ولكن المستفاد منهما سقوط حق المطالبة بالارض لو افضى
التعطيل والترك الى الخراب. وسادسا - ان الكلام السابق يبتني بتمامه على القول بان الحيازة والاحياء سببان مملكان، فيلاحظ - بناء على ذلك -صحة كلا الرايين السابقين ومبناهما.
واما بناء على عدم سببية الاحياء والحيازة للملكية - كما هو
مختارنا والراي الصحيح عندنا، وهو صريح صحيحة ابي خالد
الكابلي - فلا داعي حينئذ للنزاع السابق بطوله؛ فانه لو كان
الاحياء لا يوجب الا حق الاولوية دون الملكية لرقبة الارض فان
مقتضى القاعدة - كما هو واضح - ان المالك الاول لو عطل
الارض واعادها الى حالتها الاولى زال حقه عنها،ودفع الارض
الى من يقوم باحيائها واعمارها، كما ورد ذلك في ذيل رواية
معاوية بن وهب: «فان الارض لله ولمن عمرها»((90))؛ فان من
الطبيعي ان الارض لو كانت لله تعالى والرسول(ص) والائمة
الطاهرين(ع) ثم اذنوا بالانتفاع والتصرف بنحو يكون الاحياء
سببا لثبوت حق الاولوية للمحيي، فانه لو عطلها حتى خربت
فسيزول السبب في حق الاولوية وجواز الانتفاع بها، فيزول
بتبعه المسبب الذي هو عبارة عن حق الاولوية؛ فان رفع كل
مسبب انما برفع سببه.
ان قيل: ان هذا الاستدلال غير مختص بهذا الراي، بل هو شامل
للقول بالملكية ايضا، مع انه على فرض الملكية لا يمكن التفوه
بمثل هذا الكلام، وعليه فلا يمكن التمسك به وجريانه في هذا
الفرض ايضا.
فانه يقال: ان هذا الكلام بنفسه ناتي به في فرض حصول
الملكية، ولكن فيما لو لم يكن هناك دليل - الا باسباب خاصة -
على عدم زوال الملكية.
ولكن لما كان الدليل على ذلك متوفرا، فانه لا يمكن التمسك
حينئذ بالاستدلال المذكور.
ان قيل - ايضا -: انه يلزم من الاستدلال الاخير القول بالتفصيل
بين الموارد التي يملك فيها المالك الاول الارض بالاحياء،
وبين الموارد التي يتملكها بغير الاحياء؛ اذ لا شك في حصول
الملكية في الصورة الثانية، وهذا الاستدلال يختص بحال غير
التملك، مع ان المدعى زوال حق المالك السابق للارض
مطلقا.
فانه يمكن الجواب عنه:
أولا - ان جميع الاراضي التي بايدينا هي اما مملوكة بالحيازة او
بالاحياء، واذا كانت الان تنقل بغير هذين السببين فهوفي
الحقيقة نقل للحق المشابه لحق «السرقفلية» لا لعين الرقبة.
وحكم الاراضي التي من هذا القبيل كحكم الاراضي
المحياة التي في يد صاحبها الاول، ومن النادر جدا الا تكون
ارض من هذا القبيل ومع ذلك تكون بايدينا الان.
وثانيا - انه على فرض وجود مثل هذه الاراضي الموات بالعارض
وكونها غير مسبوقة بواحد من هذين السببين فان الدليل
المذكور لا يشملها، كما اذا لم تكن الادل ة السابقة شاملة لها
فانا نقول في مثل هذه الحالات ببقاء مالكية صاحب الارض،
وليس لاحد الحق في احيائها الا باذنه، كما لا يخفى.
الخلاصة: اتضح جليا من جميع ما تقدم من بحث وتحقيق ان
بوار الارض الموات بالعارض - سواء كانت مسبوقة بملكية غير
ملكية الامام(ع) او لم تكن - يقتضي دخولها في الانفال، وان
كانت لو لم تكن مسبوقة بملك شخصي فلا بحث حينئذ؛ اذ انها
قبل ان تبور كانت من الانفال، وهي الان كذلك ايضا. وعلم مما تقدم ايضا ان ائمتنا(ع) قد اذنوا باحياء الانفال وحيازتها؛ ولذا لو تصدى شخص لاحياء الارض الموات كان له حق الاختصاص بها، ولم يكن لاحد مزاحمته فيها الا الامام العادل، لا سيما بناء على نظرية ولاية الفقيه؛ فان للحاكم الاسلامي الجامع للشرائط ان يقرر بشان هذه الاراضي على ضوء المصالح العامة للمجتمع الاسلامي، كما ان له ايضااتخاذ القرار المناسب والعادل بشان الاراضي الموات بالاصل التي يتصدى المحيي لاحيائها ولا يهملها، وان كان للمحيي حق الاختصاص والاولوية قبال ما قام به من حيازة او احياء، الا ان لامام المسلمين - فيما لو كانت مصلحة اجتماعية اهم - ان يلغي تلك المعاملة الجعلية ويتصرف على وفق ما تقتضيه المصلحة العامة؛ وذلك باعتبار ان هذه الارض من الانفال، وهي بيد الحكومة الاسلامية وليست ملكا شخصيا للامام المعصوم(ع) ليمنع الحاكم الاسلامي من التصرف فيها،بل هي ملك للمنصب، فيحق للحاكم ان يتصرف في اموال الحكومة بما تقتضيه الحاجة والمصلحة، والا كيف تتاتى له ادارة المجتمع الاسلامي؟! اشكال مهم: والجواب عليه واضح؛ وذلك: أولا - ان اكثر اخبار التحليل ضعيفة من حيث السند. وثانيا - ان التوقيت في بعضها بزمان ظهور الامام(ع) ليس بمعنى تحديد الغاية في ذلك، بل هي لافادة هذا المعنى؛وهو ان الظالمين مستمرون في غمط حقوق اتباع اهل البيت(ع) الى ذلك الوقت، فاذا كان ذلك الزمان انقطع حبل الظلم آنذاك. وثالثا - ان جعل التحليل مغيى بظهوره(ع) باعتبار ان الظهور هو السبب الوحيد الذي يمكن ان تقوم فيه حكومة العدل الالهي، واما الفترة السابقة على ذلك فان المسلمين يعيشون فيها تحت وطاة الظلم الا في بقعة او اثنتين من بقاع العالم حيث يقوم فيها الحكم الاسلامي. والوارد في هذه الروايات هو حكم كلي عام لجميع البشرية، فلو قام شخص من اتباع الامام(ع) باقامة الحكم الاسلامي والتصدي لامر الحكومة على ضوء الكتاب والسنة فليس من ترديد في ان له ان يقررطبقا للمصلحة العامة بشان الذي جعله الائمة(ع). هذا فضلا عن نفس المحلل او وكيله اذا اراد استرداد الشيء الذي اذن فيه واحله، كما هو الامر في سائر موارد التحليل الاخرى.
