واذا ما استطاع باحث ما ان يثبت نتيجة من هذا النوع، فسيكون
قادراعلى اخراج الاستخدامات الجديدة للقرض الربوي عن
الحكم السابق للربا، بيد ان المشتركات ما بين نوعي القرض
ستبقى على ما عليه من الحكم الشرعي.
وكمثال، شرب الخمرة حرام لما فيه من الاسكار، فلو زالت عنه
هذه الخصوصية (الاسكار) اما من تلقاء نفسه او باضافة مواد اليه،
فسوف يرتفع حكم الحرمة الذي كان ثابتا عليه من قبل، وهذا
هو ما يدعى في حالة القرض مع الربا، حيث يقال بان علة
التحريم فيه تكمن فيما يحويه من ظلم واجحاف يفرضهما
المقرض على المقترض، وهو امر لم يعد له من وجود في
ظل التحولات الاقتصادية، وظهور النظام البنكي الحديث،
حيث خلت القروض والاعتبارات البنكية منهما، وعليه فلم يعد
النظام البنكي مشمولا لحكم الحرمة حينئذ.
وفي هذه النظرية، يطالب الباحث:
وفي هذه الصورة، يصبح الباحث قادرا على استنتاج يؤسس
لخروج المعاملات البنكية عن حرمة الربا، عن طريق تطبيق
قاعدة فقهية مسلمة تقضي بان «العلة تعمم وتخصص».
ولاثبات نظرية من هذا النوع يلزم المحقق:
واذا ما ثبتت هاتان المقدمتان، فيمكن حينئذ تطبيق قاعدة
فقهية مسلمة تقول: «الضرورات تبيح المحظورات»،
للخروج بنتيجة مفادها حلية المعاملات البنكية مع حفظ
الحدود والضوابط.
ان الدراسات التي قدمها السيد غني نجاد - على ما فيها من
الفائدة والقيمة على صعيد المحتوى والمضمون - تعاني من
الاضطراب على صعيد المدعى ومنهج البحث والاستدلال،
ففي مقام الاثبات يعمد الدكتور غني نجاد الى البرهنة
على التمايز الماهوي بين الربا والفائدة البنكية، فيقول: «ان الربا
دخل حتمي معين من قبل، فيما تمثل الفائدة قيمة
النقد،حيث تتغير بتغير ميزان العرض والطلب على النقد
نفسه»((106)).
وفي الوقت الذي يلوح فيه بوحدة الظاهرتين، يشير الى
مجالات جديدة لظاهرة الاستقراض، فيقول: «اما اقتصاد
صدرالاسلام، فرغم ان التجارة كانت ذات دور فاعل فيه، لكنه
لم يكن نظاما ينتمي الى اقتصاد السوق، فعلاقات السوق
فيه محدودة بمجال التوزيع (التجارة)، فيما كان مجال الانتاج
فيه مفقودا تماما، ومن ثم كان خارجا عن هذا الاطار راسا.
ومن هنا، انحصر راس المال في تلك الازمنة براس المال
التجاري، اما رؤوس الاموال الانتاجية فلم يكن ممكنا ان
يكون لها موطا قدم في تلك النظم الفكرية»((107)).
كما ويذهب مرة اخرى الى اثبات ان القرض الربوي انما يحرم
لما فيه من سمة الظلم والعدوان، الامر المفقود في عصرنا
الراهن بعد سلسلة من التحولات في العلاقات الاقتصادية، لا
سيما بعد ظهور النظام البنكي الحديث، ويكتب في هذا المجال
فيقول: «ان النظريتين او الاطروحتين اللتين اشار اليهما
السيد موسويان في مقالته الناقدة، هما في الواقع مقدمات
الاستدلال الهادف للوصول الى نتيجة مفادها ان القرض الربوي
اذا كان ظالما، فالنظام البنكي الحديث القائم على الفائدة ليس
كذلك، وانما هو سياسة اقتصادية بالغة الاهمية وعظيمة
الفائدة، تقع في سياق يهدف الى رفع مستوى الرفاهية بين
الناس، كما يهدف الى الحيلولة دون اتلاف مصادر
الثروة»((108)).
كما وفي حالات اخرى، يركز السيد غني نجاد على اثبات
ضرورة وجود البنك القائم على الفائدة، معرضا عن
المباحث المعرفية التي اغرق فيها بحثا، فهو يقول: «للنظام
البنكي القائم على الفائدة دور اقتصادي بالغ الاهمية، واي الغاء
اواقصاء لهذا الدور سوف يجر الى استحالة حساب مصاريف
الانتاج، او التورط في دفع مبالغ غير مناسبة للانتاج،وكذلك
تدني المردود الاقتصادي. وباختصار هدر قسم عظيم من
مصادر راس المال، وفي النهاية انخفاض مستوى الرفاهية في
المجتمع»((109)).
او يقول: «ان النشاط الهام والاساس للنظام البنكي المعتمد
على الايداع، هو توجيه المدخرات الصغيرة والمتوسطة -
التي تشكل رقما ملفتا على صعيد المجتمع ككل - ناحية الانتاج
والاستثمار المنتج، وعليه فالغاء نظام الايداع لا يحرم المودعين
فقط من حقهم في الاختيار المنشود، بل انه - وهذا هو الاهم -
يهدر قسما كبيرا من المصادر النقدية وراس مال المجتمع
ايضا»((110)).
من الممكن ان لا يرضى السيد غني نجاد عن هذا التقسيم
الذي نمارسه، ليرى في كافة استدلالاته ما يثبت
التغايرالماهوي بين الربا والفائدة، لكن - وكما اشرنا من قبل - فان
لكل استدلال فقهي منهجه ونتائجه الخاصة
اللذين يستدعيهما، وبناء عليه فاذا هدف الى اقامة نظريته
الخاصة على اساس فقهي فلابد له من تحديد مدعاه بشكل
دقيق،كما ويفترض به ان يقيم حينئذ الادلة المناسبة وهذا
المدعى متجنبا مجموعة الادلة التي تعمه او تخصه.
