|
الحج قراءة
معاصرة رئيس التحرير احتلت العبادات في التشريع الاسلامي مساحة واسعة وواضحة
لكل من القى نظرة على مجمل الاحكام الفقهية.. حيث يلاحظ
التنوع في اشكال الممارسة العبادية.. ويرى الاختلاف في
الكيفية والاداء.. والتفاوت في الخصوصيات والشرائط والضوابط
الموضوعة لكل نوع منها.. وايضا يلاحظ تغطيتها لجميع
المجالات والفرص الحياتية التي يمكن ان تمتد فيها خيوط
الارتباط بين العبد وربه وتنفتح له منها نوافذ للاطلال من
خلالها على عالم الغيب الرحيب؛ ليصوغ حركته في الواقع
متناسبة مع ايقاعات الهاتف الرباني..
ان هذا التنوع وذلك الامتداد وتلك التفاصيل في طبيعة العبادات لم يكن بغير حساب..
بل لكل واحدة منها اثرها الخاص بهاودورها المحدد لها في صياغة المظاهر السلوكية
للانسان خليفة الله - وصناعة الواقع.. ان العبادات تشكل مجموعة متسقة
من التوجيهات الالهية لدفع الانسانية صوب التكامل النهضوي
والبناء التنموي..
ولا غرو في ان احد الاركان الاساسية في نظام العبادات هو
الحج بما ينطوي عليه من تشعبات وتفاصيل.. فهو يشغل
حيزاشاسعا من نظام العبادات في الاسلام.. وقد علقت الشريعة
على هذه الممارسة العبادية والبنائية آمالا كبيرة ضمن
توجهاتهاالتغييرية.. فهو احد اركان الاسلام وفي عرض الصلاة
والصيام والزكاة.. وهو احد الاصول العملية الرئيسية بالرغم من
كونه ممارسة مضيقة في زمانها ومكانها وظروفها وشروطها.. وقد سبقت عملية تنجيزها في الشريعة ارهاصات وتمهيدات واستعدادات استثنائية مادية وغيبية تعود جذورها الى ابراهيم واسماعيل(ع) بل الى آدم(ع) بل وقبل آدم.. ومن الطبيعي ان تحظى هذه العبادة بالاهتمام والعناية الكبيرين من قبل المسلمين.. ويمكن ذكر بعض المؤشرات على ذلك: اهمية الحج لدى المسلمين:2 - الاهتمام الكبير الذي يوليه المسلمون كافة لاداء هذه الفريضة: حيث توظف الامكانات الهائلة في هذا المجال وتبذل الاموال الطائلة بسخاء، ويتحمل الحجاج تلك المشاق المضنية ووعثاء السفر حتى في احرج الظروف.. وترى الابتهاج الذي يطغى على مشاعر الحجاج وذويهم بل جميع الامة.. حيث يعبرون عن ذلك بعقد المحافل..
3 - الخدمات الكثيرة التي تقدمها الدول والمنظمات والهيئات
الاسلامية الرسمية وغير الرسمية سيما في الديار المقدسة
حيث اخذتقديم واسداء الخدمات يتزايد في الازمنة الاخيرة
بشكل ملحوظ.. كل ذلك في سبيل توفير الفضاء المناسب
لاقامة هذه الفريضة على افضل وجه في الايام المعلومات وفي
موسم الحج المقرر.. ولكن التساؤل الذي يبرز في هذا المجال هو: هل يمكن تلخيص ملف الحج في هذه المظاهر وامثالها - مهما كانت درجة استحسانها - ويغلق في حدود هذه الابعاد؟ او ان الاطروحة الربانية للحج تمتد اطرافها الى آفاق ابعد وتغط ي مساحات اوسع بمافيها من مناطق حرجة وحساسة من حياة المسلمين بل البشرية جمعاء؟
ان الاجابة المسؤولة على ذلك التساؤل يمكن استخلاصها من
خلال عملية تحليلية للنصوص الاسلامية على
الصعيدين العملي والنظري.. اما الصعيد الاول فيتمثل بدراسة
وتشريح النموذج التطبيقي الذي قدمه الاسلام في الصدر
الاول وعلى يد الرسول الاكرم(ص) نفسه.. والظروف التي
اكتنفت هذه المسيرة الجماهيرية المهيبة.. والبيانات القرآنية
والنبوية التي قارنتها..
ولو عكفنا على تحليل البيان التاريخي الذي اصدره النبي(ص)
في حجة الوداع لرايناه يشتمل على نقاط عديدة تنبسط
على مختلف شؤون الحياة.. ولنمر على بعض محطاته ولنتامل
مضامينه:
(1) ايها الناس! ان دماءكم واعراضكم عليكم حرام الى ان تلقوا
ربكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا..
(2) فمن كانت عنده امانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها..
(3) ان ربا الجاهلية موضوع وان اول ربا ابدا به ربا العباس بن
عبد المطلب.. وان دماء الجاهلية موضوعة وان اول دم ابدا به دم
عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.. وان مثر
الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية.. والعمد قود وشبه
العمد ماقتل بالعصا والحجر.. وفيه مئة بعير.. فمن زاد فهو من
الجاهلية..
(4) ايها الناس! ان الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث..
(5) الولد للفراش وللعاهر الحجر.. من ادعى الى غير ابيه ومن
تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس
اجمعين..ولايقبل الله منه صرفا ولا عدلا..
(6) ايها الناس! ان لنسائكم عليكم حقا.. ولكم عليهن حقا..
فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف اخذتموهن بامانة الله
واستحللتم فروجهن بكتاب الله.. فاتقوا الله في النساء واستوصوا
بهن خيرا..
