وكيف كان، فلو كان في الروايات الواردة في تجويز الحيل اطلاق فليقيد بالحكم المنصوص عليها كما يقيد بالتعليل لوكان؛ لان الحكمة كالعلة في التعميم، والا فلا باعثية لها في التشريع اصلا، والمعلوم خلافه، بل تقيد الاطلاقات الاولية بالحكم المذكورة كما تقيد بادلة الربا كما لا يخفى، فتحمل الحيل المذكورة في اخبار الباب على التوسعة والتسهيل للمحتاجين الى التبادل لا بالنسبة الى المرابين، فتدبر.

وثانيا: بان اللازم في تعميم الحكمة هو ان تكون الحكمة مبينة بحيث يمكن ان يؤخذ بها، والمفروض في المقام انها ليست كذلك لاجمالها، ومع كونها مجملة لا وجه لرفع اليد عن العمومات او الاطلاقات الاولية من جهة اجمال المخصص او المقيد، كما قرر في محله.
ويمكن ان يقال: انه يكفي في التعميم المعرفة الاجمالية بترتب ترك اصطناع المعروف وترك التجارات على تجويز الحيل الربوية كما تكفي المعرفة الاجمالية بترتبها على تجويز الربا في تقييد الادلة الاولية، فلا يلزم في التعميم المعرفة التفصيلية، كما لا يخفى.

وثالثا: بان الحكم المذكورة لا تترتب على القرض الانتاجي؛ اذ مع الانتاج تحصل السعة، ومعها يمكن له اصطناع المعروف، وايضا تزداد التجارات بالانتاج، فلا وجه للمنع عنه من جهة ترك التجارات.
ويمكن ان يقال: انه مع تجويز القرض الانتاجي بالحيل الشرعية يترك المقرضون - مضافا الى ترك اصطناع المعروف -التجارات؛ لانهم يرجحونها عليها لامكان تحصيل الربح مع الامن من الاخطار واتعاب النفس والمشكلات، بل يمكن ان يترك الانتاج من اقترض للانتاج بسبب ترجيح الحيل الشرعية على الانتاج؛ لما في الانتاج من المشكلات والتضييقات.

لا يقال: المضاربة والتجارة ايضا تمنعان من الاقراض من دون نفع ومع ذلك فانهما ليستا ممنوعتين، فلتكن الحيل الشرعية كذلك.

لانا نقول: المشابهة ممنوعة؛ لان المضاربة والتجارة ربما توجبان الخسارة. هذا مضافا الى انهما ليستا بحكمتين لجميع الناس؛ فلذلك لا تمنعان عن اصطناع المعروف.

فاذا عرفت ما ذكرناه، فالاحوط هو الاقتصار في الحيل على موارد الحاجة والضرورة العرفية، كما يقتضيه الجمع بين اطلاق بعض النصوص وبين الحكم المنصوص عليها مع الغمض عن اختصاص اكثر موارد النصوص بموارد الحاجة والضرورة، فتدبر. وتكفي الضرورة ولو في طرف واحد للجواز.

ثم ان الضرورة والحاجة تختلفان باختلاف الاحوال والافراد؛ ولذا ربما تحتاج الحكومة الى الحيل الشرعية دون الاحاد؛ لان حاجة الحكومة تختلف عن حاجة الافراد.

ولعل تجويز الحيل في البنوك الاسلامية في زماننا هذا من باب الضرورة الحكومية في ظرف خاص. وكيف كان،فالتعدي عن موارد الضرورة العرفية الى غيرها مخالف للاحتياط، كما انه لا وجه للاخذ بالعمومات والاطلاقات مع تقييدها بالحكم المنصوص عليها بناء على انها كالعلة المنصوصة في التعميم. والله العالم.

المؤيدات:

وقد استدل بعض اهل التسنن على حرمة الحيل الربوية بيات وروايات، ولا باس بالاشارة الى بعضها:

فمن الايات:
قوله تعالى في سورة البقرة: (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين - فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين)((41)).

وقوله تعالى في سورة الاعراف: (واسالهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر اذ يعدون في السبت اذ تاتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تاتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون - واذ قالت امة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم او معذبهم عذابا شديداقالوا معذرة الى ربكم ولعلهم يتقون - فلما نسوا ما ذكروا به انجينا الذين ينهون عن السوء واخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوايفسقون - فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين)((42)).

بدعوى: ان الله تعالى نهى عن الصيد في يوم السبت، وحقيقة الصيد هي اخراج الحيتان من الماء، واليهود فعلوا مايكون في معنى الصيد وان كان متفاوتا معه في الصورة، وهو انهم عمدوا الى شق جداول قرب البحر، فكانوا بعد ان تدخل الحيتان فيها يوم السبت يقومون بغلق المنافذ عليها وحجزها ثم اصطيادها في يوم الاحد، وهي حيلة في قوة الصيد. وهذه القصة تدل - بالغاء الخصوصية - على حرمة كل ما يكون في الغاية والحقيقة مساويا مع الحرام((43)).

ويمكن الجواب عنه: بان ما فعله اليهود مصداق للصيد المحرم لا ما يكون مساويا مع الصيد لصدق الصيد عليه بذلك؛ اذ الصيد هو الاخذ بحيلة، وهو صادق على ما وقع في الجداول. وعليه فلا يمكن الاستدلال به لحرمة ما يكون متفاوتا مع الربا في الصورة ولكن اشترك معه في الاثار كالحيل المبحوث عنها في المقام.

هذا مضافا الى ما في الغاء الخصوصية مع استحقاق اليهود لتحريم الحلال من جهة اصرارهم على المعصية ونقض عهدهم وميثاقهم، فتدبر.

وقوله تعالى: (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن ان يكتمن ما خلق الله في ارحامهن ان كن يؤمن بالله واليوم الاخر)((44)).

بدعوى: انه يدل على حرمة كتمان النساء للحمل. قال قتادة: عادة النسوان في الجاهلية على كتمان حملهن لان يسندن الحمل الى الزوج المتاخر وهن يتوسلن بالكذب للاسناد المذكور، فنهين عن ذلك، فالكذب حيلة ممنوعة((45)).

وفيه ما لا يخفى؛ فان الكتمان ليس بحلال حتى يتوسلن به ويكون مصداقا للحيلة بمعنى الفرار من الحرام الى الحلال،بل نفس الكتمان محرم كما ان اسناد الولد الى غير الزوج محرم، فالتوسل بالكتمان توسل بالحرام للحرام، وهو اجنبي عن المقام من الفرار من الحرام الى الحلال، والكلام ليس في مطلق الحيلة بل حيلة الفرار من الحرام الى الحلال.

وقوله تعالى: (وان كان رجل يورث كلالة او امراة وله اخ او اخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا اكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها او دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم - تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم - ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين)((46)).