وعليه، فان جعل التحليل مغيى بظهور الامام انما لاجل: أولا:
كونه بلحاظ اكثر الدول الموجودة، وثانيا: ان هذا التحليل مشرع
مع عدم الاخذ بنظر الاعتبار تدخل الامام اللاحق، ويمكن ان
يعبر عنه بالحكم الولائي، فالامام عندما حلل ذلك فانه قد اجاز
من جهته لشيعته التصرف والانتفاع بذلك، ويستمر هذا
التحليل - اذا ارتاى الامام اللاحق استمراره - الى ظهورالامام(ع)،
ويمكن للامام عند ظهوره ان يقرهم عليها، واذا كان هذا هو
المعنى المقصود فان من الطبيعي ان يكون للامام السابق ايقاف
ذلك التحليل؛ لان استمراره منوط بنظره، فدقق. ورابعا - انه لا يبعد ان يراد ب -«القائم» في هذه الروايات هو كل شخص يقوم ويتصدى لتشكيل الحكومة الاسلامية؛فان من المعقول تصور هذا المعنى في مثل هذا الشخص واطلاق لفظ «القائم» او «قائمنا» عليه اذا افترضنا قيامه بامرالحكم على ضوء احكام اهل البيت(ع)، فيصح عليه مثل هذا الاطلاق.
ولئن اطلق في روايات اهل البيت(ع) لفظ «القائم» على الامام
المهدي(ع)، الا انه لا يقطع بان مرادهم ذلك في
جميع الموارد. والشاهد على ذلك ان الامام الصادق(ع) لو كان
مراده من لفظ القائم هو الامام المهدي(ع)لكان
لازمه ان الامام(ع) قد حد د صلاحيات جميع الائمة من بعده،
ومن الواضح ان ذلك لا يصدر عنه(ع)، فلابد ان يكون
مراده حينئذ من لفظ «القائم» او «قائمنا» هو الامام الجامع
للشرائط الذي يكون وجوده ضرورة للمجتمع في كل
عصروزمان. الارض العامرة بالعارض
قسم الفقهاء الارض باعتبار العمران والبوار وما كان منه بالاصل او بالعارض الى
اربعة اقسام:
1 - الارض الموات بالاصل والذات.
وقد بحثنا الاقسام الثلاثة المتقدمة بشكل مفصل، واوضحنا
الحكم فيها بشكل جلي. واما البحث في حكم هذا القسم
فانه يتضح مما تقدم بحثه وبيانه هناك، سيما في القسم الاول
من الارض حيث ذكرنا فيه ان من احيا ارضا مواتا بالذات فان له
حق الاولوية في ذلك، وواضح ان الارض العامرة بسبب الاحياء
هي العامرة بالعارض، وحكم العامرة بالعارض انها لو كانت مواتا
بالذات ثم عمرت بنفسها كانت محكومة بالحكم السابق،
وبالمل فهي من الانفال وتحت تصرف الامام،ومجرد العمران
الحاصل بالعوامل الطبيعية لا يخرجها عن ملكية الامام(ع)، فلا
شك في دخولها في عمومات واطلاقات باب الانفال.
واما اذا كانت الموات بالذات قد تم اعمارها بتوسط المحيي،
فان حكمها حكم القسم الثالث الذي تقدم بيانه
مفصلا، وحاصله: ان المشهور عند الفقهاء هو بقاء حق صاحبها
الاول، ويجب على المحيي الفعلي ان يسلمه اليه. وقد كان
راينا في المسالة ان بوار الارض يذهب بحق المالك السابق،
ويحق لكل احد ان يقوم بعمارة هذه الارض.
واذا كانت العامرة بالعارض مواتا بالذات سابقا ثم قام شخص
باحيائها، فان حكمها حكم القسم الاول من الارض الذي تقدم
بيانه مستوعبا، وهو: ان المحيي يثبت له حق الاولوية. وقد
ذهب المشهور الى ثبوت حق الملكية له، واثبتنا بشكل مفصل
عدم وجود ادلة وقرائن تثبت حق الاولوية والاختصاص بهذا
الاحياء لا غير، فضلا عن عدم وجود دليل على ذلك. وعليه
فليس للقسم الرابع حكم خاص به ليكون محلا للبحث، ولا
يكون ما نذكره فيه هنا الا تكرارا لاحكام الاقسام الثلاثة
المتقدمة.
وقد علم مما تقدم بحثه بشكل مفصل ان ثمة نظريات عديدة
في مسالة الارض العامرة والموات لا فائدة من التعرض لها فضلا
عن الالتزام بها والموافقة عليها؛ لان المتبع في علم الفقه - بل
في المسائل كافة - هو الدليل دون الشهرة وما شابهها مما اضحى
عدم دليليته من مسلمات الفقه.
