الصفحة السابقة

الصفحة التالية

ففي الايات دلالة صريحة وواضحة على ان من خصوصيات النبي الاكرم(ص) منصب القضاء، بل يستفاد من‏بعضها ان فلسفة نزول القران على النبي هو الحكومة والقضاء بين الناس، وعليه فاذا توقف اعتقاد الناس‏وايمانهم على القبول بقضاء النبي(ص) وكانوا مامورين ايضا بالرجوع اليه وعدم التحاكم الى الطاغوت في‏منازعاتهم كما ان الهدف من نزول الكتاب هو ما ذكرنا من الحكومة بين الناس فان ذلك كله ينتج لزوم الاذعان‏بان الرسول(ص) انما بعث للحكومة والقضاء بين الناس.

وهذا الامر يعد من الضروريات والمسلمات الواضحة، وكذا ثبوته للائمة(ع) من بعده وذلك:

1 - لقرنه سبحانه في الاية (59) من سورة النساء بين طاعة الامام وطاعة الرسول، فيكون القضاء الذي هو نوع‏من الامر واجب الاطاعة ايضا.

2 - باعتبار انهم الولاة والخلفاء من بعده ولا يمكن ان يكونوا كذلك وقضاؤهم وحكومتهم غير نافذة، والحال‏ان‏القضاء يعد شعبة من شعب الولاية.

3 - مضافا للنصوص الدالة على ثبوت القضاء للنبي والوصي من بعده.

4 - عدم اكتفاء الائمة(ع) بمباشرة القضاء فحسب بل كانوا يقومون بتنصيب القضاة وتعيينهم، مما يدل على‏ان‏اصل القضاء ثابت لهم من قبله سبحانه، او بتفويض من نبى ه(ص)، فاذا ثبوت القضاء لهم هو ايضا من‏المسلمات القطعية.

القضاء في عصر الغيبة:

ظهر مما تقدم ان ثبوت القضاء للنبي(ص) والائمة(ع) من بعده امر جزمي لا خلاف فيه.

واما في عصر الغيبة، فقد يقال بانتفاء القضاء فيه، لانتفاء اصل الولاية. كما انه قد يقال ايضا بان المجتمع يفتقرالى القضاء بشدة، فلو لم يكن لعمت الفوضى وساد الهرج والمرج فلابد حينئذ من القبول بالمحاكم الوضعية‏وقضاء من يلي فيها ذلك.

الا ان هذا الكلام ليس بفني، لان بحثنا هو حول القضاء الشرعي الثابت بالادلة المعتبرة، بحيث يكون نافذا من جهة‏الشارع، ومثل هذا القضاء ثابت للنبي والائمة(ع) قطعا كما سلف، واما غيرهم فهو بحاجة الى دليل يخرجه من‏الاصل الاولي القاضي بعدم نفوذ قضاء احد على احد، فجواز القضاء لغيرهم(ع) منوط باذنهم له في ذلك، هذاوان‏مما لا نزاع ولا خلاف فيه، ثبوته للفقهاء والمجتهدين، بل هو من ضرورى ات الفقه كما هو الحال في منصب‏الافتاء بخلاف الولاية لهم فانها وقعت موقع الاختلاف.

وهذا الحكم القضاء ثابت سواء قلنا بثبوت ولاية الفقيه كما هو الصحيح بنظرنا ام لم نقل.

اما بناء على ثبوتها فلكون القضاء شعبة من شعب الولاية، واما بناء على عدم ثبوتها، فباعتبار علمهم بالكتاب‏والسنة، حيث ان القضاء ينبغي ان يكون على ضوئهما، وليس من هو اعلم بهما غيرهم فيجوز لهم ذلك، بل يجب‏وايضا للروايات الواردة في ذلك، وهي:

1 - مقبولة عمر بن حنظلة الواردة عن الصادق(ع) في النهي عن الترافع الى قضاة الجور وسلاطينهم وانما كماقال:

«ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا، فليرضوا به حكما،فاني قد جعلته عليكم حاكما...»((238)).

وهذا النص هو من اهم النصوص على المدعى المذكور، حيث ان الامام(ع) قد نصب للقضاء خصوص العارف‏بالحلال والحرام، وهو بنفسه دليل على نصب الفقهاء للقضاء للنكتة المذكورة.

وهذه الرواية وان كان قد نوقش في سندها، لعدم ورود توثيق في حق عمر بن حنظلة الا انه لم يضعف ايضا، وقدتلقاها الاصحاب بالقبول من دون تردد ولذا سميت بالمقبولة وعليه فانه لا يستبعد حصول الاطمئنان‏بصدورها.

2 و 3 - روايتا ابي خديجة سالم بن مكرم الجمال ولا يستبعد ان تكونا رواية واحدة قد رويت مرتين عن ابي عبداللّه(ع) حيث جاء في احداهما: قال: بعثني ابو عبد اللّه(ع) الى اصحابنا فقال:

«قل لهم: اياكم اذا وقعت بينكم‏خصومة او تدارى (تدارؤ) في شي‏ء من الاخذ والعطاء ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاقد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضيا، واياكم ان يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان‏الجائر»((239)).

وفي الاخرى: قال ابو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق(ع):

«اياكم ان يحاكم بعضكم بعضا الى اهل الجور، ولكن‏انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فاني قد جعلته قاضيا فتحاكموا اليه‏»((240)).

ودلالتهما على المطلوب واضحة الا ان الكلام في سندهما، فان الاولى قد وقع في سندها ابو جهم (ثوير) الذي لم‏يوثقه احد، ولاشتراك احمد بن محمد فيه بين الثقة وغيره.

والاهم من ذلك كله راوي الروايتين ابو خديجة، الذي قد ضعفه الشيخ وابن داود والعلامة، وان كان قد وثقه‏النجاشي، فيعارض تضعيف الشيخ حينئذ ويتساقطان، فيبقى الرجل من دون توثيق. وحجيتها بعمل المشهورمبنية على قبول جابرية عملهم اولا، وثانيا انه غير تام صغرى لامكان استناد المشهور في فتواهم الى ادلة اخرى‏موجودة في المسالة. وعليه فلا يمكن التعويل على الرواية الاولى وان اطلق البعض عليها لفظ الصحيح. ومنه‏يظهر الحال في الرواية الثانية ايضا.

وهذه الروايات الثلاثة صريحة في دلالتها على نصب الفقهاء للقضاء. وثمة روايتان اخريان تختلفان في نوع‏دلالتهما مع الروايات السابقة، حيث تدلان على المطلوب بالعموم والاطلاق وهما:

4 - ما روي في خطبة عن علي(ع) انه قال في من يكون بيده الامر: «ايها الناس ان احق الناس بهذا الامر اقواهم‏عليه، واعلمهم بامر اللّه فيه...»((241)).

والمراد بالامر هنا هو الحكومة، وقد تقدم ان القضاء شعبة من الحكومة والولاية، وهي مطلقة لكل زمان ومكان،فتشمل القضاء في عصر الغيبة ايضا.