نعم، ليس ثمة ضرورة تدفعه الى حصر نفسه في نظرية خاصة،
اذ يمكنه تبني مجموع النظريات الاربع معا بشكل طولي،
وكمثال، يقول: ان الربا والفائدة متغايران ماهية، هذا اولا.
ولو فرض وحدتهما فللفائدة وظائف ومهام معاصرة تغاير تلك
التي كانت للربا وجعلته يتسم بسمات سلبية ثانيا.
ولكي نحافظ على عنصري الامانة والمنهجية في هذا الحوار،
نرى تخصيص بحثنا بالنظرية الاولى للدكتور غني
نجاد،موكلين بقية اطروحاته الى مقالات اخرى.
لكننا اذا لاحظنا استحالة الناتج الثابت والمعين سلفا لراس
المال - نظرا وعملا - في نظام اقتصادي مبتن على
سوق المنافسة فسوف نجد انفسنا متورطين في خطا كبير في
الفهم فرض علينا توحيد موقفنا ازاء الربا والفائدة.
يمكن في النظام الاقتصادي الجديد التمييز بين نوعين من
قيمة الفائدة هماقيمة الفائدة الواقعية والثاني قيمة
الفائدة المسماة((113))، فقيمة الفائدة الواقعية من الناحية
النظرية تبين من جهة الميل النهائي للادخار ومن جهة اخرى
الناتج النهائي لراس المال، اي ان قيمة الفائدة في اقتصاد
السوق ذات وضعية معينة ترجع الى ان الحجم النهائي
للامساك عن الاستهلاك - الميل النهائي للادخار -مساوي للنفع
النهائي الناشئ عن الاستثمار، فقيمة الفائدة كباقي القيم في
النظام السوقي ليست قابلة للتنبؤ سلفا باي وجه من الوجوه
وهي تتغير تبعا للعوامل المؤثرة في السوق والتي لا
يمكن تعيينها من قبل، اما قيمة الفائدة المسماة [: النقدية]
فهي متغيرة تتعين كنقد مسمى من خلال ميزان
العرض والطلب، فمع عرض النقد المسمى من قبل السلطات
النقدية - البنك المركزي او الدولة - تصبح القيمة قابلة للضبط
والتحكم،لكن الاقبال على النقد على اي تقدير متاثر
بالمتغيرات الاقتصادية الواقعية من قبيل ميزان ناتج
الاستثمارات، وليس قابلاللضبط والتحكم من جانب اي
مرجعية سلطوية، وبناء عليه لا يمكن في النظام الاقتصادي
المبني على السوق تعيين حتى قيمة الفائدة المسماة قبل مدة
طويلة، وهذا الكلام لا يناقض الحقيقة القائلة بان السلطات
النقدية والحكومية - وبسياسات النقد والمال - يمكنها في مدة
قصيرة تخفيض قيمة الفائدة في السوق او رفعها، لكن على اية
حال فان هذه المتغيرات الواقعية الاقتصادية تقوم في نهاية
المطاف وعن طريق ميكانيزما السوق بتصحيح الانحرافات عن
القيمة الواقعية.
ولاجل المزيد من اتضاح المطلب يمكن القول بان القيمة
الواقعية للفائدة عبارة - تقريبا - عن القيمة النقدية المسماة
لهابعد تعديلها بمعدل التضخم، وبالرغم من ان اداء فائدة
الودائع في اقتصاد السوق يتم التعهد به ضمن قيمة معينة،
لكن مع الاخذ بعين الاعتبار عدم التعين المسبق لمعدل
التضخم فان تعيين ميزان الفائدة الواقعية من قبل يعد امرا
غيرممكن من الناحية العملية، وعليه ف - «الناتج الثابت او
المعين من قبل» [: الربا] يمكن تصوره فقط في المجتمعات
ذات الاقتصاد المعيشي التقليدي، ذلك ان التغييرات في القيم
النسبية وكذلك في مستوى القيم - حتى في مدة طويلة - امر
لاوجود له اساسا في هذه المجتمعات، وذلك بسبب وقوع
العلاقات التبادلية النقدية على هامش الانشطة الانتاجية
الرئيسية وبط ء التحرك الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك البط ء
الشديد جدا في التحولات الفنية والتكنولوجية، وفي هذه
الظروف فقطيتحد كل من الناتج المسمى والواقعي للنقد،
ويتخذ تعريف الربا لنفسه معنى، اما في النظام الاقتصادي
المبني على السوق والذي تكون فيه القيم نسبية فان الميل
النهائي للادخار والناتج النهائي لراس المال يقعان دائماعرضة
للتغيرات وذلك بسبب تبدل ميول وطبائع المستهلكين
والحركة الشديدة لعوامل الانتاج والتحولات الفنية
والتكنولوجية السريعة،وهو ما يؤدي الى عدم امكانية تحقق
معاملة مالية ذات ناتج ثابت او معين من قبل، ان القيم وكافة
المتغيرات الاقتصادية في الانظمة الاقتصادية الجديدة تمثل
حصيلة نشاط قوى السوق في مرحلة اسبق، وبناء عليه فحتى لو
بلغ معدل التضخم الصفر فليس ثمة ضمانة تحدد كيف ان
المتغيرات الاقتصادية - ومن بينها قيمة الفائدة الواقعية - يمكن
ان تكون معلومة للمستقبل، صحيح انه مع معدل صفر للتضخم
تثبت القدرة الشرائية للنقد بصورة وسطية، بيد انها -ومع الاخذ
بعين الاعتبار نسبية القيم وكذلك الاسباب التي اشرنا اليها آنفا
-في حال تغير لا محالة، والقدرة الشرائية للنقد تخضع هي
الاخرى للتغير عمليا في كل سلعة سلعة، وذلك كله فيما
«الناتج الثابت او المعين سلفا» يستلزم بقاءثبات القدرة الشرائية
للنقد»((114)).