والاية نازلة في ارث اخ او اخت من الام، وتقريب دلالتها بان يقال: ان الاية الكريمة تدل على حرمة دعوى دين من دون حقيقة، والمقصود منها هو محرومية الوراث او بعضهم من الارث والاضرار بهم، فالاعتراف بالدين حيلة ممنوعة((47)).

ويمكن ان يقال: ان الكذب بنفسه محرم، فالحرام وسيلة لحرام آخر وهو محرومية الوراث من حقهم، وهذه الحيلة حيلة لغوية، وهي اجنبية عن الحيلة المبحوث عنها في المقام التي هي الفرار من الحرام الى الحلال، فلا تغفل.

هذا مضافا الى عدم صدق الاضرار في المقام بعد كون المتعاملين مقدمين عليه مع العلم بالكيفية.

ومن الروايات:
1 - الحديث النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «انما الاعمال بالنيات، وانما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امراة ينكحها فهجرته الى ما هاجراليه»((48)).

وقد روى الكليني بسند صحيح عن ابي عبد الله(ع) انه قال: «انما يعطي الله العباد على نياتهم»((49)).

بدعوى: ان الحديث يدل على انه لا واقعية للعمل الا بالنية، فان كان قصده من عقد البيع - كبيع ذهب بفضة وبيع فضة بذهب - هو نيل الزيادة في المتجانسين، فعقد البيع محكوم بالربا ولم يخرج بمجرد هذه الصورة عن الربا، وعليه فيدل الحديث على ان اتخاذ الحلال لنيل الحرام لا يجدي في رفع الحرمة. قال ابن منير: ان البخاري جعل الحديث المذكور شاملا للعبادات والمعاملات، مع ان المشهور هو اختصاص الحديث بالعباديات. وقال: ان الاستدلال بهذا الحديث لسد ذرائع وابطال الحيلة يكون من اقوى الاستدلال((50)).

ويمكن ان يقال: ان الحق مع المشهور، والحديث مختص بالعباديات وينصرف عن المعاملات، او يكون من الاخلاقيات ولا ارتباط له بالاحكام الوضعية من الصحة والبطلان. ويشهد له تفسيره بقوله(ص): «فمن كانت هجرته...»، ولا اقل من الشك، فلا وجه لرفع اليد عن عمومات ادلة نفوذ المعاملات مع اجمال هذه التفصيلات.

هذا مضافا الى امكان منع كون القصد من اتخاذ الحلال هو نيل الحرام في الحيلة المبحوث عنها.

2 - النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»((51)).

وقد رواه الشيخ الطوسي في التهذيب عن ابي عبد الله(ع) قال: «ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق»((52)).

قال البحيري: «من مصاديق ذلك: تبديل النصاب بغير الجنس، او اتلاف بعض النصاب، او هبة بعضه مع قصد الرجوع،وقد اجمعت العامة على حرمته؛ فالرواية صريحة في ان كل حيلة توجب اسقاط الزكاة او نقصانها لاتجوز»((53)).

ويمكن ان يقال:
أولا: ان قوله: «لا يجمع بين متفرق» لا يدل على حرمة اجتماع المتفرقات لتحصيل النصاب؛ لجواز ذلك، بل لعله يدل على عدم لزوم ذلك، فقوله: «ولا يفر ق بين مجتمع» - بقرينة السياق - لا يدل على الحرمة ايضا، بل غايته هي الكراهة، فتامل.

وثانيا: ان قوله: «ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» معارض مع صحيحة زرارة قال: قال ابو عبد الله(ع): «ايما رجل كان له مال فحال عليه الحول فانه يزكيه». قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر او يوم؟ قال(ع): «ليس عليه شيء ابدا» - الى ان قال زرارة: - وقلت له: رجل كانت له مئتا درهم، فوهبها لبعض اخوانه او ولده او اهله فرارا بها عن الزكاة؛ فعل ذلك بها قبل حلها بشهر؟ فقال(ع): «اذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليه الحول ووجبت عليه فيها الزكاة». قلت له:فان احدث فيها قبل الحول؟ قال: «جائز ذلك كله». قلت: انه فر بها من الزكاة!؟ قال(ع): «ما ادخل على نفسه اعظم مما منع من زكاتها»((54)).

ومقتضى الجمع العرفي بينهما هو حمل النهي على الكراهة؛ لقوة دلالة قوله: «ليس عليه شيء ابدا» على جواز ذلك،فيحمل ظاهر النهي في قوله: «لا يفرق» على الكراهة.

لا يقال: ان هذه الصحيحة معارضة مع ما يدل على وجوب الزكاة في صورة الحيلة، مثل موثقة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع)، قال: قلت له: الرجل يجعل لاهله الحلي - الى ان قال: - قلت له: فانه فر به من الزكاة؟ فقال: «ان كان فربه من الزكاة فعليه الزكاة، وان كان ان ما فعله ليتجمل به فليس عليه زكاة»((55)).

وموثقة محمد بن مسلم قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الحلي؛ فيه زكاة؟ قال(ع): «لا، الا ما فر به من الزكاة»((56)). ومع المعارضة يتقدم جانب ما دل على وجوب الزكاة؛ لموافقة ما دل على عدم وجوب الزكاة مع جمع من المخالفين، فيحمل ما دل على عدم وجوب الزكاة على التقية، وعليه فلا معارض مع قوله(ع): «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة»؛ لعدم حجية ما دل على عدم وجوب الزكاة، فلا موجب لرفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة.

لانا نقول:

أولا: نمنع المعارضة بين صحيحة زرارة وموثقة معاوية بن عمار ومحمد ابن مسلم؛ للجمع العرفي بينهما بحمل الموثقتين على الاستحباب؛ لقوة ظهور قوله(ع): «ليس عليه شيء ابدا» بالنسبة الى ظهور قوله(ع): «فعليه الزكاة»، فتحمل النصوص الدالة على وجوب اعطاء الزكاة على الاستحباب، فمع الجمع العرفي بينهما لا مجال للحمل على التقية ونحوها؛ اذ الحمل على التقية انما يصار اليه بعد تعذر الجمع العرفي، وقد عرفت امكانه((57)).

وثانيا: لم تثبت فتوى جماعة من العامة بجواز الحيل في الزكاة وان اختلفوا في جواز اصل الحيل، بل المحكي عن العامة هو الاجماع على حرمة الحيلة في الزكاة، وعليه فالترجيح مع ما يدل على الجواز؛ لمخالفته مع العامة، فتقدم اخبار الجواز على ما دل على الحرمة لو سلمنا المعارضة بينهما.