لكن الكلام اولا: في سندها. وثانيا: في دلالتها، حيث دلت على تولي الفقهاء للحكومة في عصر الغيبة، وهو وان‏كان اعم من القضاء وشامل له، الا انه ليس مساويا له، فلا يمكن التمسك بها لاثبات الوجوب الكفائي للقضاء في‏ذمة الجميع.

5 - ما كتب به(ع) في عهده الى مالك الاشتر حيث اوصاه باختيار من هو اكثر علما وكمالا لامر القضاء، اي علمابالاحكام الشرعية وهذا الامر منحصر بالفقهاء، فيكونون منصوبين بالدلالة الالتزامية.

وقد يقال: بانها واردة في مورد خاص مضافا الى ضعف سندها، ولكن شهرتها تورث الاطمئنان بصدورهاعنه(ع)، كما ان مفادها يشهد بضعف احتمال صدورها عن غير الامام(ع)، واما دلالتها على ثبوت القضاء للفقهاءفبالغاء الخصوصية في المورد الذي وردت فيه وهو ولاية الاشتر على مصر.

6 - عن ابي بصير قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن قول اللّه تعالى:

(ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الى الحكام)فقال(ع): «يا ابا بصير! ان اللّه عزوجل قد علم ان في الامة حكاما يجورون، اما انه لم يعن: حكام اهل العدل، ولكنه‏عنى: حكام اهل الجور،...»((242)).

ودلالتها جد صريحة في نفوذ قضاء القاضي اذا كان عادلا، وانه مما يرضي اللّه سبحانه. وهي ايضا مطلقة. الاانهاضعيفة بعبد اللّه بن بحر.

الى غير ذلك من الروايات الكثيرة المتواترة تواترا اجماليا، الدالة على تاكيد الائمة(ع) في احياء امرهم، والرجوع‏في الحوادث الى رواة احاديثهم، والحكم بما انزل اللّه.

7 - العمومات والاطلاقات الدالة على اقامة العدل، فهي تدل على ثبوت القضاء للفقهاء.

قال تعالى: (ان اللّه يامر بالعدل والاحسان)((243))، وقال: (ان اللّه يامر ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان‏تحكموا بالعدل)((244))، وقال ايضا: (يا ايها الذين امنوا كونوا قوامين للّه شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على الاتعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى)((245)).

وهذه الايات تريد تحقيق العدالة في المجتمع الانساني من جميع المكلفين بما فيهم النبي(ص)، فالاية الاولى تقول:ان اللّه يامر بالعدل والاحسان، وتامر الاية الثانية الجميع بان يحكموا بالعدل اذا حكموا بين الناس، والاية الثالثة‏تامر المؤمنين بالعدل، وهذه الايات مطلقة تطلب تحقيق ذلك في كل زمان ووقت ومن جميع المكلفين.

وينحصر تحقيق العدالة بمعناها الواسع باقامة الحدود الالهية واجراء الاحكام الشرعية والقضاء بين الناس‏بالعدل بلا ملاحظة اي شي‏ء الا عند المزاحمة، والا فان حصر القضاء في قاضي التحكيم لا يحقق الغرض‏المقصود، اذ ليس قضاؤه عاما ولا ملزما، فاذا يستفاد من هذه الايات والروايات الاخرى الواردة بهذا المضمون‏انها تخاطب المؤمنين باقامة العدل وتسوقهم نحو تولي القضاء، بل ان الخطاب فيها عام يشمل جميع المؤمنين‏والمؤمنات غاية الامر ان هذا الوجوب كفائي، هذا اولا.

وثانيا: انه يشترط في من يلي القضاء شروطا معينة، فمثلا يشترط فيه ان يكون عالما بالاحكام الشرعية المتعلقة‏بالقضاء، ليكون قضاؤه موافقا للعدالة. والا كان بغير (ما انزل اللّه) اولا، وعلى غير مقتضى العدالة ثانيا.

ان قيل: انما يتم ما تقدم اذا قلنا بان الامر بالعدالة في الايات السابقة مولويا وليس كذلك، لانه مخالف للمعياروالملاك في المولوية وهو كون المامور به ليس مما يدركه العقل بوضوح، وليس موردنا من هذا القبيل،فان‏تحقيق العدالة مما يدركه كل عاقل، وحينئذ لابد ان يكون الامر بها ارشاديا. وعليه فلا يمكن اثبات الامرالشرعي والمولوي بها.

قلنا: ان العقل اذا حكم بوجوب العدالة، واقرت الشريعة ذلك، لزم منه وجوب تحقيق العدالة على كافة المكلفين‏عقلا وشرعا، فيجب عليهم تولي ما يحققها من الولايات والمقامات مما يضمن معه اتساع العدالة وانتشارها.ومعلوم ان ادراك العقل لمسالة ما يعضد في عمومها فلا يبقى مجال لتوهم اختصاصها بزمان دون زمان.

8 - القضاء بالعدل مما يتوقف عليه النظام المدني، والا للزم الحرج والمرج وعمت الفوضى في المجتمع،لان‏ديمومته واستمراره مرهونة بحاكمية العدل والقسط فيه، وما يكون هذا شانه فانه يجب كفاية بحكم الشرع‏والعقل ولاجل هذا يجب على عامة المكلفين، وبالتعاقب تحصيل شرائطه الى ان يصل حد الكفاية والنصاب،والاكان الجميع عاصين للّه، وفي تركه تهديد بزوال الحكومة الاسلامية، والى هذا يشير قول امير المؤمنين(ع):«يستدل على زوال الدول باربع: تضييع الاصول، والتمسك بالفروع، وتقدم الاراذل، وتاخير الافاضل‏»((246)).

هل ينفذ قضاء المراة؟! في المسالة قولان: قول بالجواز والنفوذ، وقول بالمنع وعدم النفوذ.

القول الاول:

يمكن ان يستدل على الجواز بان مقتضى جميع ما تقدم من الادلة الدالة على مشروعية القضاء ووجوبه اطلاق‏الحكم في ذلك للرجل والمراة معا، اذ النكتة كلها في جواز تولي القضاء ونفوذه هو ان يكون بالعدل وعلى وفق‏الكتاب والسنة، وان يتوفر في القاضي شرط الايمان، وهذا هو اقصى ما تدل عليه الادلة السابقة، واما ما عدا ذلك،فبحاجة الى دليل خاص لاثباته، اذ مقتضى ما تقدم عدم اشتراط شرط زائد غير ما ذكرنا، وان لم يبعد ان نقول‏باشتراط كل ما يمنع من العقل والبلوغ، اذ لا يطمئن بقضاء المجنون والصبي من حيث العدالة وكونه موافقاللكتاب والسنة، فالصبي ما دام صبيا حتى لو نال درجة الاجتهاد قد لا يرى نفسه مكلفا بالاحكام فيقضي بخلاف‏مقتضى العدالة، والامر في المجنون والسفيه اوضح.

كما لا يبعد ان يقال بشرطية عدم كل نقص يخل بشرطية العدالة في القضاء. ومن هنا اشترطوا البصر والسمع‏والنطق والكتابة والذاكرة لتاثيرها في دقة التشخيص والحكم.

ولكن الحق ان يقال باشتراط بعضها لا جميعها، فان غير العارف بالكتابة يمكنه الاستعانة بغيرها، بل قد لايحتاج اليها اصلا. نعم، قد يصعب القضاء لفاقد البصر والسمع والنطق.