(7) ايها الناس! (انما المؤمنون اخوة).. ولا يحل لمؤمن مال
اخيه الا عن طيب نفس منه.. الا هل بلغت؟ اللهم: اشهد..
(8) فلا ترجعن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض..
(9) اني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا: كتاب الله
وعترتي اهل بيتي.. الا هل بلغت؟ اللهم: اشهد..
(10) ايها الناس! ان ربكم واحد وان اباكم واحد.. كلكم لادم
وآدم من تراب.. (ان اكرمكم عند الله اتقاكم).. وليس
لعربي على عجمي فضل الا بالتقوى.. الا هل بلغت؟ اللهم:
اشهد..
(11) ايها الناس.... (ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في
كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها اربعة حرم).. ثلاثة
متوالية وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب..
(12) ايها الناس! ان الشيطان قد يئس ان يعبد بارضكم هذه
ولكنه قد رضي بان يطاع فيما سوى ذلك فيما تحتقرون
من اعمالكم..
لقد تعرض النبي(ص) في هذا الخطاب الى جملة من القضايا
التي لابد وان تكون في غاية الاهمية.. باعتبار ان هذا الخطاب
كان قد القي على ذلك الجمع الغفير وفي ذلك الموسم الهام
وفي آخر حجة حجها رسول الله(ص).. وكان على علم بان هذه
فرصة اخيرة يمكنه توظيفها لارشاد الامة وتبليغها وتوعيتها..
وهذا ما صرح به(ص) بقوله في اول الخطاب: «ايها الناس!
اسمعوا مني ماابين لكم.. فاني لا ادري لعلي لا القاكم بعد عامي
هذا في موقفي هذا».. ومما يؤكد ايضا الاهمية القصوى لهذه
التصريحات النبوية هو قوله(ص) عقيب تلك الفقرات: «الا هل
بلغت؟! اللهم اشهد» وتكراره لذلك.. او قوله(ص): «فليبلغ
الشاهد الغائب»..
وقد اشتمل هذا البيان على جملة من المحاور المهمة
الداخلية والخارجية: السياسية والاجتماعية والحقوقية.. وهذا ما
يلقي اضواءكاشفة على فلسفة هذه الشعيرة الالهية الهامة وانها
تعبرعن اكبر مؤتمر ولقاء اسلامي تعالج فيه اهم المسائل
المعاشة.. وكتحليل اجمالي لهذا الخطاب الهام نفهرس ما ورد
فيه من محاور:
(1) التاكيد على تجديد العهد والميثاق مع الرسالة وقوانينها
ومبادئها واخلاقياتها.. كحفظ الامانة ومراعاة الموازين الشرعية..
(2) التاكيد على القضايا الحقوقية المتعلقة بالنظام العام
والحقوق السياسية والاجتماعية.. من قبيل: مسالة حرمة
الاموال والاعراض والدماء.. وتثبيت مبدا المساواة والتكافؤ بين
الناس في الحقوق..
(3) التوصيات السياسية في خصوص حفظ وحدة الصف
الاسلامي وعدم التفرق والتناحر بين المسلمين.. وبيان طريق
النجاة لهم..
(4) التاكيد على مبادئ حقوق الانسان ورفض التمييز
العنصري وتثبيت الاساس الخلقي والحقوقي في التعامل مع
البشرية كلها..
(5) الدعوة الى الامن والسلام العالميين وتشريع المنطقة
الامنة..
(6) تثبيت مبدا الاشهر الاربعة الحرم وانها فرصة عامة مفتوحة
لتعيش البشرية نعمة الامان.. واستثمار ذلك في البناءوالاعمار..
(7) الدفاع عن المستضعفين في المجتمع ورعاية حقوق
المراة..
(8) التاكيد على البناء الاخلاقي في المجتمع وتاكيد نظام
الاسرة..
(9) اعطاء تقرير عن الوضع الدولي والسياسي العام بل وحتى
الوضع المستقبلي.. وان معسكر الكفر يعيش حالة الياس
والقنوط من تحقيق الهيمنة والتسلط الكامل على بلاد الاسلام..
وكذلك التحذير من حالات الاختراق التي قد تحدث نتيجة
الغفلة واحتقاربعض الممارسات التي تطمع العدو وتفتح امامه
المجال للنفوذ..
واما الصعيد الثاني.. وهو التحليل النظري والدراسة العلمية
لنصوص تشريع الحج والسابقة التاريخية والعريقة لظاهرة
الحج..حيث شرعت في المنطقة المقدسة التي اشتملت على
اول بيت وضع للناس معلما للتوحيد ورمزا للمعسكر الالهي:
(ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين
فيه آيات بينات) وثبتت معالمها بيد بطل الخط التوحيدي
واسطورة المواجهة مع المعسكر الطاغوتي نبي الله ابراهيم
الخليل(ع) الذي حطم الاصنام وما كان يعبد من دون الله:
(واذن في الناس بالحج ياتوك رجالاوعلى كل ضامر ياتين من
كل فج عميق - ليشهدوا منافع لهم..)..