وثالثا: ان الخبر الدال على انه «لا يفرق بين مجتمع» هو ايضا طرف من اطراف المعارضة، فلا وجه لجعله خارجا عن اطراف المعارضة، فاللازم هو ملاحظة مجموعها؛ فان قلنا باظهرية صحيحة زرارة فيحمل النهي في قوله: «لا يفرق»على الكراهة، كما يحمل قوله: «عليه الزكاة» في الموثقتين على الاستحباب، وان لم نقل بالاظهرية فمقتضى التعارض هوترجيح جانب المخالف للعامة، وهو صحيحة زرارة، فلا تغفل.

3 - النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «قاتل الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم فجملوها((58)) فباعوها»((59)). بدعوى: أن رسول الله(ص) دعا على من توسل بحيلة لتحليل بيع الشحوم، فيظهر منه ان كل حيلة يقصد بها تحليل الحرام باطل، ولم يتغير حكم الحرام بالحيلة((60)).

ويمكن ان يقال: ان اذابة الشحوم لا توجب خروج الشحوم عن حقيقتها، وعليه فالشحوم باقية على ما هي عليه من الحرمة في شرعهم وان صدق عليها عنوان آخر؛ فلا ترتفع الحرمة بتغير الاسم، وعليه فهو اجنبي عن المقام؛ اذمحل الكلام هو ما اذا فعل شيئا يصير المورد به خارجا عن مصداق الحرام حقيقة وان ترتب عليه ما يترتب على الحرام.

هذا مضافا الى ضعف الخبر سندا.

4 - النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «ليشربن ناس من امتي الخمر يسمونها بغير اسمها؛ يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات؛ يخسف الله بهم الارض، ويجعل منهم القردة والخنازير»((61)).
بدعوى: انه يدل بالصراحة على ان من يحلل المحرمات المذكورة ويؤولها ويعلق الاحكام على الاسامي للموضوعات لاحقائقها، يستحق العذاب؛ لانه في الحقيقة يشرب الشراب باسم النبيذ، ويحلل الغناء وآلاته باسم الصوت الحسن والمريح، وهكذا((62)).
ويمكن ان يقال: ان هذه الموارد ايضا اجنبية عن محل البحث؛ فان الحيلة المبحوث عنها هي التي لم تبق معها حقيقة الشيء وان ترتب عليه ما يترتب على الحرام، وهذه الموارد باقية على حقيقتها، كما هو واضح.

5 - النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال - في ابن الليثية عندما قال: هذه هدية لي وهذه زكاة لكم -: «اما بعد،فاني استعمل رجالا منكم على امور مما ولاني الله، فياتي احدكم فيقول: هذا لكم وهذه هدية اهديت لي، فهلا جلس في بيت ابيه وامه حتى تاتيه هديته ان كان صادقا! فوالله لا ياخذ احدكم منها شيئا بغير حقه الا جاء الله يحمله يوم القيامة؛فلا اعرفن احدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء او بقرة لها خوار او شاة تيعر((63)). ثم رفع يديه حتى ظهر بياض ابطيه وقال: الا هل بلغت؟»((64)).

وهذا الحديث مورد اتفاق، وتقريب الاستدلال به: انه يدل على ان الهدية لكونها رشوة تكون محرمة؛ فالرشوة لا تصيرحلالا بمجرد تسميتها هدية، وهذه الحيلة لا ترفع حرمة الرشوة((65)).

ويمكن ان يقال: ان تسمية الرشوة بالهدية مع بقاء صدق الرشوة لبقاء حقيقتها، اجنبية عن محل الكلام؛ فان الحيلة المبحوث عنها هي الفرار من الحرام الى الحلال الذي يكون في الواقع غير مورد الحرام وان ترتب عليه ما يترتب على الحرام.

6 - النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «اذا اقرض احدكم قرضا، فاهدى له او حمله على الدابة فلا يركبها ولايقبله الا ان يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك»((66)).

ونقل ايضا عن علي(ع) عن النبي(ص) انه قال: «كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا»((67)).

وروى في الوسائل بسند موثق عن ابي عبد الله(ع) انه قال: «ان رجلا اتى عليا(ع) فقال: ان لي على رجل دينا، فاهدى الي بهدية؟ قال: احسبه من دينك عليه»((68)).

بتقريب: ان المستفاد من هذه الاحاديث ان المعتبر هو القصد، وهو بمنزلة اللفظ؛ فان كان العقد حلالا فالعقد حلال، وان كان حراما فالعقد حرام؛ وعليه فالهدية او العارية او المحاباة في البيع ونحوها لا تقع من المستقرض الا من جهة القرض، فكانها اشترطت في القرض وان لم تذكر في اللفظ؛ فيترتب عليه ما يترتب على الاشتراط من احكام الربا.والدليل عليه انه لو انفك احدهما عن الاخر لما اقرض المقرض ولا اهدى المقترض((69)).

وفيه: ان القرض ان كان مشروطا بالزيادة ولو بالتباني لكان مصداقا للربا، وهو خارج عن المقام الذي هو التوسل بالحيلة الى الحلال، واما لو لم يكن القرض مشروطا بذلك ولكن يعلم ان المقترض يعطي زيادة فلا يكون ذلك محرما؛لان العلم بذلك يكون من الدواعي لا الاشتراط، كما لا يخفى.

وهذا هو مقتضى الجمع بين هذه الروايات وبين الروايات الاخرى التي تدل على الجواز والتي منها:

أ - مرسلة جميل بن دراج عن رجل قال: قلت لابي عبد الله(ع): اصلحك الله! - الى ان قال: - وسئل ابو جعفر(ع) عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم والمال، فيدعوه الى طعامه او يهدي له الهدية؟ قال: «لا باس»((70)).

ب - صحيحة محمد بن مسلم قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا ويعطيه الرهن؛ اماخادما واما آنية واما ثيابا، فيحتاج الى شيء من منفعته (امتعته) فيستاذن فيه فياذن له؟ قال: «اذا طابت نفسه فلا باس».قلت: ان من عندنا يروون ان كل قرض يجر منفعة فهو فاسد؟ فقال: «اوليس خير القرض ما جرمنفعة؟!»((71)).

كما يشهد للجمع المذكور:

أ - صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: «من اقرض رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها، فان جوزي اجود منها فليقبل. ولا ياخذ احد منكم ركوب دابة او عارية متاع يشترط من اجل قرض ورقه»((72)).

ب - موثقة يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن الرجل يسلم في بيع او تمر عشرين دينارا، ويقرض صاحب السلم عشرة دنانير او عشرين دينارا؟ قال: «لا يصلح؛ اذا كان قرضا يجر شيئا فلا يصلح».
قال: وسالته عن رجل ياتي حريفه وخليطه فيستقرض منه الدنانير فيقرضه، ولولا ان يخالطه ويحارفه ويصيب عليه لم يقرضه؟ فقال: «ان كان معروفا بينهما فلا باس، وان كان انما يقرضه من اجل انه يصيب عليه فلا يصلح»((73)).