وكيفما كان فان اشتراط الذكورية مما لا دليل عليه، بل الدليل على نفيه وهو الاطلاقات المتقدمة. وسيتضح صحة‏هذا القول من خلال استعراض القول الثاني ومناقشة ادلته.

القول الثاني:

وهو قول المشهور، بل قيل هو مجمع عليه بين الاصحاب، حيث لم يتردد فقهاؤنا في المنع، وذلك بتقييدالاطلاقات المتقدمة واليك استعراض نبذة من اقوالهم قبل ملاحظة استدلالاتهم ومناقشتها:

قال الشيخ في المبسوط: «المراة لا ينعقد لها القضاء بحال. وقال بعضهم [الجمهور] يجوز ان تكون المراة‏قاضية، والاول اصح‏»((247)).

وقال في الخلاف: «لا يجوز ان تكون المراة قاضية في شي‏ء من الاحكام، وبه قال الشافعي. وقال ابو حنيفة:يجوز ان تكون قاضية فيما يجوز ان تكون شاهدة فيه، وهو جميع الاحكام، الا الحدود والقصاص. وقال ابن‏جرير: يجوز ان تكون قاضية في كل ما يجوز ان يكون الرجل قاضيا فيه، لانها تعد من اهل الاجتهاد.

دليلنا: ان‏جواز ذلك يحتاج الى دليل، لان القضاء حكم شرعي، فمن يصلح له يحتاج الى دليل شرعي وروي عن النبي(ع) انه‏قال: لا يفلح قوم وليتهم امراة...»((248)).

وقال ابن البراج: «المراة لا ينعقد لها القضاء على حال‏»((249)).

وقال المحقق الحلي: «لا ينعقد القضاء للمراة وان استكملت الشرائط‏»((250)).

وقال العلامة الحلي: «لا ينعقد القضاء للمراة في الحدود وغيرها»((251)).

وقال الشهيد الاول: «لا ينعقد قضاء المراة، لاطباق السلف على المنع منه‏»((252)).

وقال الشهيد الثاني: «واما اشتراط الذكورة، فلعدم اهلية المراة لهذا المنصب، لانه لا يليق بحالها مجالسة‏الرجال، ورفع الصوت بينهم، ولابد للقاضي من ذلك. وقال ايضا: هذه الشرائط عندنا موضع وفاق‏»((253)).

وقال الفاضل الهندي بعد قول العلامة في القواعد (ولا ينعقد قضاء المراة وان اجتمعت باقي الشرائط): «لما في‏الاخبار من نقصان عقلها ودينها وقيام اثنين منهن مقام رجل في الشهادة غالبا وعدم صلاحيتها للامامة في‏الصلاة للرجال...»((254)).

وقال السيد المجاهد صاحب المناهل: «لا ينفذ قضاء المراة وان كانت عالمة مجتهدة، ولهم وجوه: منها ظهورالاتفاق عليه، ومنها انه حكي في الرياض عن العلامة دعوى الاجماع...»((255)).

وقال الشيخ الاعظم: «ويشترط في القاضي ايضا الذكورة، فالمراة لا تولى القضاء كما في النبوي المطابق‏للاصل المنجبر بعدم الخلاف في المسالة‏»((256)).

وقال المحقق النجفي بعد عبارة المحقق التي ذكر فيها شروط القضاء ومنها الذكورة: «بلا خلاف اجده في شي‏ءمن ذلك‏»((257)).

وقال السيد اليزدي: «لا يصح قضاء المراة ولو للنساء»((258)).

وقال السيد الخوانساري: «واما الذكورة فادعي الاجماع على اعتبارها، واستدل ايضا على اعتبارها بالنبوي «لايفلح قوم ولتهم امراة‏»»((259)).

واما الادلة على قول المشهور، فهي:

الدليل الاول: الكتاب: وقد استدل بثلاثة ايات على ذلك:

الاية الاولى: قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل اللّه بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم)((260)).

حيث دلت على قوامية الرجال على النساء، ولازمها سلطنة الرجال وحكومتهم عليهن، فلو كانت المراة تصلح‏للقضاء لانتج عكس المطلوب، فتصير القوامية لهن على الرجال((261)).

وهذا الكلام في غاية الغرابة، اذ الاية اجنبية عن المقام، ولا دلالة لها فيما نحن فيه، لورودها في الزوج والزوجة،كما يشهد لذلك ما ورد في شان نزولها، فهي تثبت للزوج مسؤولية ادارة الاسرة، لكونه من تجب عليه النفقة‏شرعا، ولوجود بعض الخصوصيات التي لا تتوفر في المراة، فباجتماع هذين الامرين معا، تكون مسؤولية‏الاسرة على عاتق الرجل، وعليه فانه يمكن القول بانه متى ما وجد هذان الامران في المراة او احدهما كان للمراة‏ذلك، او انها تشارك الرجل فيه، فلو تكفلت المراة مثلا بالنفقة، انتفت القيمومة عن الرجل وكانت للمراة، وذلك‏لان قوام قيمومته مركب من النفقة ودفع المهر معا، وبانتفاء احدهما ينتفي المركب.

اذا، مورد الاية هو الاسرة، ولا ربط لها بالمناصب الاجتماعية الاخرى، هذا اولا.

وثانيا: ان القيمومة في الاسرة منوطة بالامرين المذكورين وبانتفاء احدهما تنتفي القيمومة عن الرجل.

وثالثا: انه غير معقول ان تثبت القوامية لكل رجل على كافة نساء المجتمع! ورابعا: ان منصب القضاء لا يراد به اثبات القيمومة على الغير حتى يقال ان فيه اثباتا لقيمومة المراة على الرجل،وهو مناف لصريح القران، اذ يمكن ان يكون المحكوم عليه قيما على القاضي، بل يراد به رفع الخصومة على‏ضوء حكم الكتاب والسنة، وهذا ما يمكن ان يتصدى له كل من الرجل والمراة.

الاية الثانية: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة)((262)).

وقد استدل بها بعض الفقهاء((263)) على القول بالمنع من دون تقريب لوجه الاستدلال بها، كما انه لم يظهر لناوجهه ايضا حيث ان الاية دلت على جواز ارجاع المطلقة بالطلاق الرجعي، ودلت ايضا على ان للمراة حقوقا على‏الرجل كما هي للرجل ايضا عليها مع تفاوت يسير في حقوقه، وهذا اجنبي عما نحن فيه جدا.

الاية الثالثة: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى)((264)).

وهذه الاية كسابقتيها اجنبية عن المقام جدا، وعلى فرض ان يكون مفادها منع نساء النبي(ص) من الخروج من‏بيوتهن ترغيبا لبعضهن من الخروج لحرب البصرة مثلا، فهي ابية عن التعميم لباقي النساء.

ويمكن ان يقرب الاستدلال بها بوجه اخر، وهو دعوى اطلاق المنع فيها من الخروج الى خارج البيت الشامل‏لخروجها للقضاء.

