رابعا: علاوة على تغير القيم، عرفت في الاوساط العلمية آنذاك عوامل ساهمت في هذا التغير من قبيل ازدياد حجم النقد، والاحتكار و...
خامسا: ادركت الاوساط العلمية ايضا بعض الاثار الاجتماعية للارتفاع المستمر في القيم، من نوع تضرر الافرادالعاديين، سقوط شعبية الدولة، وسوء الاخلاق العام الذي يطال عموم افراد المجتمع.
سادسا: شعر الناس بتغير القيم الواقعية للديون اثر تحول القيم نفسها.
سابعا: لقد كان عموم الافراد مدركين جيدا للتقلبات اليومية للقيم، وذلك نتيجة سيطرة النظام النقدي الثنائي الطرف(الدينار والدرهم المعدنيين) والذي كانت العلاقة القيمية بين طرفيه في تقلب مستمر، وقد كشفت تعبيرات جرى تداولهابين الناس في تلك الازمنة عن هذا الواقع من نوع «صرف اليوم» و «سعر اليوم».

خلاصة واستنتاج:

تقوم خلاصة نظرية «تمايز الربا والفائدة البنكية» على ان الربا الذي اقدم الاسلام على تحريمه عبارة عن «الدخل القطعي المعين مسبقا»، وبالتالي فهوظاهرة مقصورة على المجتمعات التقليدية القديمة التي كانت تشهد استقراراعاما في القيم كلها، وفي القيم النسبية ايضا، حتى على امتداد فترات زمنية طويلة حيث كانت التحول القيمي قابعا في معدل الصفر لايتجاوزه، وعكسا للقضية، لا معنى للحديث عن الربا في المجتمعات الحديثة والاقتصادات الجديدة التي تخضع لنسق متحرك على صعيد القيم عموما والقيم النسبية ايضا.

والجواب على هذه النظرية، يمكن تلخيصه:
أولا - ان التعريف الانف الذكر للربا تعريف منقوص، بل انه يرتكز اساسا على منهج معرفي غير واقعي، فالرباالمحرم اسلاميا - وطبقا للنصوص الدينية - يعبر عن كل نوع من اشتراط الزيادة ضمن عقد القرض، وهوتعريف قابل للتحقق في المجتمعات الحديثة كما كان كذلك في المجتمعات التقليدية.
ثانيا - خلافا لتصورات صاحب النظرية، خضع اقتصاد صدر الاسلام كالاقتصاد الحديث اليوم (وان باسباب مختلفة)لتغير القيم عموما، وكذا القيم النسبية، وهي تغييرات كانت محسوسة للناس وللعلماء ايضا.

وبناء عليه، لا يمكننا الذهاب الى وجود تمايز ماهوي حقيقي بين الربا والفائدة البنكية بنظرية كهذه، ومقومات ضعيفة تشبهها، ومن ثم النهوض لتحليل الربا الذي شدد الاسلام والقرآن على تحريمه والنكير عليه، جاعلا مرتكبيه في مصاف المحاربين لله ورسوله، واعدا القائلين بحليته بعذاب خالد((174)).

وفي الختام، اشكر الدكتور غني نجاد على اتاحته الفرصة لفتح هذا الحوار العلمي، واعتذر في المقابل عن اية اساءة ادبية يمكن ان تكون قد صدرت في مقام البحث عن الحقيقة، كما واقر مذعنا بان نظريته الاساسية غير قابلة للقبول، بيدان مقالتيه الاولى والثانية احتوتا على معطيات جذابة كان بالامكان عرضها في قالب النظريات التي جرى بيانها بداية المقالة، الامر الذي يمكنه ان يساعد على وضوح القراءة للابعاد المختلفة للربا والفائدة البنكية.
 

ملف حول الحج

محل الذبح في الحج
حكم الاضحية في الحج
الترتيب بين افعال الحج (طواف المتمتع)
رؤية جديدة حول حكم العمرة المفردة
حقيقة الاحرام - دراسة تحليلية فقهية
الابعاد الدولية للحج - اطروحة جديدة
جغرافية الحج - جولة في كتاب
تقرير حول مركز تحقيقات الحج

محل الذبح في الحج

آية الله السيد كاظم الحائري

تعتبر منى محل ذبح الهدي في حج التمتع، وقد يستدل على ذلك بوجوه:

1 - قوله تعالى: (واتموا الحج والعمرة لله فان احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله...)((175)).

فقد استدل السيد الخوئي(رحمه الله) بهذه الاية المباركة لاثبات ان محل ذبح الهدي في الحج بمنى؛ تارة بها وحدها،واخرى بمعونة ضم موثقة زرعة اليها((176)).

اما تقريب الاستدلال بها وحدها فهو انه لا يوجد فقهيا في محل ذبح الهدي غير احتمالين:
الاول: ان يكون محله منى.
والثاني: الا يكون له محل معين.

وقوله تعالى: (حتى يبلغ الهدي محله) يرفض الاحتمال الثاني بصريح العبارة، فينحصر الامر في الاحتمال الاول.

اقول: لو لم نحتمل في محل الهدي احتمالا ثالثا حقا لتم هذا الاستدلال، اما لو احتملنا في محل الهدي كونه اوسع من منى - وهو عنوان الحرم مثلا او عنوان مكة وما حواليها - فهذا الاستدلال لا يتم.

