وكذلك صحيحة زرارة الثانية التي يسال فيها الامام(ع) عما اذا
ظن ان الدم قد اصاب ثوبه ولم يتيقن ذلك، ونظرفلم ير شيئا،
ثم صلى فيه فراى فيه الدم، حيث اجاب الامام(ع) فقال:
«تغسله ولا تعيد الصلاة»، وعلل ذلك فقال:«لانك كنت على
يقين من طهارتك ثم شككت، فليس ينبغي لك ان تنقض
اليقين بالشك ابدا»((217)).
وكذا في رواية ابي بصير حينما سال الامام الصادق(ع) عن
الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط،فقال(ع):
«لا تاكل، ان عليا(ع) كان يقول: اذا ركضت الرجل او طرفت
العين فكل»((218)). وهذا في الفقه كثيرجدا.
ثانيا وعلى ما تقدم، فاذا لم يجب الامام(ع) على سؤال السائل
بقاعدة كلية، فلا محالة يكون الحكم مقتصرا علىالحالة
الجزئية التي ورد السؤال فيها، الا ان نقطع بعدم الخصوصية
للمورد فنتعدى الى حالات جزئية اخرى،والافلماذا لم يجب
الامام(ع) بصورة عامة على السؤال عن الحالة الجزئية اذا كان
الحكم عاما؟! فهل نتمكن اننقول بان الامام(ع) ايضا لم يلتفت
كما كان السائل غير ملتفت؟!
ثالثا واما قوله: «فاذا جاء الفقهاء الى مثل هذه الموارد فانهم
يقتصرون في الحكم على مورده، لا سيما اذا كانهذا الحكم
مخالفا للقاعدة العامة، فانهم يقولون: ان هذا الحكم وارد على
خلاف الاصل، فناخذ بالاصل في القضاياالاخرى ونقتصر فيه
على مورده من دون ان يجعلوا المورد نموذجا لعنوان
عام»((219)).
فتوضيحه: انه اذا كانت القاعدة العامة تقول بالحلية والطهارة
وجاء حديث يقول بنجاسة او حرمة العصير العنبياذا غلى،
فحينئذ يقال: ان حكم النجاسة او الحرمة ورد على خلاف
الاصل، فيقتصر فيه على مورده، اما بقيةالاشياء فهي على
القاعدة العامة التي تقول بالطهارة من دون ان نجعل عصير
العنب نموذجا لعصيرالفاكهة.
رابعا واما قوله: «قد يرى حكمين مختلفين متباينين في
موردين لاتشعر بان احدهما يختلف عن الاخر بحسبوجدانك
العملي او الواقعي في اي شان من الشؤون»((220)).
فتوضيحه: ان شان الدين يكون باتباع القران والسنة، فاذا كانت
السنة تفرق بين شيئين لا تشعر بان احدهمايختلف عن الاخر
فليس لنا الا اتباع السنة، فقد ورد مثلا المخالفة بين
المتماثلات، كتفضيل ليلة القدر والاشهرالحرم والجمعة على
غيرها من الازمنة، وتفضيل مكة والمدينة وكربلاء على غيرها
من الامكنة، كما قد ورد منالشارع الجمع بين المتخالفات،
حيث جعل التراب في التيمم طهورا كالماء عند عدم الماء او
عند المرض، معانالماء ينظ ف الاعضاء بخلاف التراب.
كما قد اوجد الشارع احكاما لا مجال للعقل فيها، من قبيل انه
اوجب في صحة الطلاق حضور شاهدين يسمعانصيغة الطلاق،
دون الزواج، واوجب قطع اليد في سرقة النصاب ولم يوجبه في
غصب المال الكثير، واوجب الجلدعلى من قذف غيره بالزنا ولم
يوجبه على من قذف غيره بالكفر مع ان الكفر اشد واعظم،
وشرط في الشهادة علىالزنا اربعة شهود عدول واكتفى في
الشهادة على القتل باثنين مع كون القتل اغلظ من الزنا،
واوجب قضاء الصومعلى الحائض دون الصلاة، مع ان كلا منهما
عبادة، واوجب القصر في الصلاة الرباعية دون غيرها
معانالصلوات عبادة، وكذا اختلاف احكام الشك في اعداد
الصلاة الرباعية دون غيرها، واوجب الغسل من نجاسةالبول
بالماء القليل مرتين دون الدم، واوجب لتطهير بعض النجاسات
كيفية مختلفة عن غيرها كما في ولوغ الكلباو تطهير انية
الخمر، وغير هذه الموارد مما يجده المتتبع كثيرا في طيات
كتب الفقه.
وهذه الموارد وان قيل انها قليلة بالنسبة الى موارد الفقه، الا ان
ها تكون بمثابة منبه لنا على عدم امكان القياسواجراء الحكم
الى مشابهه من دون دليل يدلنا على ذلك، ومجرد الظن ان لم
يكن دليل يدل عليه لا يسوغذلك.
وحينئذ، فما لم تعلم العلة ولم يكن هناك ظهور كيف يقال
بالقياس مع ما تقدم من منهج الشارع في التفريق
بينالمتماثلات والجمع بين المتخالفات وتشريعه لاحكام لا
طريق للعقل فيها؟! كما ان الظن يحتاج الى دليل معتبريدل
على حجيته، فكيف به وقد نهي عنه وعن خصوص الظن
القياسي بالادلة المتواترة؟!
اذا اتباع النص (السنة) هو الذي جعل الانسان يواجه في الفقه
اشياء متناثرة متفرقة لا يجمع بينها جامع، بل قديواجه احكاما
لا يفهم الفائدة منها، بل قد تكون خالية من الفائدة بحسب
عقله البشري، كما نشاهد ذلك في احكامالحج، كالسعي بين
الصفا والمروة، والوقوف في المشعر الحرام او بعرفة، او حتى
الطواف بالكعبة المشرفة،ولكن النص والسنة النبوية التي امر
اللّه تعالى باتباعها بقوله: (وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنهفانتهوا)((221))توجب علينا اتباع السنة وان لم يكن هناك
جامع بين الاحكام المختلفة او لم نجد فائدة من الحكمالنبوي
بحسب عقلنا.
نعم، ان الكلام المتقدم قد يصح في صورة واحدة، وهي ان
نجعل المعصوم (المشرع او المبين للحكم الشرعي)مجتهدا،
وما ورد من القواعد العامة للدين نجعلها من اجتهادات
المعصومين(ع)، ثم نخالفهم فيها حسباجتهاداتنا فنقول: ما
ورد في واقعة جزئية نستفيد منه قاعدة عامة خلاف القاعدة
العامة المستفادة منالمعصومين(ع)، وبهذا نكون قد نسفنا
ركنا من اركان الدين وهو السنة النبوية، وتمسكنا بالقران
وحده. وهذا مالا نحتمل ان يقول به من يعتقد بعصمة
الائمة(ع).