ولكن يرد عليه مضافا للادلة الكثيرة الدالة على جواز خروجهن من بيوتهن، ان الاية بنفسها ابية عن هذاالاستدلال، حيث نهت نساء النبي(ص) من الخروج متبرجات كما كانت عليه نساء الجاهلية، ولم تنه عن مطلق‏الخروج.

الدليل الثاني: الروايات:

الرواية الاولى: معتبرة ابي خديجة الوارد فيها قوله(ع): «انظروا الى رجل منكم‏»((265)).

ولعلها من اهم ادلة القول بالمنع، ولكن يمكن المناقشة فيها:

اولا: بضعف السند بابي خديجة سالم بن مكرم الجمال، حيث ضعفه كل من الشيخ وابن داود والعلامة الحلي،وبتضعيف امثال هؤلاء تسقط الرواية عن الاعتبار، ولا يجدي توثيق النجاشي في المقام، لمعارضته بتضعيف‏الجماعة فيتعارضان ويتساقطان، وتبقى الرواية بلا توثيق فلا يمكن الاستناد اليها، ولا يمكن حينئذ وصفهابالصحيحة او المعتبرة كما قد يرى في السنة البعض.

ثانيا: ان اقصى ما تدل عليه الرواية النهي عن الرجوع الى قضاة الجور، والامر بالرجوع (الى رجل منكم)، وليس‏فيها مفهوم يمنع عن الرجوع الى النساء، لان كلمة (رجل) لقب، ولم يدع احد حجية مفهوم اللقب.

ولا ينبغي لاحد قبوله، بل انا انكرنا مفهوم الوصف فكيف بمفهوم اللقب.

لا يقال: اذا لم يكن مراد الامام(ع) حصر الرجوع في خصوص الرجل فما هو الوجه لذكره حينئذ؟ فانه يقال: ان كلمة (رجل) لم تؤخذ قيدا حتى يقال ان الاصل في القيود الاحترازية، وانما ذكرت على نحو المشيرية‏لمن يصلح للقضاء، باعتبار ان الرجل ممن يصلح للقضاء زمن صدور الرواية، فعنوان الرجل اخذ مشيرا لكل من‏يصلح للقضاء.

ثم على فرض قبول قيدية الرجل في الرواية، فانه قيد غالبي، ناظر الى ان اكثر الرجال قديما بل وحتى حديثا اجدرمن النساء في القضاء، ولا مفهوم للقيد الغالبي فلا يثبت المطلوب ايضا، ومما يشهد لذلك قوله تعالى: (وربائبكم‏اللاتي في حجوركم)((266))، فان مطلق الربائب من محارم الرجل ولا خصوصية لمن تكون في حجره سوى الغلبة،فالقيد في الاية غالبي لا مفهوم له، اذ المفهوم ناشى من فقد الفائدة لذكر القيد سواه، والقيد الغالبي ليس كذلك.

وعليه فان الرواية على فرض صحتها سندا وهي ليست كذلك غير دالة على المنع المدعى، فان اثبات شي‏ء لاينفي ما عداه، هذا مضافا الى ان ما عدا رواية ابي خديجة مطلقة قد ورد فيها لفظ (من) او (رواة احاديثنا) الشامل‏للنساء ايضا، ومن البديهي انه لا يمكن جعل رواية ابي خديجة ونحوها مقيدة لها بحال.

الرواية الثانية: مقبولة عمر بن حنظلة وهي وان كانت قد تلقاها الاصحاب بالقبول، الا ان الوارد فيها «ينظران الى‏من كان منكم‏»، و (من) تشمل الرجل والمراة، فتكون دلالتها على العكس ادل، وعلى فرض ورودها بهذا اللفظ‏فان‏المناقشة فيها بنفس ما تقدم في رواية ابي خديجة.

الرواية الثالثة: وصية النبي(ص) لعلي(ع) التي رواها الشيخ الصدوق بطولها في اخر (من لا يحضره الفقيه) عن‏حماد بن عمرو وانس بن محم د.

وافرد لها الشيخ الحر بابا تحت عنوان (ان المراة لا تولى القضاء) وهي: «يا علي ليس على النساء جمعة ولاجماعة ولا اذان ولا اقامة ولا عيادة مريض ولا اتباع جنازة، ولا هرولة بين الصفا والمروة ولا استلام الحجر ولاحلق ولا تولي القضاء»((267)).

وقد تمسك بها بعض الفقهاء((268)) لما ورد في ذيلها.

ويمكن المناقشة فيها:

اولا بضعف السند، فان طريق الشيخ الصدوق الى حماد بن عمرو مشتمل على عدة مجاهيل على ما ذكره‏المقدس الاردبيلي، مضافا الى جهالة كل من حماد وانس وابيه. فهي في منتهى الضعف والاهمال.

والعجب من صاحب الوسائل حيث عقد لها بابا خاصا كما هو ديدنه فيما يجده من روايات الكتب الاربعة حيث‏يذهب الى تصحيحها، وذلك من عجائب ما يعتقده الاخباريون!.

ولئن قيل ان ضعفها منجبر برواية الاصحاب لها وعملهم بها((269)) قيل في جوابه:

1 - ان عمل المشهور لا يمكن ان يكون جابرا لضعفها، حيث انه لا وجه لذلك.

2 - وعلى فرض قبول الجابرية، فان ذلك متوقف على احراز عمل المشهور بها اولا. ولا يتم ذلك الا في موردانحصار الدليل.

وليس الامر كذلك، اذ قد تقدم ما يدل عليه سابقا مما يحتمل معه استناد المشهور اليه.

ثانيا على فرض تسليم صحة السند تنزلا، فانها قاصرة دلالة عن افادة المطلوب، لان قوله(ع) «ليس على‏النساء» لسانه نفي الوجوب عليهن لا نفي نفوذ قضائهن، والا كان مقتضى صناعة الكلام ان يقال: ليس للنساءجمعة... ولا تولى القضاء، فاذا لسانه لسان نفي الوجوب. وهو نظير نفي وجوب صلاة الجمعة عليهن الذي لايلازم نفي الصحة اذا حضرن فيها.

ثالثا ولئن تنزلنا عن ذلك، مسلمين دلالة الرواية على الحرمة، فان ثمة ما يمنع من قبولها، حيث ورد في ذيلهاجملة من الامور المكروهة، وبذلك يتساوى احتمال الحرمة والكراهة معا في فقرة «ولا تولي القضاء».

الرواية الرابعة: ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن احمد بن الحسن القطان... عن ابي جعفر(ع): «ليس على‏النساء اذان ولا اقامة ولا جمعة ولا جماعة... ولا تولى المراة القضاء»((270)) وهي اولى من بعض النبويات التي‏استدل بها البعض للقول بالمنع، ولم يتعرض لهذه الرواية التي هي كسابقتها في التفصيل والمضمون وضعف‏السند، فان رجال سنده ما عدا الشيخ الصدوق وجابر بن يزيد الجعفي راوي الحديث، كلهم مجاهيل، فالقطان،ومن يروي عنه: الحسن بن علي العسكري عن محمد بن زكريا عن جعفر بن عمارة، عن ابيه، لم يرد فيهم توثيق‏جميعا، وكون القطان من مشايخ الصدوق لا يجدي هنا شيئا، فالرواية اذا في غاية الضعف.