وقد تقدم ان جميع الاراضي - الا القليل مما هو غير داخل في
محل الابتلاء - من الانفال، وهي تحت تصرف الحكومة الاسلامية
والامام الجامع للشرائط، ولا تدخل في ملك احد؛ ومن هنا فانه
يمكن ان يفتى بعدم ملكية الارض في الفقه ملكا شخصيا، بل
هي ملك لمنصب الامامة وتحت تصرف الولي الجامع للشرائط يصرفها في مصالح الاسلام والمجتمع الاسلامي، وان كان
المستفاد من نصوص الاحياء والحيازة جواز اعمار الارض
والانتفاع بهاالا انه لا يستفادمنها تحقق الملكية الشخصية
بالاحياء والحيازة، بل غاية ما يستفاد منها ثبوت حق الانتفاع بها
لهم بعد احيائها، وليس لاحد مزاحمته ومضايقته فيها. ولكن
من الواضح ان هذه الارض لما كانت ملكا لمقام الامامة وتشكل
جزءا هاما من ميزانية الدولة، فان الاذن الصادر باحيائها من قبل
بعض الائمة(ع) هو اذن مؤقت، الا ان يغض الامام اللاحق عن
حقه وياذن بذلك ايضا. والنكتة الجديرة بالذكر ان ميزانية
الدولة انما هي لادارة المجتمع؛ ولذا فانه لو قام بعض
الناس باحياء بعض الاراضي والانتفاع بها لامرارمعاشهم بها بناء
على اذن الائمة(ع) في ذلك، فليس من العدالة
حينئذ انتزاعها منهم من قبل الامام، وليس له الحق في ذلك،
الا ان تكون في ايديهم اراض شاسعة تزيد على ما يلزم من
معاشهم وحاجتهم، فيكون سلبها منهم من العدل الذي على
الامام الالتزام والعمل به وتوظيف الزائد منها في
مصالح المسلمين.كما ان له ايضا انتزاعها لو شخص ان بقاء
الاراضي بيد بعض الافراد موجب لاختلال النظام والاضرار
باجهزة الدولة.
والمتلخص: ان معنى كون الانفال بيد الولي ليس هو ان يعمل
فيها ما يشاء، بل لابد له ان ينفق هذه الثروة وما شاكلهامن
الثروات في صالح المجتمع الاسلامي على غرار ما كان يعمل
به الامام امير المؤمنين(ع)، وان كان ذلك ليس بالسهل لغير
المعصوم، ولكنه ممكن التحقق، فيجب السعي لذلك بمقدور
الوسع البشري لبسط العدالة. أراضي الفيء والخراج والمفتوحة عنوة
بحثنا فيما سبق بنحو مستوعب وعميق حكم الاراضي التي
تقع محلا للابتلاء، ولكن يوجد في الفقه الاسلامي ثلاثة اقسام
اخرى للاراضي، هي:
1 - الاراضي المفتوحة عنوة. أ ولا - الاراضي المفتوحة عنوة:
وهذه الرواية - كما قيل - هي اهم الروايات في الباب، الا انه يمكن
ان يلاحظ عليها: بان السؤال فيها هو عن ارض السواد، وهذا
يتوقف على ان يكون المراد بها هو الماخوذ في قتال الكفار
بالعنوة، وهذا وان كان ينطبق على بعض اراضي العراق
المشهورة بارض السواد، ولكن الامر بحاجة الى دليل معتبر
يدل على ذلك. وعليه فالافضل هو التمسك بما ورد في ابواب
الجهاد، وهو حديث معتبر، حيث ورد فيه: «... وما اخذ بالسيف
فذلك للامام، يقبله بالذي يرى»((92)).
وقد ورد في مضمونه ايضا من نفس الباب الحديث الاول، وان
كان في طريقه احمد بن اشيم، وهو مجهول. ومن هنافانه لا
بحث حينئذ في كون الاراضي المفتوحة عنوة هي من غنائم
الحرب التي يجب دفع خمسها للامام، وما بقي منها لايملكه
المسلمون، وان كان ظاهر آية الخمس يدل على خلافه، الا انها
مخصصة بالروايات الصحيحة التي منها صحيحة البزنطي. بل
يمكن ان يقال: بان قوله تعالى: (ما غنمتم) غير شامل للاراضي
ونحوها، وعلى فرض استفادة العموم منهافانه يجب تخصيصها
والالتزام بان هذه الاراضي هي تحت نظر الامام يتصرف فيها
بحسب ما تقتضيه مصلحة المسلمين. والظاهر ان حكمها هو
ذلك سواء كان القتال باذن الامام او لم يكن. وليس ثمة دليل
معتبر على انه لو لم يكن باذنه فان جميع ما يغنمه المسلمون -
فضلا عن الارض - هو للامام.
والذي نراه انه بعد ان ثبت فيما تقدم من البحث في الاقسام
السابقة - من ان جميع الاراضي هي ملك للائمة(ع)، بل
ان الدنيا والاخرة هي لهم وان الاراضي هي تحت تصرف الدولة
الاسلامية - فلا حاجة حينئذ لمثل هذه الروايات؛ لان
الذي حصل عن طريقها ليس هو الا رجوع الانفال وقسم من
ميزانية منصب الامامة الى موضعها الاصلي ؛ فلابد ان
تكون هذه الاراضي تحت اختيار الامام وتصرفه ليصرفها في
مصالح المسلمين، وصحيحة الحلبي التي تجعل هذه
الاراضي ملكا للمسلمين ناظرة الى هذا المعنى ايضا.