اقول: ان هذه المناقشة الرابعة ربما لا تكون واردة على الفقرة
المستلة من الدعوى الثانية، اذ للباحث ان يقول: اننانقول بان
الاختلاف في الحكم على صورة التباين في موردين لا نشعر
بان احدهما يختلف عن الاخر بحسبالوجدان العملي او
الواقعي في اي شان من الشؤون، انما يكون نقصا في غير صورة
النص الوارد على التفريقبينهما، وكل ما تقدم من الرد هو في
صورة وجود النص على التفريق بين المتماثلات او الاتحاد في
صورةالمتخالفات، وهذا لا مجال للقياس فيه، لانه يكون من
قبيل القياس في مقابلة النص.
ولكن يرد على الفقرة المتقدمة:
ا - انها خالية من مثال واحد يبين فيه صحة الدعوى.
ب - اذا استفدنا من احد الموردين الوارد فيه النص «العلية»
على وجه القطع التي توجب الحكم فنتعدى الىكلالموارد
الاخرى بدون توق ف.
ج - اذا استفدنا من احد الموردين الوارد فيه النص «العلية» على
وجه الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، فما هوالمبرر للتعدي
الى الموارد الاخرى المشابهة، مع ان دين اللّه تعالى ومنهج اللّه
قد عرفنا ان جانبا منه يبتني علىالتفريق بين المتماثلات او
الجمع بين المتخالفات، وان احكام اللّه تعالى وملاكاتها لا
نصيب للعقل فيها،وانالائمة(ع) قد نهوا عن القياس؟!
ه - وام ا بالنسبة الى الدعوة الى دراسة ما تقدم من امور دراسة
اكثر دقة واكثر حركية، لاننا نستطيع استنطاقالحكم الشرعي
الوارد... بحيث يتمكن من جعل الاختلاف في الحكم في
الموردين ضعيفا... بل قد تكون المسالةتقترب من الاطمئنان
ان لم تكن اطمئنانا.
فاقول: بالنسبة الى هذه الدعوة المتقدمة كان الافضل ان
تقدم هذه الدراسة والحركية، وتقدم نظرية استنطاقالحكم، ثم
ما معنى اقتراب المسالة من الاطمئنان؟! فهل الاقتراب من
الاطمئنان حجة مع انه لا اطمئنان؟!
ثم لا يخفى ان هذه اللابدية من الدقة والعمق قد حصلت على
يد العلماء.
فتحصل:
اولا ان الشارع المقدس اذا فرق بين امرين متماثلين فلابد من
الالتزام بالفرق، والا كان من الاجتهاد المخالفللنص الذي هو
باطل حتى عند ابناء السنة.
ثانيا وان حكم الشارع على مورد من الموارد بحكم وحصل
عندنا الاطمئنان بعدم الفرق بينه وبين مورد اخر،فنتعدى الى
المورد الثاني، لعدم الفرق بين الموردين، ومعنى هذا هو القطع
والاطمئنان بوجود علة الحكم فيالمورد الاخر، وهو معنى
ضيق الحكم واتساع الحكم بضيق العلة واتساعها.
ثالثا وان حكم الشارع على مورد بحكم ولم يحصل الاطمئنان
بعدم الفرق بينه وبين مورد اخر وان حصل ظنغير معتبر بعدم
الفرق فلا يتعدى الحكم الى المورد الاخر، حيث تقول القاعدة
بعدم حجية الظن الا ما قام عليهالدليل الخاص.
الدعوى الثالثة:
«ان المشكلة هي ان الدراسة الاصولية والفقهية تؤطر ذهنية
الانسان في هذه الدائرة الضيقة، ومن هناينشاالانسان وفي قلبه
وحشة من ان يمد الحكم الثابت لموضع الى امثاله، لان ما
اسميه لغة القياس التي تانفهاالذهنية الشيعية تجعل كل شيء
قياسا عندهم حتى ولو كان الاحتمال بعيدا جدا، لانهم اذا لم
يستطيعوا ان يشيرواالى خصوصية الاحتمال في مضمونه فانهم
يطلقون الاحتمال في المطلق ويقولون: ان اللّه اعلم
بالخصوصياتونحن لاطريق لنا الى معرفتها، بحيث يغلقون
الباب على اي استيحاء واستلهام للملاك الشرعي»((222)).
اقول: ان ما تقدم من الباحث لم يكن سوى دعوة للبحث من
جديد ولابدية التعمق والدقة والحركية واستنطاقالحكم
الشرعي وامثال هذه الامور. وهذا الكلام يوحي بعدم وجود
الدقة والتعمق في ابحاث العلماء رضوان اللّهعليهم وهو امر
غير صحيح. بالاضافة الى ان هذه الدعوى لم تطرح شيئا جديدا
ليرى ما هي المشكلة عند الباحثحتى تحل حسب الموازين
العلمية الصحيحة، ومن المحتمل وان كان بعيدا ان تكون
المشكلة ناشئة عنده منعدم العمل بالقياس الظني الذي لم
يدل عليه دليل، وهو ما يسميه باستيحاء واستلهام الملاك
الشرعي، والا فقدتقدم ان قياس منصوص العلة وقياس الاولوية
ومستنبط العلة على وجه القطع واليقين يجب العمل به، وهو
حجةعند الجميع. وقد بحثت هذه الابحاث في كتب الاصول
بصورة دقيقة ومفصلة، فلا جديد في البين سوى ما يوهممن
ضيق الدراسة الاصولية والفقهية، وهو امر يكون الصحيح
خلافه.
الدعوى الرابعة:
«حتى اننا نجد بعض الاصوليين عندما يتحدثون عن مورد من
الموارد التي كانت متعلقة بالامر الذي يكشف عنوجود ملاك
ملزم في الموضوع، فاننا نراهم انهم اذا حدث هناك اي عنوان
يسقط الامر اما من جهة عدم القدرة اواي جانب من الجوانب، او
من جهة التزاحم بامر اخر اهم مثلا بحيث يصبح الموضوع من
دون امر، فانهم يقولون:انه لا يمكننا ان نتقرب اذا كان المورد
مما يتقرب به الى اللّه بالملاك عينه، لاننا لا نحرز وجود
الملاك الا من خلالالامر، فاذا اسقط الامر ولو من خلال اشياء
طارئة خارجية عن ذات الموضوع فاننا لا نحرز الملاك،
ولذلك فنحنلا نستطيع ان نعتبر هذا الموضوع واجدا للملاك
الشرعي بحيث نرتب عليه اثار اي موضوع وارد من ملاكه
فيماهي من اثار الملاك»((223)).
اقول: ان الظاهر من هذه الدعوى الاعتراض على ما هو
متعارف لدى المحققين المتاخرين من حصر طريقاكتشاف
الملاك بالامر سواء كان عرضيا او بالترتب او غير ذلك، فلو
انتفى الامر بعجز او بفرض عدم الايمانبالترتب او بعدم اجتماع
شرائط صحة الترتب او غير ذلك، لم يكن للفقهاء طريق الى
كشف الملاك. وهذا يكون آبزعم الباحث جمودا اخر لدى
الفقهاء يؤدي الى جمود الفقه، وهو يؤدي الى العجز عن حل
مشكلات الحياةالمتطورة.