ج - ما رواه في الكافي باسناده عن صفوان عن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي ابراهيم(ع): الرجل يكون له عند الرجل المال قرضا كراهية فيطول مكثه عند الرجل لا يدخل على صاحبه منه منفعة، فينيله الرجل الشيء بعد الشيء كراهية ان ياخذ ماله حيث لا يصيب منه منفعة، ايحل ذلك؟ قال: «لا باس اذا لم يكن يشترط»((74)).

.. الى غير ذلك من الاخبار.

7 - النبوي: فقد روي عن النبي(ص) انه قال: «لا تركبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بادنى الحيل»((75)).

بتقريب: ان الرواية تدل على ان التوسل بالحيلة لاستحلال الحرام من جملة ما ارتكبه اليهود؛ فيكون محرما ويلزم الاجتناب عنه.

وفيه: ان ما ارتكبه اليهود - كما مر - مصداق للحرام، وحاله حال حبس الحيتان يوم السبت في الجداول او اذابة الشحوم، فالحيل التي ارتكبها اليهود تكون محرمة لصدق موضوعات الحرام عليها، وهو اجنبي عن المقام؛ فان من يبيع لشخص شيئا بازيد من قيمته ثم يقرضه شيئا لم ياخذ في قبال القرض شيئا زائدا، بل القرض خال عن الزيادة وانما الزيادة في البيع، ولذلك لم يصدق على هذه المعاملة الربا، بل هي فرار من الربا الى البيع مع زيادة القيمة، فلاتغفل.

.. الى غير ذلك من الاستدلالات الضعيفة، وقد اطال البحيري في الكتاب المذكور، الا انه لم يات بما يسمن ويغني من جوع، فراجع.

والاضعف مما ذكر ما ذهب اليه بعض المؤلفين حيث جعل الحيلة من التقلب وفسر التقلب بالخيانة والتجاوز وعدم العمل بالقانون، حيث قال: «ان الوسيلة التي استخدمت للتقلب صحيحة ذاتا، الا ان الداعي في استخدامها هو عدم العمل بالقانون ولا بالتعهدات». ثم حكم ببطلان التقلب من جهة خلوه عن قصد الانشاء وكونه مجرد صورة، واستشهد ايضا للبطلان بالادلة النقلية، كالحكم بارث الزوجة الى سنة فيما اذا طلقها زوجها في مرض الموت خلافا لما يريده الزوج من محرومية زوجته من الارث؛ اذ هذه الموارد تصلح للدلالة على ان الحيلة والتقلب لم يكونا مورد قبول المقنن وتصويبه((76)).

هذا مضافا الى ان قاعدة «لا ضرر» تكفي للحكم بالبطلان؛ لانها حاكمة، كما يشهد لها الحكم ببطلان الوصية بالضراروالاقرار بالدين ضرارا، وغير ذلك من الموارد التي تكون ضررا على الغير((77)).

وقال في ذيل قوله(ع): «نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال»: «لا يستفاد من هذا الحديث صحة الحيل؛ اذ المقصودمن الفرار من الحرام الى الحلال هو الا يرتكب فعل الحرام لا ان يفعل الحرام مع الحيلة. وليس موارد الحيلة المذكورة في باب الربا الا من باب ارتكاب الحرام مع الحيلة»((78)).

وفيه:

أولا: ان التقلب لا يصدق على المقام؛ اذ المتعاملان في المقام يعلمان كيفية المعاملة وكيفية الاستفادة من اطلاقات المعاملات المحللة لنيل الربح والفائدة من دون ارتكاب الحرام، بخلاف التقلب فان اللازم ان يكون فيه نوع جهل كالغش،وعليه فتطبيق احكام التقلب على الحيل الربوية كما ترى.

وثانيا: ان قاعدة «لا ضرر» لا تشمل صورة الاقدام، والمتعاملان في المقام اقدما على الضرر. هذا ان سلمنا صدق الضرر، واما اذا قلنا بان الحيلة التي تكون وسيلة لنيل المقصد المطلوب لا يصدق عليها الضرر، فلا كلام.

وثالثا: ان حمل قوله(ع): «نعم الشيء الفرار من الحرام الى الحلال» على المعنى المذكور اجتهاد في مقابل النصوص؛حيث جعله في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج منطبقا على اشتراء الف درهم ودينار بالفي درهم((79)).

ورابعا: ان موارد الحيلة مقصودة؛ لوجود الداعي اليها، ولا تقاس بما كان خاليا عن قصد الانشاء، كما مرمرارا.

وخامسا: ان ارث الزوجة عند طلاق الزوج اياها في مرض موته ونحوه خارج عن محل الكلام؛ اذ الحيلة مقصودة للمتعاملين، وهما مقدمان عليها، بخلاف طلاق الزوجة ومحروميتها من الارث، كما لا يخفى.

ملحوظة: حكى الوحيد البهبهاني(قدس سره) عن جماعة من علماء زمانه انهم اعتقدوا حلية القرض بشرط المعاملة المحاباتية، ثم اورد عليهم ب«ان فقهاءنا(رحمهم الله) باجمعهم صرحوا بان القرض بشرط النفع حرام، مطلقين للفظ النفع غير مقيدين بما اذا لم تكن المعاملة محاباتية، مثل البيع بغير ثمن المثل او الاجارة كذلك، او غير ذلك مثل الهبة والعارية وغيرهما، بل وخصصوا الحلية بصورة التبرع ليس الا، واتفقت عباراتهم على هذا ولم تختلف مقالاتهم فيه اصلا ورأسا».

الى ان قال:

«ومجرد تسمية النفع بالهبة او المحاباة لا يخرجه عن كونه نفعا ولا يمنع عن تسميته بالنفع؛ اذ لا منافاة بين الاطلاقين والتسميتين، بل النفع الحرام القطعي ربما يكون له اسام اخر، ولم يشترط في النفع الحرام الا يكون له اسم آخر».

الى ان قال:

«ان الحيلة الشرعية انما هو متحقق بالنسبة الى موضوعات الاحكام لا نفس الاحكام؛ لانها على حسب ما حكم به الشارع، فاي حيلة لنا فيها؟! فالنفع المحرم في القرض بحسب الشرع لو كان اعم من المعاملة المحاباتية، فاي حيلة لنافيه؟! والنفع لو كان مختصا بغيره فكيف يكون المعاملة حيلة؟! بل هي امر على حدة»((80)).

ولقد افاد واجاد، واطال في البحث في موضوع اشتراط المعاملة المحاباتية في القرض، ومحصله ما ذكر، ولم يستفد من عباراته انه ذهب الى تحريم الحيل مطلقا في جميع الموارد، وانما كان موضوع كلامه ما ذكر، وكلامه فيه متين؛لان النهي في القرض هو مطلق النفع، وهو صادق باشتراط المعاملات المحاباتية في ضمن القرض ايضا،فراجع.