وكما اشير من قبل فلهذه النظرية اركان ثلاثة:
1 - تعريف الربا ب«الناتج الثابت المعين من قبل» وتفسيره
ايضا ب«الدخل القطعي الواقعي المحدد سلفا».
2 - يمكن تحقق الناتج الثابت المعين سلفا فيما لو:
3 - تبقى القيم النسبية ثابتة ولمدد طويلة في المجتمعات
المعيشية القديمة فقط، وذلك بسبب عدم تطور
التكنولوجيا،وعدم تبدل السلائق والطبائع، كما وعدم وجود
تضخم، وهو ما يؤمن ارضية تحقق الربا، اما في الاقتصاديات
الجديدة فان تحقق الربا غير ممكن، وذلك بسبب التضخم
والتغيرات الدائمة في القيم النسبية اثر التطور التكنولوجي
وتبدل السلائق والطبائع. مديات النظرية وعمرها الزمني
وقبل الخوض في دراسة هذه النظرية، ارى من اللازم الاشارة الى انها لو ثبتت فهي لا
تختص بالفائدة البنكية، وانماتشمل مختلف القروض بما فيها القروض التي تحوي فائدة
شخصية ، فعندما يقرض شخص مبلغا يقدر بالف دولارمثلا على فائدة تبلغ العشرين في
المائة ولسنة واحدة، فمن غير المعلوم ابدا ما هو الدخل الحقيقي الذي كان سيجنيه
المقرض خلال هذا العام، وذلك بسبب التضخم والتغيرات المستمرة في القيم النسبية، وفي
نهاية المطاف، لن تكون زيادة من هذا النوع ربا وفق هذه النظرية.
وبناء عليه، فليس ثمة حاجة تفرض حصر نظرية د. غني نجاد
بالفائدة البنكية، بل ان بامكانه اطلاق ادعائه بالتغايرالماهوي
المذكور دون حصر الفائدة بالبنكية منها.
وبهذا يظهر ان بعض الجهود التي بذلها السيد غني نجاد لا
يمكنها ان تساعد على تصحيح نظريته، حتى لو كانت مفيدة في
حد نفسها، ومما يمكن اثارته ضمن نظريات اخرى، وعلى
سبيل المثال: عندما يعالج الدكتور غني نجاد المسارالتاريخي
لظاهرة البنك، ويرى فيها ظاهرة مناقضة لاكل الربالا موازية
لها، ويؤكد على ان النظم البنكية الحديثة تساهم مساهمة
فاعلة في تطور المجتمع عبر اسهامها في صب سيول
المدخرات المتوسطة والصغيرة في مجرى الانتاج... فانه يغفل
عن ان نظريته - حينما يستطيع البنك الحديث التوصل الى
اهدافه، والتي من جملتها العمل على استقرار المستوى العام
للقيم - ستواجه مشكلة حادة، ذلك ان القروض والاعتبارات
البنكية، وكذلك المودعين، سوف ينعمون بدخل واقعي قطعي
محدد سلفا، الامر الذي اعتبره هو نفسه في نظريته تعريفا للربا
عينه.
وبناء عليه، يلزم على الدكتور غني نجاد لكي يحافظ على
تماسك نظريته ادعاء:
وذلك لان السيد غني نجاد يعتقد بان القضية الاساسية اليوم
بالنسبة للمودعين والبنوك ومختلف المؤسسات
الاعتبارية الاخرى التي تهدف الى حفظ ممتلكاتها لمدد زمنية
طويلة على شكل نقد، او ايداع بنكي، او اعتبارات انما هي
التضخم وانخفاض قيمة النقد لا تبدلات القيم النسبية.
وعليه، فاذا ما توفرت شرائط تساعد على كشف حجم التضخم
مسبقا، فان البنوك والمؤسسات الاعتبارية ستقدرحينئذ على
تبديل قيمة الفائدة المسماة بما يتناسب وذلك، وتحديد
الفائدة الواقعية مسبقا الى حد معين، وفي النهاية،سيتحقق
الربا - الذي حصره الدكتور غني نجاد بالمجتمعات التقليدية -
في المجتمعات المعاصرة. ومع الاسف، فان ظروفا من هذا النوع قد اضحت امرا واقعيا، وهنااجد نفسي مضطرا لاخبار الدكتور غني نجاد بمثال يطابق الرسم البياني رقم (1)، فوفقا للاحصاءات الرسمية للبنك المركزي الالماني، تمكنت البنوك والمؤسسات الاعتبارية لهذا البلد من التنبؤ بدقة الى حد ما بتغيرات التضخم،وقد نظموا الفوائد المسماة بشكل يطابق الدخل الواقعي القطعي الثابت (الى حد بعيد).
الرقم (1)
الرقم (2)
اما الرسم البياني رقم (2) فيدل على ان البنوك الالمانية استطاعت - متخذة تدابير
واجراءات متعددة - الحصول على 3% وبشكل متوسط 4.8% من الفائدة الواقعية في عقد
السبعينات من القرن العشرين، لتوصلها في الثمانينات الى 6 و7.8%، اي انها نجحت -
عبر اجرائها سياسات عدة - في رفع متوسط الفائدة الواقعية بمعدل 3%. القراءة المعرفية المنقوصة:
لكن النقل لا يختص بالمعاني الجديدة، فقد يجري استخدام
لفظ في حقبة زمنية خاصة في معنى من المعاني، لكنه -وفي
حقبة اخرى - يتم استعماله في معنى آخر كان له وجود من قبل
ايضا، وهنا ايضا من الممكن ان يبلغ الاستعمال الجديد حدا
يتحقق فيه النقل ويهجر الاستعمال السابق.