والجواب:
اولا ان الكاتب غفل عن سعة دائرة النصوص الواصلة الينا ثم
دائرة الاصول العملية، والتي لا تبقي مجالا لعجزالفقه عن
الجواب على مشاكل الحياة لمجرد عدم امكان كشف الملاك
بغير الامر.
ثانيا على ان الامر الذي يكشف عن وجود ملاك في المامور به
لا يسقط في صورة عدم القدرة عليه، وكذا فيصورة التزاحم
بامر اهم، وانما الذي يسقط هو اطلاق الامر فقط، ويبقى الامر
الكاشف عن الملاك موجودا فيالصورتين.
ولذا قرروا صحة الضد اذا كان عبادة بوجود الملاك، او بالامر
الترتبي الكاشف عن وجود الملاك، كما هوالحق.
الدعوى الخامسة:
«ما نتصوره ان علينا ان نعيد دراسة الاحاديث التي وردت في
رفض القياس عن ائمة اهل البيت(ع)، لان الواضحان بعض
القضايا التي رفض فيه نقل الحكم من موضوع الى موضوع اخر
كانت منطلقة من ان السائل اعتقدالملاك في جانب مقاس،
بينما كان الملاك شيئا اخر لا يسمح بهذا القياس، لانه لا يحقق
عناصر القايس، كمانلاحظ في رواية ابان بن تغلب عن ابي عبد
اللّه الصادق(ع)، قال: قلت له: ما تقول في رجل قطع اصبعا من
اصابعالمراة كم فيها؟ قال: عشرة من الابل...»((224))
. ((225))
اقول: ان هناك خلطا في روايات النهي عن القياس، فبعضها
كرواية ابان تنهى عن القياس بالمعنى الاول المتقدمالذي هو
عبارة عن اخضاع الاحكام الشرعية لعقل الانسان، فما قبله
العقل اخذ به، وما رفضه العقل رفض.
وهذا القياس هو القياس الذي قلنا انه خطر على الشريعة بحيث
يؤدي الى محقها، كما قالت به رواية ابان:«انالسن ة اذا قيست
محق الدين»((226))، وكذا الامر في رواية ابن جميع
المتقدمة.
ونتيجة لهذه المعركة الفكرية بين الامام الصادق(ع) وابي
حنيفة تضاءل استعمال هذا المصطلح على السنةالمتاخرين،
وقالوا بقياس من نوع اخر، وهو الاستواء بين الفرع والاصل في
العلة المستنبطة من حكمالاصل.
وقد قلنا سابقا: ان القياس انما رفض من قبل مدرسة اهل
البيت(ع) لانكار قدرة العقل على اصابة الدين بالقياسالذي
يراه الكاتب مفيدا للعلم او الاطمئنان، فيكون مفاد الروايات
الواردة من الائمة(ع) الاخبار عن عدم قدرة العقلعلى اصابة
دين اللّه تعالى بالقياس، وهذا الاخبار يجعلنا مبتعدين عن اصل
حصول العلم او الاطمئنانبذلك.
الدعوى السادسة:
«انني اتصور ان ثمة مسلمات درج عليها الاصوليون والفقهاء في
الحكم الشامل بالنسبة الى القياس، ويمكننا اننعيد النظر فيها،
فلعلنا نكتشف شيئا جديدا، وفي هذا الاطار لابد من الالفات
الى احد محفزات العمل بالقياس عندبعض المذاهب، وهو
انطلاقه من ضرورة معرفة الاحكام مع قلة الاحاديث الصحيحة،
فلجا هذا البعض الى القياسلملء الفراغ، كما حصل مع الامام
ابي حنيفة الذي كان اول من نظر للقياس وعمل به، اذ لم يصح
عنده من احاديثالنبي(ص) الا ثمانية عشر حديثا حسب ما
اذكر بمعنى انه لا يملك اي مصدر لاستنباط الحكم الشرعي،
وهذا مانعبر عنه بدليل انسداد باب العلم والعلمي. ومن
الطبيعي انه اذا انسد باب العلم بالاحكام او باب الحجج الخاصة
آاي ما يعبر عنه بالعلمي فاننا لابد ان نرجع الى حجية الظن
على بعض المباني كمبنى الكاشفية، بمعنى ان العقليحكم
بذلك عند فقدان كل الوسائل لمعرفة الحكم الشرعي مع وجود
علم اجمالي بوجود حكم شرعي لم يسقط.واذا كان الامر كذلك
فلابد ان يجعل اللّه حجة ويكون الظن حجة، وعند ذلك يكون
القياس اقرب الحجج من هذاالموضوع.
ومن خلال هذا نفهم ان مسالة رفض القياس لدى ائمة اهل
البيت قد يكون منطلقا من ان هناك احاديث في السنةالشريفة
واردة بشكل واسع جدا لا يحتاج فيه الى القياس، لان باب العلم
مفتوح من جميع الجهات مثلا، سواء اكانمن خلال القواعد
العامة ام من خلال النصوص الخاصة»((227)).
اقول: اولا ان المسلمات التي درج عليها الفقهاء والاصوليون
هي مسلمات قرانية وروائية تتلخص فينكتتين:
الاولى عدم اخضاع الاحكام الشرعية للعقل البشري لاخذ ما
قبله وترك ما لم يقبله، لان دين اللّه لا يصاب بالعقولكما ورد
في الحديث الشريف.
الثانية عدم حجية الظن الا ان يدل عليه دليل خاص، كما في
قوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا).
وهذه المسلمات لا يمكن ردها الا بمناقشة القران والسنة
بحيث نفترض ان النبي(ص) والائمة(ع) مجتهدون، ولااحسب
ان هذا الامر مقبول عند احد.
ثانيا ان قياس ابي حنيفة ومحاججات الامام الصادق له(ع)
تشير الى ان قياسه يختلف عن القياس بالمعنىالثاني، وقد
اشرنا الى هذا مرارا فلا نعيد.
ثالثا ان المحفز الذي ذكر للعمل بالقياس على فرض صحته
قد نشا من امور، نشير الى بعضها:
الاول: انه نشا من مخالفة الرسول(ص) حينما امر الامة ان
تقتدي بالامام امير المؤمنين والائمة الاحد عشر(ع) منبعده،
حيث اراد اللّه للامة ان تتم المسيرة الهادية على ايدي هؤلاء
الائمة الاثني عشر، وقد مهد النبي(ص) لذلك،حيث اودع
عليا(ع) علمه وجميع الاحكام الشرعية التي كان يمليها عليه
وعلي(ع) يكتب ويسمى هذا الكتاب فيالروايات: «الجامعة».
الثاني: انه نشا من الخطا الكامن في المنع من كتابة احاديث
الرسول(ص) بعد وفاته، بحجة ان يختلط الحديثبالقران. وكان
الخط الحاكم يعاقب على كتابة الحديث الذي هو عدل القران.