وهنا عدة نكات:
2 - هل ان الحكم المذكور للاراضي المفتوحة عنوة مطلق، او انه
خاص بصورة ما لو كان القتال باذن الامام(ع)؟ فقدذهب
المشهور الى التقييد وان القتال لو كان بغير اذنه فما يغنمه
المقاتلون هو للامام بما فيها الاراضي. والذي يظهر انه توجد
روايتان فقط على ذلك: احداهما: مرسلة الوراق، وقد ورد فيها: «اذا غزا قوم بغير اذن الامام فغنموا، كانت الغنيمة كلها للامام»((93)). وهي مضافا الى كونها مرسلة لا اعتبار لها؛ فان راوي الرواية وهو الوراق مجهول؛ فلا اعتبار اذا لهذه الرواية اصلا،وعلى فرض حجيتها فانها لا تثبت ان الارض المفتوحة عنوة ملك للامام؛ وذلك: وثانيا - انه يحتمل ان يراد من قوله(ع): «للامام» منصبه، كما هو الامر في الانفال والاراضي الموات. والثانية: رواية معاوية بن وهب المعبر عنها بالصحيحة، ولكن في سندها ابراهيم بن هاشم؛ ولذا يمكن التعبير عنهابالحسنة تسامحا . وقد ورد فيها: «ان قاتلوا مع امير امره الامام عليهم اخرج منها الخمس... وان لم يكونوا قاتلوا عليهاالمشركين كان كل ما غنموا للامام»((94)). ولا اشكال في سندها، ولكنها غير واضحة الدلالة على المطلوب؛ وذلك: 3 - هل يشترط في دخول الارض المفتوحة عنوة في ملك المسلمين جميعا ان تكون عامرة حال الفتح وفي ملك الكفار،او ان الحكم مطلق وشامل لجميع الاراضي التي في بلاد الكفار؟
قد يقال: ان اطلاق «ما اخذ بالسيف» شامل لجميع الاراضي، فلا
يشترط فيها ملكية الكفار لها ولا كونها عامرة؛فالاراضي
الموات في بلادهم مشمولة لادلة الاراضي المفتوحة عنوة،
فصرف الغلبة عليهم يخرج ما في ايديهم من الارض الى ملكية
المقاتلين عليها.
الا ان هذا الراي غير تام في نظرنا؛ فان مما لا شك فيه ان
اطلاق روايات احياء الموات شامل لجميع الاراضي الموات التي
لا مالك لها، سواء الواقع منها في بلاد الاسلام او بلاد الكفر.
وعليه، فالارض الموات التي في بلاد الكفر ليست ملكا لهم
حتى تدخل في ملك المسلمين، بل هي ملك لمنصب
الامامة،فترجع اليه بغلبة المسلمين على الكفار، فلا محالة يقع
التعارض بين اطلاق روايات باب احياء الموات وبين اطلاق
روايات الاراضي المفتوحة عنوة؛ لان روايات الاراضي
المفتوحة عنوة تدل على ان جميع ما يغنم من الكفار او يقاتل
عليه بالقوة هو للمسلمين، ومن الواضح ان الارض العامرة وغير
المملوكة، او الموات، ليست ملكا للكفار حتى تغنم منهم
اوتملك منهم بالقوة، بل هي ارض الامام وارض الامام لا تغنم
ولا يصدق عليها ما اخذ بالسيف، فهي نظير ارض
المسلم الواقعة في الاراضي المفتوحة فانها لا تغنم. ولا فرق
بين ملك الامام وبين الملك الشخصي لغيره من
الاشخاص،وكلاهما لا ينتقل الى ملك المسلمين بالفتح، فلا
مجال لتوهم المعارضة؛ ومن هنا لابد من الالتزام بان الاراضي
العامرة غير المملوكة والاراضي الموات في بلاد الكفر هي من
اموال الامام ومنصب الامامة، كما ان له الاجام والجبال
والاودية ايضا، فانها ملك من اموال الحكومة الاسلامية. ثانيا - اراضي الفيء والجلاء: الفيء لغة: الرجوع، واطلاق الفيء على ما ياخذه المسلمون من الكفار هو من هذا الباب؛ لكون ما اخذ منهم هوللائمة(ع) وشيعتهم، فيرجع باخذه منهم الى مالكه الاصلي.
وقد ورد في سورة الحشر قوله سبحانه: (وما افاء الله على رسوله
فما اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب...)، والذي يظهر ان
هذه الاية هي السبب في اتفاق معظم الفقهاء على ان الفيء هو
عبارة عما ياخذة المسلمون من مال بدون قتال، سواء
تركه الكفار فرارا وخوفا من المسلمين، او تصالحوا عليه معهم.
والظاهر انه لا ترديد في ان هذه الاموال - سيما الاراضي التي
تؤخذ بهذه الصورة - من الانفال ومما يرتبط بمنصب الامامة
وامام المسلمين، ومستند الفقهاء في ذلك هو الاية الكريمة
وطائفة من الاخبار التي تقدمت الاشارة اليها؛ مثل قوله(ع):
«الانفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، او قوم صولحوا، او
قوم اعطوا بايديهم، وكل ارض خربة وبطون الاودية، فهو لرسول
الله، وهو للامام من بعده يضعه حيث يشاء»((95)).
وورد في حسنة اخرى: «ان الانفال ما كان من ارض لم يكن
فيها هراقة دم او قوم صولحوا واعطوا بايديهم، وما كان من ارض خربة او بطون اودية،
فهذا كله من الفيء، والانفال لله
وللرسول؛ فما كان لله فهو للرسول يضعه حيث يحب»((96)).
وهذه الرواية حسنة من حيث السند كسابقتها، او صحيحة كما
يراها البعض، وهي بيان لحكم ما نحن فيه؛ حيث ذكرالامام
الصادق(ع) فيها ان ما يؤخذ من الارض من دون ان يوجف عليه
بخيل او ركاب او اعطاها اصحابها مصالحة فهي من الانفال، وكذا كل ارض خربة وبطون
الاودية هي من الانفال، وجميع ذلك من الفيء، والانفال هي لله وللرسول.
وورد ايضا في حديث آخر ان مثل هذه هي لله وللرسول وللامام
من بعده((97)). كما ورد هذا المعنى ايضا في عدد من الروايات
الاخرى ايضا، وهي وان كان بعضها ضعيف الاسناد لكن فيها
المعتبرة الدالة بالقدر الكافي على حكم المسالة وموضوعها.