وهو اول من ثبت اساس السلام والامن في الدنيا: (واذ قال
ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا).. وامضت السماء ذلك: (ومن
دخله كان آمنا).. وجاء القرآن الكريم لينفض عن الحنيفية بعض
غبار التحريف: (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه
سبيلا) ويامرالنبي(ص) بان يكرر نداء واذان ابراهيم(ع): (براءة
من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين - فسيحوا في
الارض اربعة اشهر واعلموا انكم غير معجزي الله وان الله مخزي
الكافرين - واذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان
الله بريء من المشركين ورسوله فان تبتم فهو خير لكم وان
توليتم فاعلموا انكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب
اليم... - كيف وان يظهروا عليكم لايرقبوا فيكم الا ولا ذمة
يرضونكم بافواههم وتابى قلوبهم واكثرهم فاسقون).. وفي موضع آخر نرى القرآن الكريم يصدع: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب - لكم فيها منافع الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق - ولكل امة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام فالهكم اله واحد فله اسلمواوبشر المخبتين... ان الله يدافع عن الذين آمنوا ان الله لا يحب كل خوان كفور)
ان منظومة الحج هي اطروحة استراتيجية نظريا وعمليا في
الرؤية الاسلامية.. فيا ترى كم هي الفاصلة بين شكل
ومحتوى الحج الذي نؤد يه اليوم وبين الحج النموذجي الذي
اراده الله عزوجل منا!..
اخي المسلم: فلنفتح قلوبنا وصدورنا لهذه البيانات المقدسة..
ولنعشها بعقولنا ومشاعرنا.. ولنتحل بالجراة والشجاعة.. لكي
نكون صريحين مع انفسنا.. لنفقه الربط المنطقي بين هذه
الفقرات النورانية وما تحمل الينا من رسالة.. فلو تاملنا في
جميع ذلك فسنصل قطعا في نهاية المطاف الى صورة حول
الحج نابضة بالحياة.. وكفيلة بنزع بعض الاغلال ووضع ما علينا
من اصر..
(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من اءمرنا رشدا)
.. القسم الثاني آية الله السيد محسن الخرازي الوجوه المحرمة للحيل
ذكرنا سابقا الوجوه المحللة للحيل الربوية، وفيما يلي نتعرض للوجوه المحرمة لها:
ويؤيده ما في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد
الله(ع) قال: كان محمد بن المنكدر يقول لابي: يا اباجعفر،
رحمك الله! والله انا لنعلم (انك لتعلم) انك لو اخذت دينارا
والصرف بثمانية عشر (بتسعة عشر) فدرت المدينة(بالمدينة
كلها) على ان تجد من يعطيك عشرين ما وجدته، وما هذا الا
فرارا (فرار) وكان ابي يقول: صدقت والله! ولكنه فرار من باطل
الى حق»((2)).
بدعوى ان المعترض اراد ان يقول: ان هذه المعاملة لا تقع عن
جد، وليست هي في الحقيقة معاملة؛ لعدم اقدام الناس عليها،
بل هو مصداق
للفرار من الحكم الالهي بتلاعب العناوين وتغييرها من دون
قصد وجد.
ويمكن الجواب عنه:
ولذلك قال في الجواهر: «هذا الاشكال مندفع بالمنع من عدم
القصد، بل قصد التخلص من الربا - المتوقف على قصدالصحيح
من البيع والقرض والهبة وغيرها من العقود - كاف في حصول ما
يحتاج اليه البيع من القصد؛ اذ لا يشترط في القصد الى قصد
جميع الغايات المترتبة عليه، بل يكفي قصد غاية من غاياته.
والله اعلم»((3)).
ومنها - دعوى صدق الربا على الحيل مستدلا: بانه لا فرق بين
اعطاء عشرة دنانير مثلا في مقابل زيادة الاجل الذي هوالربا
عرفا، وبين بيع ما يسوى درهما بعشرة دنانير في مقابل ازدياد
الاجل((4)).
ويمكن الجواب عنه: بانه بعد ما عرفت من حصول الجد
بالعنوان الثانوي فلا مجال لتوهم صدق الربا بالنسبة الى ماكان
الداعي اليه هو الفرار من الربا؛ اذ المراد من الربا ليس مطلق
الزيادة الحاصلة من اي سبب، بل هي زيادة خاصة حاصلة في
مورد القرض وما بحكمه، او في بيع المتجانسين مع التفاضل
والدرهم والدينار من المتخالفين لاالمتجانسين، والبيع نسيئة
غير الاقراض مع الاجل.
ومنها - دعوى صدق الظلم.
وفيه - ايضا - انه ممنوع؛ اذ هو فرع التعدي الى حق الغير، فاذا
تحققت المعاملة وصحت لا يصدق الظلم بالنسبة الى ما اخذه
من الغير مع الزيادة؛ فانها له لا لغيره.
هذا مضافا الى ان الظلم - على تقدير صدقه - لا يدل الا على
الحرمة التكليفية، كما لا يخفى.
ثم ان تنظير المقام بباب الخمر الملقى في الكبسولة ودعوى
ان الخمر كما لا تخرج بذلك عن الاسكار فكذلك الربا
الملقى في قالب سائر المعاملات لا يخرج عن الربائية - قياس مع
الفارق؛ فان القاء الخمر في الكبسولة لا يوجب اخراج الخمرعن
الخمرية، ولا يوجب ازالة الاسكار عنها، وهذا بخلاف المقام؛
فان تبديل المعاملة في المتجانسين بغير المتجانسين او جعل
الزيادة في غير معاملة القرض يوجب سلب عنوان الربا والزيادة
الربوية، كما لا يخفى.
نعم، لو فقد قصد الجد بالنسبة الى غير المعاملة الربوية وكان
الجد بالنسبة الى الاقراض والاقتراض والزيادة الربوية،لصح ما
ذكر، ولكنه خلاف المفروض.
ومنها - دعوى ان من تامل في مثل قوله(ع) في الربا: «هذا
السحت الذي يستجلب من المفاسد والمشاكل ما
لايحصى»((5))، وقوله تعالى: (فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون
ولا تظلمون)((6))، وقوله(ع): «ان الدرهم منه كذا وكذا»، وغير
ذلك من التشديدات الواردة في الروايات الكثيرة - يعلم انه لا
يحل ولا يجوز بالتخلص منه بتغيير العبارة او العنوان مع
بقاءواقع الربا بحاله. مثلا: لو وهبه عشرين دينارا ليقرضه الفا
الى شهر حرم ولو لم يكن في القرض شرط الزيادة((7)).