وبعد قرن من الزمن حينما سمحبكتابة الحديث دس اتباع
الخط الحاكم في الاحاديث الموجودة ما شاء لتثبيت الحكم، لذا
لم يصح عند من قبل هذاالخط الا احاديث قليلة، كما ذكر
الكاتب في احد محفزات القياس.
هذا، ولكن كاتب المقال هو ممن اتبع الرسول(ص) في وصيته
باتباع الائمة الاثني عشر(ع)، وهذا الخط هو الذياحتفظ
باحاديث رسول اللّه(ص) بعد موته، ووصل الى رواة الحديث عن
طريق الائمة(ع)، ووصل الينا عن طرقرواة الاحاديث. اذا فلا
يكون الطريق مسدودا للوصول الى حكم اللّه تعالى من طريق
العلم او العلمي، ولا تكونحجية مطلق الظن مورد قبول هذا
المسلك، كما هو عليه علماؤنا اجمع.
وعلى ما تقدم، فاي حاجة الى اعادة النظر في حجية مطلق
الظن بناء على الانسداد؟!
رابعا وعلى فرض عدم وصول نص الينا في مسالة معينة خاصة
جديدة، فان ما تركه الشرع لنا من الخروج عنحالة التحير من
اتباع الاستصحاب او البراءة او الاحتياط او التخيير كل بحسب
مورده فيه غنى عن اتباع ما ليسبحجة من الظنون القياسية.
لذا نجد ان صاحب الجواهر(قده) يتعرض في جزء واحد فقط
من اجزاء جواهره الىاكثر من مئة مورد من موارد الانحراف في
طريقة المخالفين وشذوذهم بترك الاصول العملية التي
وردتالنصوص الشرعية على حجيتها واتباع القياس
والاستحسان والمصالح المرسلة الظنية التي لا دليل
عليها،فلاحظ اي جزء شئت من اجزائه. ولذا عبر الامام
الخميني(ره) بان المسلك الصحيح في الفقه هو الفقه
الجواهري،مشيرا الى طريقة صاحب الجواهر في التحذير من
طريقة المخالفين التي حذر العلماء منها، فتامل.
والخلاصة: ان الانسداد عند المخالفين على فرض صحته غير
موجود عندنا، فما فائدة هذا المحفز عندغيرنا؟!
نعم، له فائدة ان كان مسلكنا مسلكهم.
خامسا لم يثبت ان ما صح عند ابي حنيفة من الروايات هو ما
ذكر، بل الثابت عند الحنفية هو خلاف ذلك،وحينئذينتفي
المحفز الذي ذكر للدعوة الى العمل بالقياس الظني.
بل كما تقدم ان ابا حنيفة كان يسلك مسلكا في اخضاع الاحكام
الشرعية لعقله رغم صحة الحديث الشرعي علىالحكم، فهو
انحراف في طريقة الاستنباط، وهذا واضح من محاججات
الامام الصادق(ع) معه، ولهذا ترك ابناءالسنة هذا الاصطلاح
للقياس وقالوا بالاصطلاح الثاني له.
سادسا لو فرضنا انسداد باب العلم والعلمي، وحينئذ يكون
مطلق الظن حجة، ولكن مع هذا لا يجوز العملبالقياس،
لوجود النهي الصريح والمتواتر عن الظن القياسي بالخصوص،
فتكون النتيجة بناء على الانسداد هيحجية مطلق الظن غير
الظن القياسي الذي وردت فيه الروايات المتواترة المانعة عن
العمل به.
وبهذا يتضح ان رفض القياس لدى ائمة اهل البيت(ع) ليس
ناشئا من وجود احاديث في السنة الشريفة واردةبشكل واسع
جدا لا يحتاج فيه الى القياس، حيث ان الائمة(ع) والامامية تبعا
لهم متعبدون بالنص الوارد عن رسولاللّه(ص) عن اللّه تعالى
سواء كان فيه احاديث بشكل واسع او بشكل غير واسع، وهو
معنى الدين والتعبدبه.
الدعوى السابعة:
«اننا في ملاحظاتنا المتنوعة في هذه النقطة نحاول توجيه
التجربة الاجتهادية في البحث اللغوي الى ان عنصرالثبات في
قواعد فهم اللغة لا يخدم قضية الاجتهاد المستندة الى وعي
النص، بل قد يجحدها ويعطلها، لانها سوفتقف عند فهم
القدماء الذين قد يمنحهم القدم قداسة خاصة يرتجف
المحدثون امامها فلا يملكون الجراة علىمخالفتهم فيما
يرتؤونه، او يجدون حرجا في الاعلان عن ذلك الخلاف بطريقة
فتوى او بحث او نحو ذلك. وربمايرجع الى هذه الذهنية
التقليدية في تقديس القديم او المشهور من الفقهاء
والاصوليين التي قد تكون متطورة فيالشكل ولكنها متجمدة
في المنهج والمضمون، وقد تكون متحركة في المفردات
ولكنها تبقى في افق التجريدالعقلي الذي يقع تحت تاثيرات
الفرضيات الخيالية او التكلفات العقلية التي لاتتمخض عن
ثمرات عملية علىمستوى الواقع العام للانسان، فقد تجد هناك
ابحاثا تحمل الكثير من الدقة ولكنها تتكلف لذلك
كلهلتستدلبالبرهان على ما يستقل به الوجدان»((228)).
اقول: ان مقصود الكاتب توسع دائرة الاشكال على فقهاء
الامامية، وبيان عدم انحصار الاشكال بانكار القياس،فتوهم
الباحث ايضا بان الاخذ بعنصر الثبات في اللغة يكون اساسا اخر
لجمود الفقه.
وتنحل هذه الدعوى الى نكتتين:
الاولى: ان عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة كما درج عليه
الاصوليون واهل اللغة لا يخدم قضية الاجتهادالمستندة الى
وعي النص وحركية الفقه. فكان الذي يخدم وعي النص هو
عدم الالتزام بالثبات في قواعد فهم اللغة،بمعنى ان الانفلات
من قواعد فهم اللغة هو الذي يخدم الاجتهاد.
وهذا امر عجيب ادع التعليق عليه لغيري.
ولكن اقول: ان عدم الالتزام بالثبات في قواعد فهم اللغة
والتجهم لعلم الاصول والدلالة والدعوة الى فهم
جديدللنصوص، سوف تؤدي الى الغاء حاكمية الدين وتجاهل
ثوابته ومناراته التي تعصم العقل من الاضطراب. وهذاهو عبارة
عن اطراح كل ما اشتمل عليه تراث الامة الاسلامية في مجال
التشريع والفكر.
الثانية: يدعي الكاتب ان المحدثين من الفقهاء لا يملكون الجراة
على مخالفة القدماء فيما يرتؤونه، او يجدونحرجا في الاعلان
عنه بطريقة فتوى او بحث.
