الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ولكن لا يخفى ان مثل هذا المعنى ينافي ما في قوله(ع): «رجل قضى بالحق وهو لا يعلم‏»((165))، اذ الظاهر منه‏عدم جواز مثل هذا القضاء واقعا لا وضعا ولا تكليفا، وعليه فالامر يدور بين رفع اليد عن هذه الروايات بحمل‏الحق والقسط والعدل والحكم على القسط في مقام الفصل، وكذا الحق في هذا المقام، او بحمل هذه الرواية الاخيرة‏على بيان اثبات العقوبة على مثل هذا القاضي من جهة تجريه بلا اقتضاء مثل ذلك نفي نفوذ قضائه وان كان‏خلاف سوق الرواية... ومع الدوران بين هذه الاحتمالات لا يبعد ترجيح الاحتمال الاول، ولا اقل من تساويهاالمسقط للبقية عن الحجية على المدعى، لان مثل هذه العمومات بناء على هذا الاحتمال غير صالحة لاثبات‏الصغرى من ان الفصل بالحق في هذا المقام باي شي‏ء يتحقق، بل لابد من احراز ذلك من الخارج، كما هوظاهر»((166)).

فمندفع: بما عرفت من ان تصدير قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما انزل اللّه)((167)) باحكام القصاص المذكورة في‏صدر الاية دليل واضح على ان المراد ب (ما انزل اللّه) نفس الحكم الواقعي الذي انزله اللّه تعالى وبينه لرسوله‏بمثل (النفس بالنفس والعين بالعين...)، فالواجب ان يعدل ولا يتوقف عن الحكم به، ولا محالة يكون علمه طريقاوصل به الى هذا الواقع.

ثم لو خلينا ونفس هذه الاية وامثالها لقلنا بان من اثار الحكم الواقعي لزوم القضاء على طبقه ولم يكن للعلم‏الامجرد الطريقية، نعم اذا لم يعلم به حتى بعد الفحص عنه فلم يثبت لديه حكم المورد وما انزل اللّه تعالى فيه ولولعدم وضوح حال الموضوع فلا يجب عليه الحكم، لان امر حكمه حينئذ دائر بين ان ينطبق على الواقع فيكون عملابالواجب، وان يتخلف عنه فيكون معصية، لانه لم يحكم بما انزل اللّه. الا ان ملاحظة سائر الادلة التي منها الرواية‏المشار اليها في كلامه توجب اعتبار العلم بالحق موضوعا لجواز الحكم، ولازمه ان يزاد على شرائط القضاءوالحكم امر اخر، هو العلم بما انزل اللّه تعالى فيه، فيكون العلم الذي هو ظاهر في الطريقي منه جزء الموضوع في‏باب القضاء، فيجب ان يكون القضاء بما كان حكم الواقعة في الشريعة وكان عالما به، وهذا ليس فيه محذور، ولاهو خلاف الظاهر، ولا يدور الامر بينه وبين سائر المحامل المذكورة في عبارته، بل نهاية الامر انه زيد في‏شرائط القضاء الشرعي علم القاضي بشرعية ما يحكم به ويختاره، وهذا كالصريح بالنسبة لمدلول الرواية‏المذكورة، وبمثلها وقع تقييد ما لاطلاق (ومن لم يحكم بما انزل اللّه فاولئك هم الظالمون...)، وهذا تصرف قليل متعين‏غير معتد به.

ثم ان العمدة في اعتبار العلم بالحكم في باب القضاء غير ما اشار اليه من الرواية، والا فالرواية مرفوعة من قبل‏البرقي ولا حجة فيها.

مضافا الى ان التامل في فقرات الرواية يعط‏ي بوضوح انه اريد بالعلم فيها ايضا العلم بما انزل اللّه تعالى في‏الواقعة، ولا يحتمل فيه ان يراد به العلم باداب القضاء، فقد جاء في الرواية التي رفعها البرقي عن ابي عبد اللّه(ع)انه(ع) قال: «القضاة اربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل‏قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهويعلم فهو في الجنة‏»((168)).

فان القضاء بالجور المفروض في الفقرتين الاوليين لا معنى له الا ان يكون ما اختاره وانشاه في الواقعة جوراوتضييعا لحق وخلافا لما انزل اللّه فيها بالمعنى الذي بيناه واوضحناه، ووحدة السياق قرينة على ان المراد بالحق‏في الفقرتين الاخيرتين ايضا هو ان يكون ما انشاه واختاره في نفس الواقعة عين ما انزل اللّه تعالى فيه، فحمل‏الحق المذكور في الحديث على الحقية في كيفية الفصل واداب القضاء كما افاده خلاف الظاهر جدا، بل يقرب ان‏يكون خلاف صريح الرواية.

فالرواية بنفسها ظاهرة قريبة من الصراحة في اشتراط ان يكون القضاء بما انزل اللّه تعالى وجعله حكما للواقعة،وان يكون القاضي على علم منه، وهذا هو الذي رمناه، واللّه العالم والهادي الى الصواب.

هذا كله في الاستدلال لحجية علم القاضي من طريق عمومات باب القضاء وهو الطريق الاول.

الطريق الثاني: ان يستدل لها بالادلة الخاصة الواردة في هذا المضمار، وهي روايات:

1 - منها: ما رواه الصدوق في الفقيه باسناده الى قضايا امير المؤمنين(ع)، وفي الامالي عن ابيه، عن علي بن‏محمد بن قتيبة، عن حمدان ابن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمد بن اسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن‏علقمة بن محمد الحضرمي، عن الصادق جعفر بن محمد(ع) قال: «جاء اعرابي الى النبي(ص) فادعى عليه سبعين‏درهما ثمن ناقة باعها منه.

فقال [له النبي(ص): يا اعرابي، الم تستوف مني ذلك؟ فقال: لا.

فقال النبي(ص): اني خ‏الامالي] قد اوفيتك. فقال: اجعل بيني وبينك رجلا يحكم بيننا. فاقبل رجل من قريش فقال رسول اللّه(ص): احكم‏بيننا. فقال للاعرابي: ما تدعي على رسول اللّه؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول‏اللّه؟ قال: قد اوفيته. فقال للاعرابي: ما تقول؟ قال: لم يوفني. فقال لرسول اللّه: الك بينة على انك قد اوفيته؟ قال:

لا.قال للاعرابي: اتحلف انك لم تستوف حقك وتاخذه؟ فقال:

نعم. فقال رسول اللّه(ص): لاتحاكمن مع هذا [الرجل، خ‏ل] الى رجل يحكم بيننا بحكم اللّه عزوجل. فاتى رسول اللّه(ص) علي بن ابي طالب(ع) ومعه الاعرابي، فقال‏علي(ع): ما لك يا رسول اللّه؟ قال: يا ابا الحسن، احكم بيني وبين هذا الاعرابي. فقال علي(ع): يا اعرابي، ما تدعي‏على رسول اللّه؟ قال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه. فقال: ما تقول يا رسول اللّه؟ قال: قد اوفيته ثمنها. فقال:يا اعرابي، اصدق رسول اللّه فيما قال؟ قال:

لا، ما اوفاني شيئا. فاخرج علي(ع) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول‏اللّه(ص): لم فعلت يا علي ذلك؟! فقال: يا رسول اللّه، نحن نصدقك على امر اللّه ونهيه وعلى امر الجنة والنار والثواب‏والعقاب ووحي اللّه عزوجل ولا نصدقك في ثمن ناقة تابي!! واني قتلته لانه كذبك لما قلت له: اصدق‏ رسول به‏»((169)). واللفظ من الفقيه، وما في‏الامالي نحوه لا يضربالمراد، فراجع.