وعليه فالاراضي التي تؤخذ من ايدي الكفار بلا حرب ولا قتال هي من الفيء والانفال؛ سواء تركوها فراراوخوفا، او اعطوها
صلحا، او انجلوا عنها لاي سبب آخر؛ وهي المسماة بارض
الجلاء.فالروايات صريحة في ان حكم اراضي الجلاء والفيء انها من الانفال وحكمها
للامام، وعليه فلما كان حكم ارض الجلاء والفيء وموضوعهما واضحالدينا وروايات اهل البيت(ع) متفقة
على ذلك وكذا فقهاؤهم، فلا داعي للبحث في بعض الجهات
التي يمكن البحث حولهاهنا، ولكن مع ذلك سنتعرض فيما بعد
الى تحقيق اكثر في هذا الموضوع. ثالثا - الاراضي الخراجية: ذكرنا فيما سبق ان ثمة عناوين اخر في الفقه لبعض الاراضي، وفيما يلي نذكرها بشكل مختصر تكميلا لبحثنا عن احكام الاراضي، وهي عبارة عن: «الارض الخراجية» او «ارض الخراج»، وقد يعبر عنها ايضا ب«ارض الجزية».
ومن الواضح ان السبب في هذا الاطلاق باعتبار ان هذه الارض
يتم التعاقد عليها بين متوليها ومن يريد الانتفاع بهاوالعمل
عليها، ويقرر بمقتضى هذا العقد ان يدفع الثاني شيئا من المال
في كل سنة، سواء كان ذلك من نتاجها الذي يسمى لاجل ذلك بالخراج او لم يكن من
نتاجها، كما انها تسمى مقاسمة فيما لو كان مقتضى العقد تسليم شيء من نتاجها من قبل المزارع
عليها الى ولي الامر. ولكن يطلق الخراج على ذلك في كلتا
الصورتين، وتسمى مثل هذه الارض بارض الخراج.
كما انه قد يطلق عليها «ارض الجزية» ايضا؛ اذ ان الغالب انها
تعط ى لاهل الذمة الذين تؤخذ منهم الجزية، فسميت بذلك،
وهذا الاصطلاح ليس واردا في تعابير الفقهاء فحسب، بل قد
ورد بشكل مكرر في الاخبارايضا.
والتامل في موارد اطلاق هذه الاصطلاحات: «ارض الخراج»؛
«ارض الجزية»؛ «ارض اهل الذمة» يدل على ان الائمة(ع)كانوا
يطلقونها على الاراضي المفتوحة عنوة وعلى الاراضي التي
اخذها المسلمون من الكفار مصالحة؛ ومن هنا لابد من الالتزام
بعدم وجود حكم واحد للاراضي الخراجية؛ لانه ان اريد منها
الارض المفتوحة عنوة فان حكمها هو ما تقدم من كونها لجميع
المسلمين، وليس يجوز فيها بيع ولا شراء؛ اذ ادنى ما يشترط
في البيع هو ان يكون ثمة حق اختصاص للبائع بتلك الارض
فينقله لغيره بالبيع، مع ان الارض المفتوحة عنوة لا تختص
باي احد، بل يدفعها امام المسلمين الى من يدفع خراجها او
مقاسمتها له، فيصرفها في مصالح المسلمين العامة. وان اريد
منها ما اخذ من الكفار بغير قتال وبالمصالحة - كاراضي خيبر
التي اخذها النبي(ص) من اليهود وصالحهم عليها - فان هاهنا
حالتين: الاولى: ان يكتب في عقد الصلح - الذي يكتب بين
المسلمين واهل الذمة والذي يحكي في واقعه عن اتفاق وعقد
سابق -ان الارض للمسلمين وتحت تصرف ولي امرهم. والثانية:
الا تؤخذ الارض من اهل الذمة بل ياخذها مالكها، ويكتب
في العقد ان اهل الذمة ملزمون بدفع الجزية.
ومن الواضح خروج
هذه الصورة عن محل الكلام والبحث؛ لان الارض لا تؤخذفي
هذه الحالة من اهل الذمة، بل تعاد الى مالكيها الحقيقيين، ولا
يؤخذ منهم سوى الجزية التي هي عبارة عن نتاج الارض. ولابد
ان يعلم ان هذه الجزية هي الجزية التي يجب دفعها
للمسلمين، وهي غير جزية الرؤوس التي يجب ان يدفعوها عن
انفسهم، فلا تكفي احداهما عن الاخرى كما ورد ذلك في بعض
الاخبار، الا ان يتم ذلك في الاتفاق الحاصل مع امام المسلمين،
فتكون جزية الارض عن جزية الرؤوس ايضا.
فالمهم اذا هو الصورة الاولى، وهي التي تؤخذ بالمصالحة من
كفار اهل الذمة؛ لان الظاهر من كلمات الفقهاء ارادة هذاالقسم
من «الاراضي الخراجية»، بل انه قد صرح به بعضهم ثم ذكر بان
ارض الخراج هي لجميع المسلمين، ولابد ان تصرف منافعها
في مصالح المسلمين العامة((98))، وان كان مقتضى القاعدة
هو ان يصطلح على القسم الثاني ارض الجزية.
والظاهر ان المستند في هذه الفتوى رواية ابي بردة قال: قلت
لابي عبدالله(ع): كيف ترى في شراء ارض الخراج؟ قال:«ومن
يبيع ذلك؟! هي ارض المسلمين». قال: قلت: يبيعها الذي هي
في يده. قال: «ويصنع بخراج المسلمين ماذا؟» ثم قال: «لاباس
اشترى حقه منها، ويحول حق المسلمين عليه، ولعله يكون
اقوى عليها، واملى بخراجهم منه»((99)).
وهي صريحة في ان ارض الخراج للمسلمين وغير قابلة للنقل
بالبيع. وعليه فانه يمكن اعتبار هذه الرواية وغيرهامستندا
للحكم المذكور.