والمناقشة في دلالتها كالمناقشة في دلالة الرواية السابقة.

وقوله «لا تولى القضاء» وان كانت جملة مستقلة‏بحسب الظاهر لا عطفا على (ليس) حتى يقال ان تركيبها لا يدل على عدم الجواز. الا ان اعتبارها جملة فعلية محل‏تامل وبحث، فالظاهر اخذها من وصية النبي(ص) السابقة، ويحتمل حينئذ زيادة كلمة (المراة) فيها من النساخ،هذا مضافا الى انا نقطع بارادة الكراهة من باقي فقراتها لا الحرمة مما يحتمل معه ارادتها منها ايضا، فلا يكون لهاظهور في الحرمة حينئذ.

الرواية الخامسة: ما روي مرسلا: «ليس على النساء جمعة ولا جماعة... ولا تولي القضاء»((271)).

وقد تمسك بها بعض فقهاء العصر((272))، وفيه اولا: انها مرسلة لا اعتبار بها. وثانيا: انها جملة نافية لم يتضح‏المراد منها، ويحتمل قويا ارادة الكراهة منها، لاشتمالها على جملة من المكروهات والمستحبات في سياقها،وعليه فالرواية لا يمكن الاستدلال بها.

الرواية السادسة: ما رواه الجمهور بعبارات مختلفة عن النبي(ص) انه قال: «لا يفلح قوم وليتهم امراة‏» كما نقله‏الشيخ الطوسي في الخلاف((273))، والموجود في كتبهم: «هلك قوم ولوا امرهم امراة‏»((274)) و «لا يفلح قوم‏ولوا امرهم امراة‏»((275))، و «ما افلح قوم ولوا امورهم امراة‏»((276))، و «لن يفلح قوم ولوا امرهم امراة‏»((277)).وقد قال(ص) هذه الكلمة عندما بلغه تولية الفرس ابنة ملكهم كسرى عليهم.

وقد تعتبر هذه الرواية من افضل ما يستدل به للمنع وقد وقع الاستدلال بها من الشيخ، وتبعه عليه اخرون((278))،الا انه مع ذلك يمكن المناقشة فيها:

اولا بالارسال من الذين لا اعتداد بارسالهم.

ثانيا بمنع دلالتها، اذ موردها المنع من تولية مثل ابنة كسرى ولا ربط لها بمسالة تولي المراة القضاء اذا كانت‏عالمة فاضلة تقضي على طبق كتاب اللّه وسنة نبيه.

ثالثا ان نفي اهليتها للولاية على الجميع لا يلازم نفي صلاحيتها في القضاء ورفع الخصومات.

رابعا انها غير دالة على الحرمة حتى في موردها الولاية لان التعبير ب «ما افلح‏» لا يفيد الحرمة، نظير قوله‏تعالى: (قد افلح المؤمنون)((279))، لافادة اعلى المراتب واكملها.

فالعجب من الشيخ، ومن تبعه سيما المعاصرين كيف تمسكوا بها((280))؟ الا ان يكون مقصودهم التاييد، ولكنهاغير صالحة حتى لذلك، لانها اولا: مرسلة كما عرفت، فلا تصلح للتاييد.

وثانيا: ان التاييد انما يكون في مورد قدقامت عليه الادلة، وليس المقام كذلك.

الرواية السابعة: ما رواه الجمهور وتمسك به الشيخ((281)) وهو قوله(ص): «اخروهن من حيث اخرهن‏اللّه»((282)).

قال الشيخ: فمن اجاز ان تلي القضاء فقد قدمها واخر الرجل عنها((283)).

وهي مضافا الى ارسالها ليس فيها دلالة على المنع، كما لا يخفى.

الرواية الثامنة: ما روي عن النبي(ص) انه قال: «من فاته شي‏ء في صلاته فليسبح فان التسبيح للرجال،والتصفيق للنساء»((284)).

استدل بها الشيخ ايضا بدعوى انه(ص) قد نهى النساء عن النطق لئلا يسمع كلامهن مخافة الافتتان بهن، فبان‏تمنع القضاء الذي يشتمل على الكلام وغيره اولى((285)).

وهذا الكلام في غاية الغرابة والعجب من مثل الشيخ، فانه يرد عليه:

اولا ان الرواية مجهولة ولم يعلم صدورها من النبي(ص).

ثانيا ان مضمونها لم يطرح في الفقه ولم يبحثه الفقهاء وهذا يؤيد عدم صدورها.

ثالثا ان لازمها عدم جواز الكلام للنساء مع الرجال لعدم جواز التسبيح لهن، وهو مما لا يمكن الالتزام به، لقيام‏الدليل على جواز ذلك.

رابعا ان التسبيح يمكن الاتيان به اخفاتا بحيث لا يسمعه الرجال.

خامسا ان لازم ذلك عدم جواز الصلاة لهن بحضور الرجال اذا سمعوا القراءة والاذكار، فاذا جاز لهن القراءة‏والاذكار اخفاتا، جاز ذلك في التسبيح ايضا.

سادسا ان حصول الافتتان بسماع صوت المراة في الصلاة انما يتحقق اذا كانت صلاتهن بمحضر الاجانب،وليس الامر كذلك غالبا، وعليه فالمنع من التسبيح مطلقا في غير محله.

سابعا انه على فرض التنزل عن جميع ما تقدم من المناقشات، فان نهي النساء عن التسبيح في الصلاة او بعدهالا يدل على عدم جواز القضاء لهن. وذلك: لانه لم يتضح علة المنع من التسبيح، ولا يمكن ان يقاس منعهن من‏القضاء بنكتة المنع عن اسماع صوتهن في التسبيح، هذا اولا.

وثانيا: انه لا تلازم بين قضائها وبين اسماعها الاخرين لصوتها.

وثالثا: لم لا يجوز قضاؤها لامثالها من النساء؟!.

الرواية التاسعة: ما رواه صاحب المستدرك عن الاختصاص للشيخ المفيد عن ابن عباس في مسائل عبد اللّه بن‏سلام عن النبي(ص) انه قال في ذيل الرواية: «... لو خلقت حواء من كله لجاز القضاء في النساء كما يجوز في‏الرجال‏»((286)).

وهذه الرواية هي احدى روايتين ذكرهما المحدث النوري في باب عقده تحت عنوان ان «المراة لا تولى القضاء».الاانها ساقطة سندا بالارسال من ناحية الشيخ المفيد. ولو سلمنا تمامية سندها فانها غير تامة دلالة، لان المرادمن كلمة القضاء الواردة فيها ليس ما نحن بصدد اثباته ونفيه اي القضاء شرعا بل القضاء تكوينا، بمعنى ان‏حواء لو كانت مخلوقة من كل ادم(ع)، لتساوى الرجل والمراة في الخلق والقضاء تكوينا، وبما انهما ليسا كذلك،فنستنتج انها تكون مخلوقة من بعضه.

الرواية العاشرة: ما رواه ايضا صاحب المستدرك عن كتاب (تحفة الاخوان) عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع) عن‏ابن عباس قال: ان اللّه خاطب حواء عند اخراجها وادم من الجنة: «...