ويمكن ان يقال: أ ولا: ان صدق السحت متفرع على بطلان المعاملة، وهو مع وجود قصد الجد وصحة المعاملة ممنوع؛ لاختصاص صدقه بما اذا قصد المعاملة الربوية، والمفروض خلافه.
وعليه، يظهر الفرق بين الزيادة في مقابل التاخير وبين الزيادة
في المعاملة بداعي التاخير، وبين الزيادة في البيع
بداعي الاقراض وبين الزيادة في مقابل الاقراض.
ودعوى صدق الربا عرفا في كلا الموردين، ممنوعة؛ والا لزم
صدقه على النسيئة؛ اذ المعاملة حينئذ مشتملة على الزيادة
وتكون الزيادة لاجل التاخر، ولزم قصد الزنا فيما اذا قصد
المجامعة مع امراة وعدل عن الزنا ونكحها للمجامعة، وهو كما
ترى.
وبالجملة، تختلف الاحكام باختلاف الموضوعات والتعبيرات،
ولا مجال لصدق عنوان الربا او الظلم ونحوهما مع
تغييرالعناوين وتبديلها.
نعم، لا يمنع صدق بعض العناوين من الذمائم الاخلاقية، كعدم
الانصاف ومراقبة احوال الناس. ولكنه اجنبي عن المقام؛ فان
البحث في المقام من جهة الاحكام.
ومنها - ما افاده سيدنا الامام المجاهد(قدس سره) من ان:
«التحقيق في حلية الحيل موقوف على مقدمة، وهي ان ماسماه
الاسلام ربا وحرمه قسمان:
احدهما:
ما اذا كان بين المثلين تفاضل في القيمة، كالارز العنبر والشنبة مثلا، والصنف
الاعلى من الحبوب والادنى؛ فقد
تكون قيمة الاعلى اضعاف الادنى، وكالليرة الانكليزية مع
العثمانية، وكالدراهم المختلفة في الجودة والرداءة،
وامثال ذلك مما اختلف قيمتها السوقية. واظهر منها الحنطة
والشعير، والاصول والفروع، وفرع اصل مع فرع آخر منه،
كالجبن مع الزبد والسمن مما الحقها الشارع بالمثلين فمنع
التعامل فيها الا مثلا بمثل مع ما ترى من اختلاف القيم فيها.
ومعلوم ان كونه ظلما وفسادا اوجب حكم الله تعالى بالتحريم،
فالتحريم معلول الظلم بدلالة ظاهر الاية الكريمة، والظلم علته
او حكمته، كما ان الاخذ ايذان بحرب الله تعالى ورسوله(ص) -
الى ان قال: - ثم ان الاقسام التي ذكرناها: منها مالا يكون بحسب
العرف وعند العقلاء من الربا وهو اول القسمين من القسم
الاول؛ فان قيمة من من الارز العنبر اذاساوت منين من غيره
لا يعد مبادلة من منه بمنين ربا؛ اذ لا نفع ولا زيادة في ذلك
الا حجما، والزيادة الحجمية ليست ميزانا للنفع والزيادة في
التجارة.
وكذا الحال اذا بودلت الليرة الانكليزية بالليرة العثمانية مع
زيادة تكون معها مساوية للادنى في القيمة السوقية؛ لايكون
ربا ولا زيادة.
وكذا الحال في كل مثلين كانا كذلك، فاذا فرض ان الدرهم
الكويتي يكون ضعف قيمة العراقي؛ فاشتراء الواحد بالاثنين لا
زيادة فيه ولا نفع ولا ربا.
واولى بذلك ما الحق بالمثليات كالشعير بالحنطة والفروع
بالاصول، فاذا بودل من من السمن بامنان من اللبن او الجبن لا
يكون ذلك من الربا بحسب نظر العرف وبحسب الواقع، كما ان
المبادلات بالفضل فيها لا فساد فيها ولا ظلم، ولاتوجب
انصراف الناس عن التجارات والزراعات، وهو واضح.
واما الربا القرضي وكذا مبادلة من مساو في الاوصاف بمنين
نسيئة مثلا، ففيه ما ذكر من الفساد والظلم وتزلزل السوق،
وغيرها من المفاسد المذكورة في كتب علماء الاقتصاد.
ثم ان الاشكال المتقدم والعويصة المشار اليهما انما هي في
تجويز الحيلة في هذين القسمين - اي الربا القرضي
والرباالمعاملي - في المتساويين بحسب القيمة السوقية.
واما تجويزها في القسم الاول فلا اشكال فيه اصلا ولا عقدة ولا
عويصة؛ لان المثليات كسائر الامتعة لها قيمة قدترتفع وقد
تنخفض، واشتراء من من الحنطة الجيدة بمنين او بامنان من
الشعير كاشتراء سائر الامتعة بقيمتها السوقية،واشتراء دينار او
درهم له قيمة سوقية تساوي دينارين من غير صنفه او
درهمين كذلك؛ ليس فيه اشكال وعويصة راسا، بل لعل سر
تحريم الشارع المقدس المبادلة فيها الا مثلا بمثل خارج عن
فهم العقلاء وانما هو تعبد. فالحيلة في هذاالقسم لا اشكال فيها.