واخذا بعين الاعتبار المقدمات السالفة، يثار في الاوساط
الفقهية والاصولية بحث، يحاول ان يقول: بان الله سبحانه
قصدفي القرآن الكريم، وكذلك النبي(ص) والائمة(ع)، مفاهيم
كانت متعقلة بالنسبة لاولئك الذين خاطبتهم الايات
والاحاديث في تلك البرهة من الزمن، ومن هنا يسعى العلماء
للتوصل الى ظهورات الايات والروايات في تلك الاعصار، بل
انهم يتجاوزون ذلك ايضا الى ما هو اكثر دقة منه، وهو محاولة
اكتشاف ظهورات الالفاظ بالنسبة لكل امام امام، ولذلك لانجد
اي فقيه يحمل كلمة «يكره» الواردة الى زمن الصادقين(ع)
على المكروه بمعناه المقابل للحرام اليوم، وانما يرون في المراد
معنى اعم من ذلك، ذلك ان المفهوم الفقهي للمكروه انما
تكون في القرون اللاحقة.
والامر الاكثر جذابية هو، ان الفقهاء يميزون في الروايات بين
تلك التي كان المخاطب فيها انسانا عاديا، وتلك التي تخاطب
علماء وفقهاء و... كما هو الحال في عمليات التمييز التي تمارس
بين النصوص الصادرة عن الائمة الاطهار(ع)ازمنة الحرب،
وتلك التي صدرت في اوضاع وظروف اتسمت بالعادية، ومن
هنا يرى العلماء بان الظروف الحاكمة على المجتمع تترك
بصمات التغيير في ظهورات الالفاظ نفسها.
وهدفنا من هذا الكلام، لفت نظر الدكتور غني نجاد الى ان مبدا
تكون المفاهيم الجديدة، وقانون تفسير النصوص الدينية وفق
مفاهيم متداولة ومعروفة في زمانها، وان عمليات اسقاط
المفاهيم الجديدة على النصوص امريجدر بالجميع اجتنابه...
كل ذلك امر واضح وجلي، وانا شخصيا اوافق عليه واقر به، بل
يقر به اي متفقه لديه اطلالة عابرة على المنهج الفقهي
واساليب الفقاهة.
انما البحث - كل البحث - في مصاديق هذا الموضوع، فقد حاول
الدكتور غني نجاد وبشكل متسرع اقصاء النصوص الدينية
المتصلة بالعلاقات الاجتماعية عن طريق عنصر الجدة في
المفاهيم، مستخدما سلاح الحداثة التي فيها.
ومن هنا يهمني ان اقدم اقتراحا، وهو تركيز بحثنا على اثبات او
نفي حداثة مفاهيم من نوع الفائدة، والمستوى العام للقيم،
والتضخم، والقيم النسبية، وحجم النقد، و... والتي ترتكز عليها
نظرية تمايز الربا والفائدة، بدل الانشغال بكبرى الموضوع والتي
هي امر متفق عليه، ومن ثم يلزمنا تجنب اثارة امثلة لا ربط لها
بجدة وحداثة المفاهيم التي نحتاجهافي موضوعنا من قبيل
الرقية، والثروة زمن ارسطو و...
وانطلاقا من ذلك اعلن وبصراحة، انني موافق تماما على اساس
البحث الذي اثاره الدكتور غني نجاد على الصعيدالمعرفي
وعماده، لكنني ارى الخطا والاشتباه في عملية تطبيق هذا
البعد المعرفي على موضوع الربا والفائدة، واعدهاعملية
منقوصة، ولهذا فانني اعتقد بان الكثير من المفاهيم التي يراها
الدكتور غني نجاد حديثة ليست كذلك، بل ان الايات والروايات
المتعلقة بالربا تنطبق عليها بشكل كامل. اشكاليات النظرية الاشكالية الاولى - تقديم تعريف منقوص عن الربا:
لا شك في ان حوارنا يتركز على ذاك التعريف للربا
الذي اقدم الاسلام على تحريمه قبل الف واربعمائة عام، وصدرت حوله الايات والروايات
الشارحة، وعليه، وحتى نعرف ما هو ذاك الذي حرمه الاسلام، لابد لنا من حرف مسيرتنا
ناحية الايات والروايات وكلام المفسرين والمحدثين والفقهاء، واذا ما فعلنا ذلك،
فسوف نجد ان الجميع متفقون على ان الرباليس الا «اقراض شخص ماله لاخر شارطه عليه
الزيادة على اصل القرض، سواء كانت الزيادة قطعية ثابتة او لا».
ولكي نثبت هذا التعريف، نكتفي بنماذج من الايات والروايات،
وكلمات الفقهاء:
أ - قال تعالى: (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم)((115))، وتبين
هذه الاية - كما يراه المفسرون - شرط التوبة من الربا وهوالاكتفاء
باصل المال المقرض، وان اخذ اي نوع من انواع الزيادة هو
ربا((116)).
ب - لقد جاءت العديد من الروايات عن الائمة المعصومين(ع)
تبين الربا المحرم، وكمثال، ورد عن الامام الصادق(ع): «... واما
الربا الحرام، فهو الرجل يقرض قرضا ويشترط ان يرد عليه اكثر
مما اخذه، فهذا هو الحرام»((117)).
ج - لقد اعتبر الفقهاء المسلمون - كما تحكيه الكتب الفقهية
المتداولة - اي نوع من الزيادة ربا، وكمثال، ما ذكره الامام
الخميني(قدس سره) في «تحرير الوسيلة»: «لا يجوز شرط
الزيادة بان يقرض مالا على ان يؤدي المقترض ازيد
ممااقترضه، سواء اشترطاه صريحا او اضمراه، بحيث وقع القرض
مبنيا عليه، وهذا هو الربا القرضي المحرم الذي وردالتشديد
عليه، ولا فرق في الزيادة بين ان تكون عينية، كعشرة دراهم
باثني عشر او عملا كخياطة ثوب له، او منفعة، اوانتفاعا
كالانتفاع بالعين المرهونة عنده...»((118)).
والملفت للنظر، اطلاق عنوان الربا في بعض النصوص الفقهية
والروائية على امور ذات طبيعة متغيرة، وكمثال: خبراسحاق
بن عمار عن الامام موسى بن جعفر(ع): «قال: سالته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا،
فيعطيه الشيءمن ربحه، مخافة
ان يقطع ذلك عنه، فياخذ ماله من غير ان يكون شرط عليه،
قال: لا باس بذلك (به) ما لم يكن شرطا»((119)).