واما تتميم الاستدلال بالاية بموثقة زرعة فتلك الموثقة عبارة عما ورد عنه من قوله: سالته عن رجل احصر في الحج؟ قال: «فليبعث بهديه اذا كان مع اصحابه، ومحله ان يبلغ الهدي محله، ومحله منى يوم النحر اذا كان في الحج، وان كان في عمرة نحر بمكة...((177)).

فهذه الرواية قد فسرت المقصود بما في الاية الشريفة من بلوغ الهدي محله وذكرت ان محل الهدي هو منى.

وقد ذكر السيد الخوئي(رحمه الله)((178)) ان هذا الدليل ليس له اطلاق لحالات العذر حتى يثبت به سقوط الهدي راساعند العجز عن ذبحه بمنى الى بدل وهو الصوم او لا الى بدل؛ فان الاية والرواية ليستا بصدد بيان محل الهدي ابتداء، فغاية ما يثبت بهما ان محل الهدي في الحالات الاعتيادية هو منى، اما مع العجز فنرجع الى اطلاقات دليل وجوب الهدي، كقوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدي)((179)).

اقول: لا يخفى ان الاستدلال بمجموع الاية والرواية يكون في قوة الاستدلال بالرواية لا الاية، وعلى اي حال لم يتضح لدينا معنى ضمه(رحمه الله) في المقام الرواية الى الاية لاثبات ان محل الذبح هو منى؟! فان الرواية وحدها دالة على المقصود وضم الاية اليها لا يزيد شيئا في المقام.

2 - صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله(ع)، في رجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره؟ فقال: «ان كان نحره بمنى فقد اجزا عن صاحبه الذي ضل عنه، وان كان نحره في غير منى لم يجزئ عن صاحبه»((180)).

وقد ذكر السيد الخوئي(رحمه الله) ان الاستدلال بهذا الحديث على اصل المطلب - وهو كون محل الذبح منى - تام في ذاته، الا انه ايضا لا اطلاق له لحال العذر عن الذبح في منى؛ لانه لم يكن ابتداء بصدد بيان محل الذبح،فمع العذرنتمسك ايضا باطلاقات الذبح لاثبات وجوب الذبح ولو في مكان آخر((181)).

3 - رواية ابراهيم الكرخي عن ابي عبد الله(ع)، في رجل قدم بهديه مكة في العشر فقال: «ان كان هديا واجبا فلا ينحره الا بمنى، وان كان ليس بواجب فلينحره بمكة ان شاء، وان كان قد اشعره او قلده فلا ينحره الايوم الاضحى»((182)).

وقد ناقش السيد الخوئي في سند الحديث بابراهيم الكرخي الذي لم يشهدبوثاقته((183)).

اقول: وهذا لا يهمنا؛ لنقل ابن ابي عمير عنه، فبناء على مسلكنا من كون نقل احد الثلاثة دالا على التوثيق يتم سندالحديث.

واما فقه الحديث: فالظاهر ان الحج كان حج قران؛ بقرينة قوله: «قدم بهديه». واما قوله: «في العشر» فالظاهر انه اشارة الى سؤال؛ وهو انه ما دام قد قدم بهديه في العشر في داخل ذي الحجة افلا يجوز له الذبح داخل العشر وقبل الاضحى وقبل الانتقال الى منى؟ فكان السائل يسال سؤالين: احدهما عن مدى جواز ذبحه في مكة وقبل منى، والاخر عن مدى جواز الاستعجال بالذبح قبل الاضحى في العشر الاولى، فاجاب الامام(ع) عن السؤال الاول بقوله: «ان كان هديا واجبا فلاينحره الا بمنى، وان كان ليس بواجب فلينحر بمكة ان شاء»، وكان المقصود من الهدي الواجب ما اشعر اوقلد، ومن غيرالواجب ما لم يشعر ولم يقلد، واجاب عن السؤال الثاني بقوله: «وان كان قد اشعره او قلده فلا ينحره الا يوم الاضحى».

ولعل هذا الالتواء والغموض في الجواب ناتج عن النقل بالمعنى. وعلى اية حال فالمعنى الذي استفدناه من هذا الحديث - بتفسيره بما شرحناه - قد ورد بصريح العبارة في حديث آخر وهو:

4 - صحيحة مسمع عن ابي عبد الله(ع) قال: «اذا دخل بهديه في العشر فان كان اشعره وقلده فلا ينحره الا يوم النحربمنى، وان كان لم يقلده ولم يشعره فلينحره بمكة اذا قدم في العشر»((184)).

ولئن كان سند الحديث السابق معيبا بابراهيم الكرخي حسب مبنى السيد الخوئي، فلم لم يستدل على المقصود بهذاالحديث الذي لا غبار على سنده؟!

نعم، العيب الموجود في كلا الحديثين انهما واردان في حج القران، في حين ان كلامنا في حج التمتع، فيتوقف الاستدلال بهذين الحديثين على دعوى عدم احتمال الفرق فقهيا في محل الهدي بين القران والتمتع؛ فان تم هذاكفانا الحديث الثاني، وان لم يتم لم تتم دلالة الحديث الاول ايضا.

5 - حديث عبد الاعلى الذي رواه ابان عنه قال: قال ابو عبد الله(ع): «لاهدي الا من الابل، ولا ذبح الا بمنى»((185)).

وقد ناقش السيد الخوئي في سند الحديث بعبد الاعلى؛ لاشتراكه بين العجلي الثقة ومولى آل سام الذي لم تثبت وثاقته، بل نقل ابان عنه قرينة على ان المقصود هو مولى آل سام.