وهذه الدعوى لم نجد لها في الواقع شيئا تستند اليه، فان
الفقهاء المحدثين قد يخالفون القدماء فيما اذا ملكوا
الدليلالمعتبر من القران والسنة والعقل طبقا لقواعد فهم اللغة
التي يسند اليها الاجتهاد، وامثلته كثيرة لا مجال لذكرهاهنا.
نعم، المحدثون لا يخالفون القدماء في صورة ازالة عنصر الثبات
في قواعد فهم اللغة، فان الانفلات سوف يؤديالى ضرب
التعاليم الدينية باجمعها كما تقدم. ولا ادري ماذا يقصد من
الدعوة الى تغيير المنهج والمضمون فيعملية الاجتهاد الذي
يدعي ان تمسك القدماء بها خطا لابد من تصحيحه!!
ثم انه لابد من اشارة الى رد تلك الدعوى فنقول:
اولا ان قول المشهور اذا استند الى ادلة، وقد ناقش الفقهاء
المتاخرون تلك الادلة واسقطوها عن ملاكية حكمالمشهور،
فلابد من الاخذ بما انتهى اليه المتاخرون، كما في مثال نزح ماء
البئر لتنجسه، وكما في نجاسة اهلالكتاب.
اما اذا كان قول المشهور مستندا الى ادلته الشرعية حسب
ثوابت قواعد فهم اللغة، وكان الشارع يكلم الناس فيمعرفة
الحكم الشرعي حسب عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة كما
هي القاعدة بين الناس في التفاهم، فكيفلايكون فهمهم
للحكم الشرعي حجة يرتجف منه المحدثون؟! وهل حجية
كلامهم في الحكم الشرعي الذي جاء منالادلة الشرعية حسب
ثوابت قواعد فهم اللغة الا حجية الشرع الذي جاء بما درج عليه
الناس من فهم المعاني منالكلمات اللغوية؟! وكيف يمكننا
وعي النص من غير طريق عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة؟!
وهل كلم الشارعاتباعه بغير اللغة وقواعد فهمها؟!!
ثانيا ان فهم الحكم الشرعي من قبل المتقدمين من الفقهاء اذا
كان مستندا الى عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة،ليس تقليدا
في تقديس القديم بقدر ان يكون تقليدا للشارع المقدس في
اتباع العقلاء وهو رئيسهم في التعبير عناحكام اللّه تعالى نوعا
حسب عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة.
ثالثا نعم، قد يفهم من كلام الشارع ارادة المعاني المجازية
والكنائية للقرائن الدالة على ذلك، وحينئذ يكونالمتبع هو
قصد الشارع لا تتبع عنصر الثبات في قواعد اللغة. ومن الامثلة
على فهم الفقهاء غير عناصر الثبات فيفهم اللغة ما ذكره ائمة
اهل البيت(ع) من نهي النبي(ص) عن اكل لحوم الحمر، حيث
قال الامام الباقر(ع): «انمانهاهم من اجل ظهورهم ان يفنوه،
وليس الحمر بحرام...»((229)).
فبين الامام(ع) ان النهي انما كان لاجل ان الحمير تحمل
امتعتهم واثاثهم، فهو حكم حكومتي وليس حكما شرعيايبقى
الى الابد.
وقد يفهم البعض من هذه الرواية المتقدمة الكراهة، حيث بين
الامام ان هذا النهي لا يدل على الحرمة، وحكمته انماهي من
اجل الا تفنى ظهور الحمر، ومعنى ذلك ان النهي كراهتي قد
بين الامام حكمته.
ومثل ما تقدم ما ذكره الاصوليون من ان الامر بعد الحظر او
توهم الحظر لا يدل على الوجوب.
والحقيقة ان هذه الامثلة المتقدمة التي يستفاد منها ما تقدم
هي ايضا من عناصر الثبات في قواعد فهم اللغةالمستندة الى
القرائن الدالة عليها، وهذا يخدم قضية الاجتهاد لا انه يجمدها
ويعطلها، حيث ان عنصر الثبات فيقواعد فهم اللغة كما يدل
على ارادة المعنى الحقيقي (الجدي) عند عدم القرينة فهو
ايضا يدل على ارادة المعنىالمجازي والكنائي عند وجود
القرينة سواء كانت لفظية او حالية، وحينئذ يكون فهم
القدماءللنصوالتجربةالاجتهادية مستندين الى وعي النص بكلا
معنييه. كيف لا؟! وهم من ا دباء الطائفة وعظمائهم فيالادب
والبلاغة كما لا يخفى، فات هامهم بما ليسوا فيه وانهم
«متجمدون في المنهج والمضمون» وانهم واقفون«تحت
تاثيرات الفرضيات الخيالية او التكلفات العقلية التي لا تتمخض
عن ثمرات عملية على مستوى الواقع العامللانسان» ليس من
الانصاف، خصوصا مع عدم ذكر اي مثال على المدعى من قبل
الباحث.
هذا كله بناء على ان المراد من الدعوى عدم صحة ارادة
المعاني الحقيقية بمعناها القديم من كلام الشارع
المقدسدائما، كما هو الظاهر منها.
رابعا ان فهم المشهور والقدماء للنص وان لم يكن مقدسا بما
هو فهم للمشهور، الا انه قد يكشف في كثير منالاحيان عن
ظهور للنص اذا عرفنا انهم ملتفتون الى نواحي الكلام وقواعد
فهم اللغة، وحينئذ يكون هذا الظهورللنص هو المقدس الذي
تكون مخالفته حرجة.
بيان ذلك: كما يقال في «لا ضرر ولا ضرار» في صورة تمسك
المشهور به لاثبات حكم شرعي كخيار الغبن معانالحديث
ينفي الحكم الضرري، فيقال: ان احراز التفات المشهور الى
قواعد فهم اللغة وهم علماء اللغة العربيةوروادها وتمسكهم
بالحديث النافي لاثبات حكم شرعي، يكشف عن وجود قرينة
حالية او لفظية جعلت الحديثالنافي يشمل اثبات الحكم وهو
خيار الغبن مثلا وهذه القرينة قد ضاعت علينا نحن المتاخرون.
على ان موردنا وعدم حجية القياس الظني ليس من موارد
فهم المشهور لنص معين، بل هو ضرورة فقهية سارعليها
العلماء الاعلام (علماء الامامية) باجمعهم تبعا لما ورد من
نصوص روائية متواترة للنهي عنالظنالقياسي.