واستدل له ايضا بية السبت وقال: «ان ه تعالى منع عن الحيلة، بل وجعل مرتكبيها قردة خاسئين، وجعل ذلك نكالاللظالمين وموعظة للمتقين»((81)).

وتمسكه بالاية صحيح؛ من جهة ان الاية تدل على ان شق الجداول قرب البحر وحبس الحيتان فيها يوم السبت ثم صيدها يوم الاحد لا يجدي في رفع الحرمة؛ لان هذه الحيلة لا تخرجه عن حقيقة الصيد، فلا يستفاد من استدلاله بالاية الكريمة انه ذهب الى حرمة الحيلة مطلقا، كما لا يخفى.

ومما ذكر يظهر التامل في نسبة تحريم الحيل مطلقا اليه(قدس سره) عن بعض، كالسيد محمد بن محمد صادق وهومن احفاد السيد محمد مهدي الخنساري صاحب «رسالة عديمة النظير في تحقيق احوال ابي بصير» المتوفى سنة (1246)، حيث ذهب الى حرمة الحيل، ونسبها الى الوحيد البهبهاني حيث قال: «ومن اكابر الذين حكموا بالحرمة وفساد الحيل هوالمولى الاعظم استاذ الفضلاء في عصره اقا محمد باقر البهبهاني». ثم نقل بعض عبائره في رسالته المؤلفة في تحريم القرض مع البيع المحاباتي((82))، وقد عرفت اختصاص كلامه بالقرض مع البيع المحاباتي، فلا وجه للنسبة المذكورة،كما لا يخفى.

فالعمدة في تحريم الحيل مطلقا - عدا موارد الضرورة - هو الذي ذكرناه سابقا؛ من انه مقتضى الحكم المنصوص عليها فانها كالعلة في التعميم، فتامل.
والحمد لله اولا وآخرا.

ملكية الارض
القسم الثالث

الاستاذ السيد محسن الموسوي

الاراضي الموات بالعارض

يقع الكلام في الاراضي الموات بالعارض؛ اي التي كانت عامرة بالذات ثم خربت بمرور الايام، او الخربة ذاتا فاحياهاشخص ثم خربت بعد ذلك باهمالها.

فالمقصود بالموات بالعارض: هي الارض التي عرضها الموتان والخراب بعدما كانت عامرة، سواء كان عمرانها السابق بالاصل او بالعارض.

ولا يخفى ان محل البحث والنزاع هو في الارض التي كانت مواتا بالاصل ثم احياها المحيي - شخصا كان او جماعة - وخربت بعد ذلك بالاهمال، فيقع البحث في خروجها من ملك المحيي الاول بهذا الخراب، وفي زوال حق المحيي من الاختصاص والاولوية بناء على عدم حصول الملكية بالاحياء.

فمحل الكلام اساسا هو هذا القسم من الموات بالعارض لا ما كان عامرا بالذات ثم خربت قبل ان يحوزها احد؛ فانه لاشك في مثل هذا القسم في انهاقبل خرابها ملك للامام(ع)، كما انها ملك له ايضا بعد ذلك، ولم يعرض ما يوجب خروجها من ملكه. فاذا هذا القسم خارج عن محل الكلام.

نعم، لو حاز شخص ارضا عامرة بالاصالة وقد عمل فيها ولكنه اهملها بعد تملكه او اولويته بالتصرف باحيائها،فان هذا القسم داخل - بلا شك - في محل النزاع ايضا؛ وذلك لان ه قد يقال بخروجها من ملكه او زوال حق الاولوية بالخراب، كما انه قد يقال ببقائها على ملكه او حقه في الاولوية.

فالبحث الاصلي هو في الارض التي يعرضها الخراب بعد ان كانت عامرة؛ هل تزول ملكية الفرد او الجماعة الذين قدملكوها او كان لهم فيها حق الاولوية بعروض البوار عليها، او لا؟

الاقوال في المسالة:

وقد وجدت في المسالة عدة اقوال:

القول الاول: عدم زوال الملكية بخراب الارض، وعدم زوال حقه في الاختصاص بناء على القول به.

القول الثاني: زوال الملكية بعروض الخراب على الارض وتدخل في ملك الامام(ع)، وهي ملك بعد ذلك لمن احياها، كماانه بناء على القول بالاختصاص لا يزول حقه فيها، فلو اراد شخص احياءها لم يحتج الى اذن مالكها السابق؛ لانقطاع علاقته بها.
وهذا بعكس القول الاول؛ فان المحيي الثاني بحاجة الى اذن المحيي السابق او الذي كانت في حيازته.

القول الثالث: عدم خروج الارض بعروض الخراب من ملك المحيي السابق او الذي كانت بحيازته، كما لا يزول حق الاختصاص فيها، ولكن اذا اراد شخص احياءها كان له ذلك، سواء اذن المالك في ذلك او لم ياذن، فاذا احياها كان احق بها واولى، ولكن يجب عليه دفع اجرتها الى المحيي السابق او الذي كانت في حيازته.

القول الرابع: زوال الملكية عن الارض التي ملكها بالاحياء او الحيازة ثم اهملها حتى خربت بمرور الايام، ويجوز لكل احد احياؤها وتملكها. ولكن اذا كان قد ملكها بالشراء فانه لا يحق لاحد احياؤها من دون اذنه، ولا تخرج من ملكه.

القول الخامس: خروج الارض من ملك المحيي الاول او الذي كانت في حيازته باهمالها والاعراض عنها وعروض الموت لها، وزوال حق الاولوية عنه. ولكن اذا تركها بضع سنين لسبب ما ولم ينتفع بها من دون اعراض فانها لا تخرج من ملكه، سواء خربت بذلك ام لا.

وثمة تفصيلات وآراء اخرى غير مهمة، فلابد اذا من ملاحظة ادلة المسالة لنرى ما هو مقتضى الدليل فيها.

القول الاول: بقاء حق المالك:
وقد استدل لاثبات عدم زوال الملكية وحق المالك بخراب الارض وموتها بروايتين:

1 - صحيحة سليمان بن خالد: سالت ابا عبد الله(ع) عن الرجل ياتي الارض الخربة فيستخرجها ويجري انهارهاويعمرها ويزرعها؛ ماذا عليه؟ قال: «الصدقة». قلت: فان كان لا يعرف صاحبها؟ قال: «فليؤد اليه حقه»((83)).

2 - رواية الحلبي: احمد بن محمد بن عيسى في نوادره، عن ابن مسكان، عن الحلبي قال: سالته عن ارض خربة عمرها رجل وكسح انهارها هل عليه فيها صدقة؟ قال: «ان كان يعرف صاحبها فليؤد اليه حقه»((84)).