فطبقا لهذه الرواية، يدفع المقترض احيانا قسما من الربح
للمقرض، اي لا اصل الدفع قطعي ولا مقداره ثابت
ومحددسلفا، ذلك انه من الممكن ان لا يكون قد دفع لمدة
طويلة، ومن جهة اخرى فان الربح ظاهرة متغيرة عادة،
لكن الامام(ع) يشير الى انه ما دام لم يشرط فلا اشكال، ومفهوم
هذا الكلام هو انه لو شرطه لاضحى الموقف ربا.
وفي كلمات الامام الخميني المتقدمة، عدت الاستفادة من
الرهن - وهي غير قطعية ولا قابلة للتنبؤ بها سلفا عادة - من الربا،
وكمثال، عندما يضع المقترض حصانه او سيارته في تصرف
المقرض قبال قرضه، فاذا ما قال له المقرض: انني اقرضك
شريطة ان يكون لي مجال استخدام هذا الحصان او تلك
السيارة كلما احتجت الى ذلك، فان ذلك يعد ربا وفق تعريف
الفقهاء، رغم انه من الممكن ان لا يستفيد المقرض من الحصان
او السيارة اصلا طيلة مدة القرض، وبالتالي فليس امرا معروفا
سلفا، وعلى فرض انه يحصل، فان حجم هذه الاستفادة غير
محدد هو الاخر.
والخلاصة، اذا اراد الدكتور غني نجاد من وراء نظرية التمايز
الماهوي، فصل الفائدة البنكية عن الربا الذي حرمه الاسلام،
فان الربا المنظور اسلامياهو هذا الذي بيناه، اما لو هدف من
نظريته ابداء التغاير بين الفائدة والرباالذي عرفه ارسطو او عالم
الاقتصاد الفلاني او هو نفسه، فلا اشكال لدينا في ذلك،
وبامكانه حينئذ ممارسة عملية التنظير دون ماحرج. اشكالية انخفاض قيمة النقد:
وفقا للتعريف المتقدم للربا يحق للمقرض ان يطالب - فقط -
باصل المبلغ الذي اقرضه، فيما تكون اي زيادة ربا. وهذا التعريف يبدو واضحا على صعيد الاموال الحقيقية، اما على صعيد النقد لا سيما منه النقد الاعتباري الذي يخضع - قيمة - للانخفاض والتنازل، فان سؤالا يشخص امام الباحث يناديه: كيف تكون عملية المطالبة ب - «المثل» اواسترجاعه في مثل هذه الحال؟ وبعبارة اخرى: ثمة مثلان في النقود الاعتبارية، احدهما: المثل المسمى والذي هو عبارة عن العدد او الرقم المطبوع على الاوراق النقدية، وثانيهما: القدرة الشرائية التي ينبئ عنها النقد، فعندما يقرض شخص شخصا آخر، فانه - بعمله هذا - يملك تلك الاوراق النقدية للطرف الاخر، ومن ثم يحق له مطالبته بمثلها، لكن السؤال هو: اي مثل هذا الذي يحق له المطالبة به، المثل العددي والرقمي او المثل على صعيد القدرة الشرائية؟
وفي اطار حل هذا المعضل، قدم الفقهاء جوابين بنيويين يختلفان فيما بينهما في
النتائج: 1 - المبنى العرفي والحقوقي:
وهذا بعينه هو الاساس الحقوقي للمسالة ايضا، ففي كل ارجاء
العالم لواقرض شخص آخر بفائدة او بدونها، او باعه بنسيئة،
واراد المديون تسديد ما عليه في الموعد المحدد لحلول الدين،
فان للدائن الحق في المطالبة بعين هذا المبلغ المسمى الذي
جرى التوافق عليه سلفا، وليس له حق المطالبة بما زاد على
ذلك بحجة التضخم وانخفاض قيمة النقد،وعلى الاساس نفسه
لم يحق للمودع في الحساب الجاري المطالبة بمبلغ زائد على
اصل المال الذي اودعه بحجة انه لم يسحب منه منذ مدة
طويلة وان هناك حالة من التضخم، وحتى في الحساب القصير
الامد والذي يتم تقديم فائدة لصاحبه في البنوك المتعارفة
عالميا، لا يحق المطالبة عدا براس المال المسمى مع الفائدة
التي عينها البنك منذ البداية، حتى لوالغى التضخم - على طول
المدة - هذه الفائدة او تجاوزها. ولهذا السبب، نرى في الكثير من الاحيان، ان المبالغ المخصصة للمودعين في الايداعات القصيرة الامد اقل من الايداعات نفسها على صعيد القدرة الشرائية، الامر الذي يؤدي في واقعه الى تضرر المودعين، ونضع هذا الرسم البياني ليؤكد نسبة الفائدة المتقاضاة لصالح المودعين في الايداعات القصيرة الامد مع حجم التضخم في البنوك الالمانية.
الرقم (3)
وبمقارنة الرسم البياني رقم (3) مع سابقه، يتضح لنا بشكل كامل ان البنوك الالمانية
قامت - وخلال مدة امتدت اثنين وعشرين سنة - بقبض فائدة حقيقية تقدر في السبعينات من
القرن العشرين ب - 3% على الاقل، وفي الحد الوسط 4.8%، وفي فترة الثمانينات قبضت 6%
على الاقل، و 7.8% في المستوى المتوسط... وذلك كله على صعيد الفوائد الاتية من
القروض والاعتبارات البنكية، ثم قامت هذه البنوك بتحويل هذه الارقام - بكسر يبلغ من
1% الى 1.5% - الى المودعين لمدد طويلة والذين قصدوا من وراء ايداعاتهم تحصيل
مداخيل لهم.
اما المودعون لمدد قصيرة فقد خسروا القدرة الشرائية
لنقودهم، والحق بهم الضرر باستثناء السنوات ما بين 1984 م
و1988 م.