واما القسمان الاخران - اي الربا القرضي والمعاملي الذي يعامل
ربويا - فلم يرد فيهما حيلة على ما ياتي الكلام فيه،الا في بعض
الاخبار القابلة للمناقشة فيها سندا ومتنا او القابلة للجمع بما لا
يلزم منه ذلك، بل لو فرض ورود اخبارصحيحة دالة على
الحيلة فيهما لابد من تاويلها او رد علمها الى صاحبها؛ ضرورة
ان الحيل لا تخرج الموضوع عن الظلم والفساد وتعطيل
التجارات وغيرها بما هي مذكورة في الكتاب والسنة؛ فلو فرض
ان القرض الى سنة بربح عشرين في المئة ظلم، فلو عمل
بالحيلة وباع مئة دينار بمئة وعشرين نسيئة الى سنة كان ظلما
وفسادا بلا ريب ولااشكال، ولو كان في مبادلة اكرار من الحنطة
بضعفها الى سنة مع تساوي جنسهما صنفا وصفة ظلم وفساد،
لا يعقل اخراجهما بضم منديل الى الناقص، وهو واضح كما لا
يعقل تجويز الظلم والفساد.
وان شئت قلت: لو ورد نص في الجواز كان مناقضا للكتاب
والسنة المستفيضة، وليس من قبيل
التقييد والتخصيص»((9)).
ويمكن ان يقال: أ ولا - ان المعيار عند الشرع الانور في حرمة الربا في المتجانسين ليس الازدياد بحسب القيمة السوقية، بل المعيارهو التفاضل في المقدار، ولذا تكون مبادلة منين من الحنطة الرديئة بمن من الحنطة الجيدة معاملة ربوية ومحرمة وان كانت قيمتهما متساوية بالنحو المذكور ولم يحكم العرف بكونها ربوية، ولكن مع ذلك ورد فيه الحيلة، كما اعترف به سيدنا الامام المجاهد(قدس سره).ويرد على هذه الحيلة بعض ما اورد على سائر الحيل، فالجواب عنه يصلح لان يكون جوابا لغير هذه الصورة ايضا.
لا يقال: ان هذه الموارد نادرة، والمطلق لا يشملها.
لانا نقول: وثانيا: ان ندرتها لا توجب عدم شمول المطلق لها؛ اذ لا وجه لعدم شمول المطلق للفرد النادر بعد كونه صادقا عليه،والممنوع هو حمل المطلق على الفرد النادر لا شمول الفرد النادر.
2 - واظهر من هذه الرواية صحيح عبد الرحمان بن الحجاج قال:
سالته عن الصرف فقلت له: ان الرفقة ربما عجلت فخرجت فلم
نقدر على الدمشقية والبصرية وانما يجوز بسابور (نيسابور)
الدمشقية والبصرية (البغلية). فقال: وما الرفقة؟ فقلت القوم
يترافقون ويجتمعون للخروج فاذا عجلوا فربما لم نقدر (لم
يقدروا) على الدمشقية والبصرية، فبعثنا(فبعنا) بالغلة فصرفوا
الفا وخمسين درهما منها بالالف (بالف) من الدمشقية؟ فقال:
«لا خير في هذا، افلا تجعلون فيها(معها) ذهبا لمكان زيادتها؟».
فقلت له: اشتري الف درهم ودينارا بالفي درهم؟ فقال: «لا باس
بذلك؛ ان ابي(ع) كان اجراعلى اهل المدينة مني، وكان يقول
هذا فيقولون: انما هذا الفرار؛ لو جاء رجل بدينار لم يعط الف
درهم، ولو جاء بالف درهم لم يعط الف دينار، وكان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال»((11)).
ومن المعلوم انه مع الزيادة عن القيمة السوقية تكون المعاملة
عند العرف ايضا من المعاملات الربوية، ومع ذلك افادالامام(ع)
تجويز الحيلة الشرعية فيها، فلا تختص الحيلة بصورة تساوي
القيمة السوقية التي لا تكون عند العرف ربوية.
3 - وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج ايضا عن ابي عبد الله(ع)
قال: «كان محمد بن المنكدر يقول لابي: يا ابا جعفر،رحمك
الله! والله انا لنعلم (انك لتعلم) انك لو اخذت دينارا والصرف
بثمانية عشر (بتسعة عشر) فدرت المدينة (بالمدينة كلها) على
ان تجد من يعطيك عشرين ما وجدته! وما هذا الا فرارا (فرار)،
وكان ابي يقول: صدقت والله! ولكنه فرار من باطل الى
حق»((12)).
4 - وصحيح الحلبي عن ابي عبد الله(ع) قال: «لا باس بالف
درهم ودرهم بالف درهم ودينارين؛ اذا دخل ديناران اواقل او
اكثر فلا باس به»((13)).
5 - وموثقة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته
عن شراء الذهب فيه الفضة بالذهب؟ قال: «لا يصلح الابالدنانير
والورق»((14)).
6 - وموثقة ابن سنان قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن شراء الفضة
فيها الرصاص والنحاس بالورق، واذا خلصت نقصت من كل
عشرة درهمين او ثلاثة؟ فقال: «لا يصلح الا بالذهب».
7 - وخبر مولى عبد ربه عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن
الجوهر الذي يخرج من المعدن وفيه ذهب وفضة وصفرجميعا،
كيف نشتريه؟ قال: «اشتر بالذهب والفضة جميعا»((17)).