والروايتان تشتركان في المعنى والمضمون، وقد ورد في آخرهما ان المحيي لو كان يعرف مالكها الاول كان عليه دفع حقه اليه، وان كان لا يعلم مقصود الامام(ع) من هذا الحق ما هو، فهل يقصد انه يعطيه الارض، او انه يدفع اليه اجرتها،او المراد شيء آخر؟ الا ان دلالتها على ان للمالك السابق حقا فيها يجب دفعه اليه امر ثابت ومسلم، وهذا القدر كاف في اثبات مدعى القول الاول.

الكلام في روايتي سليمان بن خالد والحلبي:
هل ان هاتين الروايتين صحيحتان سندا؟ الذي نراه هو عدم كونهما معتبرتين فضلا عن كونهما صحيحتين.

اما رواية سليمان بن خالد:
فأولا - لان سليمان بن خالد مشترك بين سليمان بن خالد الخطاب وسليمان ابن خالد البجلي الاقطع، والاول مجهول،ولا يبعد ان تكون هذه الرواية له عن الامام الصادق(ع)، ويكفي صرف الاحتمال في طرحها.

وثانيا - للاختلاف في سليمان بن خالد البجلي الاقطع، فقد ذكره النجاشي ونقل مطالب فيما يرتبط بترجمته وحياته، الاانه لم يوثقه، وهذا بنفسه يثير السؤال، فاذا كان ثقة عند النجاشي فلماذا لم يوثقه؟! ومن هنا فانه يمكن القول: ان توثيقه لم يثبت، كما اعترف بذلك صاحب المدارك. هذا مضافا الى تضعيفه من قبل ابن داود، حيث قال عنه انه زيدي ضعيف. وذكره صاحب التحرير الطاووسي مستنتجا عدم وجود توثيق بحقه. والخلاصة ان سليمان بن خالد البجلي الاقطع كان من اصحاب زيد بن علي وممن خرج معه وقد قطعت يده في ذلك، وهو يرى امامة زيد، وان قيل بانه رجع عن ذلك وقال بامامة الامامين الباقر والصادق(ع).
ولكن اثبات جميع ذلك صعب، وعلى فرض امكانه فان توثيقه بحاجة الى دليل يدل عليه؛ وبما انه لم يوثق من مثل الشيخ والنجاشي والكشي كما انه قد ضعفه كل من ابن داود وصاحب التحرير الطاووسي والمدارك، فان وثاقته غيرمحرزة ولا ثابتة. واما توثيق بعض المتاخرين له مثل العلامة الحلي فمستند الى اجتهاده الخاص.

وثالثا - انها قد اشتملت على « النضر»، وهو مشترك بين خمسة عشر شخصا، ولم يوثق من هؤلاء الا شخصان، ولذافان تعيين انه النضر بن سويد الثقة مشكل وليس بالامر السهل.

ورابعا - ان هذا الحديث قد رواه الشيخ الطوسي بسنده الى الحسين بن سعيد الاهوازي، وطريق الشيخ اليه - كمااسلفنا سابقا - غير منقح، بل مخدوش بطرقه الثلاثة اليه.

ومن مجموع ما تقدم حول سند صحيحة سليمان بن خالد يظهر عدم كونها موثقة ولا معتبرة فضلا عن كونهاصحيحة؛ ولذا لا يمكن الحكم على اساسها.

واما صحيحة الحلبي:
فالاشكال في سندها جد واضح، وفي غنى عن البحث والتحقيق؛ وذلك:

أولا - لانه قد رواه صاحب المستدرك عن كتاب نوادر احمد بن محمد بن عيسى، وطريقه اليه غير واضح ولامعلوم.

وثانيا - باعتبارها مضمرة، حيث قال فيها الحلبي: «سالته» ولم يعلم المروي عنه.

وما يقال من ان فلانا اجل شانا من ان يسال من غير الامام، كلام ضعيف؛ لان جلالة الشان لا تتنافى والسؤال من غير الامام؛ لانه قد يكون سؤاله من شخص يناظره في جلالة الشان. وعليه فكيف تسمى مثل هذه الرواية المجهولة الطريق والسند اولا والمضمرة ثانيا، بالصحيحة؟! فلابد من توجيه السؤال عن ذلك الى من يسميها بالصحيحة.

الا ان الشيخ الحر العاملي بعد نقله لرواية سليمان بن خالد في الباب الثالث ضمن الحديث الثالث قال: «وعنه، عن ابن ابي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن ابي عبد الله(ع) مثله». وفيه اشارة الى ما رواه الشيخ الطوسي في باب المزارعة الحديث (34)، وهي رواية صحيحة ظاهرا ولا غبارعليها، سوى ان الشيخ قد رواها بسنده الى الحسين بن سعيد، وقد قلنا ان طرقه الثلاثة اليه مخدوشة، ولكن يمكن قبولها من باب التساهل والتسامح في سندها.

ولعل تسميتها بالصحيحة من قبل بعض الفقهاء لهذه الجهة، وان لم يستدل بها كثير منهم.

ولا يبعد كون ذلك لعدم التفات الفقهاء اليها - لما تقدم من انها قد رويت في كتاب المزارعة لا في احياء الموات - الامن له اطلاع تام على روايات باب المزارعة.

ولكن يحتمل ايضا ان اعراضهم عنها لعدم القبول بها؛ لعدم امكان الالتزام بمضمونها؛ فانه قد ورد فيها - بعدموضع الشاهد في مقامنا - قوله: «ولا باس بان يتقبل الرجل الارض واهلها من السلطان» اي يستاجرهم.

ومن الواضح عدم امكان قبول ذلك والالتزام به؛ وان كان يبعد ان يكون تركهم لها واعراضهم عنها لتضمنها الفقرة المذكورة.

وعلى اي حال، فان جملة من الفقهاء افتوا على ضوء هاتين الروايتين بعدم خروج الارض العامرة اذا خربت من ملك صاحبها، وبقائها في يده.

ولكن يرد على هذا الاستدلال ما يلي:

أولا - عدم تمامية سند رواية سليمان بن خالد ومضمرة الحلبي. كما ان رواية كتاب المزارعة غير حسنة الاسناد؛وذلك لضعف سند الشيخ الى الحسين بن سعيد، مضافا لاشتمالها على ما لا يمكن الالتزام به.

وثانيا - ان هذه الروايات الثلاث قد تضمنت الحكم بلزوم اعطاء المحيي الثاني المالك حقه، وهذا انما يثبت معه مدعى القائل لو كان المراد بالحق الارض او اجرتها؛ اذ لو كان المراد به ان يعط ى شيئا قبال ما اجراه من عمل على الارض،فان من الواضح عدم ثبوت مدعى هذا القول. وعليه فان اثبات بقاء ملكية الارض التي خربت بهاتين الروايتين او الثلاثة ليس سهلا.