الان اخرجي من الجنة فقد جعلتك ناقصة‏العقل والدين والميراث الى ان قال : ولم اجعل منكن حاكما، ولا ابعث منكن نبيا»((287)).

وهذه هي الرواية الثانية التي رواها المحدث النوري(قده)، وهي في الحقيقة ليست رواية لنبحث عن صحة سندهااو ضعفه، لان مصدرها هو ابن عباس، وعلى فرض صدورها عنه فان قوله ليس بحجة.

واما من جهة دلالية فهي لا تثبت المنع، فان قوله «لم اجعل منكن حاكما» لا تدل على ذلك، لانه لو اراد المنع لقال:«ما اجعل‏» لان (لم) تدل على الزمان الماضي فيكون المعنى اني لم اجعل فيما سلف من الزمان القضاء للنساء.هذا اولا.

وثانيا: ان لفظ الحاكم مشترك بين القضاء والحكومة والولاية، بل انه لو اراد ذلك اي منع النساء من القضاء لعبرعنه بلفظ المؤنث فقال «لم اجعل منكن حاكمة‏» لا حاكما مذكرا كما في المنقول.

الروايات (11 14): ما دل على مخالفة النساء، مثل ما عن الصادق(ع) عن النبي(ص) قال: «اعصوهن في المعروف‏قبل ان يامرنكم بالمنكر»((288))، وقد استدل بها بعض المعاصرين على المنع مدعيا صحة سندها((289)) من‏دون تعرض لتقريب الدلالة فيها.

ويلاحظ عليها:

1 - ان الرواية مخدوشة سندا، فان الكليني رواها عن عدة، عن احمد بن محمد، وهو مشترك بين الثقة وغير الثقة،ولجهالة العدة هنا كما لا يخفى. فالرواية مخدوشة الاسناد، لاشتراك احمد بن محمد، ولجهالة العدة التي يروي‏عنها الكليني.

2 - ان موردها الزوجان، حيث تامر الزوج بعدم الاستجابة لما تريده المراة اذا كان ذلك مؤديا لاستدراجه في‏الاستجابة للمنكر لو دعته، واما اذا امن ذلك فهو مشروع بل مستحب، فان قضاء حوائج المؤمن والمؤمنة‏مستحب جدا.

ولا يكاد يخفى على من له ادنى التفات الى جانب من الاحكام الشرعية، فان القاضي لحاجة اخيه المؤمن‏كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه كما في الماثور((290))، وربما كان في الاستجابة لمطالبة الزوجة منع لها عن الوقوع‏في الحرام. فيكون من حقها على الزوج ان يستجيب لها.

وعليه فالرواية اذا اجنبية عن المطلوب، فان ما نحن فيه ليس من باب طاعة المراة بل هو من الاستجابة لامر اللّهوطاعته.

ومن هذه الروايات ايضا: ما روي مرسلا عن امير المؤمنين(ع) انه قال: «اتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن‏على حذر»((291)).

وكذا المرسل عن الصادق(ع) «استعيذوا باللّه من شرار نسائكم وكونوا من خيارهن على حذر»((292)).

وهذه الروايات قاصرة عن افادة المطلوب، فانها اجنبية عما نحن فيه، ولم يستدل بها الا بعض المعاصرين حيث‏تخيل امكان التمسك بها.

ومنها ايضا: قول امير المؤمنين(ع): «اياك ومشاورة النساء، الا من جربت بكمال عقل‏»((293)). وهذه الرواية ممالا يمكن التمسك بها للقول بالمنع كما ادعاه بعض المعاصرين، وذلك:

1 - لضعفها سندا.

2 - ولكونها اجنبية عن محل الكلام، فانها واردة في المشورة.

3 - لورود التفصيل فيها بين النساء على اساس رجاحة العقل، فاجازت ذلك للبعض دون بعض فهي حتى في‏موردها لم تمنع مطلقا.

ومن جميع ما تقدم من استدلالات ومناقشات يظهر للباحث ان ثمة فرضا ومدعى مسبقا قد فرضه المستدل في‏بحثه ثم حاول تنزيل النصوص عليه.

الدليل الثالث: الاجماع:

وقد ادعاه جماعة كما يظهر ذلك لمن لاحظ كلماتهم السابقة، منهم: العلامة والشهيدان وكاشف اللثام وصاحب‏الرياض والجواهر والغنائم والعروة وغيرهم.

ويناقش فيه بمناقشتين:

الاولى: في اصل انعقاد الاجماع وامكان تحصيله في المسالة.

والثانية: في مدى كاشفية هذا الاجماع بعد فرض احرازه وانعقاده لاثبات عدم اهلية المراة للقضاء.

اما النقطة الاولى: فان مما لا شك فيه ان تحصيل الاجماع في عصر من العصور امر مشكل، فضلا عما اذا كان‏يراد تحصيله في جميع الاعصار، وحينئذ فكيف يمكن تحصيل اراء فقهاء الامامية كافة على كثرتهم وتشتتهم في‏البلاد وعدم امكان الوصول لارائهم لاثبات المنع من تولي المراة القضاء قولا واحدا سيما ان علماءهم لا ينحصرعددهم بنفر ممن بان اجتهاده او علمت مرجعيته، فان ثمة من لم يعرف بذلك، وهم كثيرون.

نعم، قد يقال بامكان تحصيل الاجماع في الازمنة المتقدمة باعتبار قلة عدد الشيعة انذاك.

الا ان ذلك ايضا امر عسير جدا، فان الشيعة في تلك الازمنة لم يكونوا بقلة كما قيل. وعلى فرض ذلك فان العلماءفيهم لم يكونوا بقلة، وقد كان منهم من يعيش بشكل مستتر او تقية، وحينئذ قد يدعى العكس فيقال ان تحصيل‏اراءهم في تلك الفترة كان اشكل مما عليه في العصور المتاخرة، والنتيجة هي تعذر تحصيل الاجماع، ويتفرع‏على ذلك الاشكال في الاجماع المنقول كما لا يخفى.

واما النقطة الثانية: فعلى فرض التسليم بتحقق الاجماع المنقول، بمعنى القبول بان ناقل الاجماع قد قام بتحصيله‏ونقله، فان من المستبعد الالتزام بجدواه وترتيب الاثر عليه، وذلك:

لعدم كاشفية الاجماع عن راي المعصوم اولا. وعليه فلا يمكن القبول بحجيته، الا بناء على قاعدة اللطف التي قدنوقش فيها.

وثانيا: ان الاجماع المعتبر انما هو الاجماع التعبدي الكاشف عن راي المعصوم، دون المدركي الذي قد قامت على‏معقده ادلة اخرى، وعلم استناد المجمعين اليها او يحتمل استنادهم اليها او بعضها وان استندوا الى الاجماع‏ايضا. وما نحن فيه كذلك، فان ثمة روايات قد استدل بها على منع المراة من القضاء، على ان دعوى الاجماع غيرتامة كبرى عند بعضهم كالمحقق الخوئي(قده)، الذي ناقش في مباني الاجماع، فالعجب من دعواه ذلك‏هنا.