فمنها - ما ورد في جواز بيع شيء بازيد من قيمته للفرار من الربا
القرضي، من قبيل:
1 - خبر محمد بن سليمان الديلمي المروي في التهذيب
باسناده عن محمد ابن احمد بن يحيى، عن ابراهيم بن
اسحاق،عن محمد بن سليمان الديلمي، عن ابيه، عن رجل
كتب الى العبد الصالح(ع) يساله: اني اعامل قوما ابيعهم الدقيق
اربح عليهم في القفيز درهمين الى اجل معلوم، وانهم
يسالوني((18)) ان اعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل لي
من حيلة الاادخل في الحرام؟ فكتب اليه: «اقرضهم الدراهم
قرضا، وازدد عليهم في نصف القفيز بقدرما كنت تربح
عليهم»((19)).
2 - وخبر محمد بن اسحاق بن عمار المروي في الكافي عن
محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن محمد، عن علي بن
حديد، عن محمد بن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي
الحسن(ع): ان سلسبيل طلبت مني مئة الف درهم على
ان تربحني عشرة آلاف، فاقرضها تسعين الفا وابيعها ثوبا
وشيا((20)) يقوم بالف درهم؛ بعشرة آلاف درهم؟ قال:
«لاباس».
3 - ولعل موثقة هارون بن خارجة - قال: قلت لابي عبد الله(ع):
عينت رجلا عينة، فحلت عليه، فقلت له: اقضني، فقال:ليس
عندي؛ فعيني حتى اقضيك. فقال: «عينه حتى
يقضيك»((22)) باعتبار صدرها وهو قوله: «عينت الرجل عينة»
-تدل على جواز العينة مكان القرض فرارا من الحرام الى الحلال؛ اذ القرض مع الربح
حرام، ولكن اشتراء شيء بازيد من قيمته
نسيئة ثم بيعه الى ثالث حيلة وليس بحرام، فالعينة الاولى لم
تكن في مقابل تاخير اداء الدين، بل كانت في مكان القرض.
4 - ومثلها خبر((23)) ابي بكر الحضرمي وصحيحة((24)) ليث
المرادي.
ومنها - الروايات الدالة على جواز الحيلة في مقام الاذن بتاخير
اداء الدين، من قبيل:
صحيحة محمد بن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي الحسن(ع):
يكون لي على الرجل دراهم، فيقول: اخرني بها وانااربحك،
فابيعه جبة تقوم علي بالف درهم؛ بعشرة آلاف درهم - او قال:
بعشرين الفا - واؤخره بالمال؟ قال: «لاباس»((25)).
وهي صريحة في تجويز الحيلة المذكورة للحيلولة دون الوقوع
في الربا اللازم من اخذ الزيادة في مقابل التاخير،
فالبيع المذكور بداعي التاخير او شرط التاخير، ولا يكون
التاخير مبنيا على البيع المذكور حتى يكون عين الربا وعين
القرض بالشرط؛ لتقديم قوله: «فابيعه» على قوله: «واؤخره
بالمال».
واورد عليها: بان محمد بن اسحاق واقفي بقول الصدوق الذي
هو اخبر من متاخري اصحابنا بحال الرجال.
واجيب عنه: بانه لا دليل على كونه واقفيا الا خبر ابي مسروق،
وهو ضعيف السند لاشتماله على جرير بن حازم المجهول،
وكذلك لا يضر الوقف بالوثاقة التي صرح بها النجاشي((26)).
هذا مضافا الى اخبار العينة الدالة على جواز بيع المتاع نسيئة
بازيد من قيمته السوقية مكان التاخير واعطاء الزيادة،كصحيحة
هارون بن خارجة قال: قلت لابي عبد الله(ع): عينت رجلا عينة
(فحلت عليه) فقلت له: اقضني، فقال: ليس عندي؛ فعيني
حتى اقضيك. قال(ع): «عينه حتى يقضيك»((27)).
ونحوها صحيحة صفوان((28)) ومعتبرة ابي بصير ليث
المرادي((29)) وغير ذلك من الاخبار، فان العينة الثانية تقع
مكان التاخير واعطاء الزيادة.
وينقدح مما ذكرناه ان تقسيم الربا الى المعاملي والقرضي
وتقسيم الاول الى القسمين ودعوى عدم ورود اخبار
صحاح للحيلة في غير القسم الاول من المعاملي، لا يفيد؛ لما
عرفت من ورود الاخبار الصحيحة الدالة على جواز الحيلة
في جميع الاقسام. هذا مضافا الى ان الحيل من المعاملات،
ويكفيها عمومات نفوذ المعاملات.
نعم، ربما يقال: ان الاخبار الواردة في الحيلة لا تدل على جواز
الحيل في جميع الموارد بل مختصة بمواردها.
ولكن يمكن الجواب عنه: ورابعا - ان دعوى المناقضة مع الكتاب والسنة ومنع كون هذه الاخبار من التخصيص والتقييد متفرعة على صدق الرباوالظلم في موارد الحيلة، مع انك عرفت منع ذلك فلا مناقضة، بل ليس هو من باب التخصيص؛ لفرض عدم صدق الربا، فتكون موارد الحيلة خارجة عن ادلة حرمة الربا تخصصا، كما لا يخفى.
لا يقال: ان بعض الاعمال وان كان مباحا فرضا لا يرتكبه
المعصوم(ع) المنزه عن ارتكاب ما هو موجب لتنفر
الطباع،كتحصيل النفع بالحيلة وكاتيان النساء من الخلف؛
وعليه فمثل رواية مسعدة بن صدقة عن ابي عبد الله(ع)-
بعدالسؤال عن الحيلة - قال: «لا باس بذلك؛ قد فعل ذلك ابي وامرني ان افعل ذلك في
شيء كان عليه»((30)) مؤولة
اومطروحة.