وثالثا - ان ثمة روايتين تدلان على خلاف الروايات السابقة:

احداهما: صحيحة معاوية بن وهب قال: سمعت ابا عبد الله(ع) يقول: «ايما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجها وكرى انهارها وعمرها فان عليه فيها الصدقة، فان كانت ارض لرجل قبله فغاب عنها وتركها فاخربها ثم جاء بعد يطلبهافان الارض لله ولمن عمرها»((85)).
وثانيتهما: صحيحة ابي خالد الكابلي التي تقدم الكلام عنها سابقا. وقد ورد فيها - وهي طويلة نسبيّا -: «... فمن احياارضا من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي وله ما اكل منها حتى يظهر القائم(ع) من اهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله(ص) ومنعها، الا ما كان في ايدي شيعتنا فانه يقاطعهم على ما في ايديهم ويترك الارض في ايديهم»((86)).

وقد اعتبر جمع من الفقهاء رواية معاوية بن وهب صحيحة، الا ان الكليني قد رواها عن عدة، عن سهل بن زياد واحمدبن محمد. وسهل بن زيادضعيف، واحمد بن محمد مشترك بين الثقة وغيره، وان كان يمكن قبولها واعتبارها - مع التساهل في سندها - في ادنى درجات الاعتبار.

وهكذا سند رواية الكابلي التي تقدم البحث فيها سابقا، فانه يمكن القبول بها كما ذكرناه هناك، بل ان بعض الفقهاءاعتبرها صحيحة الاسناد، فاللازم هو ملاحظة التعارض والنسبة بين هاتين الطائفتين:

ذهب بعض الفقهاء الى ان صحيحة معاوية بن وهب - التي تنص على ان المحيي الثاني له حق الاولوية ولا حق للمحيي الاول - ناظرة الى صورة اعراض المالك الاول عن الارض، وصحيحة الحلبي التي تنص على لزوم دفع حق المالك الاول مطلقة، فتقيد بهاتين الصحيحتين، فتصبح النتيجة: ان المحيي الاول او المالك السابق اذا اعرض جازللمحيي الثاني احياؤها، ولا يدفع للمالك شيئا، واما اذا لم يعرض عنها فحقه باق ويجب على المحيي الثاني دفع حقه اليه((87)).

وظاهر هذا الوجه من الجمع انه وجه متقن، ولكن التامل فيه يعطي خلاف ذلك؛ فان صحيحة الحلبي مطلقة لحالات الاحياء والتملك بالبيع ونحوها، وفي جميع هذه الحالات يجب على المحيي الثاني ان يدفع حق المالك الاول، فهي تفيدان الارض لم تخرج في جميع هذه الحالات من ملك المالك الاو ل، ولكن رواية معاوية بن وهب التي تنص على نفي مثل هذا الحق تقول: ان المالك السابق اذا اعرض عنها وعرضها للخراب عن اختيار زال حقه فيها، فرواية معاوية بن وهب تخصص صحيحة الحلبي بموارد الترك والاعراض غير الاختياري.

ومن جهة اخرى فان صحيحة ابي خالد الكابلي تخصصها بغير حالات تملك المالك السابق للارض بالاحياء؛ لان موردصحيحة الكابلي هو الارض التي ملكها صاحبها بالاحياء، فتكون النتيجة: اختصاص صحيحة الحلبي بالموارد التي يكون مالكها السابق اولا: قد ملكها من غير طريق الاحياء، وثانيا: الا يكون قد تركها عن ارادة واختيار.

وفي مثل هذه الحال فان لصاحبها السابق - على ضوء صحيحة الحلبي ورواية سليمان بن خالد - حقا يجب على المحيي الفعلي لها دفعه اليه. وقد افاد هذا الوجه في مصباح الفقاهة((88)).

ويلاحظ عليه: ان هذا الوجه من الجمع يتوقف على ان يحمل «الترك» على الترك الاختياري، والظاهر انه لا وجه له؛لان الظاهر هو ان صاحب الارض لو تركها بحيث تسبب ذلك في خرابها فان للمحيي الثاني ان يحييها وليس عليه شيء، سواء كان الترك باختياره او لعذر، كما لو دهمها نتيجة الاهمال سيل فخربها ولم يتدارك مالكها الخراب الحاصل بالاعمار ولم ينتفع بها.

وعليه، فان الظاهر هو ان الترك الوارد في رواية معاوية بن وهب مطلق، يشمل مطلق الترك المؤدي الى خراب الارض وموتها. فتكون الحصيلة: ان كل ارض يتركها صاحبها ويؤدي ذلك الى بوارها فيحييها غيره فهي للمحيي، وليس لصاحبها الاول حق في ذلك.

في حين ان صحيحة معاوية بن وهب تثبت الحق له في ذلك، وهذا التعارض - كما هو واضح - ليس قابلا للجمع،فتتساقطان. الا ان يقال: انه قد ورد في صحيحة الحلبي ان صاحب الارض لو كان معلوما فانه يجب دفع الحق له،وليس هذا القيد في رواية معاوية بن وهب، فرواية معاوية عامة تخصصها صحيحة الحلبي.

فيتحصل: انه لو كان المالك السابق معلوما وجب دفع حقه اليه، والافلا يجب.

لكن هذا الكلام مناقش فيه: وذلك لان المفروض في رواية معاوية بن وهب كون المالك معروفا؛ لان الفرض انه قدذهب اليه المحيي الفعلي وطلب ارضه منه، ومع هذا كيف يمكن ان يقال: ان رواية معاوية بن وهب اعم من حال ما اذاكان المالك السابق معروفا او غير معروف؟!

ان الاشكال الذي يتوجه على هذا التعارض والتساقط هو عدم الالتفات الى رواية الكابلي التي تنص على انتفاء الحق في خصوص الارض التي احياها المالك السابق، فتكون مقيدة قهرا لصحيحة الحلبي، فيلزم من ذلك التقييد انقلاب النسبة،فتكون اخص من رواية معاوية بن وهب، فتخصصها، والنتيجة هي حفظ حق المالك السابق في الارض غيرالمحياة.

والجواب عن هذا الاشكال واضح، وهو انه يتوقف على وجود مفهوم في الجملة الشرطية في رواية الكابلي، وبما انه يقوى احتمال انها واردة لبيان تحقق الموضوع فهي غير ظاهرة في المفهوم، واذا لم ينعقد لها مفهوم فلا تنافي حينئذ بينها وبين رواية معاوية بن وهب، ولا بينها وبين رواية الحلبي؛ لانه سيكون مفاد رواية الكابلي: ان من عمر ارضاثم تركها فخربت جاز لغيره احياؤها. ومن الواضح انها لا تنافي الحكم الوارد في رواية معاوية لمطلق الارض، وهو موافق للحكم في رواية الكابلي، فتكون النسبة بين روايتي الكابلي والحلبي العموم والخصوص المطلق، وتكون رواية الكابلي مخصصة لرواية الحلبي، والنتيجة: ان الارض غير المحياة اذا خربت لم يزل حق صاحبها.