الدعوى الثامنة:
«ولعل هذه الحيوية التي نريد تحريكها في البحث الاصولي هي
التي قد تبعدنا عن الوقوف جامدين امام العناوينالاصولية التي
استهلكناها في مذهبياتنا الفقهية والاصولية، فلم نتقدم خطوة
واحدة نحو الاخر... اذ لا يزالالقياس والمصالح المرسلة
والاستحسان وغيرها مقبولة بالمطلق من مذهب معين
ومرفوضة بالمطلق من مذهباخر، لان القضية هنا وهناك في
الايجاب والسلب قد وصلت في الوعي الاصولي الى مستوى
الحقيقة الحاسمةالتي لا تملك في الواقع يقينا حاسما يلغي
امكانات الحوار، ويطور مسالة السلب الكلي الى الايجاب
الجزئي،والايجاب الكلي الى السلب الجزئي، لان الادلة التي
يقيمها هؤلاء على القبول او يقيمها اولئك على الرفض
ليستادلة يقينية بالمعنى الوجداني البديهي، بل هي ادلة
فكرية بالمعنى النظري البرهاني التحليلي. فاذا كانت
الاسسالتي قد يعتمدها اهل السنة في حجية القياس
والاستحسان والمصالح المرسلة هي اعتبار الظن بالعلة
المشتركةبين الموضوعات، او بالمصالح الكامنة في داخل هذه
الواقعة المنفتحة على الخط العام للمقاصد الشرعية
التيتخضع لها المصالح والمفاسد التي هي ملاكات الاحكام، او
بالاساس الذي يقوم به حكم على اخر، فقد يفرضعلينا البحث
العلمي الدخول في حوار حول مدى حجية الظن في الخط
العام او في الخطوط التفصيلية، وفي طبيعةالادلة العقلية
المنفتحة على العمق الشرعي في ادراكات العقل، او الادلة
الشرعية المباشرة، لنكتشف اساسالحجية في هذا او ذاك من
خلال وجدان عقلي او شرعي. وربما نجد في هذه التجربة بعض
ما نكتشف فيه اننا قدنلتقي بالقياس في العلة المنصوصة او
;29#÷ت;06#÷بطريقة يقينية، كما قد نكتشف الوسائل اليقينية او
بالدرجة التي يقدم بها الحكم الاخر في موضوع اخر
بحيثيتجمد احدهما في دائرة الاهم والمهم.
وفي ضوء ذلك، قد نجد اكثر من مجال للالتقاء في بعض هذه
العناوين ما قد يخفف عنا الكثير من العقد الشعوريةالتي تتحول
الى عقدة مذهبية في الانفصال الفكري والفقهي والاصولي
بالمستوى الذي لا مجال فيهللقاء»((230)).
اقول: ان الكاتب يبرز مشكلة اخرى بسبب انكار الشيعة
للقياس انكارا مطلقا، وهي: عدم امكانية التقريب بينالشيعة
والسنة، لان احدهما ينكر القياس مطلقا والاخر يثبته مطلقا،
في حين ان الباحث يتخيل ان الافضل تنازلكل من الطرفين
عن اطلاق كلامه كي يلتقيا في الطريق.
والجواب: ان الباحث قد غفل عن ان ما يدعو اليه المخلصون
من الاقتراب والتكاتف بين الشيعة والسنة امام الكفرالعالمي
انما هو عبارة عن تكاتفهم ضد العدو المشترك في الاهداف
المشتركة، وليس عبارة عن تنازل احدهماعن بعض افكاره في
مقابل الاخر، فلا الشيعي مطالب بتنازله عن اطلاق حرمة
القياس بالمعنى المالوف، ولاالسني مطالب بتنازله عن حجية
القياس بالمعنى المالوف، ولا توجد اي مصلحة في الاقتراب
بينهما بهذا المعنىالذي يطرحه الكاتب.
ثم ان الباحث يطرح في هذه الفقرة عدة امور، هي:
الاول حيوية تحرك البحث الاصولي.
الثاني عدم الجمود امام العناوين الاصولية التي استهلكناها في
مذهبياتنا الفقهية والاصولية.
الثالث القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها مقبولة
بالمطلق عند مذهب معين (اهل السنة).
الرابع القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها مرفوضة
بالمطلق في مذهب اخر (الامامية).
الخامس لا يملك الامامية في الواقع يقينا حاسما يلغي امكانات
الحوار ويطور مسالة السلب الكلي الى الايجابالجزئي (اي
يطور الرفض المطلق الى قبول جزئي).
السادس لا يملك اهل السنة في الواقع يقينا حاسما يلغي
امكانات الحوار ويطور مسالة الايجاب الكلي الى سلبجزئي
(اي يطور القبول المطلق الى رفض جزئي).
السابع الادلة التي يقيمها الطرفان (الشيعة والسنة) ليست ادلة
يقينية بالمعنى الوجداني البديهي، بل هي ادلةفكرية بالمعنى
النظري البرهاني التحليلي.
الثامن الاسس التي يعتمدها اهل السنة في حجية القياس
والاستحسان والمصالح المرسلة هي اعتبار الظن
بالعلةالمشتركة بين الموضوعات.
التاسع او المصلحة الكامنة في داخل الواقعة المنفتحة على
الخط العام للمقاصد الشرعى ة، التي تخضع لهاالمصالح
والمفاسد التي هي ملاكات الاحكام.
العاشر كثرة العقد الشعورية التي تتحول الى عقد مذهبية في
الانفصال الفكري.
ومن هذا الذي تقدم يقول: «قد يفرض علينا البحث العلمي
الدخول في حوار حول مدى حجية الظن في الخط العاماو في
الخطوط التفصيلية... وفي ضوء ذلك قد نجد اكثر من مجال
للقاء في بعض هذه العناوين...».
واما الملاحظات التي نلاحظها على هذا الكلام فاقلها هي:
اولا ان الحيوية في البحث التي توصل الى ثمرات عملية،
يطلبها الاصولي اينما وجدت، وهذه هي الطريقة المثلىللبحث
العلمي النزيه.
ثانيا اما العناوين الاصولية فقد بحثت بدقة، ولا جمود عليها،
بل هي قواعد لغوية وعقلية برهانية واصول عمليةاسسها
الشارع المقدس للفقيه، حتى لا يبقى متحيرا عند عدم وجود
نص في مسالة معينة. وهذه العناوينالاصولية يستفيد منها
الفقيه عند الاستنباط لتكون دليله وعينه التي يرى بها ويخرج
عن دائرة المسؤولية الىدائرة المعذرية امام اللّه تعالى. ولعل
بحثا اصوليا يشغل بال الاصوليين ستة اشهر، لانه تترتب عليه
ثمرة فقهية،كبحث المعنى الحرفي الدقيق.
ثالثا واما مسالة الظن الذي منه القياس والاستحسان
والمصالح المرسلة واشباه هذه الامور الظنية، فقد اشبعتبحثا
في كتب الاصول من قبل علمائنا، ولم يغفل عنه رغم النهي
المتكاثر ضده من قبل الائمة(ع)، ولذا فقد انتهىعلماؤنا الى
حجية القياس المنصوص العلة والمستنبط العلة على وجه
القطع، وحجية قياس الاولوية المسمىبقياس الموافقة.
رابعا وبهذا يتضح عدم صحة المقولة القائلة: ان القياس
مرفوض بالمطلق من مذهب اخر (الامامية)، وانالقضىة لا
يمكن لها الحوار وتطوير المسالة من مسالة السلب الكلي الى
الايجاب الجزئي.