لانا نقول: ان رواية مسعدة تدل على انه فعل ذلك في الاعطاء
لا في تحصيل النفع، ولا مانع من ان يقع مثل ذلك عن مثل
الائمة(ع) في مقام الضرورة والحاجة، بل لعل المراد من قوله:
«قد امرني ابي ففعلت ذلك» الوارد في خبر محمد بن اسحاق
بن عمار ايضا((31)) هو ذلك لا تحصيل النفع. هذا مضافا الى
ضعف السند.
ولو سلمنا وجود شيء من هذه المبعدات في بعض الروايات
فذلك لا يضر بصحة الاستدلال بغيرها من الروايات التي لم تكن
فيها هذه المبعدات، فلا تغفل.
ومنها - ان تجويز الحيل الربوية يوجب التهافت في الجعل،
والتناقض في القانون، بل اللغوية فيه((32)).
يمكن ان يقال: ان التهافت والتناقض فيما اذا كان الموضوع
واحدا، وقد عرفت عدم صدق الربا والظلم مع الحيل،
وعليه فليس الموضوع واحدا، فما يكون حراما وظلما هو الربا
وما لا يكون حراما هو موارد الحيل التي لا يصدق عليها
الرباوالظلم، كما لا يخفى.
واما اللغوية فهي فيما اذا لم يترتب اثر على تشريع حرمة الربا،
مع انه ليس كذلك؛ اذ الحرمة حاكية عن المفاسدالواقعية،
وبيان طريق الفرار منها بالحيل لا ينافي وجود المفاسد
الواقعية في صورة ارتكاب الربا، فمن ارتكب الربا فعل حراما
واستحق العقوبة، وعليه فلا يكون التشريع لغوا، ولذا تحترز
النفوس المطيعة عن الربا. نعم، يلزم اللغوية فيمااذا حرم الربا
ثم اباحه، والمفروض خلافه.
هذا، ولكن الانصاف ان اطلاق تجويز الحيل الربوية لا ينسجم
مع الحكم المنصوص عليها لتحريم الربا في الروايات؛اذ الحكم
كالعلل في التعميم وان لم تكن مثلها في التخصيص؛ لما قرر
في محله، ومع المنافاة يلزم تقييد اخبار الحيل وكذا الاطلاقات
الدالة على نفوذ المعاملات بما اذا لم تترتب على تجويزها تلك
المفاسد الباعثة على تحريم الربا، وهذه الحكم منصوص عليها
في جملة من الاخبار الصحيحة، منها:
1 - صحيحة هشام بن سالم عن ابي عبد الله(ع): «انما حرم الله
عزوجل الربا لكيلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف»((33)).
2 - موثقة سماعة قال: قلت لابي عبد الله(ع): اني رايت الله
عزوجل قد ذكر الربا في غير آية وكرره، فقال: «اوتدري
لم ذاك؟». قلت: لا. قال: «لئلا يمتنع الناس من اصطناع
المعروف»((34)).
3 - صحيحة هشام بن الحكم المروية في الفقيه انه سال ابا عبد
الله(ع) عن علة تحريم الربا، فقال: «انه لو كان الرباحلالا لترك
الناس التجارات وما يحتاجون اليه، فحرم الله الربا لتنفر (لتفر)
الناس من الحرام الى الحلال،والى التجارات من البيع والشراء،
فيبقى ذلك منهم في القرض»((35)).
4 - معتبرة محمد بن سنان ان علي بن موسى الرضا(ع) كتب
فيما كتب اليه: «وعلة تحريم الربا: انما نهى الله عزوجل عنه لما
فيه من فساد الاموال، لان الانسان اذا اشترى الدرهم
بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما وثمن الاخر باطلا، فبيع
الربا وشراؤه وكس على كل حال؛ على المشتري وعلى البائع،
فحرم الله عزوجل على العباد لعلة فسادالاموال...»((37)).
ومن المعلوم ان المفاسد المذكورة تكون من الحيل ايضا،
ومقتضى وجودهذه الحكم هو تقييد تجويز الحيل بما اذا
لم تترتب عليها المفاسد المذكورة، فالاطلاقات الاولية
واطلاقات الحيل مقيدة بذلك.
نعم، لا باس بالحيل عند الضرورة ولو كانت عرضية؛ لعدم
المنافاة مع الحكم الموجبة لتحريم الربا.
ويؤيده خبر معلى بن خنيس انه قال لابي عبد الله(ع): اني
اردت ان ابيع تبر ذهب بالمدينة فلم يشتر مني الا
بالدنانير،فيصح لي ان اجعل بينها نحاسا؟ فقال: «ان كنت لابد
فاعلا فليكن نحاسا وزنا»((38)).
ولكن نوقش في ذلك: أ ولا - بان المراد من الامتناع عن اصطناع المعروف - الذي جعل مفسدة جواز الربا - ليس الامتناع عنه بالمرة؛ضرورة انه لو فرض جواز اخذ الربا ومع ذلك تعلقت ارادة احد بالاحسان الى غيره بهبته شيئا او اقراضه قرضا حسنا، لما كان عنه رادع ومانع، بل المراد منه الامتناع عن اصطناع المعروف لمن يمشي في الامور الاقتصادية مشيا عاديا متعارفا.