والمهم في المقام تحصيل اصل الاجماع في المرتبة الاولى، اذ ليس ما يدل على ذلك. بل ان ثمة ما ينفيه، وخيرشاهد على ما نقول ان الشيخ في كتاب الخلاف لم يدع الاجماع، مع انه كثيرا ما يدعيه، وربما يجعله دليلا واحدا في‏المسالة ليس الا. وهنا بعد ما نقل قول ابي حنيفة في قبول توليها القضاء في بعض الموارد، او مطلقا كما ذهب اليه‏الطبري، استدل بالاصل وببعض الاخبار الدالة على ذلك((294)). ولو كان اجماع في المسالة لاستدل به كما هوديدنه في ذكر الاجماعات والتمسك بها، بل ربما استدل به زاعما وجوده وهو غير موجود. سيما انه قد تمسك به‏في عدة مسائل من كتاب القضاء. ولو كان في هذه المسالة اجماع، كان مناسبا له ذكر ذلك وهو يناقش ابا حنيفة‏وابن جرير اللذين جوزا ذلك مطالبا لهم بالدليل على ما يدعون.

فيعلم من ذلك كله عدم انعقاد الاجماع الى زمان الشيخ(قده)، واما بعد زمانه فهو شبه اتفاق، وقد تقدم عدم اعتباره‏لمدركيته وعدم كاشفيته.

ومن هنا يظهر معنى ما في كلام المحقق الاردبيلي(قده) من التشكيك في اصل انعقاده حيث ذكر ان اشتراط‏الذكورة فيما لم يجز للمراة فيه امر ظاهر، واما في غير ذلك فلا يعلم له دليل واضح، نعم هو المشهور، فلو كان‏اجماعا فلا بحث، والا فللمنع بالكلية محل بحث((295)).

واحتمل المحقق القمي بعد تسليم صغرى الاجماع ان يكون النظر فيه الى اصل اختيار الولاية والمنصب عموما،واما في حكومات خاصة، فلم يعلم ذلك من ناقله((296)).

وعليه فلا مجال لدعوى الاجماع على المنع والاستدلال به كما ادعاه في الجواهر((297))، ومباني تكملة‏المنهاج((298))وغيرها.

وذلك للخدشة فيه صغرى وكبرى، ومعه كيف يتم الاستناد اليه في الافتاء بالمنع مع اطلاع هؤلاء الاعاظم على‏وجه الخدشة فيه؟!! ثم انه قد ورد في مباني التكملة((299)) تاييد الاجماع بوصية النبي(ص) الاتية، وستاتي‏المناقشة فيها.

الدليل الرابع:

ما افاده الشيخ الطوسي(قده) حيث قال: «لا يجوز ان تكون المراة قاضية في شي‏ء من الاحكام، وبه قال الشافعي‏وقال ابو حنيفة: يجوز ان تكون قاضية فيما يجوز ان تكون شاهدة فيه وهو جميع الاحكام الا الحدود والقصاص،وقال ابن جرير يجوز ان تكون قاضية في كل ما يجوز ان يكون الرجل قاضيا فيه لانها تعد من اهل الاجتهاد.دليلنا ان جواز ذلك يحتاج الى دليل لان القضاء حكم شرعي فمن يصلح له يحتاج الى دليل شرعي‏»((300)).

بيان ذلك: ان مقتضى الاصل الاولي عدم نفوذ حكم احد على احد ولا قضائه الا بدليل خاص، وقد خرج من هذاالاصل قضاء النبي(ص) والائمة(ع) بدليل قاطع. وخرج منه ايضا القضاء للفقهاء بدليل معتبر، ولم يثبت القضاءللمراة بدليل، فهو باق على اصل المنع.

مناقشة الدليل:

يمكن اعتبار هذا الوجه اهم الوجوه والادلة على المنع، ولكن الجواب عن ذلك: بان نفس الدليل الدال على جوازالقضاء في الاسلام شامل بعمومه للمراة ايضا اذا كانت جامعة لشرائط القضاء، فخروج اي فرد عن ذلك العموم‏بعد دخوله فيه بحاجة الى دليل خاص، ولم يقم دليل على ذلك في المراة كما تقدم بيانه.

وهذا هو الصحيح في مناقشة هذا الاستدلال، لا ما قيل من ان جواز القضاء للمراة موافق لاصالة الجواز فلا يحتاج‏الى الدليل، بل المنع محتاج اليه((301))، اذ لا اصل في مثل هذه الموارد بعنوان اصالة الجواز، كيف والفقهاءمختلفون فيما هو الاصل في التصرفات الفردية هل هو الجواز او الحظر، فكيف بموارد القضاء التي يكون الحكم‏فيها راجعا الى الغير؟! اذا فلا ينفذ قضاء شخص على اخر الا مع وجود النص على جوازه ونفوذه.

فالجواب الفني عن الاستدلال هو ما ذكرناه، وان كنا قد لخصناه في هذا المجال جدا.

الدليل الخامس:

ما افاده الشيخ ايضا في كتاب المبسوط حيث قال في بيان شروط القضاء: «الشرط الثالث: ان يكون كاملا في‏امرين: كامل الخلقة والاحكام، اما كمال الخلقة فان يكون بصيرا... واما كمال الاحكام فان يكون بالغا عاقلا حرا،فان المراة لا ينعقد لها القضاء بحال. وقال بعضهم: يجوز ان تكون المراة قاضية، والاول اصح‏»((302)).

مناقشة الدليل:

ان عدول الشيخ هنا عما ذكره في كتاب الخلاف من الادلة والروايات السابقة المتقدمة شاهد على تضعيفه لها،الاان يقال بتاخر كتاب الخلاف عن المبسوط.

ولكن يرد عليه حينئذ نفس الايراد، حيث لم يذكر في الخلاف ما استدل به هنا، سيما انه المناسب ههنا حيث‏يتعرض فيه لكلمات العامة.

وعلى كل حال فانه يرد على هذا الدليل:

اولا: ان كل موضوع من الموضوعات يستدعي حكما خاصا به، وعليه فلا تفاضل في الموضوعات، بان يكون هذاالموضوع اكمل لاكملية حكمه، فالمسافر مثلا موضوع لحكم القصر ولا يمكن اعتباره انقص من الحاضر الذي‏هو موضوع للتمام، اذ في كل منهما اقتضاء خاص يستدعي الحكم المناسب له، وعليه فاذا كان للرجل حكم‏وللمراة حكم اخر فانه لا يمكن اعتبار الحكم الخاص بها دليلا على نقصها، كما انه لا يكون حكم الرجل الخاص به‏علامة لكماله.

نعم، يمكن نقصان الاحكام وزيادتها من جهة كمية بما هي احكام، ولا ربط لذلك بنقصان موضوعاتها اوكمالها.

ثانيا: انا لا نسلم المدعى المذكور من نقصان حكم المراة كما هو مقتضى كلام الامام(ع)، ولو سلمناه فلا وجه‏للمقايسة المذكورة، اذ لا تنافي بين جلوسها عن صلاتها وصومها لعذر، وبين جلوسها للقضاء، فما هو وجه‏الربط بين هذين الامرين؟! ومن هنا يشكل جدا بناء الحرمة على مثل هذه التخيلات، وشان الشيخ اجل من‏ذلك.