اذا، فالاساس العرفي والحقوقي يمثل احد مباني مسالة
انخفاض قيمة النقد، وهو اساس مرعي الاجراء اليوم عالميا
وفي المحاكم القضائية والحقوقية، كما ان اكثر فقهاء الاسلام
يفتون طبقا لهذا الاساس، ونتيجة ذلك الزام المقترض من
غيره او المشتري نسيئة منه بدفع المبلغ المسمى عند حلول
الاجل، دونما حق للدائن او غيره بالمطالبة بالزيادة مع
ذلك بحجة التضخم او غيره.
والجدير ذكره هنا، هو ان القائلين بهذا الاساس العرفي - سواء
منهم الفقهاء او الحقوقيون - لا يتغاضون عن المردودالسلبي
لظواهر التضخم وانخفاض قيمة النقد وتضرر صاحب الحق، بيد
انهم يفسرون ذلك كله على اساس تحولات السوق وتبدل
الاوضاع الاقتصادية، وبالتالي فهذا الضرر يماثل الضرر الواقع
على تاجر يشتري بضاعة فتنخفض قيمتهابعد مضي مدة نتيجة
الظروف الاقتصادية، او انه يخمن قيمة مستقبلية فيقدم على
اساسها بيد انه وفي الموعد المحددتنخفض قيمة السلعة خلافا
لما كان يتصوره.
والخلاصة، هو ان كافة الفقهاء والحقوقيين الاخذين بهذا
المبنى العرفي يفسرون كافة الظواهر على اساس اصل ارتكازي
يسمى باصل «ثبات الدين»، اما الاضرار المرافقة لذلك فياولونها
على اساس تحولات السوق. 2 - المبنى الحقيقي والاقتصادي:
ومن الناحية العملية، لا يحق - وفق هذه الرؤية - للطرفين معا
التوافق على رقم محدد من المال قبل حلول الاجل، بل لابد
لهم من الصبر الى نهاية المدة ليتحققوا من الانخفاض القيمي
الذي حصل في القدرة الشرائية نتيجة التضخم ليضيفوا ما
يعادله على المبلغ المسمى، ومن ثم، ستكون اي زيادة اخرى
بحكم الربا المحرم.
ولا تقف النظريات الفقهية لكبار الفقهاء المسلمين عند حدود
هاتين النظريتين، بل تتعداها الى المزيد من النظريات
التي اجريت شخصيا دراسة تتبعية فيها فوجدتها تبلغ الخمس
عشر نظرية على الاقل، الامر الذي يحيج دراستها
وبحثهاجميعا الى المزيد من التفصيل، وما يهون الخطب هو ان
تلك النظريات تؤول في نتائجها الى هاتين النظريتين او
الى حدوسط ما بينهما.
ومن باب المثال، يرى بعض الفقهاء صح ة النظرية الاولى في
الحالات التي يكون فيها التضخم متعارفا ومحدودا، امافي
حالات التضخم الفاحش (200% - 300%) فهو يتبنى النظرية
الثانية.
ويفكك فريق آخر من الفقهاء بين التضخم المنبثق عن
تحولات حقيقية في الاقتصاد، وذاك الناشئ عن
السياسة الانفلاشية النقدية، ليجيز فقط جبران انخفاض قيمة
النقد حينما يحصل ذلك بسبب السياسات النقدية دون غيرها.
ويفصل فريق ثالث بين الاجل المضروب المتفق عليه، وذاك
الذي حصل فيه تاخير، فيذهب الى عدم ضرورة جبران انخفاض
قيمة النقد حينما يؤدي المديون ما استدانه عند حلول الاجل
المضروب، اما في حالة التاخير فيكون ملزمابتدارك ما حصل
من تفاوت.
اما الفريق الرابع، فيميز بين الاجل القصير الامد كعدة اشهر او
سنة مما يمكن فيه تخمين حجم التضخم المتوقع،والاجل
البعيد الامد او الديون التي لا اجل لها كالمهر، ففي النوع الاول
يلزم المديون بجبر الانخفاض الحاصل في قيمة النقد، اما في
النوع الثاني والثالث فالامر ليس كذلك.
على اية حال - وكما اشرنا في صدر المقالة - فان الغموض الفقهي
للمسالة سبب للدكتور غني نجاد ابهاما وتشويشا،الامر الذي
يمكن للقارئ ملاحظته في مواضع عديدة من مقالتيه، وكمثال
قوله: «ان عالمنا المعاصر اغلبه لو لم يكن جميعه اضحى لا
يعرف عدا النقد الاعتباري، وان النقد العيني قد اصبح امرا
منسوخا، كما صار من الجلي ان النقدالاعتباري يمكن تقييمه
فقط عن طريق تحديد قدرته الشرائية او حساب قيمته النسبية
قبال السلع والخدمات، وعندما يقع التضخم او يحدث تعديل
في القيم النسبية تتغير في الطرف الاخر القدرة الشرائية للنقد
او قيمته، وعليه فاذا كانت القروض تعط ى على شكل بضائع او... - كما كان رائجا في
الازمنة السالفة - فان تحديد المقياس «الشيء
الزائد على اصل القرض» يصبح امرا سهلا، بيد ان المسالة
ستتسم بالتفاوت حينما يتحول القرض الى النقد الاعتباري،
ذلك انه من الممكن ان ياخذ المقرض بحسب الظاهر ما هو ازيد
من اصل القرض دون ان يحوز من الناحية العملية الا على عائد
اقل،اذ من الممكن ان تكون قيمة النقد قد انخفضت نتيجة
التضخم او تغير القيم النسبية»((120)).
ويقول في موضع آخر: «والسؤال هنا هو ان السيد موسويان،
ورغم ختمه مقالته بالاشارة الى الظلم الموجود في العلاقات
الربوية ويبدو - بحسب الظاهر - انه يقر بان فلسفة الاحكام
المتصلة بالربا ليست سوى نفي العلاقات الظالمة بين الناس...