بيانه: ان نظام المعيشة المتعارفة للناس على اقدام من له
الحاجة الى الاقتراض ممن عنده المال، فاذا ابيح اخذ الربا
لمن يقرض المحتاج وصار اخذه امرا رائجا شائعا فلا محالة يصير
الاقراض في متعارف الناس عدلا للبيع وسائر
المعاملات الرائجة، وينسد من هذه الناحية باب اصطناع
المعروف، وصار الاقدام عليه مثل الاقدام على البيع اقداما على
الاسترباح،وكان من لا يطلب به ربحا وربا كمن يبيع مبيعه بلا
ربح من مشتريه، وهو نادر غير متعارف لا يعد شيئا، وصح
ان يقال: ان تجويز الربا يؤدي الى امتناع الناس عن اصطناع
المعروف، ويراد به امتناعهم عن ترك الربا كامتناعهم عن
ترك الربح في البيع؛ بمعنى ان الناس بحسب مشيهم
الاقتصادي المتعارف يمتنعون عن اصطناع المعروف وعن
الاغماض عن الربا القرضي. نعم، من خرج عن هذا التعارف ولم
يلاحظه فهو في سعة، فقد يفعل الى اوليائه معروفا حسب ما
اراد،الا انه خارج عن المتعارف.
وهذا بخلاف ما اذا حرم الربا؛ فانه لما كان الاقتراض امرا
متعارفا في نظام العيش الاقتصادي كان تحريم الربا
حينئذترغيبا للناس الى اصطناع المعروف، اللهم الا لمن خرج
عن هذا التعارف ولم يقدم على الاقراض والاقتراض، وهو
الذي يذهب سبيل الحيل المذكورة؛ فان المصير الى هذه
الحيل والاسترباح انما يكون لمن خرج عن متعارف القرض
الذي لايكون على الفرض الا قرضا حسنا وقام بصدد الاسترباح
الجائز من اي طريق كان، فيطلب مخرجا يحصل به على
ازديادالمال، والا فمن اراد المشي على طريق القرض الذي هو
طريق متعارف فهو يتبع اصطناع المعروف.
فالحاصل: ان المراد من الامتناع عن اصطناع المعروف ليس
الامتناع عنه بالمرة - كما عرفت - بل مرتبة خاصة منه اعني
الامتناع عنه في المشي المتعارف المالي الاقتصادي، وهذه
المرتبة انما تترتب على تجويز الربا القرضي وما اليه،
دون تجويز
الاسترباح بالحيل المذكورة.
ومثله الكلام على قوله(ع): «لو كان الربا حلالا لترك الناس
التجارات وما يحتاجون اليه»؛ فان تركهم لها انما كان
في المشي المتعارف الاقتصادي؛ اذ الاسترباح بالربا القرضي
اسهل من تحمل المشاق والاخطار اللازمة للتجارة
والزراعة وامثالهما، فتجويزه يؤدي الى تركها للمتعارف من
الناس، كما ان تحريمها((39)) يوجب اقبالهم على امثال
التجارة الالمن خرج عن المتعارف فاتبع الحيل للحصول على
ازدياد المال والاسترباح((40)).
يمكن ان يقال: ان تحريم الربا مع تجويز الحيلة في جميع
موارد حرمة الربا يحول دون رغبة من يقوم بمعاملات
مالية وتجارية بالشكل المتعارف في اصطناع المعروف ونحوه؛
اذ بعد تجويز الحيل في جميع الموارد يكون مثل هذاالشخص
مقدما بالطبع على تحصيل ما فيه الربح وترك ما لا ربح فيه
من اصطناع المعروف، بل يترك التجارات التي تحتاج الى
تحمل التعب والمشاق. ولا فرق بين تحليل الربا وبين تجويز
الحيل في جميع موارد الربا، فكماان تحليل الربايوجب انسداد
باب اصطناع المعروف وترك التجارات ولزوم الفساد في
الاموال، فكذلك تجويز الحيل في جميع الموارد،والتفرقة
بينهما بلا وجه.
نعم، لا يلزم ذلك من تجويز الحيل اذا كان مشروطا بموارد
الحاجة والضرورة ولو كانت هي الضرورة العرفية.
لا يقال: ان تجويز الحيل الربوية مع حرمة الربا كتجويز التورية
مع حرمة الكذب؛ فكما ان تجويز التورية لا ينافي حرمة الكذب
ولا يمنع من السوق الى الصدق فكذلك تجويز الحيل لا يمنع
الناس من اصطناع المعروف ونحوه.
لانا نقول: ان مع فرض تسليم جواز التورية فهو مختص -
بمناسبة الحكم والموضوع - بموارد الحاجة والضرورة،وعلى
فرض تجويزها مطلقا فليس في التورية نفع يمنعهم من
الصدق، وهذا بخلاف المقام؛ فان الربح المالي الموجودفي
الحيل الربوية يوجب ترغيب الناس نحو الحيل وترك اصطناع
المعروف والتجارات، فيترتب عليه ما يترتب على تجويز الربا
حرفا بحرف، كما لا يخفى.
وبالجملة: ان تجويز الحيل الربوية في جميع الموارد من دون
ضرورة يدعو اصحاب المعاملات المالية والتجارية الى ارتكاب
الحيل لنيل الارباح الكثيرة.
ولعل توهم عدم لزوم ذلك ناشئ من قياس تجويز الحيل في
جميع المواردبما نراه في زماننا هذا من الاختلاف في تجويز
الحيل من جمع وتحريمه او تقبيحه من جمع آخر؛ لان بعض
الناس يرغبون في اصطناع المعروف في زمانناهذا من جهة
تحريم بعض العلماء وتقبيح ذلك في الجملة، بخلاف ما اذا اتفق
العلماء على جوازه وعدم تقبيحه؛ فان ذلك موجب لترك
اصطناع المعروف حتى ممن يمشي مشي الاقتصادي تحصيلا
للربح من موارد الجواز، كما لايخفى. فتحصل مما ذكر: ان الحكم المنصوص عليها في اخبار تحريم الربا تمنع من تجويز الحيل بنحو مطلق. هذا مع الغمض عن عدم اطلاق اكثر اخبار الحيل؛ لاختصاصها بموارد الضرورة والحاجة. |