الا ان مثل هذا التخصيص مستهجن؛ لانه قلما توجد ارض غير محياة، وتقييد الاحياء بالاحياء الفعلي بحاجة الى دليل،والا فان اطلاق العبارة ينصرف الى مطلق الاحياء، وحينئذ فان ملاك الاحياء في الارض المحياة سابقا والتي قد انتقلت بالشراء ونحوه من الاسباب الى المالك السابق، متوفر هنا.

وعليه، فان رواية الكابلي لا يمكن ان تكون مخصصة لصحيحة الحلبي وتجعلها اخص من رواية معاوية بن وهب فتكون في النتيجة في قبالها، كما ان رواية معاوية بن وهب تعارضها ايضا.

وحيث انه لا يوجد جمع عرفي لهما كما لايوجد مرجح لاحدهما - اذ المرجح بنظرنا ليس هو الا الموافقة للكتاب والمخالفة للجمهور - فانهما تتعارضان وتتساقطان، فلابد من الرجوع حينئذ الى العمومات والاطلاقات الموجودة في المسالة، لا الى استصحاب حق المالك السابق، وذلك:

أولا - لان الاستصحاب في الشبهات الحكمية معارض بمعارض قوي.

وثانيا - ان النوبة لا تصل الى الاصل العملي مع وجود دليل اجتهادي؛ فالاستصحاب انما نتمسك به فيما لو لم يكن في البين اطلاق او عموم. والعمومات الموجودة هنا مفادها ان كل ارض بائرة موات هي من الانفال وتحت تصرف الامام،وقد ورد في ذلك ست روايات، ورواية في نفس هذا الباب ورد فيها «والموات كلها هي له».
ومفاد الروايات المشار اليها سابقا هو ان الدنيا والاخرة للامام، فلابد من المصير والرجوع الى هذه العمومات، فنستنتج ان الارض التي تركها صاحبها ولم يعمرها فادى ذلك الى خرابها انما هي للامام، ويتوقف الانتفاع بها والتصرف فيها على اذنه، والمفروض ان الائمة(ع) قد اذنوا في ذلك - سيما لاتباعهم - بنحو يتوهم معه انه لا فرق بين ملكيتهم وملكية شيعتهم لها، وان كان قد تقدم سابقا بشكل مفصل عدم واقعية مثل هذا التوهم؛ فان المستفاد من الادلة انهم(ع) قد اذنوالاتباعهم بحيازة الانفال واحيائها، ولذا فانه لو اراد شيعتهم ان يحيوا معدنا او ارضا او شيئا آخر من الانفال لامرمعاشهم، جاز لهم ذلك التصرف والانتفاع وكان لهم حق الاولوية في ذلك شريطة ان ينتفعوا بذلك من غير ترك وتعطيل؛باعتبار انهم لو قاموا بتعطيلها مدة وادى ذلك الى خرابها فانه لا يمكن الحفاظ على حق المحيي وصاحب الارض؛ وذلك لان الرواية التي تفترض انحفاظ هذا الحق معارضة، ولا سبيل الى ترجيحها وتقديمها، فتتساقطان ويرجع الى العمومات الموجودة في الباب.
وتقدم ان مقتضى العمومات ان الاراضي الموات من الانفال وبيد الامام، كما ان مقتضى العمومات الاخرى ان كل من يتصدى لاحيائها فهو اولى بها.

وثالثا - انه لا يوجد الا ثلاث روايات يستفاد منها بقاء حق صاحب الارض بعد خرابها، وان على المحيي الجديد دفعه اليه.
وقد تقدمت المناقشة في سند هذه الروايات؛ فان سند رواية سليمان بن خالد مبتلى باشكالات اربعة، كما ان رواية الحلبي التي رواها صاحب المستدرك والمنقولة عن نوادر احمد بن محمد بن عيسى مضمرة ومرسلة، وكذا صحيحة الحلبي الواردة في باب المزارعة - والتي هي اهم الروايات في المقام - ضعيفة الاسناد؛ لضعف طريق الشيخ الى الحسين بن سعيد، مضافا الى انكار مضمونها وعدم امكان الالتزام به، ولعله لذلك تركها الفقهاء ولم يتمسكوابها.

ورابعا - ان صحيحة الحلبي لم يرد فيها ان على المحيي الفعلي للارض ان يدفع الارض او اجرتها الى صاحبها الاول،بل الوارد فيها انه يجب عليه ان يرد عليه حقه. واحتمال ان يراد به ما اجراه من عمل او بناء على الارض قوي جدا؛فان من الطبيعي ان يقوم المالك للارض الزراعية مدة ببعض الاعمال فيها، كشق الانهار، وتنقية الارض وتعديلها، وقلع الاشجار الكبيرة والضارة، وانشاء بعض الابنية النافعة، وكل ذلك قد كان منه بشكل جائزومشروع، فلا يذهب حقه في مثل هذه الامور ببوار الارض وان زال حقه من رقبة الارض.
والذي يظهر انه لو اخذنا بصحيحة الحلبي ورواية سليمان بن خالد فانه لا يستفاد منهما غير هذا المعنى؛ لانه لو كان المراد منهما ان المالك السابق يملك الارض حتى بعد خراب الارض لكان التعبير فيهما هكذا: «ان على المحيي الثاني ارجاع الارض، وليس له ان يحيي الارض من غير اذنه»، في حين انه لم يرد فيهما مثل هذاالتعبير.
وان كان المراد منهما ان الارض على ملكية السابق وللمحيي الانتفاع بها وعليه دفع اجرتها، لكان التعبير: «فليؤد اليه اجرتها».
هذا مضافا الى ان هذا المعنى لا يتنافى وبقاء الملكية وحق الاولوية، وعليه فلابد من الاذعان بان المراد بروايتي سليمان والحلبي هو لزوم ان يدفع الى صاحب الارض حقه فيما اجراه من عمل وآثار على الارض، وهذا معنى لا يمكن انكاره.
ولئن تنزلنا وقلنا بان هذا الحق مجمل - كما هو الظاهر - فانه لا يمكن ايضا التمسك بهذين الحديثين لاثبات بقاء حق الملكية والاولوية لصاحب الارض.

وخامسا - انه قد روى في الوسائل((89)) حديثين دالين على ان من ملك ارضا وعطلها ثلاث سنين زال عنها حقه، وليس له المطالبة بها، وان كان الوارد في احدهما انه لو عطلها ثلاثا متوالية من دون علة فليس له فيها حق، وفي ذيله: انه لو لم يطالب بحقه فيها عشرة اعوام لم يكن له فيها حق ايضا.