ولكن هذا الاستدلال غير صحيح؛ وذلك اولا: لضعف الرواية
سندا؛ فان ابا بردة مجهول، وثانيا: ان سؤال ابي بردة بن رجا قد
وقع عن ارض الخراج، وقد تقدم انها تطلق على الارض
المفتوحة عنوة ايضا؛ لان الامام يقرها غالبا في ايدي من كان
يعمل عليها سابقا، وياخذ منهم الخراج والمقاسمة ليصرفها في
مصالح النظام الاسلامي، وعليه فان من المحتمل ان يراد بارض
الخراج في رواية ابي بردة الارض المفتوحة عنوة.
ولكن قد يقال: بان المراد لو كان هي المفتوحة عنوة لما نهى
الامام عن بيعها وشرائها؛ لان من الجائز في هذه الارض ان يباع
حق الاختصاص فيها. الا ان هذا الاشكال واضح الضعف؛ لان حق الاختصاص هو في اراضي الانفال بناء على عدم حصول الملكية لها، كماان الامام(ع) في هذه الرواية قد اجاز شراء حق البائع، ولكنه لم يمنع عن بيع الارض في مورد السؤال مطلقا.وعليه فاحتمال ارادة الارض المفتوحة عنوة من الارض الخراجية قائم، فلا يستفاد منها حينئذ حكم الارض المصالح عليها،فما هو اذا حكم الارض الماخوذة بالمصالحة؟ وقد تقدم بشكل مستوعب ان الاراضي المفتوحة عنوة هي للمسلمين ولايمكن ان تباع، الا ان يراد بيع حق البائع باعتبار انه من آحاد المسلمين وله حق في هذه الارض بالنحو الذي تقدم بيانه سابقا، او انه يراد بالشراء وصول المشتري الى حقه فيها - كما هو الاحتمال الثاني في رواية ابي بردة وصريح رواية ابراهيم بن زياد في الباب (71) من كتاب الجهاد - وان كان هذا ليس بيعا وشراء حقيقة؛ ولذا فاننا فسرنا رواية ابي بردة بالمعنى الاول، فلابد اذا من ملاحظة ان الارض الماخوذة من الكفار صلحا هل تدخل في ملك المسلمين جميعا كماذهب الى ذلك مشهور الفقهاء، او ان لها حكم الانفال؟
ذكر بعض الفقهاء ان الارض التي يصالح عليها قسمان؛ الاول:
ان يقر الكفار على ما في ايديهم من الارض شريطة ان يدفعوا
طسقها للمسلمين، والثاني: ان تكون الارض للمسلمين،
ويدفع الكفار الجزية عنها. ويطلق على الاول «ارض الجزية»،
وهذه يجوز فيها البيع بلا اشكال، ويطلق على الثاني «ارض
الخراج»، وهي غير قابلة للبيع والشراء كما هي الارض المفتوحة
عنوة.
وقد تقدم ان الارض التي يتم الاتفاق على اقرارها بيد الكفار
خارجة عن محل البحث؛ لانها لهم بحسب مقتضى عقدالصلح؛
فلهم حق التصرف فيها باي نحو ارادوا، ولكن ينبغي الا يكون
تصرفهم منافيا لما تعاقدوا عليه مع المسلمين،فمثلا لو باع
احدهم قطعة من الارض فلابد ان يكون ما يبيعه هو حقه في
الاختصاص، ولازم ذلك ان تكون الجزية والطسق في ذمة
المشتري.
والنكتة الاخرى الجديرة بالذكر - والتي اشرنا اليها سابقا - ان
هذه الجزية التي تؤخذ بعنوان طسق الارض من اهل الذمة هي
غير الجزية التي تؤخذ عن الرؤوس، ولا تغني احداهما عن
الاخرى، وقد وقع الخلطبينهما من قبل صاحب مفتاح الكرامة،
الا ان يقصد ان ذلك يتم بموافقة امام المسلمين.
وخلاصة القول في هذا القسم: هو ان يلتزم اهل الذمة في هذه
الاراضي بالعقد الذي يبرمونه مع المسلمين، وعلى اي حال
فالظاهر انه ليس بامكانهم بيع رقبة الارض؛ لان مثل هذا البيع
يعتبر منافيا لعقد الجزية، وعلى ذلك فانه يجب حمل ما ورد في
بعض الاخبار من البيع والشراء على معنى للبيع بحيث لا
يتنافى وحق المسلمين.
واما القسم الثاني الذي يصطلح عليه «ارض الخراج» و «ارض
الصلح» فمشهور الفقهاء على ان مثل هذه الارض
هي كالمفتوحة عنوة، فهي لجميع المسلمين، وليس لاحد حق
في بيعها. وقد اشرنا الى ان مستند هذه الفتوى يمكن ان
يكون رواية ابي بردة بن رجا؛ حيث ورد فيها ان «ارض الخراج»
للمسلمين، وقد تقدم انها ضعيفة السند، كما انها من
حيث الدلالة يحتمل ان يراد من عبارة «ارض الخراج» الواردة
فيها((100)) الارض المفتوحة عنوة؛ حيث انه يطلق عليها
ارض الخراج ايضا، وعليه فلا يمكن الالتزام براي المشهور
استنادا الى رواية ابي بردة.
والرواية الثانية التي يمكن ان تستند اليها فتوى المشهور هي
رواية محمد ابن شريح عن الامام الصادق(ع) قال: «انماارض
الخراج للمسلمين...»((101)). الا انه لا يمكن الاستدلال بها
ايضا؛ وذلك:
ولا شك لدينا في استفادة المعنى الاول؛ وذلك لما تقدم من الروايات الصحيحة الواردة
في تفسير آية الفيء بذلك، فلابدمن
المصير والالتزام اذا بان ارض الخراج هي من الانفال وهي
للامام لا غير. ما وراء الفقه: البنك وتجاذبات الاجتهاد الاسلامي والاقتصاد الحديث (نقد على رد)
تأليف:
السيد عباس موسويان المدخل:
لقد هيا نشر مقالة «الربا والفائدة البنكية» للدكتور موسى غني
نجاد، الارضية المناسبة لفتح حوار علمي يتعلق هذه المرة
بواحد من الموضوعات الاقتصادية الهامة، فقد ذهب الكاتب
المحترم - بتقديمه نظرية تقوم على التمايز الماهوي بين الربا
والفائدة البنكية - الى القول بان الجهود التي بذلت لتغيير
النظم البنكية في البلدان الاسلامية واستبعاد نظام الفائدة
وتقديم نماذج بديلة عنه، نشات كلها من قراءةٍ رأت في الربا
والفائدة امرا واحدا، وحيث ان هذه المقولة غيرصحيحة فكل
تلك الجهود لم يكن - وليس - لها من معنى او ضرورة.