ومما يشهد لما قلناه انه(قده) قد عبر عن القول بالمنع بانه الاصح، مما يعني اعترافه الضمني بصحة الراي الاخرايضا. لان الاصح يقابله الصحيح لاالباطل، ومن هنا يمكن ان يقال ان الشيخ قائل وبنحو لا يخلو من ظرافة آبالجواز، ولو لم يصرح به لسبب ما.

الدليل السادس:

ان المراة لقصورها عقلا وايمانا، لا يمكنها تولي منصب القضاء.

كما ان عدم جواز امامتها للجماعة قاض باولوية‏منعها منه((303)).

مناقشة الدليل:

وهذا الاستدلال ليس فنيا، بل هو ضرب من القياس، اذ اي ارتباط بين منعها من امامة الجماعة وبين منصب‏القضاء.

هذا، مضافا الى كون المقيس عليه محل بحث وكلام ليس هنا محل تفصيله، ولئن وافقنا عليه لموافقته الاحتياط،فان قياس القضاء عليه الذي هو امر توصلي وذاك امر عبادي مما لا وجه له البتة. ولعله لاجل هذا ونحوه لا نجدفي كلمات الشيخ وغيره من الاكابر ذكرا لهذا الاستدلال.

واما نقصان العقل والايمان ففيه:

اولا: ان هذه الكلية غير صادقة على الاطلاق، فكم من النساء تفوق الرجال عقلا ودراية. فلا دليل على تفوق الرجال‏من الناحية العقلية، سيما بعد تجلي ذلك بشكل واضح في عصرنا حيث نرى فيه مشاركة المراة للرجل في كثيرمن المجالات، سيما المجالات العلمية والسباقات الفنية والفكرية.

ثانيا: على فرض قبول رجحان عقل الرجل نوعا، فان هذا لا ينتج المنع من قضائها، اذ لم يقم دليل على اشتراط‏اكملية العقل وقوة الادراك في القضاء، والا لزمه منع من كان ادراكه مساويا لادراك المراة او اقل منه، وهذا ما لم‏يلتزم به احد.

ثالثا: ان جواز القضاء اذا كان بملاك قوة الادراك والعقل، فان حرمان مطلق المراة من التصدي له مما لا وجه له،كما ان اطلاق الجواز لمطلق الرجال ايضا مما لا وجه له، فلابد من ملاحظة من يكون واجدا لذلك من الجنسين،وذلك اوفق بالعدل (ان اللّه يامر بالعدل والاحسان)((304)). وليس من العدل حرمانها اذا كانت مجتهدة عالمة‏فاضلة، وتقديم الرجل عليها، لصرف ذكوريته حتى لو كان اقل منها شانا وفضلا.

وهذا المعنى من العدل هو الذي اشار اليه امير المؤمنين(ع) بقوله: «اياك ومشاورة النساء الا من جربت بكمال‏عقل...»((305)) وضعفها سندا غير ضار بها بعد شهادة العقول على مفادها.

واما ما قد يستشهد به من كلام امير المؤمنين(ع) الدال على نقصان عقل المراة، فالجواب عنه:

اولا بضعف السند جدا.

وثانيا ان الامام(ع) قد فسر المراد من نقصان العقل بعدم كفاية انفرادها في الشهادة، بل لابد من امراتين، وليس‏المقصود سلب صلاحيتها من كل عمل او تصرف يحتاج فيه الانسان الى العقل والتدبير.

وثالثا انه يحتمل قويا كون هذا الكلام ناظرا الى كثرة اشتغال المراة بامر المنزل وعدم احتكاكها بالمجتمع‏والاجواء العلمية، مما لا يساعدها في تنمية ادراكها وطاقاتها العقلية والجسمية.

وهذا امر واقع لا يمكن انكاره،حيث ان الجسم والروح يحتاجان الى الرياضة والتربية وتحصيل الكمالات.

ولكن هذا الاحتمال مبتن على ارادة المعنى المعهود من نقصان العقل لا ما فسرناه من نقصان الشهادة، وحينئذيكون نقصان الشهادة كحكم شرعي كاشفا عن ضعف عقلها ويكون ضعف العقل هو الحكمة في عدم قبول‏شهادتها منفردة، ولكن قد تقدم الكلام فيه وقد قلنا انه لا يكون مرادا للامام(ع).

ورابعا قد تقدم الكلام في اشتراط القضاء بكمال العقل وقلنا انه لا دليل يدل عليه ويثبته جدا.

الدليل السابع:

ان جواز القضاء لها يستلزم خروجها من بيتها، وفعل ما لا يليق بحالها من مجالسة الرجال ورفع الصوت بينهم،ولابد للقاضي من ذلك((306)).

مناقشة الدليل: ويرد عليه:

اولا انا لا نسلم القول بعدم جواز خروجها من بيتها، وعدم جواز التحدث مع الرجال. ولا اقل من كونها دعوى‏تحتاج الى البحث والاثبات، نظير ما نحن فيه من دعوى عدم جواز قضائها.

وثانيا لو سلمنا حرمتهما وحرمة القضاء لاجلهما، فانها لا تثبت اكثر من حرمة ذات الامور المذكورة لا تحريم‏القضاء ذاتا، فلو خلي القضاء منها وتجرد عنها كان جائزا في ذاته...

فالمتحصل من جميع ما تقدم: انه لا يمكن الالتزام بحرمان المراة من منصب القضاء من وجهة نظر اسلامية لعدم‏قيام الدليل على ذلك. وعليه فالافتاء بحرمة القضاء عليها مما لا سبيل اليه، بل حتى القول بكراهته ايضا لاتجوز،فان الكراهة حكم شرعي منوط بقيام الدليل، ولم يقم دليل لا على الحرمة ولا على الكراهة. اذا لا يمكن ان يقال‏ان‏الاسلام منع المراة من القضاء.

نعم، يمكن للباحث والفقيه ان يدعي: ان ما ادى اليه فهمي القاصر وقادني اليه البحث والاستظهار من الادلة هوعدم جواز تصدي المراة للقضاء. وكان مبناه القول بجابرية عمل المشهور لضعف الرواية سندا او دلالة، وان‏كان لم يثبت عندنا وعند جماعة تمامية هذا المبنى، او لقيام الاجماع عنده واقعا وهو ممن يرى حجيته. وان كان‏صغراه عندنا غير ثابتة، اذ كيف ينعقد اجماع مع عدم تعرض الشيخ المفيد وغيره لحكم المسالة اصلا، ومخالفة‏مثل المحقق الاردبيلي فيه؟! وعلى فرض انعقاده،فهو مخدوش كبرويا ايضا، ومن هنا يظهر ان القول بالمنع له ما يبرره، فلا يوجب ما ذكرناه‏الطعن على فقهائنا العظام بانه كيف افتوا بالمنع في مثل هذا الحكم الحساس، وان كان الحق الذي لا مرية فيه‏عندنا خلاف ما ذهبوا اليه، الا ان ما ذكروه من المنع مستند الى ما يكون حجة لهم، ولهم اجرهم عند اللّه جل‏شانه.

وفي الختام ينبغي الاشارة الى: