3
- على افتراض ان التعريف الصحيح للربا هو «الدخل القطعي
المعين من قبل»، لا يختص هذا الامر بالاقتصادالتقليدي، بل
يتعداه الى الاقتصادالحديث كل الحداثة كالاقتصاد الالماني،
فقد راينا كيف استطاعت البنوك الالمانية -طبقا لاحصاءات
البنك المركزي الالماني التي اشرنا لها سابقا - تنظيم معدل
التضخم والفائدة المسماة، وكذلك القروض والاعتبارات بشكل
امكنها من خلاله التوصل الى الدخل القطعي المعين سلفا
وذلك عن طريق التنبؤ بها، لتضع بخفضها -1- الى 5\1 في المئة
من الفائدة المذكورة ما تبقى في يد المودعين ايداعا بعيد
الامد، ومن ثم ليمنحوهم مداخيل ضخمة معينة سلفا.
4 - وفقا لما جاء في الكتب الاقتصادية (النقدية والبنكية) يعد
تثبيت المستوى العام للقيم احد اهداف النظام
البنكي والسياسات النقدية((218))، واذا ما نجح النظام البنكي
يوما ما في الوصول الى هذا الهدف او الاقتراب منه فانه
سيحظ ى اما بتصفير معدل القيم العام او الوصول الى درجة من
النمو المطرد والمنطقي الذي يمكن للبنوك التنبؤ به سلفا،
ومن ثم سيكون الدخل الحتمي المحدد مسبقا امرا سهل
التحقق، الامر الذي سيضع نظرية «تمايز الربا والفائدة البنكية»
على حافة الهاوية ومشارف الموت، ذلك ان الملاك بالنسبة
للبنوك او المودعين لمدد طويلة (والذين لا يهدفون شراء او
بيع سلع محددة وانما يقصدون تحصيل مداخيل نقدية) هو
تغيرات المستوى العام للقيم وانخفاض قيمة النقد، لا
التحولات النسبية لها.
وهنا اذا استطعنا ان نثبت ان موضوع تغير القيم النسبية
والمستوى العام للقيم ليس نقطة فارقة في الاقتصاد
الحديث تميزه عن اقتصاد صدر الاسلام، رغم عشرات الفوارق
الاخرى الموجودة بينهما... اذا نجحنافي اثبات هذا
الامر،فسنلجئ الدكتور غني نجاد حتما الى الاخذ باحدى
نتيجتين: أ
- الاقرار بان اقتصاد صدر الاسلام - كالاقتصاد الحديث - لم يكن
يتسنى فيه تكون ظاهرة الربا، لتكون المحصلة في النهاية
تحريم القرآن الكريم لظاهرة ذهنية متخيلة غير ممكنة.
وفي النتيجة، وعلى كلا التقديرين ستكون نظريته باطلة.
لكن، وقبل الاجابة، ارى من الجدير الاشارة الى مجموعة نقاط
تسهم في تصحيح فهمنا للمسالة، ظنا مني بان العنصرالاساس
في ظاهرة الغموض والالتباس التي وقع فيها الدكتور غني
نجاد نشات عن عدم الانتباه اليها (اي مجموعة النقاط). • العلوم الحديثة والموضوعات القديمة:
هذا المسار لتطور العلوم ما يزال سائدا، فكل يوم نشاهد
استقلال علم جديد، وتفكك العلوم عن بعضها البعض.
ورغم ان الدكتور غني نجاد لا ينكر هذا المبدا، بل يلوح
بالاعتراف به في كلماته، لكن ذهوله امام القراءات
الجديدة وحبه لها دفعه لوضعها كاساس اولي، شاعرا بعدم
الحاجة الى ممارسة تحقيق في ذلك، ولهذا فهو يقول:
«فالاقتصادعلم حديث التاسيس وذا سابقة لا تتجاوز قرونا
معدودة، وقد تبلورت مفاهيمه الاساسية في اطار الفكر
الحداثي وسياقه، وهو ما جعله يحوز مكانة علمية محددة جعلته
على قطيعة مع المفاهيم الماضية، رغم وجود اشتراك لفظ ي
في بعض الحالات»((130)).
ولو سنحت الفرصة للدكتور غني نجاد، ليعيد المرور على
الكتب والمؤلفات المخصصة في علم تاريخ الافكار
والاراءالاقتصادية لوجد كم من موضوعات وقضايا علم الاقتصاد
الحديث التاسيس كانت مطروحة ومثارة بين العلماء
لقرون مضت قبل ان يولد آدم سميث نفسه (اب علم الاقتصاد).
وكنموذج فقط على ما نقوله، ننقل عبارة مقتضبة عن الدكتور
تفضلي في كتاب تاريخ الاراء والمذاهب الاقتصادية، حيث يقول:
«... كل من يطالع كتاب العبر لابن خلدون، والمؤلف من سبعة
مجلدات مطبوعة، وينظر في مقدمته المعروفة بمقدمة ابن
خلدون، يرى فيه آراء ونظريات بالغة القيمة على الصعيد
الاجتماعي - الاقتصادي، ويذعن للنتيجة القائلة بان ابن خلدون
كان واعيا لمهمات المسائل الاقتصادية قبل اربعة قرون من
آدم سميث، وقد اعمل فيهاايضا مبضع البحث
والتحقيق»((131)).
نعم، ليس المقصود ادعاء السابقة التاريخية لكافة الموضوعات
والمفاهيم الاقتصادية، ذلك ان الكثير جدا منها جديد
كل الجدة في علم الاقتصاد، ولم يسبق له ان ظهر قبل ذلك،
وانما نهدف بكلامنا المتقدم الناي بانفسنا عن الانجراف
مع نزعة التجديد المفرطة، وبدل طرح رؤى عامة من الانسب
العمل على تحقيق المفاهيم والمقولات المستخدمة. • كموية المفاهيم:يمتاز القرن الماضي (العشرون) بظاهرة تحويل المفاهيم والمقولات الواردة في العلوم الى معطيات كمية، فقد كادت الادوات والتقسيمات الحسابية تختلط - لكثرة استعمالها - بالمفاهيم نفسها، وعلى سبيل المثال مفهوم «الحرارة»، فقدكانت الصورة المدركة لهذا المفهوم الذي يعبر عن البداية الاولى لتضرر الجسم، واضحة وجلية لدى حكماء اليونان القديمة، بيد ان ظهور ادوات تحسب بدقة درجة حرارة بدن الانسان كميا، وتحديدها وفقا لمؤشر بياني محدد(سانتيغراد)، ربما يدفع بالكثير من المحققين الى الاعتقاد بان مفهوم الحرارة والمعنى المتعقل لها انما هو مفهوم جديد،ذلك ان الاطباء الماضين لم تكن تتوفر لديهم الوسيلة لقياس درجة الحرارة في جسم الانسان.
ومع الاسف، فقد سقط السيد غني نجاد في هذا الوهم ايضا على
صعيد بعض المفاهيم الاقتصادية، حيث يقول:«ان مفهوم المستوى العام للقيم ناظر الى
مقياس محد د (وضع سنة ما لتحديد المقياس) وتعيين المعدل الوسطي لتغييرات القيم
الحاصلة في السلع والخدمات المختلفة في المجتمع، فهل
يمكننا الادعاء بان هذا المفهوم كان له وجود ايضا في افكار
البشر المعاصرين لصدر الاسلام؟... ان واحدة من الاشتباهات
الايبستمية الرئيسة للسيد موسويان تكمن في عملية التعميم
التي قام بها لمفاهيم معاصرة في علم الاقتصاد على العالم
القديم زمن صدر الاسلام بحيث يحاول اسقاط مفهوم اقتصادي
على زمن لم يكن هذا المفهوم ليولد فيه بعد، ومن ثم ليكون
نقطة بحث وجدل بين البشر»((132)).
وبالتاكيد يدرك الدكتور غني نجاد ان بعض المفاهيم لها بيان
عرفي بسيط من جهة، فيما تحظ ى من جهة اخرى
ببيان تفصيلي تخصصي، وعلى سبيل المثال، عندما يضع
شخص عادي يده على جبهة المريض، ويرى ان درجة حرارة
بدن المريض قياسا بدرجة حرارة بدنه اعلى، يفصح حينئذ عن
ان هذا المريض مبتلى بالحمى، وهكذا الحال في الطبيب،
اذعندما يتعرف على درجة حرارة بدن الشخص المريض عبر
ميزان الحرارة، ويقارنها بمتوسط درجة الحرارة في
الانسان العادي السليم ليرى ان درجة حرارته اعلى من الحالة
العادية، يفصح هو الاخر عن الامر نفسه.
والفارق الموجود ما بين الحالتين هو ان الطبيب قادر على
تحديد درجة الحرارة بالدقة، كما وبامكانه الحديث عن
حجم الخطر الذي يتهدد المريض، وطرق العلاج التي تخرجه
من حالته الصحية المتردية.
وفي هذا الاطار، تصب مسالة «الزيادة العامة للقيم»، فعندما
عرف الانسان وعلماء الاجتماع مفهوم المبادلة، سيما
في المرحلة التي خصصوا فيها شيئا محددا كنقد تبادلي،
وبالاخص في الفترة التي ظهر فيها النقد المعدني، اصبح
تغيرالقيمة التبادلية لبعض السلع امام البعض الاخر او امام
النقد نفسه امرا مفهوما جدا بالنسبة اليهم، الامر الذي
كان يدفعهم الى ردود افعال تناسب هذا التغير المتصور لهم،
تماما كما كانوا يحسون بكل كيانهم بظاهرة الغلاء العام اوالغلاء
المستوعب لاكثر السلع والبضائع الضرورية اثر حروب طويلة
الامد او حوادث طبيعية شديدة، كالسيول والاوبئة الزراعية
والحيوانية، ولهذا السبب راجت الادعية المتعلقة بهذا
الموضوع منذ قديم الايام، سيما دعاء زيادة الرزق
ورخص الاسعار.
لكن الامر الجلي، هو ان هذا المستوى من المعرفة لا يعدو ان
يكون بسيطا وضحلا امام المعرفة التي وصلها علماءالاقتصاد
المعاصرون، نتيجة استخدامهم ادوات خاصة اقتصاديا،
وتوظيفهم علوم الاحصاء والاقتصاد، ليضعوا ايديهم في نهاية
المطاف على تحديد كمي واضح لحجم التغيرات الحاصلة في
القيم النسبية وفي المستوى العام للقيم كلها.
لكن هذا الامر لا يلغي فارقا ما بين الصورتين المتعقلتين لهذا
المفهوم، تماما كما يمكن ان يبلغ حساب تحولات عالم القيم
مبلغا دقيقا للغاية نتيجة اساليب ومناهج مبتدعة اكثر دقة
وتحديدا.
وخلاصة القول: ثمة فارق بين ظهور مفاهيم جديدة وبين
اكتشاف اساليب ومناهج وادوات قادرة على وزن
حجم التغيرات ومنح المفاهيم لباسا كميا كما هو الحال في
العلوم اليوم. • حداثة المصطلح وقدم المفهوم:قد يعتاض - بمرور الزمان - بالفاظ ومصطلحات حاكية عن مفهوم ما عن مصطلحات سابقة، كما قد يظهر مصطلح جديد يدل على نوع محدد من انواع مفهوم واحد، كما قد تؤدي حركة الترجمة من ثقافة الى ثقافة اخرى الى سكب المترجمين المفاهيم التي يريدون ترجمة الفاظها مع جهلهم بها... سكبها في قالب صيغ ومفردات مختلفة، الامر الذي يسبب غموضا والتباسا لدى بعض الباحثين والمحققين.
لقد اعتبر الدكتور غني نجاد، وفي مواضع متعددة من كلامه،
ان الانشطة البنكية - اعم من الايداع والاقراض و... -مفاهيم
جديدة تغاير بالكامل العلاقات المالية في الازمنة السالفة، فهو
يقول: «البنك انما يقوم على الايداع ويتكون على اساسه، وهو
معني بممارسة ادارة ناجحة لمضاعفة الاموال، حيث ان بعضا
منها يقوم البنك نفسه بايجاده على شكل نقد اعتباري، وعملية
الايداع لا يمكن تصنيفها نوعا من الاقراض من الناحية
الاقتصادية والحقوقية، والمودع نفسه ليس مقرضا، وانما يضع
مدخراته كامانة لدى البنك، ليمكنه في اي زمان يشاء رد هذه
الامانة اليه.
ولا تقتصر العمليات البنكية على مجرد اقراض الودائع المتوفرة
لدى البنك، بل ان البنك نفسه يتحمل مسؤولية الاقدام على
استحداث نقد اعتباري، ويسعى لادارة ما بيده ادارة فعالة
ومنتجة، آخذا بعين الاعتبار العوامل المتعددة»((133)).
ويستوقفنا في هذا النص امران: • الاول - حقيقة الايداع:يشرح الدكتور غني نجاد حقيقة ظاهرة الايداع بقوله: «وعملية الايداع لا يمكن تصنيفها نوعا من الاقراض من الناحية الاقتصادية والحقوقية، والمودع نفسه ليس مقرضا، وانما يضع مدخراته كامانة لدى البنك، ليمكنه في اي زمان يشاء ردهذه الامانة اليه»((134)).
ثمة اقوال متعددة تختلف فيما بينها حول تحديد حقيقة
الايداع البنكي، يعرف من بينها نظريتان:
طبقا للنظرية الاولى يضع (المودع) امواله عند البنك على
شكل امانة، ليتسنى له اخذه في اي ساعة يشاء كلا اوبعضا.
اما النظرية الثانية ، فتقضي ان (المودع) يقرض البنك مبلغا
من المال، ويتعهد البنك مقابل ذلك بارجاع هذا المبلغ
اماكاملا او بعضه لصاحبه عند المطالبة.
والسبيل الافضل لتحديد حقيقة ظاهرة الايداع البنكي من
الناحية الحقوقية، هو القيام بمقارنة تضع خصائص
ظاهرة الايداع في جهة وميزات كل من القرض والوديعة في
جهة اخرى، وانطلاقا من ذلك، نقوم بدورنا بعرض خصائص
الايداع البنكي، ومن ثم نشرح مميزات الوديعة والقرض كلا
على حدة ليتسنى لنا الحكم وفقا لذلك. 1 - يملك البنك المبلغ المودع عنده، ويحق له التصرف فيه كيفما شاء. 1 - ان المال المودع يبقى على ملكية صاحبه، ولا يحق للودعي امتلاك هذا المال باي شكل من الاشكال.
ومن الواضح ان هذه السمات الاربع غير متوفرة في الودائع
البنكية، ذلك ان الاموال المودعة عند البنوك تدخل
بالتاكيدفي ملكية البنك نفسه، كما لا يتعهد البنك اطلاقا
بارجاع عين الوديعة التي قدمت اليه من جانب المودع، وانما
يكون مسؤولا امامه عن مثلها فقط، وهذه المسؤولية تشمل
البنك في جميع الحالات بما فيها الحالات التي تتلف فيها
الوديعة من دون افراط او تفريط منه، وعليه فلا يمكن عد
الودائع البنكية وديعة او امانة من المنظار الحقوقي. 1 - يدخل المال المقرض بعملية الاقراض في ملك المقترض، ومن ثم يصبح بمقدوره التصرف فيه كيفما شاء.
وبمقارنة ميزات عقد القرض مع الايداع البنكي نستنتج ان
الماهية الحقوقية للايداع انما هي عين القرض، ونحن
نرى ان مفردة الايداع التي استخدمت في حالة البنوك - والتي
تناسب الوديعة اكثر من القرض - ان ما انبثقت عن
مرحلة الصرافة، اي في تلك المرحلة التي كان الافراد يحفظون
اموالهم من الذهب والفضة من سرقة السارقين عبر
وضعهاكامانة في يد الصيارفة.
لكن هذا الاسلوب ابدى تكاملا وتحولا نتيجة توسع علاقات
التبادل وابتكار افانين وسبل جديدة للايداع، الامر الذي
اخرج الظاهرة من المضمون الامانتي الاول الذي كانت محاطة
به، مع احتفاظها بالاسم الاولي الذي وضع لها((137)).
والجدير ذكره هنا، ان القوانين المدنية للدول الاخرى ما تزال
تتعامل مع الايداع البنكي تعاملها مع القرض، وكمثال على هذا
الامر، ما جاء في القانون المدني الامريكي والبريطاني
والفرنسي، ونحن ننقل قسما من كل واحد منها كنموذج
على ما نقول، فقد جاء في القانون المدني الامريكي: «منذ اللحظة الاولى التي يحصل
فيها الايداع يدخل المال في ملك البنك،وتتحول العلاقة ما بين البنك والمودع الى
علاقة الدائن والمدين، والنتيجة الحقوقية لهذا العقد تتمثل في قرض اعطي للبنك، يتعهد البنك صريحا او ضمنا باعادته الى صاحبه
فور مطالبته به»((138)).
وجاء في القانون المدني البريطاني: «من وجهة نظر حقوقي هذا
البلد، عندما يفتح البنك حسابا لشخص ما، تنعقد بينهماعلاقة
الدائن والمدين، وما دام هذا الحساب الايداعي موجودا ما دام
البنك مدينا والمتعامل دائنا، ووفقا لذلك تدخل الاموال التي
يقدمها المودع للبنك في ملكية البنك نفسه... ولا توجد امانة
بين الطرفين، كي يكون البنك مسؤولا عن شرح نتائج خطواته
للطرف الاخر»((139)).
وهكذا نطالع في القانون المدني الفرنسي: «القاسم المشترك ما
بين الرؤى الحقوقية لظاهرة الايداع البنكي هو ان البنك مالك
للوديعة، ومكلف برد مثل ما اخذ للطرف الاخر، ولهذا السبب
نفسه تنظر محكمة النقض الفرنسية (التمييز)
للمودع كدائن»((140)).
وهكذا الحال مع فقهاء الشيعة والسنة حيث يرون في اجاباتهم
عن الاسئلة التي تردهم حول حقيقة الايداعات البنكية،بانها
مما ينطبق عليه عقد القرض((141)).
وعليه، وطبقا للنظرية الصحيحة السائدة في مختلف الدول،
تتحد الايداعات البنكية مع القرض، لكن الذي دفع
الدكتورغني نجاد وغيره لاستبعاد هذا الامر، يمكن ملاحظته
في مجموعة اشياء:
وحيث لم يلاحظوا هذه الخصوصيات الثلاث، استبعدوا انطباق
عنوان القرض على الايداع البنكي، والحال ان هذه الخصوصيات
الثلاث باطلة اساسا، والصحيح وفقا للكتب الفقهية
والحقوقية((142)) هو ان القرض «تمليك مال لاخربالضمان
بان يكون على عهدته اداؤه بنفسه او بمثله او قيمته، ويقال
للمملك المقرض، وللمتملك المقترض والمستقرض».
ويصرح الفقهاء بان القرض - كعقد - لا مدة له في نفسه، بل يمكن
للمقرض الرجوع على المقترض ساعة يشاء لاعادة امواله
المقرضة، بل يرى بعض الفقهاء بان الامر على نفس المنوال
حتى مع اشتراط المدة في العقد، الا اذا شرطت مدة القرض
ضمن عقد آخر لازم.
اما على صعيد صيغة العقد، فيذهب الفقهاء الى القول بجواز
اجراءالقرض باي لفظ او عمل افاد معنى القرض (تمليك العين
وضمان المثل)، ويكون ذلك كافيا في تحقق المعاملة، بل لقد
قيل بان المقرض لو قال:«اقرضتك او ما يؤدي معناه،مثل
تصرف فيه او انتفع به، وعليك رد عوضه» صح((143)).
انني ارى انه من المناسب لاساتذة من امثال الدكتور غني نجاد
ممن وضع جهوده في الدراسات الاقتصادية، الرجوع الى الكتب
المختصة بالموضوعات الفقهية والحقوقية - وهي والحمد لله
كثيرة ومتوفرة - قبل ابداء نظرهم في هذه الموضوعات. • الثاني - حقيقة العمليات الاعتبارية البنكية:
يعرف المطلعون على قضايا النقد والبنوك، ان البنك لا يقصر
وظيفته على مجرد اقراض ما بيده من ودائع، بل انه يوسع من
نطاق اقراضه عبر توظيفه قدراته في خلق النقد، بيد ان
الجميع مطلع ايضا على ان هذه الوظيفة التي يؤديهاالبنك
ليست بالامر الجديد والمبتكر للنظام البنكي، وانما هي ابداع
انجزه الصيارفة قبل ذلك، ولعل ما يزيد عن الف سنة سابقة كان
الناس يودعون اموالهم اما بغية حفظها او احيانا بهدف نقلها
من مدينة الى اخرى... يودعونها لدى الصرافين المعتمدين
لديهم، فياخذون صكا باستلامها، ليتمكنوا في اي وقت يشاؤون
من اخذ معادل اموالهم من الصراف الذي سلموه الاموال او من
اي صراف آخر في مدينة اخرى كانت بينه وبين الصراف الاول
اتفاقية مالية.
وبمرور الوقت، تحولت الصكوك الموجودة في يد الافراد
المودعين الى اوراق تداول، نتيجة عنصر الاعتماد
على الصيارفة، واصبحت تاخذ دور النقد احيانا في مجال
المعاملات المالية، الامر الذي كان يؤدي الى اطالة المدة
الزمنية التي يحتفظ الصيارفة فيها بالنقود لديهم.
وقد ادرك الصيارفة فيما بعد، ان بامكانهم - وفقا لهذه الحال - ان
يقرضوا ما بايديهم من الاموال الى غيرهم، الامرالذي شكل
الخطوة الاولى لخلق النقد، ذلك ان النقد في الواقع تحول الى
عنصر متحرك على خطين، خط الصكوك التي دخلت مجال
التداول، وخط العملة المسكوكة ايضا.
والتحول الرئيس الذي اكتشفه الصيارفة، تمثل في قدرتهم
على تقديم صكوك للمقترضين بدلا من دفع اموال
نقدية اليهم، وهو ما ولد اهم سمات الظاهرة البنكية، اي خلق
النقد الاعتباري، فقد نجح الصيارفة - معتمدين على ما
بايديهم من النقود المعدنية القليلة - في اقراض صكوك كثيرة
لتداولها بين الناس، وكان هذا ما فعله البنك الحديث ايضا
فيمابعد، ذلك ان البنك (والصراف) كان يقدم على خلق نقود
اعتبارية فائضة عن الحد لتحقيق ارباح سريعة وسهلة، وبعد
مدة كان يواجه البنك اندفاعا كبيرا من الافراد المطالبين
بتبديل صكوكهم او عملاتهم الورقية البنكية، الامر الذي اسقط
البنك في ظواهر افلاس نشات عن عدم وجود احتياطي كافي
لديه من النقد.
وبتطور المسار البنكي، تم السعي الى ضبط حركة انتاج النقد
الاعتباري من جانب البنوك التجارية عبر ايجاد
البنك المركزي وابتكار اساليب عمل جديدة، وهو ما ادى اليوم
الى ادارة البنك المركزي قدرة الاقراض الموجودة لدى
البنوك عن طريق آليات السياسة النقدية.
ونتيجة ذلك، ان البنوك الحديثة اليوم، رغم كل مظاهر
السرعة، والدقة والحجم في عملياتها، ودرجة ما تتركه من
آثاربالغة على اقتصاد المجتمعات الامر الذي ينبغي مطالعته
بدقة، الا انها لا تعبر عن اطر جديدة على صعيد البعد
الحقوقي في عمليات الايداع والاقراض والاعتبار و... فما تزال
البنوك تحوز اموال الناس الفائضة على حاجاتها من جهة ثم
تقوم من جهة اخرى بضم هذه الاموال الى ما تخلقه من نقود
بنكية (كما اخذوه من الصيارفة) ليمنحوهما الى المقترضين
كقروض بنكية. القيم في صدر الاسلام
تقدم ان الركن الثاني من الاركان الاساسية لنظرية «تمايز الربا
والفائدة البنكية» يقوم على ثبات المستوى العام
للقيم،واستقرار القيم النسبية، ذلك انه بهذين الفرضين يمكن
الحديث عن دخل حتمي معين سلفا، اي عن الربا وفق
النظرية نفسها، واذا ما عرض التغير على واحد من هذين فلن
نواجه حينئذ سوى دخلا مسمى، ولن يكون بالتالي عين ولا
اثرلمداخيل واقعية حقيقية معينة مسبقا، كما هو الحال في
الاقتصاد الحديث.
لكن استنتاجات الدكتور غني نجاد فيما يخص مسالة التحول
في القيم صدر الاسلام لم تكن على منوال واحد، فهوينكر في
موضع من كلامه اساس التغير المذكور في مجتمعات كهذه،
مقيما ادلة على دعواه:«وعليه ف - «الناتج الثابت اوالمعين من
قبل» [: الربا] يمكن تصوره فقط في المجتمعات ذات الاقتصاد
المعيشي التقليدي، ذلك ان التغييرات في القيم النسبية،
وكذلك في مستوى القيم - حتى في مدة طويلة - امرلا وجود له
اساسا في هذه المجتمعات، وذلك بسبب وقوع العلاقات
التبادلية النقدية على هامش الانشطة الانتاجية الرئيسية وبط ء
التحرك الاجتماعي والاقتصادي، وكذلك البط ءالشديد جدا في
التحولات الفنية والتكنولوجية...»((145)).
وانطلاقا من هذا النسق الفكري، يخاطب الدكتور غني نجاد
ناقده في مقالته الثانية بقوله: «فهل يمكن للسيد موسويان -وهو
ممن يملك معلومات تاريخية واسعة عن صدر الاسلام - ان
يرشدنا الى انموذج واحد يؤكد فيه مظلومية المقرض نتيجة
انخفاض قيمة المبلغ المقرض عبر التمادي الزمني (التضخم
او تغيير القيم النسبية)((146)).
ومع هذين النصين، يقر الدكتور غني نجاد في موضع آخر من
كلماته، بمبدا تغير القيم ويراه حقيقة واقعة لا مجال لانكارها،
بيد انه ينكر ادراك الافراد لهذه الحقيقة، ودور مفاهيم من نوع
«تغير المستوى العام للقيم» او «تغير القيم النسبية» في عقليات
الافراد، فهو يقول:
«... فما يقال عن تغير القيم في صدر الاسلام امر واقعي ثابت لا
سبيل لنا الى انكاره... بيد انه لا يمكن - وعلى اساس هذا الواقع -
استنتاج وجود مفاهيم ومقولات من قبيل القيم النسبية،
والمعدل العام للقيم، والتضخم وماشابه ذلك، في تلك
الحقبات الزمنية الغابرة، لتكون مادة للقراءات الفكرية
والمحاكمات العلمية»((147)).
وبدورنا، سوف نستدعي في هذا البحث مجموعة من الشواهد
التاريخية المتنوعة تؤكد ليس فقط ان المستوى العام للقيم او
القيم النسبية كانا مرحلة صدر الاسلام في حال تغير وتحول،
بل ان عموم الافراد كان يدركون بوعيهم مفهوم هذا الحدث
المتكرر، ويحسون ايضا بثاره ونتائجه على مجمل حياتهم، كما
كانوا يفكرون في وضع حلول تخرجهم من دائرة تاثيراته
السلبية.
ونقسم - بغية ايضاح البحث واجتناب الاطالة - الروايات والشواهد
التاريخية الى مجموعات، نكتفي لكل مجموعة بمقدار محدود
من النماذج: فهذه الرواية تدل - بوضوح - على ان قيمة القمح ابدت تغيرا في مدة زمنية قصيرة، بحيث لاحظ البائع هذا التحول اولا، واحس - ثانيا - بانه لو اخذ القيمة الجديدة من مديونه لاوقعه ذلك في الضرر، وقد اجابه الامام(ع) بان عليه -حيث تمت المعاملة سابقا - اخذ الدين بالقيمة الجديدة للقمح او الصبر الى ان يبيعه الطرف الاخر ويرد عليه مستحقاته.
2 - وعن ابي داود انه قال: «ان دية القتل كانت ثمانمائة دينار او
ثمانية آلاف درهم، وعندما صارت الخلافة لعمر بن الخطاب
خطب قائلا: ان قيمة الابل قد ارتفعت، ووضع بعد ذلك
لصاحب الدينار الف دينار دية، ولاصحاب الدرهم اثناعشر الف
درهم»((150)). والالف واللام في كلمة «السعر» الواردة في النص المتقدم تفيد الجنس، والمعنى: ارتفاع اسعار كافة السلع.
2 - قيل للنبي(ص): لو اسعرت لنا سعرا، فان الاسعار تزيد
وتنقص، فقال(ص): «ما كنت لالقى الله ببدعة لم يحدث فيها
شيئا، فدعوا عباد الله ياكل بعضهم من بعض...»((152)).
3 - عن رسول الله(ص) انه مر بالمحتكرين، فامر بحكرتهم ان
تخرج الى بطون الاسواق، وحيث تنظر الابصار اليها،فقيل
لرسول الله(ص): لو قومت عليهم، فغضب رسول الله(ص)، حتى
عرف الغضب في وجهه فقال: «انا اقوم عليهم، انماالسعر الى الله،
يرفعه اذا شاء، ويخفضه اذا شاء»((153)). 1 - ينقل عمر بن شعيب فيقول: «قضى ابو بكر على اهل القرى حين كثر المال وغلت الابل، اقام مائة من الابل بست مائة دينار الى ثمانمائة دينار»((154)).
2 - وينقل ابن سعدي قائلا: «كثر المال في زمن عثمان، حتى
بيعت جارية بوزنها، وفرس بمائة الف درهم، ونخلة بالف
درهم»((155)).
وهكذا الحال في مفهوم «المال»، اذ انه مفهوم كلي مبهم،
يسلط الضوء على معان متعددة من قبيل، المالكية،
السلعة،راس المال، النقد، وهي معان مختلفة، قام السيد
موسويان باستخدامات متعادلة لها، فالاشتراك اللفظ ي
الموجود في مفردة «مال» ليس دالا على انه كان له مفهوم
مستقل ومعين من هذه المعاني في اللغة العربية ابان تلك
المرحلة، ولو كان لهذه المصطلحات مفاهيم محددة في ذلك
الزمان، فبالتاكيد كانت ستنعم من جانبهم بمفردات او
مصطلحات متمايزة ومستقلة عن بعضها البعض»((156)).
لقد منحني الدكتور غني نجاد بتعبيراته هذه الحق في نعت
منهجه المعرفي بالمنهج التخيلي المنقوص، فلو انه اتعب نفسه بعض الشيء في مراجعة كتب اللغة العربية، لراى بان مفردة
«مال» كانت تعني في البداية عند العرب وفي استعمالاتهم،
النقد السائد من الذهب والفضة، اي الدرهم والدينار، ومن ثم
اتسعت مديات الاستخدام لتشمل الكلمة كل شيء ذا قيمة، وبناء
عليه، فكلمة «مال» تعني في النصوص الاسلامية احيانا معنى
خاصا، الا وهو الدرهم والدينار، فيما تعني احيانا ا خرى مضمونا
عاما يستوعب كل ما له قيمة، والمعنى الاول هو
الاصل((157)).
واذا اضفنا الى ما تقدم امرا تاريخيا آخر، وهو ان الفتوحات
الاسلامية الواسعة بعد انتصار الاسلام وانتشار المسلمين في
بلاد جديدة كايران، والعراق، والشام، ومصر، واليمن، ادت الى
سيول من الثروات العملاقة على مركز الدولة الاسلامية، قادمة
من البلاد الجديدة تحت مسميات غنائم الحرب، والجزية،
والخراج، والزكاة و... وهذه الثروات اماكانت نقدا منذ البداية،او
انهم كانوا يستبدلونها بنقود ليسهل حملها الى المدينة المنورة
تفاديا لمشكلات السفر والتنقل...اذا اضفنا هذه الوقائع
التاريخية نستكشف انه كان من الطبيعي مضاعفة حجم النقد
السائد (الدرهم والدينار) بشكل يومي مقارنة بباقي السلع او
البضائع، الامر الذي سيفضي الى ارتفاع القيم بصورة عامة.
ووفقا لذلك، يتضح ان الدكتور غني نجاد لو سمح لنفسه
بتنحية المنظار الحداثي الذي كان يقرا به الامور، لراى جلياانه
لا معنى لمجمل الروايات السالفة الذكر عدا ما فسرناها به، بل
وحتى لو غضضنا الطرف عن مجموع ما تقدم من مقدمات
ومعطيات، امكننا القول بان الدكتور غني نجاد لم يلاحظ ذيل
الروايات المتقدمة، ذلك انه لو لاحظ هذا الذيل لاذعن بخبراته
العلمية الاقتصادية بان ازدياد الاموال غير النقدية لا يمثل
دليلا على غلاء الابل، والجواري، والاحصنة والنخيل، وعليه
فمقصود المتكلم من وراء «كثر المال» ليس سوى ازدياد النقد
السائد، والذي هو الدينار والدرهم.
3 - قال رسول الله(ص): «ايما رجل اشترى طعاما فكبسه اربعين
صباحايريد به غلاء المسلمين، ثم باعه، فتصدق بثمنه، لم يكن
كفارة لما صنع»((158)).
4 - وعن الصادق(ع): «كل حكرة تضر بالناس، وتغلي السعر
عليهم، فلا خير فيها»((159)).
5 - وقد سلط الامام علي بن ابي طالب(ع) في عهده لمالك
الاشتر لما ولاه مصر... سلط نظره على قضية ضبط الاسعار
والاشراف على حركة السعر في السوق، معتبرا ذلك من وظائف
الحاكم الاسلامي، فبعد ان اوضح خدمات التجار والحرفيين
خاطب مالكا بقوله: «واعلم - مع ذلك - ان في كثير منهم ضيقا
فاحشا، وشحا قبيحا، واحتكاراللمنافع، وتحكما في البياعات،
وذلك باب مضرة على العامة، وعيب على الولاة، فامنع من
الاحتكار، فان رسول الله(ص)منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا،
بموازين عدل، واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع،
فمن قارف حكرة بعدنهيك اياه فنكل به، وعاقبه من غير
اسراف»((160)).
ويتبدى لنا من مجموع النصوص المذكورة، ان علماء ذلك
الزمان لم يكونوا مدركين لاصل التغير في القيم النسبية وعموم
القيم ايضا فحسب، بل انهم كانوا واعين لبعض الاسباب
المفضية الى هذا الامر كازدياد حجم النقد والاحتكار،والحرص،
والطمع الفاحش في الارباح...((161)).
ولعل نصا للشيخ الصدوق(رضي الله عنه)، وهو فقيه يعود زمنه
الى ما يزيد عن الف سنة تقريبا، يمكنه ان يثيرالدكتور غني
نجاد ويبعثه على الاستغراب، فلدى تحليله الحديث النبوي
القائل: «... انما السعر الى الله، يرفعه اذا شاء، ويخفضه اذا شاء»،
حاول الشيخ الصدوق دراسة العوامل المساعدة على ايجاد
تحول في القيم، فذهب الى القول بان: «...ما كان من الرخص
والغلاء عن سعة الاشياء وقلتها، فان ذلك من الله عزوجل ويجب
الرضا بذلك والتسليم له، وما كان من الغلاء والرخص بما يؤخذ
الناس به لغير قلة الاشياء وكثرتها من غير رضاء منهم به او كان
من جهة شراء واحد من الناس جميع طعام بلد، فيغلو الطعام
لذلك، فذلك من المسعر والمتعدي بشري طعام المصر كله،
كما فعله حكيم بن حزام...»((162)).
وبديهي، ان من له دراية واطلاع على اللغة العربية، يدرك ان
«ال» الواردة في الحديث والداخلة على اكثر من مفردة فيه،انما
هي «ال» الجنسية، ومن ثم تكون دالة على العموم، كما ان
مقتضى التعليل الوارد في الحديث العموم ايضا، اذ لا
يكاديتناغم مع غيره، ذلك ان غلاء بعض البضائع او السلع،
اوعروض ظاهرة ارتفاع الاسعار لمدة زمنية محدودة دون
اطراداو استمرار... لا يلحق اضرارا ولا يؤدي الى نتائج من هذا
النوع، وعليه، فمقصود الامام الصادق(ع) من: «غلاء السعر»،هو
الغلاء المستمر لكافة او اكثر السلع والحاجيات التي كان يستفاد
منها تلك الازمنة، وليس ذلك سوى الازديادالمتواصل لعموم
القيم او ما نسميه التضخم. لقد عبر الدكتور غني نجاد عن رغبته في معرفة: هل ثمة حالة في صدر الاسلام يشعر احد طرفي المعاملة الطويلة الامد فيها بالخسارة والضرر نتيجة تبدلات القيم عموما او القيم النسبية؟
وبدورنا - واستجابة لهذه الرغبة - نبين انه لا توجد حالة واحدة
عندنا تؤكد هذا الامر، بل هناك العشرات من الحالات المماثلة
والتي نجدها في مطاوي النصوص والمصادر التاريخية، والتي
نكتفي لها هنا بنقل عينات محدودة ابرزها:
1 - عن ابراهيم بن عبد الحميد عن العبد الصالح (الكاظم)(ع)
قال: «سالته عن الرجل يكون له عند الرجل الدنانير اوخليط له
ياخذ مكانها ورقا في حوائجه، وهي يوم قبضها سبعة وسبعة
ونصف بدينار، وقد يطلبها الصيرفي، وليس الورق حاضرا،
فيبتاعها له الصيرفي بهذا السعر سبعة وسبعة ونصف، ثم يجئ
يحاسبه وقد ارتفع سعر الدنانير،وصار باثني عشر كل دينار، هل
يصلح ذلك له، وانما هي له بالسعر الاول يوم قبض منه
الدراهم، فلا يضره كيف كان السعر؟ قال: يحسبها بالسعر الاول،
فلا باس به»((164)).
2 - عن اسحاق بن عمار قال: «سالت ابا ابراهيم(ع) عن الرجل
يكون لي عليه المال، فيقبضني بعضا دنانير وبعضادراهم، فاذا
جاء يحاسبني ليوفيني يكون قد تغير سعر الدنانير، اي السعرين
احسب له، الذي كان يوم اعطاني الدنانير اوسعر يومي «يوم
احاسبه» الذي احاسبه؟ فقال: سعر يوم اعطاك الدنانير، لانك
حبست منفعتها عنه»((165)).
3 - «عن علي(ع) في رجل يشتري السلعة بدينار غير درهم الى
اجل، قال: فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم»((167)).(فتصبح
السلعة مجانية حينئذ).
وحصيلة هذه الروايات، ليس فقط تغيير القيم كما تدلل عليه
بوضوح، بل الاوضح من ذلك التبدل الحقيقي للدين اثرحصول
تحولات القيمة. هناك الكثير من الروايات التي تتحدث عن النظام النقدي صدر الاسلام، وتحكي عن وجود نوعين من النقد: احدهماالذهب الممثل بالدينار، وثانيهما الفضة الممثلة بالدرهم، وتشير النصوص الى العلاقة الحرة والمتحولة ما بين هذين النقدين على صعيد القيمة، وتبعية ذلك لعوامل متعددة في مجال العرض والطلب، وقد بلغت التحولات القيمية للنقدين مبلغا شاعت فيه - نتيجة الاحساس بها وقصر المدة فيها -مفاهيم من نوع «سعر اليوم» و «صرف اليوم» والتي تعني القيمة اليومية، وهو شيوع نفذ بقوة الى عالم المحاورات الشعبية، وبرز جليا في اوساط المتعاملين.
ونكتفي هنا بذكر بعض النماذج من هذه النصوص على الشكل
التالي:
وبهذا المضمون روايات كثيرة منقولة((172))، لا حاجة لذكرها
جميعا، وهي روايات يتضح منها ان النظام النقدي صدرالاسلام
كان نظاما ثنائي النقد (المعدني) ضمن علاقة متحولة بالكامل،
وهو ما تثبته تحقيقات الباحثين ايضا، فقد توصل الدكتور فهمي
محمد - احد الباحثين المصريين - في دراسة له حول «النقد في
صدر الاسلام» الى القول: بان النظام النقدي الحاكم آنذاك نظام
نقدي ثنائي الطرف، يخضع لعلاقة متحو لة في القيمة بينهما،
وقد اوضح الباحث المذكور هذه التحولات في القيم المتقابلة
بين هذين النقدين عبر جدول توضيحي، ويكشف هذا الجدول
عن ان قيمة الدينار كانت تتراوح بين عشرة وخمسة وثلاثين
درهما، كما يدلل على ان هذه التحولات رغم انها كانت في
حالة اضطراب وتذبذب، بيدان اخذ مدة طويلة من الزمن
يمنحنا مؤشرا على سير تنازلي للدرهم (النقد الفضي) امام
الدينار الذهبي، لتبدا العلاقة بدينار واحد قبال عشرة دراهم،
ولتنتهي بدينار واحد في مقابل خمسة وثلاثين
درهما((173)).
كما تقدم، شكل استقرار القيم النسبية والمستوى العام للقيم
الركن الثاني من اركان نظرية التمايز بين الربا والفائدة البنكية،
وقد اعتقد الدكتور غني نجاد بتحقق هذا الركن في اقتصاد
المجتمعات التقليدية والتي من جملتها مجتمع صدرالاسلام،
وعلى فرض ان تحولات القيم كانت امرا موجودا آنذاك، بيد انها
لم تكن محسوسة للعلماء ولا لعامة الناس، بيد ان الروايات
والشواهد التاريخية اثبتت عكس ذلك تماما ، واكدت على: ثانيا: جريان قانون التغير هذا حتى على المستوى العام للقيم. ثالثا: بلوغ هذه التغيرات حدا جعلها ملموسة للحكام وعامة الناس، الامر الذي كان يدفعهم لايجاد حل لها. |