بيان دلالتها: ان الرجل القرشي قد راى في هذه المرافعة بعد فرض الا بينة لرسول اللّه(ص) على ايفائه ثمن ناقة‏الاعرابي ان يحلف على عدم استيفائه له وياخذه، وقد قال الرسول(ص) بمفهوم الكلام انه حكم بغير ما حكم اللّهبه، فتحاكم معه الى علي(ع)، وكانت حكومة علي(ع) في هذه المرافعة ان رسول اللّه قد برئت ذمته من الثمن، ولذلك‏لم يلزمه بادائه، وحيث صرح الاعرابي بكذب الرسول الامين اخرج سيفه وقتله على تكذيبه. ثم انه(ع) قد علل‏حكومته هذه بقوله: «نحن نصدقك على امر اللّه ونهيه... ولانصدقك في ثمن ناقة هذا الاعرابي!!»، ومال هذه‏العلة اني عالم علما لايعتريه ريب ولا شبهة بانك قد اوفيته ولا حق له عليك، فكان حكم اللّه تعالى براءة ذمتك،ولذلك كان حكمي براءة ذمتك، فكما ترى لم يقصر التعليل على مجرد انه(ص) نبي، بل كونه نبيا صادقا هو الذي‏اوجب العلم بصدقه وبراءته من ثمن ناقة الاعرابي، وهذا حكم مستند الى علم القاضي علما غير مستند الى‏الحس‏والمشاهدة، بل على الاعتقاد الصحيح الاسلامي بان النبي لايكذب، وقد حكم رسول اللّه(ص) بانه حكم اللّهتعالى مرتين: تارة قبل الرجوع اليه(ع) بقوله(ص): «لاتحاكمن مع هذا الرجل الى رجل يحكم بيننا بحكم اللّهعزوجل‏»، واخرى بعد حكمه(ع) بقوله للقرشي: «هذا حكم اللّه لا ما حكمت به‏». وهذا القول منه(ص) ارشاد الى‏انه يجب ان يكون كل قاض هكذا، لا انه من مختصات المعصوم(ع)، فتدل الرواية دلالة واضحة على ان حكم‏القاضي بالاستناد الى علمه اليقيني هو حكم اللّه عزوجل، وهو المطلوب، فدلالتها تامة.

واما سندها: فقد وقع في سند الامالي صالح بن عقبة عن علقمة بن محمد الحضرمي، وهما لم يوثقا، بل يحتمل‏قويا ان يكون صالح بن عقبة هو ابن عقبة بن قيس الذي عن العلامة في الخلاصة تضعيفه بقوله: «كذاب غال‏لايلتفت اليه‏»((170)).

ووجه قوة هذا الاحتمال ان الراوي عنه في هذا السند على ما يظهر من الرواية التي قبلها آهو محمد بن اسماعيل بن بزيع الذي عد من رواة ابن قيس الكذاب.

نعم، سند الفقيه الى قضايا امير المؤمنين(ع) صحيح، وعنوان السند في المشيخة هكذا: «وما كان فيه متفرقا من‏قضايا امير المؤمنين(ع) فقد رويته عن ابي ومحمد بن الحسن رضي اللّه عنهما، عن سعد بن عبد اللّه، عن ابراهيم‏بن هاشم، عن عبد الرحمان بن ابي نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس، عن ابي جعفر(ع)»((171))،والظاهر شموله لقضائه(ع) هذا، كما استفاده صاحب الوسائل، ولذا قال: «محمد بن علي بن الحسين باسناده‏الى قضايا امير المؤمنين(ع) قال: جاء اعرابي...

الحديث‏»((172)). فسند الحديث معتبر ودلالته ايضا تامة والحمدللّه تعالى.

2 - ومنها: ما رواه في الفقيه باسناده عن ابن عباس قال: خرج رسول اللّه(ص) من منزل عائشة، فاستقبله‏اعرابي‏ومعه ناقة فقال: يا محم د تشتري هذه الناقة؟ فقال النبي(ص): «بكم تبيعها يا اعرابي؟». فقال: بمئتي‏درهم. فقال النبي(ص): «بل ناقتك خير من هذا». قال: فما زال النبي(ص) يزيد حتى اشترى الناقة باربعمئة درهم.قال: فلما دفع النبي(ص) الى الاعرابي الدراهم ضرب الاعرابي يده الى زمام الناقة فقال: الناقة ناقتي والدراهم‏دراهمي، فان كان لمحمد شي‏ء فليقم البينة.

ثم ذكر انه(ص) دعاه الى قضاء الشيخين المقبلين كل بعد الاخر وانهما قالا له(ص): القضية فيها واضحة يا رسول‏اللّه، لان الاعرابي طلب البينة. ثم ذكر انه(ص) قال للثاني منهما:

«اجلس حتى ياتي اللّه بمن يقضي بيني وبين‏الاعرابي بالحق‏».

فاقبل علي بن ابي طالب(ع)، فقال النبي(ص): «اترضى بالشاب المقبل؟». قال: نعم. فلما دناقال النبي(ص): «يا ابا الحسن، اقض فيما بيني وبين الاعرابي‏». فقال: «تكلم يا رسول اللّه». فقال النبي(ص):«الناقة ناقتي والدراهم دراهم الاعرابي‏». فقال الاعرابي: لا، بل الناقة ناقتي والدراهم دراهمي ان كان لمحمدشي‏ء فليقم البينة.

فقال علي(ع): «خل بين الناقة وبين رسول اللّه(ص)». فقال الاعرابي: ما كنت بالذي افعل او يقيم البينة. قال:

فدخل‏علي(ع) منزله فاشتمل على قائم سيفه ثم اتى فقال:

«خل بين الناقة وبين رسول اللّه(ص)» قال: ما كنت بالذي‏افعل او يقيم البينة. قال: فضربه علي(ع) ضربة، فاجتمع اهل الحجاز على انه رمى براسه، وقال بعض اهل العراق:بل قطع منه عضوا.

قال: فقال النبي(ص): «ما حملك على هذا يا علي؟!» فقال: «يا رسول اللّه، نصدقك على الوحي من السماء ولانصدقك على اربعمئة درهم‏»((173)).

وهذه الرواية في وضوح الدلالة كسابقتها، وبيانها مثلما سبق فيها، الا ان سندها غير معتبر. قال العلامة التقي‏المجلسي في الروضة عنها: «الظاهر ان الرواة كلهم من العامة، وذكره للحجة عليهم، ويمكن ان يكون الخبرمرويا من الخاصة ايضا عند المصنف، او كان متواترا عنده لما حكم بصحة الاخبار المنقولة في هذاالكتاب‏»((174)).

ثم انه مما ذكرنا في بيان ادلة الحديثين، يظهر ضعف ما افاده بعض المحققين(قده) في شرحه للتبصرة في مقام‏اضعاف الاستدلال بهما بما لفظه: «اذ قد عرفت عدم الملازمة بين جواز الفصل بعلم الامام الذي هو حجة على‏كل‏احد وعلم غيره الذي لا حج ية له في حق غيره، مع امكان منع كون فعله(ع) بعنوان فصل الخصومة، بل من‏الممكن كونه بعنوان ترتيب ما للواقع من الاثر من جهة قيام الحجة عليه، وليس مطلق ترتيب الاثر على طبق‏الحجية حكما ما لم يقصد به فصل الخصومة‏»((175))، انتهى.

وجه الضعف ما عرفت من ان النبي(ص) قد اكد مرتين، تارة قبل قضائه وا خرى بعده على انه حكم اللّه تعالى، وقدارشد وحث القرشي على ان هذا هو حكم اللّه، يعني فليحكم هكذا كل حاكم، كما ان عليا(ع) قد بين وجه حكمه بدليل‏يوجب العلم له ولغيره من المؤمنين، وحاصله ان رسول اللّه صادق، فالعلم حاصل بما يقوله. وهذا لا يفترق فيه‏الامام وكل مؤمن غيره.

وبالجملة، فصريح الحديث انه حكم اللّه تعالى حكم به علي(ع)، لا مجرد ترتيب الاثر على ما قامت عليه الحجة. فهوحكم حكم به الحاكم المعصوم وعلى غيره ايضا ان يتبعه ويخطو خطاه كما قال به رسول اللّه(ص).

3 - ومنها: صحيحة سليمان بن خالد، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «في كتاب علي(ع): ان نبيا من الانبياء شكى الى ربه‏فقال:

يا رب كيف اقضي فيما لم ار ولم اشهد؟ قال: فاوحى اللّه اليه:

احكم بينهم بكتابي، واضفهم الى اسمي‏فحلفهم [تحلفهم خ ل] به، وقال: هذا لمن لم تقم له بينة‏»((176)).

بيان دلالتها: ان قول ذاك النبي: «يا رب كيف اقضي فيما لم ار ولم اشهد؟» يفهم منه عرفا ان قضاء القاضي بماراه وشهده جائز لا اشكال فيه وانما اشكل الامر عليه وصعب لانه لم ير ولم يشهد، وحيث ان من الواضح ان نقل‏هذه الحكاية عن كتاب علي(ع) انما هو لتعليم ادب القضاء ولذلك عقبه بقوله(ع):

«هذا لمن لم تقم له بينة‏» آفالصحيحة بموجب هذا المفهوم الواضح تدل على جواز استناد القاضي في قضائه على علمه ورؤيته. ولااختصاص له بما اذا كان القاضي نبيا او معصوما.

ومثل هذه الصحيحة مرسل ابان بن عثمان الذي هو من اصحاب الاجماع عمن اخبره عن ابي عبد اللّه(ع)فراجع((177)).

4 - وقد يستدل له بما رواه الحسين بن خالد، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: سمعته يقول: «الواجب على الامام اذا نظرالى رجل يزني او يشرب الخمر ان يقيم عليه الحد، ولا يحتاج الى بينة مع نظره، لانه امين اللّه في خلقه، واذا نظرالى رجل يسرق ان يزبره وينهاه ويمضي ويدعه‏»، قلت: وكيف ذلك؟ قال: «لان الحق اذا كان للّه، فالواجب على‏الامام اقامته، واذا كان للناس فهو للناس‏»((178)).

بتقريب انها صريحة في جواز اجراء الحد اذا علم بموجبه، ولا فرق فيه بين حق اللّه وحق الناس، وذلك: ان الرواية‏انما دلت على عدم اجراء الحد في مثل السرقة لا لان علم الحاكم به غير حجة، بل لان اجراءه موقوف على مطالبة‏الناس، فلو طالب به من له الحق لتم اجراؤه وتنفيذه بدون تردد.

الا ان الانصاف عدم تمامية الاستدلال بها، وذلك انه لا عموم فيها يشمل غير الامام(ع)، فيحتمل اختصاص الحكم‏بالعلم بمن جعله اللّه امينه في خلقه، ولا يعم كل من يجوز له القضاء من بين عباده، وان لم يكن امامامعصوما.

وبعبارة اخرى: يحتمل ان يكون حجية علمه من اثار انه امين اللّه، لا من اثار كونه قاضيا بين المسلمين.

5 - كما قد يستدل له بقول امير المؤمنين(ع) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، الواردة في درع طلحة، الذي راه‏علي(ع) بيد رجل، فتحاكم معه الى شريح، فطلب منه شاهدين عدلين حرين على ما ادعاه، فخطاه(ع) ثلاث مرات‏ثم‏قال(ع): «ويلك او ويحك ان امام المسلمين يؤمن من امورهم على ما هو اعظم من هذا»((179)).

ببيان ان المراد من قوله(ع): «يؤمن...» انه اذا كان امين المسلمين فلا محالة لا يكذب، ويحصل للقاضي العلم بمايدعيه، فيجب ان يعتمد عليه ويحكم بعلمه الشخصي.

لكن الانصاف انه من المحتمل ان يراد منه ان عدم قبول قول وادعاء الامام الذي هو امين المسلمين يوجب وهن‏مقام الامامة، فان امام المسلمين يؤمن من امورهم على ما هو اعظم من هذا، فهنا امر زائد على مجرد العلم بصدق‏المدعى، وهو انه لو لم يقبل دعواه لاوجب وهن مقام الامامة، وهذا هو الباعث على لزوم قبول قوله ودعواه، فلادلالة فيه على جواز اعتماد القاضي على علمه في سائر الموارد.

فلا يتم الاستدلال في المسالة بشي‏ء من هذين الخبرين، الا انه لا حاجة اليهما ايضا بعد تمامية سائر الادلة مما قدعرفت فيما مضى.

وفي قبال تلك الادلة قد يقال بقيام ادلة اخرى على عدم جواز استناد القاضي الى علمه في القضاء، فتكون مقيدة‏للطائفة الاولى، اعني عمومات القضاء واطلاقاته ومعارضته للطائفة الثانية، وهي:

1 - صحيحة هشام بن الحكم، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص): انما اقضي بينكم بالبينات والايمان،وبعضكم الحن بحجته من بعض، فايما رجل قطعت له من مال اخيه شيئا فانما قطعت له به قطعة من‏النار»((180)).

فقد حكم(ص) بانحصار مستند قضائه في البينات والايمان، وهو بعبارة اخرى انه(ص) لا يستند في القضاء على‏علمه. ومن المعلوم انه ليس لنا التعدي عن سنته، فلا يجوز ان يكون علم القاضي مستندا للقضاء.

2 - رواية ابن عباس التي رواها اهل السنة في صحاحهم: عن القاسم بن محمد انه سمع ابن عباس يقول: ان‏رسول اللّه(ص) لاعن بين العجلاني وامراته قال: وكانت حبلى، فقال: واللّه ما قربتها منذ عفرنا والعفر: ان يسقى‏النخل بعد ان يترك من السقي بعد الابار بشهرين قال: وكان زوجها خمش الساقين والذراعين، اصهب الشعر،وكان الذي رميت به ابن السحماء قال: فولدت غلاما اسود احلى جعد اعبل الذراعين قال: فقال ابن شداد ابن‏الهاد لابن عباس: اهي المراة التي قال النبي(ص): «لو كنت راجما بغير بينة لرجمتها»؟ قال: لا، تلك امراة قداعلنت في الاسلام‏» هذا لفظ الحديث في مسند ابن حنبل((181)). وفي بعض اسناد صحيح مسلم((182)).

وفي بعض اسناده الاخر: تلك امراة كانت تظهر في الاسلام السوء((183)). ولفظه في سنن النسائي: تلك امراة‏كانت تظهر في الاسلام الشر، او الشر في الاسلام((184)).

كما انه في صحيح البخاري تارة: تظهر في الاسلام السوء، واخرى: تظهر السوء في الاسلام((185)).

وكيف كان، فمع ان هذه المراة قد اعلنت، وكانت تظهر في الاسلام الشر والسوء، وهو موجب للعلم بارتكابهاللزنا، فمع ذلك امتنع الرسول الاعظم(ص) من رجمها، كما هو مقتضى مفهوم «لو»، ففيها دلالة على ان علم‏القاضي لا يصلح لان يكون مستندا لقضائه.

3 - رواية ابي ضمرة، عن ابيه، قال: قال امير المؤمنين(ع):

«احكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، او يمين‏قاطعة، او سنة ماضية من ائمة الهدى‏»((186)).

فقد حكم بان جميع الاحكام لا يخلو مستندها من هذه الثلاثة وليس العلم بواحد منها، فلا يصح استناد القضاء اليه‏اذا.

اقول: والحق عدم تمامية دلالة شي‏ء من هذه الاخبار الثلاثة، وذلك:

1 - اما صحيحة هشام، فلان مستند دلالتها على انحصار مستند القضاء في خصوص البينة واليمين هو لفظة‏«انما»، وقد حققنا في محله انها لم يثبت وضعها للحصر، ويستفاد الحصر فيما يستفاد من سياق الكلام،والسياق لا يقتضيه هنا قطعا، وذلك انه(ص) هاهنا بصدد بيان انه لا يعتمد في قضاياه بين الامة على العلم اليقيني‏المطابق للواقع، وليس مجرد قضائه محللا للحرام، بل يستند على ما يستند اليه القضاة من الايمان والبينات، فلوادت الى خلاف الواقع فوصل الى المحكوم له قطعة من مال اخيه المسلم فهي قطعة نار وصلت اليه، حرام عليه‏اخذها والتصرف فيها، فهذا الذي بصدد بيانه لا يقتضي الا مجرد ثبوت اعتماده على البينة واليمين في باب‏القضاء، ولا حاجة فيه الى انحصاره فيهما وعدم اعتماده على غيرهما كما لا يخفى.

هذا ولو سلمنا دلالتها على الحصر، فلابد وان يكون الحصر اضافيا وناظرا الى اقضيته المتعارفة، فان المعهودفيها ان القاضي لا علم له شخصيا بما يرفعه اليه المتخاصمان، ولا يستند غالبا الا الى الايمان والبينات، والا فلاريب في انه ربما يستند في القضاء الى اقرار المدعى عليه، كما ربما يستند الى شهادة شاهد واحد ويمين المدعي‏ايضا، فالجواب عنهما يكون بعينه الجواب في سندية علمه.

فحاصل المراد منها واللّه العالم اني لا اتتبع المخاصمات المرفوعة الي ولا اتفحص عن موضوعاتها حتى يحصل‏العلم العادي بها في كل مورد. كما لا اعتمد على علم الغيب، وانما اقضي فيها بمثل البينات والايمان التي لا يؤمن‏تخلفها عن الواقع، فمن قضيت له بمال غيره فهو عليه حرام.

وبالجملة فالحصر اضافي في الاقضية المتعارفة في مقابل القضاء بالعلم المصيب للواقع، الذي لا يحصل‏الابالفحص غير المتعارف، او بهبة من اللّه تعالى، يقول(ص): اني في الاقضية المتعارفة التي لا علم لي بها طبعا، لااقضي بالعلم المذكور، بل اقضي بمثل البينات والايمان، فاذا لم تصب الواقع فلا يكون القضاء محللا لحرمات اللّه،وليس المراد انه لو كان في قضية شاهد لها اتفاقا عالم بها علما عاديا لا يعتمد على علمه.

فالحصر فيها اضافي لو سلم دلالتها عليه، وقد عرفت عدم ثبوتها، فهذه الصحيحة لا شهادة فيها على‏الخلاف.

2 - واما رواية ابن عباس فبعد الغض عن سندها لا دليل فيها على ان اعمال تلك المراة كانت موجبة عادة للعلم‏بفجورها، فلعل غاية الامر انها اوجبت ظنا قويا معتدا به ، ولذلك قال(ص): «لو كنت راجما بغير بينة لرجمتها»فهي قد اظهرت السوء والشر في الاسلام، ولعله كان بظهورها وحضورها عند الاجانب بغير الحجاب المطلوب‏متفكهة معهم ضاحكة لديهم، بما يوجب الظن بها انها تعمل الفجور من دون حصول علم جازم به. فلا حجة فيهاعلى ترك القضاء بالعلم، ولا دليل على كونها معارضة لادلتنا الماضية.

3 - واما رواية ابي ضمرة فمع الاغماض عن سندها ولو لوقوع البزنط‏ي في سند الصدوق وكون الاسناد اليه‏صحيحا فدلالتها على انحصار احكام المسلمين في الثلاثة، وان كانت تامة الا انه يحتمل ان يكون الحكم باستنادعلم القاضي مصداقا للسنة الماضية من ائمة الهدى، الذين هم امناء اللّه على خلقه ويجب عليهم اقامة حدوده على‏الناس اذا نظروا الى من يرتكب موضوعاتها على ما مر في خبر الحسين بن خالد((187)) فلا دليل فيها ايضا على‏الخلاف.

فقد تحصل ان دلالة عمومات القضاء وبعض الاخبار الخاصة على جواز استناد القاضي على علمه تامة، وانه لادليل يعارضها، فالحق هو ان علم القاضي بالواقعة ايضا احد مستندات القضاء.

وقد اشرنا ان العمومات لا شاهد على اختصاصها بخصوص حقوق الناس او حقوق اللّه تعالى، بل هي عامة‏لكلتيهما.