خامسا ان الادلة التي يحتاج اليها الفقيه لتكون حجة بينه
وبين اللّه تعالى قد تكون يقينية وقد تكون ظنية قام
الدليلالقطعي عليها، فلا نحتاج الى لابدية ان تكون الادلة
يقينية بالمعنى الوجداني البديهي، بل يكفي الدليل
الفكريالنظري البرهاني اذا قام دليل قطعي عليه. والقياس
الظني غير الحجة واخوته قد دل الدليل القراني على
عدمحجيته كقاعدة عامة، لدخوله تحت الظن المنهي عنه،
وجاءت الادلة الخاصة (الروايات) تنهى عن اخضاع
الاحكامالشرعية التي قام عليها دليل معتبر الى عقل الانسان،
لان «دين اللّه لا يصاب بالعقول». واما قياس الفرع علىالاصل
فقد تقدم انه يختلف باختلاف معرفة علة الحكم وعدمها، فان
علمت العلة اتسع الحكم باتساعها، وان لمتعرف العلة معرفة
يقينية لم يجز القياس، لان نسبة الحكم الى دين اللّه تعالى من
دون حجة معتبرة بل قد وردنهي عن ذلك يكون انحرافا عن
خط الشريعة وتشويها لها.
واما مسالة الحوار فالباب مفتوح له، وهو الاصل الذي سارت
عليه طريقة العلماء، فلا حاجة الى وصف الغيربالجمود امام
عناوين اصولية قد استهلكت في المذهبيات الفقهية، بحيث
يفهم السامع وجود حقيقة سد بابالحوار، او حرمة البحث في
هذه الامور، او تحجر علماء الاسلام، فاين هذا من الواقع
المعاش؟!!
سادسا واذا فرض البحث العلمي على انسان الدخول في حوار
حول مدى حجية الظن في الخط العام او فيالخطوط
التفصيلية، فلابد من الدخول كما دخل فيه علماء الاسلام في
كتبهم الاصولية، فاين الاحجام عن اكتشافمقاصد الشرع
القطعية او عن معرفة ملاكات الاحكام التي تعرف من خلالها
الاهمية في هذا الحكم.
سابعا اننا لا نعرف معنى للعقد الشعورية الكثيرة التي تتحول
الى عقدة مذهبية في الانفصال الفكري،فانالبحث العلمي
والفكري موجود بين علماء الاسلام، وكل يدخل في الحوار بقدر
ما يتمكن من الحوار ليصل الىالدليل الشرعي فيقتنع به، ولكن
ليس معنى ذلك لابدية الالتقاء في حجية الظن بصورة عامة اذا
كان هناك مانع مندليل شرعي او عقلي، ففرق بين حرية
البحث والحوار، وبين لابدية اللقاء.
واخيرا: فاننا في هذه المقالة ناقشنا الدعوة الى اعادة النظر في
حجية القياس الظني، وهو بحث اصولي.
اما العمل بالقياس فلا يصح نسبته الى من يدعو الى اعادة النظر
في القياس من ناحية البحث الاصولي، خصوصاوقد صرح في
كتابه النكاح بقوله: «... واما القياس فليس من مذهبنا ولا نعتبره
دليلا شرعيا، لانه قد ثبت في علمالاصول عدم حجيته في
اثبات الاحكام الشرعية الفرعية»((231)).
والخلاصة التي انتهينا اليها: هي عدم امكان ان يكون القياس
الظني حجة شرعية للاحكام الشرعية اذا نظرنا الىادلة الاحكام
الشرعية (الكتاب والسنة).
المراة والقضاء في الاسلام
الاستاذ السيد محسن الموسوي الجرجاني
يعد القضاء من اهم المسائل واكثرها حساسية وخطورة في
الاسلام، باعتبار انه منصب من مناصب النبوةوشؤونها التي
انيطت بالانبياء(ع) لاسيما نبينا(ص)، ولعل السر في ذلك هو
ان سعادة كل مجتمع مرهونة باقامةالقسط والعدل فيه.
ومن الواضح ان بسط العدالة والقسط منوط بامر القضاء بين
الناس بالحق، فتحفظ من خلاله حقوق الضعفاءعلى حد حفظ
حقوق غيرهم من الاقوياء، والا فتضييع حقوق الضعفاء من
ناحية الاقوياء وذوي القدرة المالية امربديهي لامرية فيه،
فيبتلي المجتمع بالهرج والمرج ويزول الامن والاستقرار.
ولاهمية هذا المقام وخطورته نجد ان الامام امير المؤمنين(ع)
قد تصدى للقضاء بنفسه، ولم يفوضه الى غيره منالقضاة، كما
نجده ايضا يؤكد توكيدا بليغا في عهده الى مالك الاشتر واليه
على مصر في امر اختيار القاضيوالصفات التي تجب فيه، حيث
يقول(ع): «ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك
ممن لا تضيق بهالامور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في
الزلة، ولا يحصر من الفيء الى الحق اذا عرفه، ولا تشرف نفسه
علىطمع، ولا يكتفي بادنى فهم دون اقصاه، واوقفهم في
الشبهات، واخذهم بالحجج، واقلهم تبرما بمراجعة
الخصم،واصبرهم على تكشف الامور، واصرمهم عند اتضاح
الحكم، ممن لا يزدهيه اطراء، ولا يستميله اغراء، واؤلئكقليل،
ثم اكثر تعاهد قضائه وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل
معه حاجته الى الناس، واعطه من المنزلةلديك، ما لا يطمع
فيه غيره من خاصتك، ليامن بذلك اغتيال الرجال له عندك،
فانظر في ذلك نظرا بليغا، فان هذاالدين قد كان اسيرا في
ايدي الاشرار، يعمل فيه بالهوى، وتطلب به الدنيا((232)).
وروى اسحاق بن عمار عن الامام الصادق(ع) عن امير
المؤمنين(ع)، انه قال(ع) لشريح: «يا شريح قد جلستمجلسا لا
يجلسه الا نبي او وصي نبي او شقي»((233)).
وعن سليمان بن خالد عن الامام الصادق(ع) قال: «اتقوا
الحكومة، فان الحكومة انما هي للامام العالم بالقضاءالعادل في
المسلمين كنبي او وصي نبي»((234)).
الى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على مدى الاهمية
التي يوليها الاسلام لمنصب القضاء.
ومن هنا فقد اولى الفقهاء اهمية وعناية خاصة للقضاء، وتشددوا
في الشروط المعتبرة فيه، حتى انهاها بعضهمالى ثلاثة عشر
شرطا، هي: البلوغ، العقل، الايمان، العدالة، طهارة المولد،
الاجتهاد، الضبط والحفظ، الذكورة،السمع، البصر، النطق،
الحرية والكتابة.
وقد تعرض لهذه الشروط في الجملة كل من بحث القضاء من
فقهائنا، كما ان ما ورد في عهد امير المؤمنين(ع)لمالك من
خصوصيات وصفات للقاضي، هي الاخرى قد وقعت موردا
لاهتمام الفقهاء كافة ايضا، اذ بدون تلكالشروط والصفات لا
يمكن تحقيق العدالة وبسطها في المجتمع.
