلا فنيا لبعض الاشكالات التي قد توجه لموقف الفقه تجاه غيرالمسلمين..(التحرير) استعراض كلمات الفقهاء:

قال المحقق في الشرائع: «ويرث المسلم الكافر، اصليا او مرتدا.

ولو مات كافر وله ورثة كفار ووارث مسلم كان‏ميراثه للمسلم ولو كان مولى نعمة او ضامن جريرة دون الكافر وان قرب‏»((1)).

وعلق عليه في الجواهر بقوله: «بلا خلاف اجده فيه، بل الاجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه نصا وظاهرا في‏محكي الموصليات والخلاف والسرائر والنكت والتنقيح وكشف اللثام مستفيض‏»((2)).

وقد تطابقت كلمات الفقهاء من اصحابنا رضوان اللّه عليهم على ذلك، واليك جملة من عباراتهم:

قال في المقنعة: «باب مواريث اهل الملل المختلفة والاعتقادات المتباينة: ويرث اهل الاسلام بالنسب والسبب‏اهل‏الكفر والاسلام. ولا يرث كافر مسلما على حال، فان ترك اليهودي او النصراني او المجوسي ابنا مسلما وابناعلى ملته فميراثه عند ال محمد(ع) لابنه المسلم دون الكافر. ولو ترك اخا مسلما وابنا كافرا حجب الاخ المسلم‏الابن عن الميراث، وكان احق به من الابن الكافر، وجرى الابن الكافر بكفره مجرى الميت في حياة ابيه او القاتل‏الممنوع بجنايته من الميراث‏»((3)).

وقال في الانتصار: «ومما انفردت به الامامية عن اقوال باقي الفقهاء في هذه الازمان القريبة وان كان لها موافق‏متقدم الزمان القول: بان المسلم يرث الكافر وان لم يرث الكافر المسلم‏»((4)).

وقال في الناصريات: «نحن نرث المشركين ونحجبهم. هذا صحيح، واليه يذهب اصحابنا. وروي القول بمثل‏مذهبنا عن معاوية بن ابي سفيان ومعاذ ومحمد بن الحنفية ومسروق وعبد اللّه بن معقل المزني وسعيد بن‏المسيب. وخالف باقي الفقهاء في ذلك وقالوا: ان المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم. دليلنا على صحة ماذهبنا اليه: الاجماع المتردد...»((5)).

وقال في النهاية: «واذا خلف الكافر وارثا مسلما ولدا كان او والدا او ذا رحم، قريبا كان او بعيدا، ذكرا كان اوانثى، او زوجا او زوجة ولم يخلف غيره كان المال له. فان خلف مع المسلم كائنا من كان وارثا كافرا قريبا اوبعيدا او زوجا او زوجة، كان الميراث للوارث المسلم دون الكافر»((6)).

ومثله عبارة ابن البراج في المهذب((7)). وفي الكافي في الفقه: «ولا يرث الكافر المسلم وان اختلفت جهات كفره‏وقرب نسبه، ويرث المسلم الكافر وان بعد نسبه كابن خال مسلم لموروث مسلم او كافر له ولد كافر بيهودية اونصرانية او جبر او تشبيه او جحد نبوة او امامة، ميراثه لابن خاله المسلم دون ولده الكافر»((8)).

وظاهره الحاق كل من يحكم بكفره واقعا وان كان منتحلا للاسلام ظاهرا بالكافر في هذا الحكم، وهو مخالف مع‏فتاوى فقهائنا الاخرين.

قال الشيخ في النهاية: «والمسلمون يتوارث بعضهم من بعض وان اختلفوا في الاراء والديانات، لان الذي به تثبت‏الموارثة اظهار الشهادتين والاقرار باركان الشريعة‏»((9)).

وفي الغنية: «قد بينا فيما سبق ان الكافر لا يرث المسلم، فاما المسلم فانه يرث الكافر عندنا وان بعد نسبه. ويدل‏على ذلك الاجماع الماضي ذكره وظاهر ايات الميراث، لانه انما يخرج من ظاهرها ما اخرجه دليل قاطع... واذا كان‏للكافر اولاد اصاغر وقرابة مسلم انفق عليهم من التركة حتى يبلغوا، فان اسلموا فالميراث لهم، وان لم يسلمواكان لقرابته المسلم‏»((10)).

وفي الوسيلة: «وان مات الكافر لم يخل من ثلاثة اوجه: اما يكون وارثه كافرا، او مسلما، او كلاهما. فالاول يكون‏ميراثه للكافر، والثاني يكون للمسلم، والثالث كذلك. وان كان الكافر اقرب من المسلم وان كان مكان ذي القرابة‏مولى نعمة فكذلك. وان خلف ولدا طفلا من ام مسلمة كان ميراثه له، لان الولد يلحق باشرف الابوين، فاذا بلغواواسلموا اخذوا المال، وان لم يسلموا قهروا عليه، فان ابوا قتلوا وكان ميراثهم لوارثهم المسلم، فان لم يكن له‏وارث مسلم كان لبيت المال‏»((11)).

وقال في السرائر: «فصل: قد بينا فيما مضى ان الكافر لا يرث المسلم، فاما المسلم فانه يرث الكافر عندنا وان‏بعد نسبه، ويحجب من قرب عن الميراث، بلا خلاف بيننا»((12)).

وقال في الجامع للشرائع: «فان خلف الكافر وارثا مثله واخر مسلما، ورثه المسلم وان كان ابعد من‏الكافر»((13)).

وقال في القواعد: «ولو خلف الكافر ورثة كفارا ورثوه، ولو كان معهم مسلم كان الميراث كله له سواء قرب اوبعد، حتى ان مولى النعمة بل ضامن الجريرة المسلم يمنع الولد الكافر من ميراثه من ابيه الكافر، والامام لا يمنع‏الولد من الارث. ولو كان مع الولد الكافر زوجة مسلمة فان قلنا بالرد فلا بحث، والا فاقوى الاحتمالات ان للزوجة‏الثمن والباقي للولد، ثم الربع فالباقي له، او لها او للامام‏»((14)).