ان المكانة العلمية التي يحظى بها الكاتب، والميزات المنهجية
العلمية والمنطقية التي تتمتع بها المقالة دفعا بي الى
تدوين مقالة نقدية تحتوي على مجموعة من الملاحظات
والقراءات، وقد صدرت هذه المقالة تحت عنوان «ربوية
الفائدة البنكية».
وقد شعرت من جهة اخرى بفرصة تستحق الاغتنام عندما
ابدى الكاتب المحترم استعداده لمواصلة الحوار مسجلا
في مقالة ثانية حملت عنوان «قراءة في الاصول المعرفية لتمايز
الربا والفائدة البنكية» سلسلة من الملاحظات
العلمية والتحقيقية النقادة على مقالتي الاولى، ومن هنا كتبت
هذه المقالة ترحيبا مني بهذه الدعوة الكريمة.
لكن وقبل الشروع في البحث أرى من المناسب التقديم
بالاشارة الى جملة نقاط: النقطة الاولى: انني اشكر ذاك الادب والتواضع الرفيع في السيد غني نجاد، الذي ورغم مشاغله العلمية الشديدة،خصص وقتا لمطالعة مقالة «ربوية الفائدة البنكية» مطالعة دقيقة، كما وابدى صدرا رحبا بطبعه الكريم ازاء الصراحة التي اتخذها القلم، مشيرا الى حمله اياها على تجنب الكاتب الدخول في القضايا الهامشية. كما اجدني مضطرا الى التعبير عن سعادتي وسروري للاثارة الاكثر عمقا للموضوع، والتي سنحت بالمجال المناسب للدخول في جو حواري اخاذ، وانني لامل الوصول الى النتيجة المنشودة عبر مواصلة هذا البحث ،والتنقيب عن الحقيقة والصواب. النقطة الثانية: تقوم المباحثات السائدة في الاوساط الحوزوية على عرف يقضي بتجنب الاطالة وتكرار الموضوعات،بحيث تعلن القضايا المتفق عليها بشكل صريح، ومن هنا ابدي شكواي من السيد غني نجاد في مقالته الثانية، ففي الوقت الذي يقول فيه: «لقد تعلمت من الاشارات التي ذكرها السيد موسويان حول التاريخ الاقتصادي لصدر الاسلام العديد من النقاط الجذابة والمفيدة والتي يستحق الكاتب المحترم شكرا كبيرا عليها»((102)) لا يشير لا من قريب ولا بعيد الى موافقته على هذه النقاط او لا؟ وهذا الابهام يفرض تكرار بعض الموضوعات الامر الذي التمس العذر عنه سلفا.
النقطة الثالثة: ان الحديث عن حرمة او حلية الفائدة البنكية
يمكن ان يطرح باشكال مختلفة، تختلف فيما بينها من
حيث المنهج الاستدلالي، وكذلك من حيث النتائج الفقهية
المترتبة عليه، والخلط بين هذه الاشكال المتنوعة لا يفضي الا
الى الحيرة والاضطراب بحيث لا تعلم بداية البحث من نهايته. النظريات الممكنة حول الربا والفائدة
من قديم الايام، كانت الحوادث المختلفة تخل ببرنامج حياة
الناس، وتمنعهم من الوصول الى حاجاتهم الحياتية،
كماان التفكير في ادخار الاموال للاى ام العصيبة لم يكن امرا
كافيا، رغم انه كان يساهم الى حد ما في التخفيف من
حجم القلق والاضطراب الذي كان يعيشه الفرد، واستمر
الحال على ذلك الى ان شقت ظاهرة القرض طريقها الى
ساحات العلاقات الاقتصادية للمجتمعات، وتبعا لذلك، صار
بامكان المقترض حل مشكلاته بطور مؤقت عبر توظيف الفائض
على انتاج ومداخيل الاخرين لصالحه، وكذلك الحال على خط
المقرض ايضا، فقد نجح - علاوة على حفظه امواله من
خطرالسرقة والتلف - في نقل مصاريف حفظها الى المقترض
نفسه.
وهكذا استطاع القرض حل مشكلات الطرفين معا، لكنه مع
ذلك بدا يفقد طابعه الخير تحت ضغط نزعة الحرص البشرية،
فقد توصل اصحاب الاموال المدخرة الى نتيجة تقف لصالحهم،
تقضي ان بامكانهم اقراض هذه الاموال مقابل اخذ زيادة على
ذلك باسم «الربا».
وقد ضاعف ظهور النقد - لا سيما منه النقد المعدني القابل
للتلف والذي لا يحتاج الى مصاريف كثيرة لخزنه - من قدرة
المقرضين على المماكسة بحيث صاروا يرفضون اقراض
اموالهم الا بنسب مئوية عالية.
وبمرور الايام ظهرت مجالات جديدة للقرض من خلال
التكامل في اساليب الانتاج، وتبلور مجالات لراس المال الى
جانب طاقات العمل، فقد وجه الزارعون والحرفيون والتجار
انفسهم ناحية مدخري الاموال حينما كانوا يفتقدون راس
المال الكافي لنشاطاتهم الاقتصادية، واستتباعا لذلك تبلورت
القروض الانتاجية والتجارية الى جانب
القروض الاستهلاكية((103)).