كيف لا يتكلم عن الظلم الذي يمكن ان ينشا عن طريق تصفير
معدل القيمة المسماة؟ فعندما نقترض من شخص مبلغا من
النقد الاعتباري، ومن ثم نعيد اليه نفس المسمى بعد مضي
مدة زمنية تعرضت فيها معدلات القيم للتصاعد، الا نكون قد
مارسنا بحقه نوعا من الظلم؟»((121)).
ولنا اجوبة عديدة على كلمات الدكتور غني نجاد: الجواب الاول: لقد تورط الدكتور - كما في تعريفه للربا - في خطا تمركز حول قراءته لظاهرة القرض الحسن ومكانته في النظام الاقتصادي الاسلامي، ذلك انه تصور بان القرض الخالي من الفائدة (او ما نسميه القرض الحسن) يقوم مقام كافة المعاملات التي تقع في النظام الراسمالي عن طريق القرض مع الفائدة، الامر الذي دفعه - كما اوضحته عبارته السالفة - الى القلق من تولد علائق مجحفة.
لكن القرض الحسن - كما تفيده الروايات الواردة بصدده - يختص
بحاجات جزئية ومرحلية، كما هو الحال في شخص لا يقدر على
تامين احتياجات معيشته، او آخر يعوز للمعالجة والتشافي مبلغا
من المال لا يتسنى له،او مزارع فسدزرعه او لم يثمر في
موعده، او طالب للزواج قصرت املاكه عن الوفاء بمطلبه او... اما
الشؤون العامة كالاستثمار في مجالات الانتاج او التجارة، او بناء
سكن او... فهي حالات خارجة عن مضمون الروايات((122)).
فعلى سبيل المثال، نقرا في خبر عن الامام موسى بن جعفر(ع)
انه يقول: «من طلب الرزق من حله فغلب فليستقرض على الله
عزوجل وعلى رسوله»((123)).
ثمة الكثير من الاشارات المفيدة التي يحتويها هذا النص تحكي
-وبدقة - عن مكانة القرض الحسن في النظام الاقتصادي
الاسلامي، وهي ان على الفرد المسلم السعي لكسب معاشه من
السبل الجائزة شرعا، وعندما يفقد القدرة على الوصول الى
هدفه فعليه ان يستقرض واضعا نصب عينيه املا في ان يفتح
الله تعالى - مستقبلا - امامه سبل الحياة، وعندما يقدم على
عملية الاستقراض بامل كهذا ثم يعجز عن تسديد هذا القرض او
يعاجله الموت قبل سداده،فان ضمانه يكون على الله ورسوله
يلزم الحاكم الاسلامي بدفعه من اموال الزكاة التي يعد هو احد
مصارفها، كل ذلك وفقا لهذه الرواية وغيرها من
الروايات((124)).
ومن هذا المنطلق عينه، نلاحظ في النصوص الاسلامية تاكيدا
على ثواب الاقراض بما يزيد به عن ثواب الانفاق، فقدجاء عن
رسول الله(ص): «رايت مكتوبا على باب الجنة، الصدقة بعشرة
والقرض بثمانية عشر»((125)).
وبناء عليه، فما وصى به الاسلام من القرض الحسن آخذا له
بعين الاعتبارهذا المقدار من الثواب والاجر، يرجع
الى احتياجات معاشية مرحلية يقصد المقرض فيه الخير
باقراضه مبلغا من المال ووضعه تحت تصرف اخيه المؤمن،
وهوقرض غير محدد بزمان ما، فبامكان المقرض مطالبة
صاحبه بالقرض حين يشاء مع توصية خاصة بالصبر
على المقترض الى ان يفتح الله عليه رزقه، وفي مقابلها ارشاد
للمقترض بضرورة تسديد قرضه في اقرب فرصة سانحة.
ووفقا لما تقدم، لا داعي للمخاوف التي اثارها الدكتور غني
نجاد في خصوص القرض الحسن، وذلك: ثانيا: بامكان المقرض استرداد قرضه في كل حالة يشعر فيها بلحوق الضرر له نتيجة ظاهرة التضخم.
اما فيما يعود لتامين راس المال الهادف للقيام بنشاطات
اقتصادية، فرغم ان الاسلام لم يمنع فيه القرض الخالي
عن الفائدة، بيد انه لم يوص بذلك فيه، جاعلا سبيلا آخر
يتناسب مع موضوع الاستثمار يتمثل بعقود من قبيل
الشركة، والمضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والاجارة، والجعالة،
والصلح... وهي عقود لا مجال فيها للتضخم او انخفاض
قيمة النقد، ذلك ان مال الملاك في مثل هذه العقود تتحول
بها تلقائيا - ومنذ البداية - الى سلع حقيقية يتقوم بها راس المال،
وهي سلع تحتفظ بقيمها الحقيقية حتى في ظل اوضاع
التضخم، الامر الذي يخلص اصحاب رؤوس الاموال
وكذلك الناشطين واصحاب المصالح من المشكلات جميعها،
ومن هذه الجهة ترجح كفة الاقتصاد الاسلامي على
النظام الراسمالي مما لا مجال لبحثه هنا، بل يوكل الى
محله((126)). الجواب الثاني: خلافا لتصورات الدكتور غني نجاد، لا تنحصر مشكلات التضخم وانخفاض قيمة النقد وما ينجم عنهمامن ظواهر معضلة... لا تختص بالاسلام ونظام القرض الاسلامي، فاحد طرفي المعاملة اليوم - وفي كل بقاع الدنيا بمافيها البلدان المعترفة بنظام الفائدة - يتضرر من المعاملة الواقعة بينه وبين غيره سواء كانت نقدية او مالية، بين الافراد او المؤسسات، وذلك نتيجة ظواهر التضخم وانخفاض قيم النقود، فيما لم يعثر احد على ما يبدو على مخلص من هذه الاشكالية.