وقال في تحرير الوسيلة: «لو مات الكافر اصليا او مرتدا عن فطرة او ملة وله وارث مسلم وكافر ورثه المسلم‏كما مر، وان لم يكن له وارث مسلم بل كان جميع وراثه كفارا يرثونه على قواعد الارث، الا اذا كان مرتدا فطريا اومليا فان ميراثه للامام(ع) دون وراثه الكفار»((15)).

وقال في منهاج الصالحين: «المسلم يرث الكافر ويمنع من ارث الكافر للكافر، فلو مات كافر وله ولد كافر واخ‏مسلم او عم مسلم او معتق او ضامن جريرة ورثه، ولم يرثه الكافر... هذا اذا كان الكافر اصليا، اما اذا كان مرتداعن ملة او فطرة فالمشهور ان وارثه الامام، ولا يرثه الكافر، وكان بحكم المسلم. ولكن لا يبعد ان يكون المرتدكالكافر الاصلي ولا سيما اذا كان مليا»((16)).

ومن هذا العرض يظهر ان اصل الحكم بعدم ارث الكافر من الكافر مع وجود وارث له مسلم وان بعد نسبه، محل‏وفاق واجماع بين فقهائنا. خلافا للعامة حيث ذهب معظمهم الى عدم ارث المسلم من الكافر، فضلا عن حجبه‏لارث الكافر منه.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «ذهب جمهور الفقهاء وهو قول ابي طالب من الحنابلة وقول علي وزيد بن‏ثابت واكثر الصحابة الى ان الكافر لا يرث المسلم حتى ولو اسلم قبل قسمة التركة، لان المواريث قد وجبت لاهلهابموت المورث، وسواء اكان الارتباط بين المسلم والكافر بالقرابة ام بالنكاح ام بالولاء.

وذهب الامام احمد الى انه‏ان اسلم الكافر قبل قسمة التركة ورث، لقوله(ص): «من اسلم على شي‏ء فهو له‏»، ولان في توريثه ترغيبا في‏الاسلام، كما ذهب الى ان الكافر يرث عتيقه المسلم.

وذهب جمهور الفقهاء ايضا الى ان المسلم لا يرث الكافر.وذهب معاذ بن جبل ومعاوية بن ابي سفيان والحسن ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين ومسروق‏الى ان المسلم يرث الكافر. استدل الائمة الاربعة على مذهبهم بقوله(ص): «لا يتوارث اهل ملل‏شتى‏»((17))ولقوله(ص): «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم‏»((18)). واستدل القائلون بتوريث المسلم من‏الكافر بقوله عليه الصلاة والسلام : «الاسلام يعلو ولا يعلى‏»((19))، ومن العلو ان يرث المسلم الكافر.

وفسر المانعون الحديث بان نفس الاسلام هو الذي يعلو، على معنى انه ان ثبت الاسلام على وجه ولم يثبت على‏وجه اخر فانه يثبت ويعلو. او ان المراد العلو بحسب الحجة او بحسب القهر والغلبة، اي النصرة في العاقبة‏للمسلمين‏»((20)).

وبعد ان اتضح الموقف الفقهي من هذه المسالة، نورد البحث عنها في الجهات التالية:

1 - ارث المسلم من الكافر.

2 - حجب الوارث المسلم للوارث الكافر.

3 - عدم الحجب اذا كان الوارث صغيرا.

4 - امكان منع الحجب من قبل امام المسلمين ضمن عقد الذمة وعدمه.

1 - ارث المسلم من الكافر ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

الوجه الاول: اجماع الطائفة وتسالمهم عليه كما ظهر من استعراض كلماتهم وثبوت ادلة واستدلالات اخرى في‏كلماتهم على الحكم المذكور بل وجود روايات عن المعصومين(ع) تدل عليه لا يقدح في الاجماع المذكور، ولايجعله مدركيا، لان لحن كلمات فقهائنا القدماء، وتصريحهم بان المسالة مما انفردت به الامامية واجمعت عليه،او انه حكم ال محمد(ع)، مع كون المسالة محل اختلاف منذ القديم بين المذهبين، واقرار كلا الطرفين في كتبهم‏بان قول علي والحسن وزين العابدين(ع) مخالف مع جمهور العامة.. كل هذه القرائن والنكات توجب الاطمئنان‏بان هذا الحكم كان واضحا مسلما عند الطائفة ومعلوما من موقف مذهبنا حتى عند العامة، فضلا عن الخاصة.فمثل هذا الاجماع لا اشكال في كشفه الجزمي عن راي المعصوم(ع)، فيكون اقوى الحجج في المسالة.

الوجه الثاني: انه مقتضى القاعدة، وهي العمومات من الكتاب والسنة، حيث دلت على ثبوت الميراث باسبابه،وهو يعم الكافر والمسلم، خرج من عمومه ان الكافر لا يرث المسلم، بالادلة الخاصة وبالاجماع بل الضرورة من‏الدين، فيبقى غيره تحت العموم.

قال المرتضى(ره) في الانتصار: «دليلنا بعد اجماع الطائفة المتردد، جميع ظواهر ايات المواريث، لان قوله تعالى:(يوصيكم اللّه في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين...)((21)) يعم الكافر والمسلم، وكذلك اية ميراث الازواج والزوجات‏والكلالة. وظواهر هذه الايات كلها تقتضي ان الكافر كالمسلم في الميراث، فلما اجمعت الامة على ان الكافر لا يرث‏المسلم اخرجناه بهذا الدليل الموجب للعلم، وبقي ميراث المسلم للكافر تحت الظاهر كميراث المسلم للمسلم.

ولا يجوز ان يرجع عن هذا الظاهر باخبار الاحاد التي يروونها، لانها توجب الظن ولا يخص بها، ويرجع عمايوجب العلم من ظواهر الكتاب، ولان اكثرها مطعون على رواته مقدوح فيهم، ولانها معارضة باخبار كثيرة‏يرويها ايضا مخالفونا وتوجد في كتبهم، ولان اكثرها له تاويل يوافق مذهبنا.