وهكذا الخبر الحاكي لقضاء امير المؤمنين(ع) في قضية الاعرابي، فان مورده وان كان من حقوق الناس الا ان تمام‏اشكال النبي(ص) انه حكم بحكم اللّه تعالى، وقد اوضح امير المؤمنين(ع) ثبوت موضوع الحكم المستتبع لترتبه‏عليه بحصول العلم به من ناحية انه(ص) صادق لا يكذب، ولازمه سريان الامر الى كل مورد ثبت حكمه تعالى من‏ناحية علم القاضي بلا فرق ولا اشارة الى الفرق فيه بين حقوق الناس وحقوق اللّه تعالى.

وبعبارة اخرى: ان المتفاهم منه عرفا انه اذا علم بحكم اللّه ولو من ناحية صدق المدعي، فاللازم الحكم به من دون‏شائبة فرق بين موارد القضاء والمرافعات اصلا.

فالصحيح هو حجية علم القاضي مطلقا في حقوق اللّه وحقوق الناس واللّه العالم وله الحمد.

اعادة النظر في القياس (الفقهي) الاستاذ: الشيخ حسن الجواهري هناك بعض الدعوات لاعادة النظر في القياس بحجة ان القياس في الازمنة المتقدمة لم يكن محتاجا اليه، لوجودالادلة على الاحكام الشرعية بصورة واضحة، اما اليوم فقد يقال بضرورة اعادة النظر في حجيته لاحتياجنا اليه‏في حياتنا العملية.

وقبل ان ندرج هذه الدعوات لنرى مدى امكانية اثباتياتها، نرى من الضروري تقديم صورة واضحة للقياس الذي‏وقف منه الائمة(ع) وقفة معارضة، من دون ان نلج في تفاصيله واقسامه، اذ غرضنا من هذه الدراسة هو بيان‏امكان حجية القياس او عدم امكانها فقط، ولهذا سوف نقسم البحث الى قسمين:

القسم الاول: توضيح القياس الذي نهى الائمة(ع) عن العمل به((188))، بعد ان نهى القران عن مطلق العمل‏بالظن((189))الشامل للظن القياسي.

القسم الثاني: ادراج الدعوات التي تنادي باعادة البحث في القياس وحجيته، لعلنا نرى فيها شيئا جديدايستحق‏البحث، واثبات الحج ية ولو بنحو الموجبة الجزئية.

القسم الاول ان للقياس اصطلاحين:

المصطلح الاول للقياس:

وخلاصته: «هو المسلك الذي يخضع النصوص الشرعية للعقل، فما وافق العقل اخذ به، وما خالف العقل ترك‏».وعلى هذا يكون الانسان قادرا على معرفة العلل الواقعية للاحكام الشرعية بواسطة عقله، ويجعلها هي المقياس‏لصحة النصوص الشرعية.

وهذا المعنى للقياس هو الذي وقف منه ائمة اهل البيت(ع) وبالخصوص الامام الصادق(ع) وقفة المدافع عن‏الشريعة لابطاله، لانه يؤدي الى التلاعب بالشريعة ويمسخ احكامها باسم مخالفة القياس، فهو خطر عظيم على‏شريعة الاسلام، ومن امثلة هذا القياس:

اولا ما رواه ابان، قال: قلت لابي عبد اللّه (الامام الصادق(ع)): ما تقول في رجل قطع اصبعا من اصابع امراة، كم‏فيها؟ قال:

«عشرة من الابل‏».

قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون‏».

قلت: قطع ثلاثة؟ قال: «ثلاثون‏».

قلت: قطع اربعا؟ قال: «عشرون‏».

قلت: سبحان اللّه! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع اربعا فيكون عليه عشرون! ان هذا كان يبلغنا ونحن‏بالعراق فنبرا ممن قال، ونقول: ان الذي قاله الشيطان.

فقال(ع): «مهلا يا ابان! هذا حكم رسول اللّه(ص) ان المراة تعاقل الرجل الى ثلث الدية، فاذا بلغت الثلث رجعت‏المراة الى النصف. يا ابان، انك اخذتني بالقياس، والسنة اذا قيست محق الدين‏»((190)).

ثانيا وقال ابن جميع: دخلت على جعفر بن محمد (الامام الصادق(ع)) انا وابن ابي ليلى وابو حنيفة، فقال لابن ابي‏ليلى:

«من هذا معك؟». قال: هذا رجل له بصر ونفاذ في امر الدين.

قال: «لعله يقيس امر الدين برايه! الى ان‏قال: يا نعمان، حدثني ابي عن جدي: ان رسول اللّه(ص) قال: اول من قاس امر الدين برايه ابليس، قال اللّه تعالى:اسجد لادم، فقال: (انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)((191)). فمن قاس الدين برايه قرنه اللّه تعالى يوم‏القيامة بابليس، لانه اتبعه بالقياس‏»((192)).

ثم قال له جعفر(ع) كما في رواية ابن شبرمة :

«ايهما اعظم: قتل النفس او الزنا؟».

قال: قتل النفس.

قال: «فان اللّه عزوجل قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا الا اربعة‏».

ثم قال: «ايهما اعظم: الصلاة ام الصوم؟».

قال: الصلاة.

قال: «فما بال الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟!».

فكيف يقوم لك قياسك؟! فاتق اللّه، ولا تقس‏»((193)).

ونتيجة لهذه المعركة الفكرية في عهد الامام الصادق(ع) تضاءل استعمال هذا المصطلح على السنة المتاخرين،وكاد ان يهجر هذا المعنى حتى على السنة اهل السنة الذين يقولون بحجية القياس ولكنه بمعنى اخر.

المصطلح الثاني للقياس:

وهو عبارة عن «الاستواء بين الفرع والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل‏»((194)).

واركانه اربعة:

الاصل: وهو المقيس عليه.

والفرع: وهو المقيس.

والحكم: وهو الاعتبار الشرعي على الاصل.

والعلة: وهي الجهة المشتركة بينهما التي بنى الشارع حكمه عليها في الاصل.

ومما لا يخفى على احد ان جمهور العلماء من اهل السنة قالوا بجريان القياس في الاحكام الشرعية كالحدودوالكفارات، فيجوز التمسك به لاتيان كل حكم من الحدود والكفارات والرخص والتقديرات اذا وجدت شرائط‏القياس فيها((195)).

ودليلهم هو ان الادلة الدالة على حجية القياس تتناول بعمومها جميع الاحكام الشرعية، فقصرها على بعض‏الاحكام تخصيص بلا مخصص.

اقول: ان الوصول الى معرفة علة الحكم الشرعي قد تكون يقينية قطعية وقد تكون ظنية، ويختلف الحكم‏باختلاف هذه المعرفة، فان عرفنا علة الحكم الشرعي من طريق قطعي من قبيل:

اولا ما اذا نص الشارع على علة الحكم بالدلالة المطابقية او الالتزامية كمفهوم الموافقة (قياس الاولوية) او مفهوم‏المخالفة (كمفهوم الشرط او الحصر).

ثانيا او عرفنا العلة من طريق اخر قطعي، كان يكون صدق كلام الشارع متوقفا عقلا او شرعا او لغة على كون‏هذا الامر علة للحكم.

ثالثا او قطعنا بمقصود المتكلم حيث يستبعد او يقطع بعدم ارادة كون الشي‏ء الفلاني علة.

فان عرفنا العلة الواقعية للحكم من اي طريق كان، فالحكم يكون دائرا مدار علته سعة وضيقا. وهذا امر واضح،لاستحالة تخلف المعلول عن علته ان كانت في الفرع.

اما اذا كانت العلة ظنية كما اذا عرفنا العلة من طريق السبر والتقسيم، او اثبات المناسبة للحكم، او سلامة العلة‏من النقيض او اطراد العلة مع الحكم او اطراد العلة وانعكاسها، او غير هذه الامور مما يفيد الظن بوجود العلة على‏اكثر التقادير فحينئذ نتساءل: هل يجوز العمل بهذه العلة المستنبطة اذا كانت في الفرع او لا يجوز؟ اقول: يكفي لعدم جواز العمل بهذه العلة المستنبطة ما ذكر في الاصول:

اولا ان الظن الناقص الكشف عن الواقع يحتاج لاثبات حجيته الى جعل من الشارع المقدس، ولم يرد من الشارع‏المقدس دليل يدل على اثبات حجية القياس الظني، فالشك في حجية القياس الظني بالخصوص يساوق عدم‏الحجية والقطع بعدمها، كما قرر ذلك في الاصول.

ثانيا ان القياس بالمعنى الاول او بالمعنى الثاني واشباهه كالاستحسان والمصالح المرسلة الموجبة للظن‏بالحكم الشرعي، بالاضافة الى عدم ثبوت حجيته من الشارع المقدس، وردت النصوص الكثيرة الدالة على الردع‏عنه، منها الايات القرانية: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا)((196))، (ءاللّه اذن لكم ام على اللّه تفترون)((197)).

ثالثا ان القياس بالمعنى الاول الذي هو اخضاع حكم اللّه تعالى لعقل الانسان، والاخذ بما وافق العقل ظنا وترك ماخالف العقل ظنا هو عبارة عن طرح حكم شرعي استنادا الى الظن غير الحجة.

والقياس بالمعنى الثاني وهو الحكم الظني الناشى من قياس الفرع على الاصل لعلة مستنبطة مشتركة بينهما آهو عبارة عن اضافة حكم استنادا الى الظن غير الحجة.

وقد وردت الروايات المتواترة معنى((198)) الناهية عن القياس والراي المخالف للدين. وبما ان القياس يشمل طرح‏الحكم الشرعي استنادا الى الظن العقلي غير الحجة واضافة حكم الى الشريعة استنادا الى الظن غير الحجة حيث‏يكون الطرح من الدين او الاضافة الى الدين محقا للدين وتشويها له كما نطقت به بعض الروايات، فاطلاق تلك‏الروايات يشمل كلا قسمي القياس.

رابعا ان الشك في حجية الظن او حجية القياس بالخصوص يساوق عدم الحجية والقطع بعدمها، كما قرر ذلك‏في الاصول.

ومما يؤيد النهي عن القياس الباطل: ما رواه اهل السنة عن ابي هريرة عن النبي(ص): «تعمل هذه الامة برهة‏بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس، فاذا فعلوا ذلك فقد ضلوا»((199)).

ونقلوا ايضا عن بعض الصحابة ذم القياس وسكوت الصحابة عن الانكار عليهم، منهم ابو بكر فقد قال: اي سماءتظلني واي ارض تقلني اذا قلت في كتاب اللّه برايي اي بالقياس ؟((200)).

ومنهم عمر فانه قال: اياكم واصحاب الراي! فانهم اعداء السنن، اعيتهم الاحاديث ان يحفظوها، فقالوا بالراي،فضلوا واضلوا.

وقال ايضا: اياكم والمكايلة! قيل: وما المكايلة؟ قال:

المقايسة((201)).

وروي عن علي(ع): «لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف اولى بالمسح من ظاهره‏»((202)).

وروي عن ابن عباس انه قال: يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون الاموربرايهم((203)).

وروي عن عبد اللّه بن عمر عن النبي(ص) انه قال: «ان اللّه تعالى لا يقبض العلم انتزاعا من الناس، ولكن يقبض‏العلم بقبض العلماء، فاذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فافتوا بغير علم، فضلوا واضلوا. قالوا:والفتوى بالراي فتوى بغير علم‏»((204)).

وروي عن ابن مسعود مثل تلك الاثار((205)).

وقد حملت هذه الروايات عند اهل السنة على القسم الاول من القياس.

مقدمات الانسداد:

نعم، اذا تمت مقدمات دليل الانسداد (اي انسد باب العلم على الحكم الشرعي) تعين بحكم العقل الرجوع الى العمل‏بالظن بالحكم الشرعي.

ومقدمات الانسداد هي:

اولا العلم اجمالا بوجود تكاليف من الشارع المقدس موجهة لنا.

ثانيا انسداد باب العلم التفصيلي بتكاليف الشارع، وانسداد باب العلمي من الطرق والامارات المجعولة من‏الشارع على التكاليف الشرعية.

ثالثا نحن نعلم بعدم تسامح الشارع المقدس عن تكاليفه بنحو يسوغ اهمالها.

رابعا نحن نعلم بعدم وجوب الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي للتكاليف، للزوم العسر والحرج، او عدم جوازه‏في صورة ما اذا لزم من الاحتياط اختلال النظام.

خامسا امتناع ترجيح المرجوح على الراجح.

وبما ان الظن في الحكم الشرعي ارجح من الشك والوهم، فيتعين بحكم العقل الرجوع الى العمل بالظن بالحكم‏الشرعي، وجعله حجة من اي طريق كان قياسا او غير قياس، لان استثناء القياس في الحجية يلزم منه تخصيص‏الحكم العقلي، وهو غير صحيح.

ولكن الكلام هنا ينصب حول ثلاث نكات:

الاولى: حول عدم تمامية المقدمة الثانية لدليل الانسداد، اذ لم يتم انسداد باب العلمي، لورود الادلة القطعية على‏حجية كثير من الامارات على الحكم الشرعي. وعلى هذا فلا حاجة الى تعويض انسداد باب العلم والعلمي بمطلق‏الظنون.

الثانية: حول ان مقدمات دليل الانسداد لو تمت لانتجت حجية الظن الذي لم يقم دليل قطعي على الردع عنه‏بالخصوص، لان الظنون الاخرى غير المردوع عنها بالخصوص كافية في حل المشكل. اذا فالادلة المتواترة‏القطعية الرادعة عن العمل بالظن القياسي واردة على دليل الانسداد.

الثالثة: حول ان مقدمات دليل الانسداد لو تمت لا تقول بجعل الحجية لمطلق الظنون، اذ غاية ما يقتضيه هوالتبعيض في الاحتياط حتى في الموهومات بمقدار لا يلزم منه اختلال النظام او العسر والحرج.

امكان التعبد بالظن:

ان القول بحجية القياس وعدمها يعود الى ثلاثة اقوال رئيسية، هي:

اولا القول بالاستحالة العقلية، لشبهة «ابن قبة‏» حول جعل الاحكام الظاهرية من لزوم اجتماع المثلين اوالنقيضين.

ثانيا القول بالوجوب العقلي.

وبما ان شبهة ابن قبة قد ردت من قبل العلماء بردود مختلفة ليس هنا محلها، والقول بالوجوب العقلي يشمل‏جميع الظنون بناء على تمامية دليل الانسداد الذي ناقشنا في صحته كما تقدم فلا حاجة الى اطالة الكلام حول‏هذين القولين، انما المهم هو القول الثالث.

ثالثا القول بامكان التعبد بالظن: فقد ذهب المشهور الى امكان التعبد بالظن، حيث لا نجد في عقولنا بعد التامل آما يوجب استحالة التعبد بالظن من قبل الشارع، وهذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالامكان((206)).

وهنا مباحث:

الاول: اذا لم نعلم بوقوع التعبد بغير العلم في مسالة معينة كالقياس واخوته، فهل يكون التعبد بالظن القياسي‏والتدين به جائزا؟ نقول: ان التعبد بالظن الذي لم يدل دليل على التعبد به يكون محرما بالادلة الاربعة:

اما القران: فيكفي فيه قوله تعالى (قل ءاللّه اذن لكم ام على اللّه تفترون)((207))، وقوله تعالى: (ان الظن لا يغني من‏الحق‏شيئا)((208)). اذ دلا على ان اسناد الحكم الى الشارع من دون اذن من اللّه تعالى انما هو افتراء ومخالف‏للحق.

واما السنة: فقد روي متواترا ان التدين بما لا نعلم غير جائز، فقد روي عن النبي(ص) انه ذكر في عداد العصاة من‏اهل النار:

«... ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم...»((209)).

وروي عنه(ص) انه قال: «من عمل على غير علم كان ما يفسد اكثر مما يصلح‏»((210)). على ان نفس ادلة الاصول‏العملية هي ردع للتعبد بالظن.

واما الاجماع: فقد ادعى الوحيد البهبهاني(قده) في بعض رسائله ان عدم الجواز بديهي عند العوام، فضلا عن‏العلماء.

واما العقل: فالعقلاء يقبحون من يكلف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى ولو كان عن جهل مع‏التقصير((211)).

الثاني: اذا عملنا بالظن من دون تدين به ومن دون تعبد به بل لرجاء ادراك الواقع فهو حسن، ويكون احتياطابشرط الا يعارضه احتياط اخر، او لم يثبت من دليل اخر كالاستصحاب وجوب العمل على خلافه، كما لوظن‏الوجوب واقتضى الاستصحاب الحرمة، فحينئذ يكون الاتيان بالفعل محرما وان لم يكن على وجه التعبدوالتدين بوجوبه، وذلك لطرح ما دل على الحرمة وهو الاستصحاب.

الثالث: اذا عملنا بالظن من دون تدين به ومن دون رجاء ادراك الواقع، فان لزم منه طرح اصل دل الدليل على‏وجوب الاخذ به حتى يعلم خلافه كالاستصحاب، كان العمل بالظن محرما ايضا، حيث يكون فيه طرح اصل يجب‏العمل به، كما اذا كان الظن بالوجوب على خلاف استصحاب التحريم.

الرابع: اذا عملنا بالظن من دون تدين به ومن دون رجاء ادراك الواقع ولم يلزم منه طرح اصل دل الدليل على‏وجوب الاخذ به حتى يعلم خلافه، فحينئذ يكون العمل بالظن جائزا، كما لو ظن بوجوب ما تردد بين الحرمة‏والوجوب، فان التزمنا طرف الوجوب كان جائزا. ولكن هذا لا يسمى عملا بالظن، لان معنى العمل بالظن هوالاستناد اليه في العمل والالتزام بكون مؤداه حكم اللّه تعالى في حقه((212)).

اذا الخلاصة: ان العمل بالظن قد تجتمع فيه جهتان للحرمة، كما اذا عمل به ملتزما انه حكم اللّه تعالى وكان العمل‏به مخالفا لمقتضى الاصول، فحرمة نسبته الى اللّه تعالى وهي حرمة تشريعية غير حرمة ترك الاصل الذي يجب‏العمل به التي هي حرمة مولوية.

وقد يكون في العمل بالظن حرمة واحدة، كما اذا لم يلتزم بكونه حكم اللّه تعالى ولكنه خالف اصلا من الاصول التي‏يجب العمل بها، او لم يخالف اصلا من الاصول الواجبة الاتباع ولكنه التزم بكونه حكم اللّه تعالى.

وقد يكون العمل بالظن مستحقا عليه الثواب، كما اذا عمل به على وجه الاحتياط من دون نسبة الى اللّه تعالى ولم‏يخالف اصلا يجب العمل به.

الخامس: اذا شككنا في تعيين تحصيل العلم بالاحكام او التخيير بين العلم وبين تحصيل الظن بالحكم الناشى من‏القياس، فهل يمكن هنا القول بدوران الامر بين التعيين والتخيير ونجري اصالة البراءة عن التعيين، كما هو مذهب‏جماعة في هذه المسالة؟ اقول: ان تلك المسالة التي اختلف فيها الفقهاء بالاحتياط او البراءة انما تكون في المسائل الفرعية، كمسالة‏وجوب الكفارة التي يدور امرها في كون الواجب خصوص العتق مثلا او واحدا من العتق والاطعام. اما مسالتناهذه فهي عبارة عن دوران الامر في الطرق والامارات بين التعيين بالعلم وما قامت عليه الحجة الشرعية، اوالتخيير بين العلم وما قامت عليه الحجة الخاصة وبين ما قام عليه الظن القياسي مثلا، ومرجع هذه المسالة الى‏الشك في حجية الظن القياسي، والاصل عدم الحجية.

ونظير هذه المسالة مسالة الشك في تعين تقليد الاعلم اوالتخيير بينه وبين غير الاعلم من العلماء، والمرجع ايضا الى الشك في حجية غير الاعلم، والاصل‏عدمها.

القسم الثاني بعد ان تبين ان القياس بمصطلحيه القديم والجديد ليس بحجة ولم يتعبدنا الشارع به بل هو محق للدين، وان‏مقدمات دليل الانسداد لم تتم لتتم حجية مطلق الظن بالحكم الشرعي ليشمل الظن القياسي، وحتى مع تمامية مقدمات‏الانسداد فان القياس خارج تخصصا، بعد ان تبين هذا كله، لا باس بادراج الدعوات التي تنادي باعادة البحث في‏القياس وحجيته، لعلنا نرى فيها شيئا جديدا يستحق البحث، واثبات الحجية ولو بنحو الموجبة الجزئية للقياس‏الظني.

وهذه الدعوات تستند الى جملة من الدعاوي، هي:

الدعوى الاولى:

«هل يمكننا استكشاف ملاكات الاحكام دائما بشكل قطعي او بشكل ظني في غير العبادات طبعا ؟ قد يناقش‏بعض الناس بل قد يتطرق الكثيرون من الفقهاء، وهو تطرق شرعي قائم على الاحتراز بانه لا سبيل الى معرفة‏ملاكات الاحكام، باعتبار ان اية خصوصية ولو طائرة في الهواء قد تشكل عقدة تقف بالانسان دون الاطمئنان‏الى هذا الملاك او ذاك الملاك.

ومستند هؤلاء في ذلك على ما ورد في بعض الاحاديث عن ائمة اهل البيت(ع) «ان دين اللّه لا يصاب‏بالعقول‏»((213)). وهم يحملونه على انه لا مجال لان يكتشف الاساس في الدين، ولكن المسالة فيما يظهر كانت‏متجهة الى العقول الظنية ولم تكن متجهة الى العقول القطعية والتي يصل من خلالها الانسان الى درجة‏الاطمئنان، فضلا عن درجة القطع.

ان هذه المسالة شكلت مشكلة كبرى امام الفقهاء (فقهاء الشيعة بشكل عام، وربما بعض فقهاء السنة) على اساس‏انهم لا يستطيعون ان ياخذوا من الحكم الوارد في قضية جزئية اساسا للحكم الكلي، لان احتمال الخصوصية‏يبقى واردا حتى في الغيب، حتى فيما اذا كان الاحتمال في عالم الغيب لا احتمالا وجدانيا يمكن للانسان ان يشيراليه بشكل بارز او بشكل واضح‏»((214)).

اقول: ان هذا الكلام ينحل الى نكتتين:

الاولى اننا لو فرضنا ان اي احتمال للخصوصية ولو طائرة في الهواء يقف امام التعميم للحكم، لانتهينا الى‏فقه‏جاف لا يمت الى الفقه المنفتح المفروض حله لمشاكل الحياة جميعا بصلة.

الثانية ان احتمال الخصوصية تارة ينتج من حساب معقول له نكتته المعقولة والمفهومة، فمن الطبيعي ان يقف‏هذا الاحتمال امام تعميم الحكم تعميما اطمئنانيا او قطعيا، اما لو كان احتمال الخصوصية لا ينتج الا من مجردعالم الغيب ولم يكن احتمالا وجدانيا يمكن للانسان ان يشير اليه بشكل بارز وواضح، فهذا الاحتمال لا يمنع من‏حصول الاطمئنان او القطع بالتعميم.

ويرى هذا الباحث ان علاج كلتا هاتين النكتتين عبارة عن الالتفات الى ان قوله(ع): «ان دين اللّه لا يصاب بالعقول‏»منصرف الى العقول الظنية دون الاطمئنانية، فضلا عن القطعية. وعليه فهذه الروايات لا تمنع من العمل بالقياس‏الذي يورث الاطمئنان او القطع.

والجواب: ان قوله(ع): «ان دين اللّه لا يصاب بالعقول‏» لا يعني نفي الحجية عن الحكم العقلي، كي يدعى انصرافه‏الى الحكم العقلي الظني دون الاطمئناني او القطعي، بل معناه الاخبار عن عجز العقل عن اصابة دين اللّه،وان‏احكام الدين وملاكاتها ليست في متناول العقل ، وهذا الاخبار بنفسه يسب ب لنا عدم تحقق العلم او الاطمئنان‏بسبب القياس، لعلمنا بانه لو امكن للعقل الوصول اليها وكشفها اذا لكان دين اللّه تعالى يصاب بالعقول.

واما كون هذا سببا لجمود الفقه وعدم امكان مواكبته للحياة فجوابه: ان اكتشاف العقل للملاكات وان كان منفيا،ولكن مناسبات الحكم والموضوع والارتكازات العرفية والعقلائية الموجبة لالغاء خصوصية المورد لدى العرف‏تخلق في كثير من الموارد ظهورا لفظيا للنص في الاطلاق، فننتهي الى النتيجة المطلوبة من تعميم الحكم في كثيرمن الموارد بالظهور اللفظ‏ي الحجة، لا بالعقل والقياس.

الدعوى الثانية:

«ان اغلب الاحاديث الواردة عندنا في الاحكام الشرعية انطلقت من اسئلة السائلين التي كانت تتحرك في شؤونهم‏الخاصة وفي اوضاعهم الخاصة التي يسالون عنها كواقع حي من دون ان يلتفت الى السؤال عن القاعدة الكلية،فاذا جاء الفقهاء الى مثل هذه الموارد فانهم يقتصرون في الحكم على مورده، لا سيما اذا كان هذا الحكم مخالفاللقاعدة العامة، فانهم يقولون: ان هذا الحكم وارد على خلاف الاصل، فناخذ بالاصل في القضايا الاخرى ونقتصرفيه على مورده، من دون ان يجعلوا المورد نموذجا لعنوان عام. وهذا هو الذي جعل الانسان يواجه في الفقه اشياءمتناثرة متفرقة لا يجمع بينها جامع، وقد يرى حكمين مختلفين متباينين في موردين لا تشعر بان احدهما يختلف‏عن الاخر بحسب وجدانك العملي او الواقعي في اي شان من الشؤون. اننا نتصور انه لابد لنا من ان ندرس هذه‏الامور دراسة اكثر دقة واكثر حركية، باعتبار اننا نستطيع في حال استنطاق الحكم الشرعي الوارد في هذا الموردنستطيع ان نصل الى اطمئنان في كثير من الحالات من خلال دراستنا لعمق الموضوع الذي نحيط به من جميع‏جهاته مقارنا بموضوع اخر مشابه له في جميع الحالات، مما يجعل احتمال اختلافهما في الحكم احتمالا ضعيفابحيث لا تكون المسالة ظنية بالمعنى المصطلح عليه الظن، بل قد تكون المسالة تقترب من الاطمئنان، ان لم تكن‏اطمئنانا»((215)).

اقول: قد اتضح جواب هذه الدعوى مما تقدم، فان انطلاق الاحاديث من اسئلة السائلين في شؤونهم الخاصة لايمنع من انعقاد الظهور العرفي للكلام في حمل الشان الخاص بمناسبة الحكم والموضوع وبالارتكازات العقلائية‏ على مجرد خصوصية موردية تلغى عرفا، فيصبح للكلام ظهور في الاطلاق، فيؤخذ به بلا حاجة الى خرم‏قاعدة «ان دين اللّه لا يصاب بالعقول‏» وان القياس لا ينتج شيئا. على انه لا دليل على حجية ما يقرب من الاطمئنان‏ما لم يكن حقا اطمئنانا.

ثم هناك بعض الايماءات في هذه الدعوى يمكن الاجابة عليها ايضا، فنقول:

اولا اننا اذا سلمنا ان «اغلب الاحاديث الواردة عندنا في الاحكام الشرعية انطلقت من اسئلة السائلين التي كانت‏تتحرك في شؤونهم الخاصة وفي اوضاعهم الخاصة التي يسالون عنها كواقع حي من دون ان يلتفت الى السؤال‏عن القاعدة الكلية‏»، فلا نسلم ان الجواب يكون عن هذه الحالة الخاصة، بل ان المعصوم(ع) قد يجيب بقاعدة كلية‏عامة، كما ورد في جواب السائل في صحيحة زرارة عن ايجاب الخفقة والخفقتين الوضوء، فقال(ع): «... ولاتنقض اليقين ابدا بالشك، ولكن تنقضه بيقين اخر»((216)).