فعلى سبيل المثال ودائع غب الطلب البنكية (مهما فرضنا لها
من حقيقة) يودع اصحاب حسابات غب الطلب اموالهم،ويثبت
لهم الحق - فقط - في الحصول بعد مدة زمنية على المبلغ
المسمى والمطالبة به، واما في حالة الايداعات القصيرة الامد،
فللمالك الحق - فقط - في المطالبة باصل الاموال مع الفائدة
المقررة، والحال ان اكثر الحالات تكون الفائدة المذكورة فيها
اقل من معدل التضخم، وهكذا الحال في بيوع الاقساط
والنسيئة، اذ يحق للبائع اخذ- فقط -المبلغ المسمى في الموعد
المقرر، رغم انه من الممكن حصول تضخم غير متوقع عقيب
العقد او ارتفاع قيم السلع المباعة ارتفاعا ملحوظا، وكذا في
حالة الايداعات الطويلة الامد او القروض البنكية، فرغم تنظيم
قيمة الفائدة فيها على اساس تغطية حجم التضخم المترقب
حصوله، بيد ان الواقع العملي ربما يدفع بالتضخم الى ملامسة
درجة اعلى من ذلك، بحيث يلغي قيمة الفائدة الواقعية، ملحقا
في هذه الحالات كافة ضررا وخسارة.
لكن - وكما اسلفنا من قبل - فان مبدا «ثبات الديون» والانسجام
الحاصل ما بين اساليب العمل في المحاكم المدنية ومراكز
المحاسبات المالية، يلغي اي اهتمام بتلك الخسارات والاضرار
السالفة، لتحسب ناجمة عن التحولات التي تحكم حركة السوق، وهو امر يفترض ان يحظى باعتراف وتبرير اكبر من جانب
اولئك الذين يرون التحولات الاقتصادية خارجة عن ارادات
الافراد بل وحتى الدول من امثال الدكتور غني نجاد، قارئين
في كل الظواهر غير المستساغة -والمنبعثة من تقلبات السوق
بما فيها ظواهر الافلاس - مظهرا من مظاهر العدالة، ذلك انهم
يرون ان: «النظام الاقتصادي الحديث يعتمد - في الحقيقة - مبدا
المنافسة، والمنافسة - شئنا ام ابينا - تضم الفائز وغير الفائز،
وافلاس بعض المواقع المالية الفرعية في المجتمع امر ناجم
عن الاعتراف المسبق بمنطق اقتصاد السوق وقواعد
لعبة المنافسة»((217)). الجواب الثالث: اذا كان الدكتور غني نجاد يهدف من خلال اثاراته - ونتيجة ارتباطه بالاسلام وخوفه عليه - الى عدم لحوق الضرر باولئك الذين يقدمون مبالغ مالية محدودة لاخوتهم المؤمنين، بغية رفع حاجاتهم وتجاوزهم لمشكلاتهم الحياتية، وذلك عن طريق تقديم قرض حسن اليهم... الى عدم لحوق الضرر بهم نتيجة حالات التضخم وانخفاض قيمة النقد (مع ان اضرارا هائلة وعظيمة ومضاعفة كالافلاس يراها الدكتور غني نجاد منطقية في النظام الراسمالي ويمكن الدفاع عنها) اذا كان الدكتور غني نجاد يهدف الى ذلك فبامكانه القول بما ذهب اليه بعض الفقهاء لدى بحثه عن انخفاض قيمة النقد من تبني الاساس الاقتصادي والحقيقي في تلك المسالة، انهم يقولون:
ومن الواضح ان تبني اي اتجاه من الاتجاهات الفقهية المثارة
في مسالة انخفاض قيمة النقد، لا يصير مبررا لتجويز
اخذالفائدة سيما منها الفائدة البنكية، ذلك ان اكثر الاراء
الفقهية تطرفا على هذا الصعيد ترى بان انواع انخفاض قيمة
النقدكافة يمكن جبرانها، ان هذا الراي يقول بان المقرض لا حق
له اشتراط الزيادة عند العقد، بل لابد له من الصبر الى
حلول الموعد المحدد للتسديد ليدفع له المقترض ما يتناسب
والتضخم الحاصل في تلك الفترة الزمنية (زمان القرض)
بحيث يمنحه نفس تلك القوة الشرائية التي استدانها منه.
وبناء عليه، تحرم مطلق اشكال الفائدة المقررة سلفا، ليحكم
عليها بحكم الربا، سيما ما كان في القروض والاعتبارات البنكية
والتي تزيد عادة على التضخم الحقيقي بنسبة محددة في
المئة. نتائج البحث حول تعريف الربا:
1 - ليس ثمة مستند قرآني، او روائي، او فقهي او تفسيري
لتعريف الربا بانه «الدخل القطعي المحدد سلفا» كما
اعتبره الدكتور غني نجاد تعريفا شائعا، بل على العكس من ذلك
تماما، ليس ما افاده عدا نوع من مجموعة انواع للربا، فيمايكون
التعريف المستوعب للربا - وكما تفيده الايات والروايات وكلمات
الفقهاء - بانه مطلق الزيادة المشترطة في عقدالقرض هو
التعريف الصحيح، وعليه فليس للمقرض من حق عدا المطالبة
بذاك الذي اقرضه لا غير. 2 - لا تترك قضية انخفاض قيمة النقد نتيجة التضخم اي اثر سلبي على التعريف الصحيح للربا، غاية ما في الامر، ان بعض الاتجاهات الفقهية تذهب الى تبني مفهوم المثلية على صعيد القدرة الشرائية للنقد - لا المسمى النقدي - في مجال استقراض النقود، وفي نهاية المطاف تعود القاعدة نفسها لتقضي بانه لا يحق للمقرض المطالبة بما زاد عن المال الذي اقرضه، وعليه، فحتى لو اقرينا بهذا الاتجاه الفقهي في قضية انخفاض قيمة النقد فليس ثمة ما يجيزنا القول بتحليل اخذ الفائدة التي تعد ظاهرة منفصلة عن ظواهر التضخم وانخفاض قيم النقود والعملات. |