وتفصيل هذه الجملة ان مخالفنا في هذه المسالة يعول على خبر يرويه الزهري عن علي بن الحسين(ع) ، عن‏عمرو بن عثمان بن عفان، عن اسامة ابن زيد ان النبي(ص) قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم‏»((22)).وعن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جده قال: قال رسول اللّه(ص): «انه لا يتوارث اهل ملتين‏»((23)). وعن عامرالشعبي عن النبي(ص) نحوه((24)).

وعن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: مضت السنة الا يرث المسلم الكافر. ولم يورث عمر بن الخطاب الاشعب‏بن قيس عن عمته اليهودية((25)).

وقال الزهري: كان المسلم لا يرث الكافر في عهد النبي(ص) وعهد ابي بكر وعمر وعثمان. فلما ولي معاوية ورث‏المسلم من الكافر، واخذ بذلك الخلفاء حتى قام عمر بن عبد العزيز فراجع السنة الاولى.

وكل هذه الاخبار اذا سلمت من القدوح والجروح انما توجب الظن دون العلم اليقين. ولا يجوز ان يرجع بها ولابشي‏ء منها عما يوجب العلم من ظواهر كتاب اللّه تعالى.

فاما خبر اسامة فمقدوح فيه، لان اسامة تفرد به عن النبي(ص)، وتفرد به ايضا عنه عمرو بن عثمان، وتفرد به‏علي بن الحسين(ع) عن عمرو، وتفرد به الزهري عن علي بن الحسين(ع)، وتفرد الراوي بالحديث مما يوهنه‏ويضعفه لوجوه معروفة.

وقد روى هذا الحديث بعينه الزهري فقال: عن عمرو بن عثمان، ولم يذكر علي بن الحسين(ع). واختلاف الرواية‏ايضا فيه مما يضعفه، ومما يضعف هذا الخبر ان علي بن الحسين(ع) كان يورث المسلم من الكافر بلا خلاف، فلوروى فيه سنة لما خالفها.

وروى احمد بن حنبل عن يعقوب، عن ابيه، عن صالح، عن الزهري: ان علي بن الحسين(ع) اخبره ان عثمان بن‏عفان واسامة بن زيد قالا: لا يرث المسلم الكافر((26))، من غير ان يسنداه الى النبي(ص). وهذا الاختلاف‏والاضطراب في رواية الخبر دالان على ضعفه. واما حديث عمرو بن شعيب فان الحفاظ لا يثبتونه عن النبي(ص)،ويذكرون انه من قول عمر بن الخطاب، وعمرو بن شعيب مضعف عند اصحاب الحديث.

ومما يوهنه ايضا تفرده عن ابيه، وتفرد ابيه عن جده، وتفرد جده به عن النبي(ص). وعمرو بن شعيب ما لقي عبداللّه بن عمر الذي هو جده، وانما يرسل عنه. واما خبر الشعبي عن النبي(ص) فهو مرسل.

وقول سعيد بن المسيب: انه سنة، لا حجة فيه، لان ذلك خبر عن اعتقاده ومذهبه. ويجوز ان يريد به انه من سنن‏عمر بن الخطاب لا النبي عليه واله السلام وما يسنه غير النبي عليه واله السلام ممن ذكرناه يجوز ان يكون‏خطاكما يجوز ان يكون صوابا.

وكان مذهب سعيد بن المسيب توريث المسلم من الكافر، فكيف يجوز ان يكون عنده في خلاف ذلك سنة؟! على‏ان هذه الاخبار معارضة مقابلة بما يرويه مخالفونا ويوجد في كتبهم، مثل الخبر الذي يرويه عمر بن ابي حكيم‏عن عبد اللّه بن بريدة ان اخوين اختصما الى يحيى بن يعمر يهودي ومسلم فورث المسلم منهما.

وقال: حدثني ابو الاسود الدؤلي ان رجلا حدثه ان معاذا قال:

سمعت رسول اللّه(ص) يقول: «الاسلام يزيد ولاينقص‏»، فورث المسلم((29)). ونظائر هذا الخبر موجودة كثيرة في رواياتهم، فاما روايات الشيعة في ذلك فمما لايحصى.

واما الخبر المتضمن لنفي التوارث بين اهل ملتين((28)) فنحن نقول بموجبه، لان التوارث تفاعل، وهو مقتض ان‏يكون كل واحد منهما يرث صاحبه، واذا ذهبنا الى ان المسلم يرث الكافر والكافر لا يرثه((29)) فما اثبتنا بينهماتوارثا»((30)).

وقد نقل هذا الحديث في رواياتنا عن المعصومين(ع) ايضا، ولكن فسر في نفس الروايات بما يرجع الى ما ذكره‏السيد(قده)، على ما سياتي تفصيله في الوجه القادم.

الوجه الثالث: الروايات الخاصة، فان هناك مجموعة من الروايات قد تبلغ حد الاستفاضة دلت على ان المسلم يرث‏من الكافر((31)).

منها صحيح ابي ولاد قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول:

«المسلم يرث امراته الذمية، وهي لا ترثه‏»((32)).

ومنها رواية الحسن بن صالح عن ابي عبد اللّه(ع) قال:

«المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم‏ولا يرثه‏»((33)). والحسن بن صالح بتري لم يثبت توثيقه.

ومنها معتبرة ابي خديجة عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «لا يرث الكافر المسلم، وللمسلم ان يرث الكافر، الا ان يكون‏المسلم قد اوصى للكافر بشي‏ء»((34)).

والتعبير في هذه الرواية بان «للمسلم ان يرث الكافر» فيه دلالة على ان له ان يرث اذا تمت له شرائط الارث، وهذاقد يشعر بعدم حجب المسلم للكافر اذا كان المورث كافرا وكان اقرب من المسلم في طبقة الارث.

ومنها رواية عبد الرحمان بن اعين عن ابي جعفر(ع) في النصراني يموت وله ابن مسلم، ايرثه؟ قال: «نعم، ان‏اللّه عزوجل لم يزدنا بالاسلام الا عزا، فنحن نرثهم وهم لا يرثونا»((35)).

والرواية بسند الصدوق فيها محم د بن سنان((36))، وبسند الكليني((37)) والشيخ(قده)((38)) فيها موسى بن بكر،وهو الواسط‏ي الذي في توثيقه كلام، والصحيح وثاقة الرجل، لنقل صفوان بن يحيى وابن ابي عمير عنه، بل شهدصفوان بان كتابه مما لا يختلف فيه اصحابنا. الا انه في سند الكليني عبد اللّه بن اعين لا عبد الرحمان، وكذلك في‏سند الشيخ بنقل التهذيب لا الاستبصار((39))، والظاهر ان هذا سهو، اذ لا وجود لعبد اللّه بن اعين لا في الرجال ولافي الاسانيد، فالصحيح انه عبد الرحمان، كما يشهد له ما ياتي في سند الصدوق(قده).

ومنها روايته الاخرى عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «لا يتوارث اهل ملتين نحن نرثهم ولا يرثونا، ان اللّه عزوجل لم‏يزدنا بالاسلام الا عزا»((40)). وقد رواها الصدوق(قده)، وفي السند موسى بن بكر ايضا((41))، ولعلها نفس‏الرواية الاولى.

ومنها معتبرة سماعة عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: سالته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال: «نعم، فاما المشرك فلايرث المسلم‏»((42)).

ومنها معتبرة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع)، قال: سمعته يقول: «لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين،ويرث المسلمون اليهود والنصارى‏»((43)).

ومنها معتبرة جميل وهشام جميعا عن ابي عبد اللّه(ع) انه قال فيما روى الناس عن النبي(ص) انه قال: «لايتوارث اهل ملتين‏» قال: «نرثهم ولا يرثونا، ان الاسلام لم يزده في حقه الا شدة‏»((44)). وفي نقل الشيخ(قده):«لم يزده الا عزا في حقه‏»((45)).

ومنها رواية ابي العباس قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول: «لا يتوارث اهل ملتين، يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا،الاان المسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم‏»((46)).

وابو العباس هو البقباق الثقة، والراوي عنه في هذه الرواية قاسم بن عروة، وتوثيقه محل بحث بين الاعلام.والارجح وثاقته، لنقل ابن ابي عمير والبزنط‏ي عنه في اسناد صحيحة بناء على كفاية ذلك في التوثيق على ان في‏كتاب المسائل الصاغانية المنسوب للمفيد(قده) التصريح بوثاقته((47))، فبناء على صحة انتساب هذا الكتاب الى‏المفيد(قده) يثبت توثيقه بذلك ايضا، فالرواية معتبرة سندا.

ومنها رواية مالك بن اعين وعبد الملك بن اعين جميعا عن ابي جعفر(ع)، قال: سالته عن نصراني مات وله ابن اخ‏مسلم وابن اخت مسلم وله اولاد وزوجة نصارى؟ فقال: «ارى ان يعط‏ى ابن اخيه المسلم ثلثي ما تركه، ويعط‏ى‏ابن اخته المسلم ثلث ما ترك ان لم يكن له ولد صغار...»((48)). وهي وان كانت تدل على تفصيل فيما اذا كان للميت‏الكافر ولد صغار وسياتي البحث عنه في جهة قادمة الا ان صدرها صريح في ارث المسلم من الكافر، بل وحجبه‏للوارث الكافر.

ومثلها مرفوعة ابن رباط عن امير المؤمنين(ع): «لو ان رجلا ذميا اسلم وابوه حي ولابيه ولد غيره ثم مات الاب،ورثه المسلم جميع ماله، ولم يرثه ولده ولا امراته مع المسلم شيئا»((49)).

ومنها رواية ينقلها الصدوق باسناده عن ابي الاسود الدؤلي: ان معاذ بن جبل كان باليمن فاجتمعوا اليه وقالوا:يهودي مات وترك اخا مسلما؟ فقال معاذ: سمعت رسول اللّه(ص) يقول:

«الاسلام يزيد ولا ينقص‏»، فورث‏المسلم من اخيه اليهودي((50)).

الا ان هذه الرواية لا ظهور فيها في صدور الحكم بارث المسلم من الكافر من قبل النبي(ص)، وانما المنقول‏عنه(ص) كبرى ان «الاسلام يزيد ولا ينقص‏»، وقد طبقها معاذ بن جبل في المقام بهذا النحو، فاستنبط منها ارث‏المسلم من الكافر. ومثله ما ينقله الشيخ الصدوق(قده) في المقام وقد نقله عنه في الوسائل ايضا من ان النبي(ص)قال: «لا ضرر ولا ضرار في الاسلام، فالاسلام يزيد المسلم خيرا ولا يزيده شرا»((51))، او «الاسلام يعلو ولايعلى عليه‏»((52)).

فالاستدلال بمثل هذه الروايات على الحكم في المقام مبني على استظهار العلو والزيادة والخير حتى بلحاظ‏الارث، وهو غير واضح. على ان هذه الروايات مرسلة، وفي غيرها من الروايات المتقدمة والصريحة في ارث‏المسلم من الكافر كفاية، لصحة جملة منها ولبلوغ مجموعها حد الاستفاضة.

الروايات المعارضة ومناقشتها:

وفي قبال تلك الروايات توجد عدة روايات قد يدعى مخالفتها بالاطلاق او بالصراحة مع ما تقدم.

فمن الاول روايتان:

احداهما معتبرة حنان بن سدير عن ابي عبد اللّه(ع)، قال:

سالته: يتوارث اهل ملتين؟ قال: «لا»((53)).

والثانية رواية علي بن جعفر في قرب الاسناد عن اخيه موسى(ع)، قال: سالته عن نصراني يموت ابنه وهومسلم، هل يرث؟ فقال: «لا يرث اهل ملة‏»((54)).

الا ان الرواية الاولى والمعتبرة لا ظهور لها في اكثر من عدم التوارث من الطرفين معا، فلا ينافي ارث المسلم من‏الكافر فقط. ولو فرض ظهور لها في النفي من الطرفين فهو كالظهور الاطلاقي القابل للتقييد، بصراحة الروايات‏المتقدمة الدالة على ان المنع انما هو من طرف ارث الكافر من المسلم لا العكس.

على ان مثل رواية ابي العباس‏المتقدمة قد فسرت التوارث بالتوارث من الطرفين، فتكون قرينة مفسرة وشارحة للمراد من عدم توارث اهل‏ملتين.

واما الرواية الثانية، فهي مضافا الى ضعف سندها بعبد اللّه بن الحسن، مورد السؤال فيها ارث الاب الكافر من ابنه‏المسلم والذي لا اشكال في منعه. واما استفادة الاطلاق لطرف العكس فمبني على ان يكون المراد من قوله(ع): «لايرث اهل ملة‏» ان اي ملة لا يرثه من ملة اخرى، فيشمل باطلاقه ارث المسلم من الكافر ايضا. وفي هامش الوسائل‏ان الموجود في المصدر اي قرب الاسناد : «لا يرث اهل ملة ملة‏»، فلو تم هذا لكان بحكم الاطلاق القابل للتقييد بماتقدم في الروايات من التصريح بارث المسلم من الكافر.

ومن الثاني عدة روايات:

منها معتبرة جميل ومحمد بن حمران، عن ابي عبد اللّه(ع) في الزوج المسلم واليهودية والنصرانية انه قال:

«لايتوارثان‏»((55)).

الا ان هذه الرواية وان كانت واردة في السؤال عن خصوص الزوج المسلم والزوجة الكافرة، الا ان التعبير الواقع‏في جواب الامام(ع) نفي التوارث من الطرفين، فتكون كرواية حنان المتقدمة.

ومنها رواية حنان عن امي الصيرفي او بينه وبينه رجل عن عبد الملك بن عمير القبط‏ي، عن امير المؤمنين(ع)انه قال للنصراني الذي اسلمت زوجته: «بضعها في يدك، ولا ميراث بينكما»((56)).

وهي مضافا الى ضعف سندها ايضا قابلة للحمل على الميراث من الطرفين لا من طرف واحد، بقرينة الروايات‏المتقدمة الصريحة، ولو فرض ظهورها في عدم ارث الزوجة المسلمة من زوجها الكافر ايضا كانت كالرواية‏القادمة.

ومثلها مرسلة الصدوق في المقنع قال: قال ابو عبد اللّه(ع) في الرجل النصراني تكون عنده المراة النصرانية‏فتسلم او يسلم ثم يموت احدهما؟ قال: «ليس بينهما ميراث‏»((57)).

ومنها معتبرة عبد الرحمان البصري قال: قال ابو عبد اللّه(ع):

«قضى امير المؤمنين(ع) في نصراني اختارت‏زوجته الاسلام ودار الهجرة : انها في دار الاسلام لا تخرج منها، وان بضعها في يد زوجها النصراني، وانها لاترثه ولا يرثها»((58)).

وهذه الرواية صريحة في عدم ارث الزوجة المسلمة من زوجها النصراني، فلا يمكن حملها على ما تقدم، بل قديقال: ان مقتضى صناعة الجمع العرفي تخصيص الروايات المتقدمة الدالة على ارث المسلم من الكافر بغيرالزوجة، لان دلالة تلك الروايات وشمولها لكل وارث مسلم حتى الزوجة انما تكون بالاطلاق او بالصراحة، بينماهذه الرواية واردة في خصوص الزوجة المسلمة.

واصرح من هذه الرواية في التخصيص والتفصيل معتبرة عبد الرحمان بن اعين قال: قال ابو جعفر(ع): «لا نزدادبالاسلام الا عزا، فنحن نرثهم ولا يرثونا، هذا ميراث ابي طالب في ايدينا، فلا نراه الا في الولد والوالد، ولا نراه في‏الزوج والمراة‏»((59)). فانها على تقدير صدورها صريحة في التفصيل واختصاص الحكم بارث المسلم من‏الكافر بغير الزوج والمراة، بل باختصاص ذلك بالولد والوالد فقط.

اللهم الا ان يراد بالولد والوالد بقرينة المقابلة مع الذيل النسب في قبال السبب، وفيه تامل.

الا ان الذي يضعف صدور هذه الرواية او يوجب تاويلها ما في ظاهر ذيلها من الدلالة على كفر ابي طالب.

وفي الوسائل بعد نقل الحديث: «قال الشيخ: الاستثناء الذي في هذا الخبر للزوج والزوجة متروك باجماع‏الطائفة.

اقول: يمكن ان يراد بالميراث في اخره: الشرف ونحوه، ويبقى التعليل مجازيا، ومثله كثير»((60)).

وما ذكره صاحب الوسائل من التاويل واضح الضعف، ولا يصح في المقام هذا النحو من الجمع. والتحقيق ان‏يقال: بان هاتين الروايتين ساقطتان عن الحجية، وذلك:

اولا لان في الروايات المتقدمة ما هو صريح في ارث الزوج من زوجته الذمية كما في صحيح ابي ولاد فلا يمكن‏استثناء الزوج المسلم، وبعد التعارض والتساقط يرجع الى مطلقات «نحن نرثهم‏».

وثانيا ان التعليل الوارد في الروايات المتقدمة من ان الاسلام لا يزيده الا عزا لا فرق فيه بين وارث مسلم وغيره،فيكون الحكم المذكور في تلك الروايات كالابي عن التخصيص، وتكون الروايتان بحكم المعارض مع تلك‏الروايات لا المخصص لها، فتحمل الروايتان على التقية، لموافقتهما مع العامة.

وثالثا اعراض المشهور عنهما، بل لعل اجماع الطائفة على خلافهما. وهذا ان لم يوجب القطع بصدورهما تقية‏فلااقل من كونه قرينة قوية على وجود خلل فيهما او تاويل لمفادهما، فتسقطان عن الحجية بناء على كبرى سقوط‏خبر الثقة في مثل هذه الموارد عن الحجية.

وهكذا يتضح في الجهة الاولى من الجهات المتقدمة ان المسلم يرث الكافر بلا شبهة ولا اشكال، من غير فرق في‏موجبات الارث بين النسب والسبب والولاء، لان هذا هو مقتضى اطلاق قولهم(ع): «نحن نرثهم‏»، خصوصا مع‏التعليل بان «الاسلام يزيده ولا ينقصه شيئا»، فانه يعم تمام موجبات الارث، وان كل ما كان موجبا للارث لايمكن ان يمنع عنه من جهة الاسلام.

2 - حجب الوارث المسلم وان بعد للوارث الكافر عن الارث والبحث هنا فيما اذا كان المورث كافرا، اما اذا كان مسلما وكان له وارث مسلم ووارث كافر، فعدم ارث الكافرشيئا ليس من باب حجب الوارث المسلم بالدقة، بل من جهة ان الكافر لا يرث المسلم، ولهذا لو لم يكن له وارث‏مسلم ايضا لم يرثه الكافر بل ورثه الامام(ع).

ويمكن ان يستدل على هذا الحكم بامور:

الامر الاول: الاجماع المتقدم، فان المستظهر بل المصرح به في كلمات الفقهاء ارث المسلم من الكافر، وحجبه‏ايضا لورثته الكفار عن الارث وان كانوا اقرب في الطبقة. نعم، قيد ذلك بغير الامام والزوجة، فالامام لا يحجب بل‏لا يرث من الكافر مع وجود وارث كافر له، كما ان الزوجة المسلمة لا تحجب الورثة الكفار بناء على عدم‏الردعليها.

وهذا الاجماع وان كان مستظهرا من عبارات الفقهاء، كالاجماع والتسالم على المسالة السابقة وهي ارث المسلم‏من الكافر الا انه هناك اوضح واجلى منه هنا. بمعنى: ان مسالة ارث المسلم من الكافر وان اسلامه لا يزيده الا عزاولا ينقصه شيئا، من قبيل ضروريات مذهبنا، لما تقدمت الاشارة ا ليه من ان هذه المسالة كانت مطروحة ومحل‏اخذ ورد وجدال بين مذهبنا وبين العامة، حيث ذهب جمهورهم الى عدم ارث المسلم من الكافر، واما مسالة‏الحجب للوارث الكافر فلم تكن مطروحة من قبل العامة، ولم ينقل عن احد منهم. فالتشكيك في مدركية هذاالاجماع في المقام وان مستنده لدى الفقهاء لعله الاستناد الى الروايات، متجه.

الامر الثاني التمسك باطلاق ما دل على ان المسلم يحجب الكافر، الوارد في رواية الحسن بن صالح المتقدمة:«المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه‏»((61))، فانه مطلق صادق على المسلم الوارث‏من المسلم الذي له ورثة كفار، والوارث من الكافر الذي له ورثة كفار. وقد تمسك بهذا الاستدلال جملة من‏الفقهاء.

الا ان في النفس منه شيئا، لان الحديث افترض المورث كافرا بقوله(ع): «ويرثه‏»، مما يعني ان قوله(ع) اولا:«المسلم يحجب الكافر» لم يفرض فيه المورث كافرا بل مسلما.

وبعبارة اخرى: حجب المسلم للكافر عن مورثه الكافر فرع ان يثبت في المرحلة السابقة اصل ارثه منه، وهذا لم‏يبين بهذا الحديث الا بقوله(ع): «ويرثه‏» بعد قوله(ع): «المسلم يحجب الكافر»، فعند قوله(ع): «المسلم يحجب‏الكافر» بعد لم يفرض ارثه من الكافر، فلا يكون له اطلاق، لفرض كون المورث كافرا، بل المتفاهم العرفي من مثل‏هذا الخطاب ان الكفر تارة يفرض في طرف الوارث فيقال المسلم يحجبه، واخرى يفرض في طرف المورث فيقال‏المسلم يرثه.

هذا، مضافا الى ضعف سند الحديث كما تقدم.

الامر الثالث التمسك بالروايات الدالة على منع الكافر وعدم استحقاقه شيئا من الميراث اذا اسلم بعد القسمة. وهي‏روايات عديدة صحيحة السند، من قبيل صحيح ابن مسكان عن ابي عبد اللّه(ع)قال: «من اسلم على ميراث قبل ان‏يقسم فله ميراثه، وان اسلم وقد قسم فلا ميراث له‏»((62)). وقريب منه صحيح محمد بن مسلم وغيره((63)).

قال في الجواهر في مقام الاستدلال بهذه الروايات على الحجب : «والمعتبرة المتضمنة لمنع الكافر اذا اسلم بعدالقسمة، فانها تعم الارث من المسلم والكافر مع المسلم وبدونه، خرج الاخير بالاجماع فيبقى غيره. وفي بعضها«من اسلم على ميراث قبل ان يقسم فهو له‏»((64))، وظاهره الاختصاص به مطلقا، خرج منه اجتماعه مع المسلم‏المساوي له في الدرجة، فيختص في غيره باحد امرين: من القرب والاسلام‏»((65)).

ويلاحظ على هذا الاستدلال: ان هذه الروايات ليست بصدد بيان منع الكافر عن الارث ليقال بانها تعم الارث من‏المسلم والكافر، وانما بصدد بيان العكس، اي ان ارث المسلم يكفي فيه ان يسلم قبل قسمة التركة، فلا يشترط‏اسلام الوارث عند موت المورث. نعم هذا يدل بالالتزام على ان الكافر الممنوع عن الارث اذا بقي كافرا الى حين‏القسمة فلا يستحق شيئا حتى اذا اسلم بعد ذلك، اما انه متى يكون الكافر ممنوعا وانه هل يعم ما اذا كان المورث‏كافرا ايضا فهذا لا يستفاد من هذه الاحاديث، لانها ليست بصدد بيان اصل مانعية الكفر، كما هو واضح.

ومنه يظهر ان هذه الروايات لا تحتاج الى التقييد او التخصيص واخراج فرض عدم وجود وارث مسلم او فرض‏وجود مسلم مساو له. كما ان ما استظهره من صحيح محمد بن مسلم: «من اسلم على ميراث من قبل ان يقسم‏فهو له، ومن اسلم بعدما قسم فلا ميراث له‏»((66)) من النظر الى ارث جميع التركة، غير صحيح ايضا، بل النظرفيه الى اصل استحقاق الارث، بقرينة المقابلة، بل عنوان الميراث اسم جنس يصدق على سهمه من الارث ايضا.

الامر الرابع التمسك ببعض الروايات الخاصة، ويتمثل في روايتين:

احداهما: رواية جعفر بن محمد بن رباط رفعه قال: قال امير المؤمنين(ع) «لو ان رجلا ذميا اسلم وابوه حي،ولابيه ولد غيره، ثم مات الاب، ورثه المسلم جميع ماله، ولم يرثه ولده ولا امراته مع المسلم شيئا»((67)).

وهي واضحة الدلالة على حجب المسلم لارث الكافر من مورثه الكافر، الا ان الرواية مرفوعة، مضافا الى‏مجهولية راويها.

الثانية: رواية عبد الملك بن اعين او مالك بن اعين المتقدمة((68)). والبحث في سندها تارة وفي دلالتهااخرى:

اما السند: فقد نقلها صاحب الوسائل عن كتاب الفقيه بعنوان «عبد الملك ابن اعين ومالك بن اعين جميعا عن‏ابي جعفر». ومثل هذا السند معتبر، لان عبد الملك بن اعين احد اخوة زرارة المعتبرين بشهادة الكشي عليهم‏جميعا بالاستقامة والفقه((69))، الا ان الموجود في نسخ الفقيه التي بايدينا اليوم «عبد الملك بن اعين او مالك بن‏اعين‏»((70)) بنحو الترديد ومن دون كلمة «جميعا»، كما ان الرواية ينقلها الكليني((71)) والشيخ((72)) بعنوان‏«مالك بن اعين‏»، وكذلك العلامة في المختلف ينقلها بعنوان «ما رواه مالك بن اعين عن الباقر(ع)»((73)). ومالك‏بن اعين لم يذكره الكشي مع اخوة زرارة الذين ذكرهم بالاستقامة والفضل، ولم يذكر توثيق له.

نعم، ذكر بعضهم ان لاخوة زرارة اخوين اخرين هما: مالك بن اعين وقعنب بن اعين، وليسا بشي‏ء، او انه كان‏مخالفا((74))، ومن هنا استظهر السيد الخوئي(قده) في المعجم ان مالك بن اعين في الاسانيد هو الجهني‏البصري((75))، وهو ايضا ممن لم يثبت توثيقه. وعلى هذا يكون السند مرددا بين الموثق وغير الموثق ان لم‏يطمان‏بان ه غير الموثق.

لا يقال: نقل صاحب الوسائل عن نسخة معتبرة لعلها كانت تحت يده حجة لنا، لان له طريقا معتبرا متصلا الى‏اصحاب الكتب الاربعة في سلسلة اجازاته، بخلاف نسخ الفقيه التي بايدينا اليوم، فان اصلها وان كان قطعياومتواترا الا ان موارد اختلاف النسخ لا قطع فيها بالنسخة المطبوعة بالخصوص، فلعل النسخة الصحيحة خلافهاوان الصحيح نسخة صاحب الوسائل. وحيث ان لتلك النسخة طريقا تعبديا معتبرا فيكون حجة ما لم يعلم‏بخلافه، فيثبت بذلك نقل الحديث عن الباقر(ع) من قبل عبد الملك بن اعين، ولا ينافي ذلك نقل الكليني والشيخ‏لنفس الحديث عن مالك بن اعين تعيينا، اذ لا تنافي بينهما كما هو واضح.

فانه يقال: هذا بعيد، بل مطمان بخلافه في المقام، لان جميع النسخ التي بايدينا من الفقيه تنقل السند بنحو الترديدومن دون كلمة «جميعا»، كما ان سائر اصحاب الطرق والاجازات من الاعلام المعاصرين او المتقدمين على‏صاحب الوسائل قد نقلوا السند كما في نسخ الفقيه الموجودة بايدينا، فصاحب الوافي((76)) وصاحب‏البحار((77))ووالده في شرحه على الفقيه (روضة المتقين)((78)) كلهم قد نقلوا السند بالنحو الذي ذكرناه،ومجموع ذلك يوجب الاطمئنان بان السهو من صاحب الوسائل. على ان لاولئك ايضا كما اشرنا طرقا معتبرة الى‏صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه، فيقع التهافت والتعارض بينها وبين طريق صاحب الوسائل في نقل هذاالموضع من الفقيه، فالرواية لايثبت نقلها من قبل عبد الملك بن اعين الثقة.

واما الدلالة فعلى اصل الحجب، وان زوجة الكافر واولاده الكفار لا يرثون مع وجود ابن الاخ وابن الاخت المسلمين‏ظاهرة، الا انها تضمنت امرين اخرين على خلاف القواعد:

احدهما: وجوب انفاق المسلم الوارث على اولاد الكافر الصغار حتى يبلغوا.

والاخر: انهم اذا اسلموا وهم صغار دفع التركة الى الامام لينفق عليهم، فاذا ادركوا واتموا على الاسلام دفع لهم،والا دفع الى الوارث المسلم.

وقد عممه ابن زهرة((79))، وابو الصلاح((80)) الى مطلق ما اذا كان للكافر ولد صغار وقرابة مسلم ولو لم يسلمواوهم صغار.

وحيث ان كلا المطلبين على خلاف القواعد خالف مشهور الفقهاء مضمون هذا الحديث، وحملوه على الاستحباب‏وعدم اللزوم، وهذا قد يوهن دلالته حينئذ على لزوم الحجب ايضا. بل ادعى بعضهم كما في الجواهر اعراض‏المشهور عن العمل بهذا الحديث وان الاولى طرحه((81)). وهذا لو تم وقيل بانه يوجب وهن سند الحديث سقط عن‏الحجية، فلا يمكن الاستناد اليه عندئذ في الحكم بالحجب ايضا لان حجية السند لا تقبل التبعيض على ما هو مقررفي محله.

وفي قبال هذه الروايات توجد روايتان في الوسائل ظاهرتان في الخلاف وان الكافر يرث مع المسلم من المورث‏الكافر.

احداهما: رواية ابن ابي نجران، عن غير واحد، عن ابي عبد اللّه(ع) في يهودي او نصراني يموت وله اولاد مسلمون‏واولاد غير مسلمين. فقال: «هم على مواريثهم‏»((82))، نقلها الكليني في الكافي((83)) والشيخ في الاستبصاروالتهذيب((84))، الا انه في نقل التهذيب يوجد سقط جملة «اولاد مسلمون‏».

والاخرى: رواية ابن ابي عمير عن غير واحد، عن ابي عبد اللّه(ع) في يهودي او نصراني يموت وله اولاد غيرمسلمين فقال: «هم على مواريثهم‏»((85)) وقد انفرد بنقلها الشيخ في التهذيب((86)).

ومن المحتمل قويا انهما حديث واحد نقله كل من ابن ابي نجران عن غير واحد، وابن ابي عمير عن غير واحد، عن‏الصادق(ع)، لوحدة الفاظ الحديثين. وان في نقل التهذيب سقطا لكلمة «مسلمون واولاد» قبل كلمة «غيرمسلمين‏»، فان كلا الحديثين نقلا في التهذيب بنحو واحد، ولكن في الاستبصار نقله الشيخ كما في الكافي ممايوجب الاطمئنان بوقوع السقط في مقام الاستنساخ في التهذيب، فانه لا وجه للسؤال عن فرض موت الكافر وله‏اولاد كفار، وانما الذي يحتاج الى السؤال عنه فرض وجود اولاد مسلمين له.

ولو فرض عدم السقط ايضا يكون مقتضى اطلاقه لما اذا كان له اولاد او وارث في طبقة اخرى مسلمون انهم على‏مواريثهم ايضا.

فيدل كلا الحديثين على عدم الحجب وان الكافر ايضا يرث من الكافر حتى مع وجود الوارث المسلم. ومن هناحمله بعض الاصحاب على التقية او على معنى اخر.

قال الشيخ(قده): «معنى قوله(ع) «هم على مواريثهم‏» اي: على ما يستحقونه من ميراثهم. وقد بينا ان المسلمين‏اذا اجتمعوا مع الكفار كان الميراث للمسلمين دونهم. ولو حملنا الخبر على ظاهره لكان محمولا على ضرب من‏التقية‏»((87)).

وقال صاحب الوسائل(قده) بعد نقله للحديث ولكلام الشيخ(قده): «ويحتمل ان يكون «الواو» في قوله: «واولادغير مسلمين‏» بمعنى «او» يعني: ان الكافر يرثه اولاده مسلمين كانوا او كفارا، لما مر لا في صورة كون‏بعضهم مسلمين وبعضهم كفارا»((88)).

اقول: اما ما ذكره الشيخ الحر(قده) فمضافا الى كونه خلاف صراحة الحديث في النظر الى صورة الاختلاط‏ووجود صنفين من الاولاد في الورثة لانها الصورة التي تحتاج الى السؤال عنها واستعلام حكمها ان «الواو» لوكانت بمعنى «او»، كما اذا صرح ب «او»، فايضا يشمل الحديث باطلاقه صورة الاختلاط، ما لم يفرض الترديدبين ان يكون جميع اولاده مسلمين او جميع اولاده غير مسلمين، وهو بحاجة الى دال اخر كما هو واضح.

واما ما ذكره الشيخ(قده) من الحمل على انهم على ما يستحقونه شرعا من الميراث، فهذا لا يناسب ان يكون جواباعلى سؤال السائل، لان السؤال عما يستحقونه شرعا، فلابد للامام(ع) ان يبين ما هو الحكم الشرعي،وان‏الاستحقاق للمسلم خاصة دون الولد الكافر، لا ان يقول انهم على ما يستحقونه شرعا، فان هذا كالقضية‏بشرط المحمول الواضح عند كل احد.

واما ما ذكره ثانيا من الحمل على التقية، فهو غير محتمل على ضوء ما تقدم من ان جمهور العامة على عدم ارث‏المسلم من الكافر، لعدم التوارث بين اهل ملتين، فمضمون الحديث مخالف مع قول العامة على كل حال.

على ان الحمل على التقية ابتداء غير صحيح، وانما يلجا اليه عند استحكام التعارض بين حديثين معتبرين سندا.وعدم وجود جمع عرفي بينهما، وعدم وجود ترجيح سندي مقدم على الحمل على التقية، وهو الترجيح بموافقة‏الكتاب وطرح المخالف للكتاب، فانه مقدم على الترجيح بمخالفة العامة على ما هو منقح في محله من علم‏الاصول.

وفي المقام لا تصل النوبة الى الحمل على التقية. وذلك:

اولا لان هذا الحديث معتبر سندا، لانه ينقله ابن ابي عمير، عن غير واحد، ومراسيل ابن ابي عمير عن غير واحدمعتبرة على ما حقق في محله، خصوصا مع نقل ابن ابي نجران الثقة العظيم الشان عن غير واحد عن الامام(ع)للحديث ايضا. بخلاف ما دل على الحجب فانه لم يثبت شي‏ء من الروايات الثلاثة المتقدمة سندا.

ودعوى: سقوط سند هذا الحديث باعراض الاصحاب عن العمل به بناء على كبرى وهن السندبالاعراض.

مدفوعة: بان الاعراض غير ثابت، كيف وقد عرفت جمع الشيخ بينه وبين سائر الروايات بالنحو المتقدم.

وثانيا لو فرض اعتبار السند في كلا الطرفين ووقع التعارض بينهما كان المرجح هذا الحديث، لمطابقته مع‏الكتاب الكريم الدال بعمومه على ارث ذوي الارحام بعضهم من بعض، والترجيح بموافقة الكتاب مقدم على‏الترجيح بمخالفة العامة.