وفي حقبة من الزمن البشري، حرم الاسلام الربا، مصنفا
الخائضين في لجاجه محاربين لله ورسوله، معتبرا اياه اخذاي
نوع من الفائدة قبال القرض((104)).
وبوصول العصر الحاضر، اصبحت ظاهرة الاقراض مع الفائدة
اكثر تعقيدا واكتمالا من ناحية الاساليب والطرق، وذلك نتيجة
توسع الحاجات الاستهلاكية والاستثمارية من جهة، ونمو
مدخرات اصحاب رؤوس الاموال من جهة ثانية،وظهور البنك
الحديث وابداع انواع النقود الاعتبارية من جهة ثالثة.
وعلى خط آخر ركز فقهاء الاسلام - الشيعة منهم والسنة - على
التعاقدالقائم بين البنك والعميل، فلاحظوا اقراض البنك مبلغا
له لياخذ بعد مدة نفس المبلغ منه مع زيادة، ولما وجدوا ان
حقيقة هذا التعاقد تحتوي نفس مضمون القرض الربوي حكموا
بربويته، وتعاملوا مع الفائدة البنكية تعاملهم مع الربا، وذلك
دون ان يعتنوا بالموارد التي يؤمن فيها البنك نفسه، او بدوافع
المقترض، او بالاعتبارات البنكية، او بكيفية تبلور قيمة
الفائدة البنكية...
وفي المقابل ومنذ حوالي القرن من الزمن، سعى البعض -
وباشكال مختلفة - للفصل بين الظاهرتين (الربا
والفائدة البنكية)، ليسلبوا حكم الحرمة عن الفائدة، مقدمين -
لتحقيق هدفهم هذا - مجموعة من النظريات اهمها: 1 - التغاير الماهوي بين الربا والفائدة:
الجهد الاخر على هذا الصعيد قام به الدكتور موسى غني نجاد،
فقد اعتقد ان: «ما جرى منعه في الاسلام انما هو الناتج الثابت او
المعين سلفا في المعاملات المالية، الامر المحال وقوعه في
ظل نظام اقتصادي تحكمه قواعد سوق المنافسة،والذي تكون
قيمة الفائدة فيه متغيرة بشكل كلي، بحيث لا يمكن التنبؤ بها
مسبقا على الاطلاق، ذلك ان تحو لاتها تخضع لمجموعة عناصر
غير قابلة بدورها للتنبؤ تحكم حركة السوق كله»((105)).
ومن الواضح ان الباحث الذي يدعي تمايزا ماهويا بين الربا
والفائدة البنكية مطالب بقراءة وتفحص الخواص
الاساسية والذاتية للزيادة الربوية، وتلك الحاصلة في الفائدة،
ليجري مقايسة فيما بينهما، حتى يستطيع في النهاية اثبات
تغايرهما،كما ومن الجلي انه لو نجح في التوصل الى نتيجة
كهذه فستصبح كافة انواع القروض مع الفائدة، الاستهلاكية
منها اوالتجارية او الانتاجية... خارجة عن حكم الربا. 2 - اتساع دائرة استخدام القرض مع الفائدة:
لكن تقدم العلوم البشرية ساهم في خلق مجالات استفادة
عقلائية جديدة للدم، الامر الذي دفع الفقهاء الى التوسع
في حكمه ليجوزوا الاستخدامات العقلائية له، وليصححوا - تبعا
لذلك - عقود البيع او الشراء التي تقع عليه عندما يراد من ذلك
التوصل من خلاله لمقاصد عقلائية.
فهنا، ورغم عدم وجود اي تبدل على صعيد حقيقة الدم
وكيانه، لان الدم هو الدم في كل المجتمعات القديمة
والمتقدمة والمتطورة، لكن تطور العلوم وتنامي التكنولوجيا
اديا الى خلق مجالات استفادة جديدة وجائزة له.
ونفس هذا الامر يمكن تطبيقه على ظاهرة القرض مع الفائدة،
حيث يدعى ان المجتمعات التقليدية المعيشية لا
تعرف الاقتراض الهادف لخلق رؤوس اموال، وذلك
كاقتصاديات القرى والعشائر المكتفية، والتي تنتج علاوة
على حاجاتهاالاستهلاكية ادوات انتاجية بدائية لنفسها، وفي
النهاية ستكون كافة القروض في هذه المجتمعات
استهلاكية معيشتية.
وبناء عليه، فتلك الفائدة او الزيادة التي يدفعها المقترض لن
تنبثق عن القيمة المضافة للنشاطات الاقتصادية، وانما
عن مداخيله الخاصة او ثروته كذلك.
لكن القرض مع الفائدة اكتسب لنفسه ادوارا جديدة اكثر فائدة
واهمية، وذلك بمرور الزمان وتوسع العلاقات
الاقتصادية،وتقسيم العمل، وتخصص الانتاج، وظهور النظام
الاعتباري والبنكي الجديد، ففي عصرنا الحاضر، وفي
ظل النظم البنكية الحديثة، يتم تامين الفائض عن الحاجات
الاستهلاكية للافراد عن طريق الايداعات البنكية، لتحو ل
ببالغ السهولة الى المنتجين، ومن ثم ليضاعف هؤلاء المنتجون -
مستفيدين من مصادر البنك وموارده - من الانتاج والقيمة،
وليعطواالبنك نفسه في فترات زمنية محددة قسما من هذه
القيم الفائضة على شكل فوائد. وبناء عليه، ورغم ان وظيفة البنك تقوم على اعطائه المال ثم اخذه عن زيادة، الامر الذي يصنف على الصعيد الماهوي على انه قرض ربوي، بيد ان تطور العلوم، وتخصصية الانتاج، اديا الى تامين مجالات جديدة ومفيدة للقرض، وبالتالي فلم يعد المقترض ليدفع المبلغ الاضافي (الربا والفائدة) من ثروته الخاصة او دخله الشخصي، وانما من تلك الاضافة الحاصلة في القيمة، وفي النتيجة، لم تعد تلك الاثار السيئة والمقيتة للربا موجودة ابدا. |