وقد تطرح تساؤلات وربما شبهات حول بعض هذه الشروط
كشرط الحرية، وطهارة المولد، والذكورة. فيسالعن سر منع
الاسلام وهو دين العدالة العبد او المراة، او من لم تطب ولادته
من القضاء ولو كان عالما عادلا جامعالشرائط القضاء كافة، الامر
الذي قد يعتبره دعاة حقوق الانسان على خلاف العدالة
الاجتماعية التي يدعو اليهاالاسلام، حيث يمنع بهذا الحكم
نصف المجتمع عن مزاولة هذا الحق والمنصب!
والجواب عن ذلك منوط باثبات المنع بالادلة الشرعية
المتسالم عليها، فاذا تمت الادلة الشرعية المعتبرة على
ذلكفان الاجابة على السؤال المذكور تكون بمكان من
السهولة، حيث يمكن ان يقال حينئذ ان المنع من تولي
المراةالقضاء امر تعبدنا به الشارع، لوجود مصلحة تفوت على
المجتمع اذا هي تصدت له، او لوجود مفسدة يبتلى
بهاالمجتمع اذا هي وليت القضاء. الا ان الكلام في قيام الدليل
المعتبر على المنع وتماميته.
وهذا ما سوف نبحثه في هذا المقال، ولكن في خصوص واحد
من هذه الشروط المذكورة وهو شرط الذكورية،حيث سيقع
البحث عن مدى صلاحية المراة واهليتها للقضاء من ناحية
فقهية، مستعرضين الادلة على ذلك منعاوجوازا.
ت نظرة عامة في ادلة الاحكام الشرعية:
نشير بشكل مختصر قبل البحث في مسالة قضاء المراة، الى
مصادر الاستنباط بشكل عام:
1 - الكتاب، ولا شك في انه لو دل ظاهره على حكم فانه يعتبر
حجة عليه، وهذا مما لا خلاف فيه، ولا يعتنى بخلافالمخالف
فيه.
2 - السنة، وتشمل اقوال النبي(ص) والائمة المعصومين(ع)
وفعلهم، فاذا وردت رواية ظاهرة الدلالة على حكم ماولم يكن
لها معارض امكن نسبة الحكم الوارد فيها الى الشرع. الا ان هذا
يتوقف على:
1 - التسليم بحجية الخبر الواحد.
2 - ان هذه الحجية ليست مطلقة، بل هي في خصوص الخبر
الجامع لشرائط الحجية، فلابد ان تكون سلسلةالسند معلومة
وموثقة، وهذا اصل مسلم لدى جميع الفقهاء فلا عبرة بالخبر اذا
كان بعض رواته ضعيفا اومجهولا او متروكا او غير موثق.
وحاول البعض القول بحجية الخبر الضعيف اذا عمل به
المشهور، فيكون عملهم جابرا لضعفه، الا ان ذلك غيرتام، لعدم
استناده الى دليل، وليس قابلا للتوجيه الا بناء على حجية
مطلق الظن، وما نحن فيه هو الظن الخاص ايبناء على انفتاح
باب العلمي، الذي امن به جميع الفقهاء تقريبا. وقد فصلنا
البحث في محله في عدم جابرية عملالمشهور للخبر الضعيف.
3 - العقل، وهو من الادلة والحجج على الاحكام الشرعية اذا
كان مستجمعا لشروطه، وليس في حجيته خلافالامن
الاخباريين، حيث نفوا حجيته، ولا يعول على كلامهم في هذا
المجال، وقد ناقشنا رايهم في محله ايضا.
4 - الاجماع، وقد قيل بحجيته منذ القدم، وهو يعني اتفاق
جميع فقهاء الطائفة على حكم من الاحكام، وهذا الاتفاقلابد
ان يكون كاشفا عن راي الامام(ع) في ذلك الحكم، فمنشا
الحجية فيه هو كاشفيته عن راي المعصوم(ع) فيكونالاجماع
حينئذ حجة على ذلك الحكم على نحو يمكن نسبته الى
الشارع المقدس.
ولا شك في ان الاجماع اذا كان كاشفا عن راي المعصوم فانه
حجة قطعا، ولكن اثبات ذلك يتوقف علىامرين:
الاول: تحصيل اجماعهم واتفاقهم على الحكم، وهذا ما لا يمكن
اثباته في خصوص عصرنا بالنسبة الى الفقهاءالمعاصرين، فضلا
عن الازمنة المتقدمة، فان كثرتهم الكاثرة مضافا الى تشتتهم
في البلاد والاقطار يمنع منالاحاطة باقوالهم وارائهم، سيما
مع عدم معروفية الكثير منهم، الذين قد يجهلهم بنو بلدتهم
فضلا عنغيرهم.
الثاني: انه على فرض القبول بامكان تحصيل الاجماع واحرازه،
فانه انما يجدي اذا كان كاشفا عن رايالمعصوم(ع)، وهذا ما لا
يمكن القبول به ايضا، اذ اي تلازم بين حصول الاتفاق والاجماع
وبين رايه(ع)؟ الا من باباللطف، وهو ما لا يراه فقهاؤنا. ولا
طريق اخر للكشف، فلا سبيل الى القول بحجيته حينئذ.
فاذا مدركية الاجماع تتوقف اولا على احرازه، وثانيا على فرض
كاشفيته، فاذا لم يكن كاشفا فلاقيمة له. نعم قديولد الظن، الا
انه ليس بمعتبر عندهم.
وهناك نكتة اخرى ينبغي الالتفات اليها في حجية الاجماع
وهي: انه على فرض التسليم بحجية الاجماع، فانه فيخصوص
المورد الذي يخلو معقده من دليل اخر يدل عليه، والا كان هو
المنشا في الحجية، دون كاشفية الاجماععن راي المعصوم
كما هو الفرض في حجيته. ومن الواضح فان وجود هذا
الاحتمال يشكل مانعا من احرازكاشفيته، فالاجماع المعتبر اذا
هو خصوص ما لم يكن فيه مدرك ولا محتمل المدركية، بل
كان تعبديا محضا كماعليه القائلون بحجية الاجماع.
نظرة عامة في ادلة مشروعية القضاء:
ان الاصل الاولي هو عدم نفوذ ولاية او قضاء احد على احد الا ما
قام عليه الدليل واخرجه، وقد قام الدليل القطعيعلى ثبوت
القضاء للنبي(ص)، فان من المسلمات التاريخية هو ان
النبي(ص) وكذا امير المؤمنين(ع) كانا قد تصدياللقضاء، وتدل
على ذلك بعض الايات الكريمة، منها: قوله تعالى: (انا انزلنا
اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمااراك اللّه ولا تكن
للخائنين خصيما)((235)).
وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت
ويسلمواتسليما)((236)).
وقال ايضا: (فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول ان
كنتم تؤمنون باللّه واليوم الاخر)((237)).
|