اقول: اننا لا نهتم بذلك؛ لان عبد الاعلى مولى آل سام ممن قد روى عنه ابن ابي عمير.

نعم، لدينا نقاش في دلالة الحديث؛ لان وحدة السياق بين نفي الهدي الا من الابل ونفي الذبح الا بمنى يبطل الدلالة؛للقطع باستحباب الاول.

6 - حديث مسمع عن ابي عبد الله(ع) قال: «منى كله منحر، وافضل المنحر كله المسجد»((186)).

وقد ناقش السيد الخوئي(رحمه الله) في هذا الحديث سنده مع تسليمه للدلالة، فذكر ان دلالة الحديث واضحة ولكن السندضعيف بالحسن اللؤلؤي الذي وقع فيه التعارض بين توثيق النجاشي وتضعيف ابن الوليد له حيث استثنى من روايات محم د بن احمد بن يحيى ما كان ينفرد به الحسن بن الحسين اللؤلؤي، على اساس ان محمد بن احمد بن يحيى وان كان ثقة في نفسه لكنه يروي عن الضعفاء، وتبعه على ذلك الشيخ الصدوق وابو العباس بن نوح((187)).

اقول: ان تمامية دلالة الرواية موقوفة على ما مضى من دعوى ان الاحتمال الفقهي يدور بين ان يكون منى هوالمذبح والا يكون اي تعين لمحل الذبح، فعندئذ يكون قوله: «منى كله منحر» دالا على الاول. اما اذا ترددنا بين ان يكون المنحر هو منى او ما هو اوسع من منى كالحرم او مكة وماحواليها، فالرواية لا تدل على اختصاص المنحر بمنى، فانها ليست ذات مفهوم، وانما هي بصدد بيان ان النحر في منى لا يكون في خصوص المسجد؛ لان منى كله منحرولكن المسجد افضل.

وعلى اية حال، فلو تم اطلاق لاثبات ان الهدي في حج التمتع يجب ان يذبح في منى، فقد يتصور ان من وجد الهدي ولكنه عجز عن ذبحه بمنى يسقط عنه الذبح، اما الى بدل وهو الصوم او لا الى بدل.

ولكن يمكن ان يقال: انه حتى لو تم اطلاق من هذا القبيل فاننا نقيده باخراج فرض العجز عن الذبح في منى باحدوجوه، لو تم اي واحد منها لثبت ان الهدي لا يسقط بالعجز عن ذبحه في منى، واما دليل الانتقال الى البدل وهو الصوم فانما ورد في من لم يجد الهدي، لا في من وجد الهدي ولكن عجز عن ذبحه في منى.

اما الوجوه التي قد يمكن الاعتماد على بعضها لاثبات عدم سقوط الهدي بالعجز عن الذبح في منى فهي ما يلي:

الوجه الاول - دعوى الضرورة الفقهية على ذلك، فلعل عدم سقوط التكليف عن المتمتع بمجرد عجزه عن ذبحه بمنى من المسلمات. الا ان هذا الوجه انما ينفع لو جزمنا بقيام الضرورة الفقهية على بقاء وجوب الذبح مع سقوط قيد كونه في منى، اما لو ادعينا ان الضرورة انما قامت على عدم سقوط الهدي بلا بدل فهذا الوجه لو تم وحده لورطنا في مشكلة الجمع بين ذبح الهدي والصوم عملا بالعلم الاجمالي، الا اذا ادعينا احتمال التخيير ورفعنا تعيين احدهما بالبراءة من التعيين.

الوجه الثاني - التمسك بالروايات الواردة في متمتع يجد الثمن ولا يجد الغنم الى ان يريد الرجوع الى اهله، كصحيحة حريز عن ابي عبد الله(ع) قال: «يخلف الثمن عند بعض اهل مكة ويامر من يشتري له ويذبح عنه، وهو يجزئ عنه، فان مضى ذو الحجة اخر ذلك الى قابل من ذي الحجة»((188)).

فان الظاهر من ذلك ان ذاك البعض سيذبحه في مكة، اما لانه يصعب عليه نقله الى منى لاجل المنوب عنه - خصوصافي تلك الايام التي لم تكن فيها وسائل النقل حديثة ومتوفرة كما هي اليوم - فالشريعة لم تشا تكليفه بالذبح في منى، واما لان قيد الذبح في منى يختص بايام منى - اعني ايام التشريق - وقد انتهت. ومنشا هذا الظهور سكوته(ع) عن ايجاب ذبحه في منى، رغم ان وجوب ذلك في هذه الحالة ليس من الواضحات، ففرض جعل الثمن عند بعض اهل مكة ليذبح عنه ظاهره هو الذبح في مكة، والا لنبه الامام(ع) على ذلك.

فلئن سقط قيد منى بالعجز عنه في ايام منى فهو المطلوب، ولئن سقطقيد منى بمجرد صعوبة الالتزام بذلك من قبل النائب فسقوطه بالعجز عنه اولى.

وصحيحة احمد بن محمد بن ابي نصر عن النضر بن قراوش (ويكفي في توثيقه نقل احمد بن محمد بن ابي نصر عنه) قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن رجل تمتع بالعمرة الى الحج، فوجب عليه النسك، فطلبه فلم يجده وهو موسر حسن الحال، وهو يضعف عن الصيام، فما ينبغي له ان يصنع؟ قال: «يدفع ثمن النسك الى من يذبحه بمكة ان كان يريدالمضي الى اهله، وليذبح عنه في ذي الحجة»، فقلت: فانه دفعه الى من يذبح عنه، فلم يصب في ذي الحجة نسكا واصابه بعد ذلك؟ قال: «لا يذبح عنه الا في ذي الحجة ولو اخره الى قابل»((189)).

وهذه الرواية اظهر من الاولى في الذبح بمكة؛ لمكان قوله: «يدفع ثمن النسك الى من يذبحه بمكة»؛ فان فرض تعلق «بمكة» ب«يدفع» او كونه وصفا للموصول اي: من يكون بمكة، خلاف الظاهر والظاهر، تعلقه ب«يذبحه».

ولا تعارضها صحيحة ابي بصير عن احدهما(ع) قال: سالته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي، حتى اذا كان يوم النفروجد ثمن الشاة، ايذبح او يصوم؟ قال: «بل يصوم؛ فان ايام الذبح قد مضت»((190)).

وذلك لان احتمال الفرق وارد بين من يجد الثمن لكنه لا يحصل على الحيوان، ومن لا يجد الثمن اصلا.

الوجه الثالث - ما ورد بشان من نسي الذبح في منى حتى زار البيت،وهو صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبدالله(ع)، في رجل نسي ان يذبح بمنى حتى زار البيت، فاشترى بمكة ثم ذبح؟ قال: «لا باس؛ قد اجزاعنه»((191)).

ومن الواضح ان الشراء بمكة لا خصوصية له حتى ركز السائل عليه، فيبدو ان مقصود السائل هو انه حينما نسي في اليوم العاشر الذبح بمنى حتى زار البيت اشترى بمكة وذبح فيها حفاظا على وقوع الذبح في اليوم العاشر، فقال(ع): «قداجزا عنه»؛ فلئن كان حكم النسيان هذا يتعدى العرف الى فرض العجز بلا اشكال.

الوجه الرابع - قوله تعالى: (لكم فيها منافع الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق)((192)).

وتوضيح الاستدلال بهذه الاية المباركة: اننا لو كنا والمعنى اللفظ ي البحت للاية لقلنا: ان محل الهدي هو فناء الكعبة؛لان الكعبة هي البيت العتيق، ولكن لا شك ان كل مكة داخل في المقصود، كما ورد - وسياتي ان شاء الله - في الحديث الصحيح: «ان مكة كلها منحر»((193))، وهذا التفسير للاية يكون بمناسبة ان البيت العتيق في مكة.

ولولا نصوص وجوب الذبح بمنى لكنا نقول بمقتضى هذه الاية: ان محل ذبح الهدي هو مكة، كما ان تلك النصوص لايمكن ان تؤدي الى سلخ جملة (محلها الى البيت العتيق) من معناها نهائيا، فمقتضى الجمع بين مفاد الاية المباركة وتلك النصوص: ان يكون المقصود مكة بما حواليها الى حدود منى، فيدخل منى في دائرة البيت العتيق بمعنى واسع.وعندئذ هل يتعامل مع الاية وتلك النصوص معاملة المطلق والمقيد المعروفة في علم الاصول؛ اي ان المقصود هو الذبح بمنى الذي يكون بمعنى واسع ذبحا بالبيت العتيق ويكون في نفس الوقت ذبحا بمنى، او يكون التنصيص في الاية المباركة على حد البيت العتيق - رغم دلالة تلك النصوص على الحد الثاني وهو منى - دالاعرفا على ان الحد الاول - بما هو - مطلوب وان كان يجب مع الامكان مراعاة كلا الحدين؟

والوجه الرابع هذا متوقف على استظهار هذا الامر الاخير؛ اي ان التنصيص في الاية على البيت العتيق يعطي ركنية لهذاالحد، فيفهم انه وان كان يجب الاخذ بالحد الخاص وهو منى لدى الامكان، ولكن لدى العجز عن الحد الخاص تبقى حدية البيت العتيق ويجب الذبح بمكة وما حواليها.

فلو قبلنا هذا الاستظهار فقد تم لنا هذا الوجه الرابع لاثبات المقصود؛ وهو ان الذبح لا يسقط بالعجز عن ايقاعه في منى، بل لابد من تحقق الذبح ولو في مكة.

ولو لم نقبل هذا الاستظهار فالاية الكريمة تفيدنا - على اية حال - فائدة اخرى في المقام.

وتوضيح ذلك: انه بعد تسليم عدم سقوط الذبح الى بدل وهو الصوم ولا من دون بدل، تبقى مسالة اخرى هامة ايضا؛وهي انه هل يجوز ذبح الهدي بعد العجز عن ايقاعه في منى في اي مكان شئنا، او يجب اختيار مكة اوما حواليهاللذبح؟ لا شك ان بعض الوجوه التي ذكرناها لنفي سقوط الذبح يثبت الثاني وهو الوجه الرابع بالخصوص؛ فانه بعد حمل الاية وما ضم اليها للتقييد، وهي ادلة تعين منى على تعدد المطلوب، لو سقط المطلوب الثاني بالعجز - وهو الذبح في منى - لم يسقط المطلوب الاول وهو كون محلها البيت العتيق.

اما لو لم نقبل هذا الوجه لعدم استظهار تعدد المطلوب، فاثبات خصوصية لمكة او ما حواليها بعد العجز عن الذبح بمنى بباقي الوجوه، مشكل.

اما ما اختاره السيد الخوئي(رحمه الله) - من ان دليل التقييد بمنى ليس له اطلاق لفرض العجز، فنرجع لدى العجز عن الذبح بمنى الى اطلاقات اصل وجوب الهدي - فالامر واضح؛ فان اصل وجوب الهدي لا يدل على ضرورة كون الذبح في مكة او ما حواليها.

ولهذا افتى السيد الخوئي(رحمه الله) بانه لو حصل العجز عن الذبح بمنى ذبح في اي مكان شاء.

واما دعوى الضرورة الفقهية، فثبوتها على اولوية مكان دون مكان بعد فرض العجز عن الذبح بمنى غير واضح.

واما روايات اخلاف الثمن عند بعض اهل مكة، فلا تدل على عدم جواز الذبح في بلد الحاج مثلا؛ لانه يحتمل - على اساس تباعد الطرق وعدم توفر الوسائل الحديثة للنقل والسفر وقتئذ - انه انما امر(ع) باخلاف الثمن في مكة؛ لانه لولم يفعل ذلك لفاته الذبح في ذي الحجة على اساس ما لديه من طول السفر، فكان الحل المعقول هو ان يخلف الثمن عندامين في مكة.

واما ذبح الناسي بمكة بعد زيارة البيت، فمن الواضح ان فرض الذبح بمكة كان من قبل السائل واجابه الامام(ع)بالاجزاء، وهذا لا يدل على وجوب الذبح بمكة مثلا، كما هو واضح.

واما الوجه الرابع وهو الاية الشريفة: (ثم محلها الى البيت العتيق) فقد فرضنا عدم تماميته؛ لتقيد الاية بادلة شرط الذبح في منى، وعدم استظهار تعدد المطلوب ولو في خصوص فرض العجز.

وعليه فقد يقال: لو عجزنا عن الذبح بمنى كفى الذبح في اي مكان آخر.

ولكنني اريد ان اقول هنا: ان الاية الشريفة تكفي لاثبات اولوية البيت العتيق للذبح.

وتوضيح ذلك: اننا وان فرضنا ان الاية بعد تقييدها بالذبح بمنى لم تدل على المطلوبية المستقلة للذبح في البيت العتيق - اي المطلوبية التي لا تسقط بالعجز عن الذبح في منى - لكننا لو قبلنا بعض الوجوه الماضية لاثبات عدم سقوط الذبح بالعجز عن ايقاعه في منى غير الوجه الاخير - وهو اثبات تعدد المطلوب من نفس الاية - فلا اقل من ان ذلك الوجه قدقيد اطلاق المقيد للاية بقيد الذبح في منى، فاذا بطل اطلاق المقيد لدى العجز بما كان تقيداله احيي مرة اخرى اطلاق الاية، وبذلك ثبت وجوب كون الهدي محله البيت العتيق.

نعم، اصل الوجه الرابع هذا مع ما شرحناه الان - من انه لا اقل من اثبات اولوية البيت العتيق للذبح في حج التمتع من الامكنة الاخرى لدى العجز عن ايقاعه في منى - متوقف على عدم احتمال الفرق بين هدي القران وهدي المتعة في هذاالحكم؛ لان الاية المباركة واردة في فرض القران ولا اطلاق لفظ ي لها للمتعة؛ لان الاية تقول: (لكم فيها منافع الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق)((194)).

ومن الواضح ان ثبوت منافع للحاج الى اجل مسمى انما يكون في من صحب الهدي معه.

وكان البعض يستشهد - في هذه السنة الفائتة التي عينت الحكومة فيها وادي معيصم للذبح لترجيح مكة على وادي معيصم - بصحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لابي عبد الله(ع): ان اهل مكة انكروا عليك انك ذبحت هديك في منزلك بمكة، فقال: «ان مكة كلها منحر»((195)).

ولا اشكال في ان ما يدل عليه هذا الحديث من ذبح الامام(ع) بمنزله في مكة انما كان في العمرة لا في الحج، والا لشاع وذاع نقل هذا العمل منه(ع)، الذي كان خلاف عمل المسلمين قاطبة في كل سنة، وقوله(ع): «ان مكة كلها منحر» كان في مقابل ما تخيله بعض من ان المنحر في مكة هو فناء الكعبة او ما بين الصفا والمروة، باعتبار ان هذا كان هوالمتعارف ولعله المستحب كما تشهد له صحيحة معاوية بن عمار قال: قال ابو عبد الله(ع): «من ساق هديا وهو معتمرنحر هديه في المنحر وهو بين الصفا والمروة؛ وهي بالحزورة»((196))، وموثقة اسحاق بن عمار: ان عبادا البصري جاء الى ابي عبد الله(ع) وقد دخل مكة بعمرة مبتولة، واهدى هديا، فامر به فنحر في منزله بمكة، فقال له عباد: نحرت الهدي في منزلك وتركت ان تنحره بفناءالكعبة وانت رجل يؤخذ منك؟! فقال له: «الم تعلم ان رسول الله(ص) نحرهديه بمنى في المنحر وامر الناس فنحروا في منازلهم وكان ذلك موسعا عليهم؟! فكذلك هو موسع على من ينحر الهدي بمكة في منزله اذا كان معتمرا»((197)).

وحاصل مفاد جواب الامام(ع) الذي اراد به تقريب المطلب الى ذهن عبادالبصري الذي هو من العامة: انه كما ان في منى يوجد منحر لذبح هدي الحج وهو فناء مسجد الخيف وذبح رسول الله(ص) هديه في ذاك المنحر الخاص -وان كان منى كله منحرا- فامر المسلمين فذبحوا في منازلهم، كذلك في مكة رغم وجود منحر خاص فيها في العمرة، وهو فناءالكعبة او ما بين الصفا والمروة؛ تكون مكة كلها منحرا، فكان من حقي ان اذبح في منزلي كما ذبح المسلمون في منى في منازلهم.

ورغم كل هذا، تبقى صورة للاستدلال على اولوية مكة بقوله(ع): «ان مكة كلها منحر» وذلك بان يقال: ان المورد لايخصص الوارد، فاطلاق هذه الجملة - لولا علمنا باختصاص النحر في الحج بمنى لدى الامكان - يدل على ان مكة كلهامنحر من دون فرق بين الحج والعمرة، لكن خرج من الاطلاق فرض امكان الذبح بمنى في الحج وبقي تحته فرض العجزعن الذبح في منى.

الا ان هذا مضافا الى انه لا ينسجم مع ما شرحناه في علم الاصول - من عدم تمامية الاطلاق في المحمول في مثل قوله مثلا: التمر نافع، فهذا لا يدل على ثبوت جميع اقسام النفع للتمر، ويكفي في صدق هذه الجملة باطلاقهاثبوت نفع ما للتمر، ففي المقام ايضا يكفي كون مكة منحرا في العمرة - لايتم في المقام؛ لان اصل اشتهار ان منى كان هوالمنحر في الحج والذبح في مكة كان مالوفا في العمرة وان عمل الامام(ع) ايضا كان في العمرة، يؤدي الى انصراف الكلام الى العمرة.

وعليه فالاولى في اثبات اولوية مكة او هي وما حواليها للذبح لدى العجز عن الذبح في منى سلوك الطريق الذي نحن سلكناه، وهو التمسك بالاية المباركة: (لكم فيها منافع الى اجل مسمى ثم محلها الى البيت العتيق)، فبعد سقوط قيد منى بالعجزيبقى اطلاق (محلها الى البيت العتيق) محكما.

الا ان الاستدلال بهذه الاية يتوقف على استظهار ان المرجع للضمير في قوله: (لكم فيها منافع) وقوله: (محلها الى البيت العتيق) هو الهدي، وذلك اما بارجاع الضمير الى (بهيمة الانعام) الوارد ذكرها في الاية (28)، وقد يستبعد ذلك بالفاصل الموجود بين الايتين، او بارجاعه الى (شعائر الله) الوارد ذكرها في الاية (32) ولا فاصل بين الايتين، وعندئذ يتوقف استظهار المعنى المقصود على ان «شعائر الله» في الاية مطبقة على الهدي، كما قال الله تعالى في الاية (36): (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير).

وتوضيح ذلك: ان ائمة التفسير ذكروا في تفسير قوله تعالى: (شعائر الله) احتمالات ثلاثة:
1 - ان يكون المقصود كل الشعائر الواردة في الدين الاسلامي.
2 - او يكون المقصود فرائض الحج ونسكه.
3 - او يكون المقصود الهدايا؛ لانها من معالم الحج.

قيل: والثالث اوفق؛ لظاهر ما بعده من قوله: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)((198)).

أقول: ينبغي ان يحمل تفسير «شعائر الله» بمعالم الحج او الهدايا على معنى ان المصداق الذي قصد بالخصوص في الاية من باب تطبيق المطلق على مصداقه هو ذلك من دون ان يضر باطلاق «شعائر الله» والا فتفسير المطلق بالموردبمعنى استعماله في خصوص ذاك المصداق، خلاف الظاهر.

فان قلنا: ان المصداق الملحوظ من «شعائر الله» في الاية كمورد -رغم الاعتراف بالاطلاق - هو الهدايا التي هي من معالم الحج وان الضمير راجع الى هذا المصداق، فمعنى الاية - والله العالم - هو: (لكم فيها): اي في الهدايا (منافع الى اجل مسمى): اي حين الذبح (ثم محلها الى البيت العتيق):اي منتهى امرها هو الكعبة. وهذا هو التفسير الذي استظهرناه، وبه يثبت المطلوب.

ولكن في مقابل ذلك يوجد تفسيران آخران((199)):
الاول: ان الضمير راجع الى مطلق شعائر الله، فيكون معنى الاية: لكم في الشعائر الاسلامية عموما منافع الى اجل مسمى؛ اي نهاية الدنيا او الى الموت، وتلك الشعائر تنتهي الى الله سبحانه الخالق للبيت العتيق. ولا اظن التمحل في هذاالتفسير خافيا عليك.
والثاني: ان الضمير راجع الى مصداق من مصاديق شعائر الله، كما هو كذلك في التفسير المختار، الا انه يفترض ان المصداق هنا ليس هو خصوص الهدايا كما فسرنا، بل مطلق فرائض الحج ونسكه، ويكون المعنى: لكم في فرائض الحج ونسكه منافع الى اجل مسمى وهو نهاية الحج او نهاية الدنيا، ومحل تلك الاعمال الى البيت العتيق؛ اي ان نهايتها تقع في البيت العتيق.

وهذا التفسير وان كان اهون تمحلا من التفسير الاول لكنه ايضا لا يخلو من تمحل.

ويؤيد التفسير الذي اخترناه للاية المباركة التفسير الوارد عن اهل البيت(ع)، وانما جعلنا ذلك مؤيدا لا دليلا لما فيه من الضعف السندي.

ففي رواية الكليني(رحمه الله)((200)) عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله(ع)، وكذلك رواية الصدوق(رحمه الله)((201)) عن ابي بصير عن ابي عبد الله(ع) في قول الله عزوجل: (لكم فيها منافع الى اجل مسمى) قال: «ان احتاج الى ظهرهاركبها من غير ان يعنف عليها، وان كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها».

وقد يستغرب فرض كون الضمير راجعا الى الهدي؛ لان معنى الاية عندئذ سيكون: محل الهدي هو البيت العتيق، في حين ان محل الهدي في الحج هو منى، وتفسير كون محلها البيت العتيق بمعنى قرب البيت العتيق الشامل لمنى، يفترض انه غريب.

ولعله يكفي لكسر الغرابة ذكر شبيه لذلك من الفقه، وهو ان الله تبارك وتعالى قال في كتابه: (يا ايها الذين آمنوا لا تقتلواالصيد وانتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة...)((202)) فلئن شككنا في تفسير محلها البيت العتيق، هل يقصد به ان محل هدي الحج الى البيت العتيق او يقصد محل مطلق الشعائر او اعمال الحج الى البيت العتيق، فلا شك في قوله تعالى: (هديا بالغ الكعبة) ان المقصود كفارة الصيد وان محلها الكعبة، مع انه لااشكال نصا((203)) وفتوى في ان محل ذبح الكفارة للصيد في احرام الحج هو منى. نعم محل ذبحها للصيد في احرام العمرة هو مكة.

وعلى اية حال، فلو لم يقبل - بعد كل ما شرحناه - هذا التفسير او نوقش في الاستدلال بالاية بحج التمتع بحجة ورودها في القران وادعي احتمال الفرق، لم يبق لدينا ما يدل على خصوصية لمكة او ما حواليها بعد فرض العجز عن الذبح بمنى، الا ما مضى من صحيحة حريز((204)) ومعتبرة النضرابن قرواش((205))، الامرتين بايداع الثمن لدى بعض اهل مكة لمن وجد الثمن ولم يجد الهدي.

وما مضى منا من الاعتراض على ذلك بابداء احتمال ان الامر بايداع الثمن لدى بعض اهل مكة لعله كان خوفا من عدم التمكن من الذبح في بلد الحاج في ذي الحجة لامكان تاخر الوصول الى البلد باسباب السفر آنئذ الى ان ينسلخ ذوالحجة.

قابل للجواب؛ بالتمسك باطلاق الحديثين لاهل البلاد القريبة من مكة كالمدينة التي لم يكن يستغرق الوصول اليها اكثرمن ايام.

اما لو لم نقبل كل هذا، فلا يبقى الا ان يقال - بعد فرض العجز عن الذبح بمنى وكذلك فرض العجز عن الذبح بوادي محسر - بجواز الذبح في اي مكان آخر بعد ضرورة عدم سقوط اصل الهدي بلا بدل، ومع احتمال بدلية الصوم نجري البراءة عن احتمال تعين الصوم بعد اختصاص نصوص الصوم بمن لم يجد هديا.

بقي الكلام في امور هامة:

الامر الاول - ذكر استاذنا الشهيد(رحمه الله) في الموجز في الحج: «واذا ضاقت منى بالناس وتعذر انجاز الواجبات فيها، اتسعت رقعة منى شرعا فشملت وادي محسر...»((206)).

اقول: ان مستنده(رحمه الله) لهذا الحكم هو موثقة سماعة قال: قلت لابي عبدالله(ع): اذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: «يرتفعون الى وادي محسر». قلت: فاذا كثروا بجمع وضاقت بالموقف كيف يصنعون؟ فقال:«يرتفعون الى المازمين». قلت: فاذا كانوا بالموقف وكثروا وضاق عليهم كيف يصنعون؟ فقال: «يرتفعون الى الجبل»((207)).

ومن المعلوم انه ليس المقصود بذلك ان من كان ضمن كثرة الناس منزله في داخل منى صدفة - اي لم يكن من الذين ارتفعوا نتيجة ضيق المكان الى وادي محسر - جاز له الذبح والحلق في وادي محسر، بل ان هذا الحكم يختص بمن ارتفع سكناه نتيجة الضيق الى وادي محسر.

نعم، لا يبعد التعدي العرفي من الضيق الى اي عذر مانع من الاعمال في داخل منى، فلو ان الحكومة منعت عن الذبح في منى جاز الذبح في وادي محسر، ولكنه يرجع للحلق الى منى.

وقد اتضح من جميع ما مضى انه عند منع الحكومة الذبح في منى تصل النوبة أولا الى الذبح في وادي محسر، وثانياالى الذبح في مكة وما حواليها.

الامر الثاني - لو كان منع الحكومة خاصا ببعض ايام التشريق مثلا، فدارالامر بين تاخير الذبح الى ان ينتهي المنع اوتقديمه في اليوم العاشر مع ذبحه في وادي محسر او مكة، فايهما اولى؟

وكذلك لو لم نؤمن بترجيح مكة او ما حواليها فدار الامر بين تاخير الذبح لكي يقع في منى او تقديمه في اليوم العاشرمع الذبح في اي مكان آخر، فايهما اولى؟

لا اشكال في ان موثقة سماعة التي مضت بشان وادي محسر قد دلت على ان وادي محسر قد اصبح لدى ضيق المكان بحكم منى، وبعد فرض التعدي الى العجز تكون النتيجة ان وادي محسر في ساعة العجز محكوم بحكم منى، فلو تم منع الحكومة عن الذبح في منى في اليوم العاشر صح الذبح في وادي محسر، فلا داعي للتاجيل الى يوم آخر يرتفع فيه المنع.

وكذلك لو آمنا بالاستدلال بصحيحة معاوية بن عمار((208)) ومعتبرة النضرابن قرواش((209)) الواردتين في من نسي الذبح حتى زار البيت فذبحه في مكة، فهذا ايضا يدل - بعد فرض التعدي الى العجز - على ان العجز عن الذبح في منى في اليوم العاشر كاف للذبح في ذلك اليوم في مكة، ولا حاجة الى تاجيل الذبح الى يوم يرتفع فيه العجز، فالاحتياط الوارد في التقيد مع الامكان بالذبح في اليوم العاشر يوجب في هذين الفرضين اولوية تقديم الذبح.

ولكن بما ان السيد الخوئي(رحمه الله) لم يلتفت الى شيء من هاتين الروايتين فقدافتى بضرورة تاجيل الذبح الى يوم يرتفع فيه المنع، وانه يحل بالحلق ويؤخر الذبح الى حين التمكن ولو كان آخر ايام التشريق، بل وحتى آخر ايام ذي الحجة((210)).

والذي قد يقف امام هذا الكلام امران:
أحدهما: دعوى وجوب ايقاع الذبح في اليوم العاشر وان استمرار ايام الاضحية الى اليوم الثاني عشر او الثالث عشر لاينافي وجوب ايقاعه في اليوم العاشر؛ فان هذا الاستمرار قد يكون بمعنى صحة الذبح في باقي الايام للمعذور من الذبح في اليوم العاشر، او قل: حتى للعامد الذي عصى بالتاخير، واذا فقد دار الامر لدى منع السلطة عن الذبح في منى في اليوم العاشر بين سقوط قيد منى فيذبحه في مكان آخر، وسقوط قيد اليوم فيؤجله، فما الذي رجح الثاني على الاول؟!
وثانيهما: دعوى ان الحلق يكون بعد الذبح، فلو اجل الذبح كيف افتى(رحمه الله) بالتحلل بالحلق قبل الذبح؟

فهاتان مشكلتان تتبادران الى الذهن في فتوى السيد الخوئي(رحمه الله).

وفي مقابل المشكلة الاولى وهي دعوى وجوب الذبح في اليوم العاشر، قد يقال: لا دليل على وجوب الذبح في اليوم العاشر عدا ما دل على ان الحلق يكون موضعه بعد الذبح منضما الى القول بان الحلق يجب ان يكون في اليوم العاشر، فان الجمع بين الامرين لا يكون الا بالذبح في اليوم العاشر، فلو سلمنا الامر الثاني - اعني ان الحلق يجب ان يكون في اليوم العاشر - تركزت المشكلة الاولى في ان الحلق موضعه بعد الذبح.

وبهذا البيان تصبح ركيزة كلتا المشكلتين في فتوى السيد الخوئي(رحمه الله) عبارة عن ضرورة كون الحلق بعدالذبح.

ومن هنا عالج السيد الخوئي(رحمه الله) كلتا المشكلتين بمنع الاطلاق في دليل وجوب تاخير الحلق عن الذبح، فان الدليل على ذلك ان ما هو عبارة عن الخطابات التي كانت متوجهة الى القادرين على الذبح الصحيح في اليوم العاشر والتي امرتهم بالحلق بعد الذبح، من قبيل: صحيحة عمر بن يزيد: «اذا ذبحت اضحيتك فاحلق راسك...»((211))، وصحيحة سعيدالاعرج في النساء اللاتي يرمين العقبة بالليل: «ثم افض بهن حتى تاتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن الذبح فلياخذن من شعورهن...»((212))، ومفهومها انه ان كان عليهن الذبح فليقصرن بعد الذبح.

وكلا هذين النصين - كما ترى - لا اطلاق لهما؛ لفرض العجز عن الذبح بمنى في اليوم العاشر.

وايضا قد يستدل على وجوب تاخير الحلق عن الذبح بصحيحة جميل بن دراج((213)) عن ابي عبد الله(ع) «ان رسول الله(ص) اتاه اناس يوم النحر،فقال بعضهم: يا رسول الله، اني حلقت قبل ان اذبح، وقال بعضهم:حلقت قبل ان ارمي،فلم يتركوا شيئا كان ينبغي لهم ان يقدموه الا اخروه، ولا شيئا كان ينبغي ان يؤخروه الا قدموه، فقال: لا حرج»((214)).وهذا ايضا - كما ترى - ليس له اطلاق لمحل البحث؛ فانه لم يكن في ذاته بصدد بيان الترتيب.

وايضا قد يستدل على وجوب تاخير الحلق عن الذبح بصحيح عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن رجل حلق راسه قبل ان يضحي، قال: «لا باس، وليس عليه شيء، ولا يعودن»((215)). الا ان هذا ايضا لا اطلاق له؛ لان الرجل المفروض في السؤال كان قادرا على ان يضحي في اليوم العاشر كما هو المفروض يومئذ، وانما النقص المفروض في عمله هو انه حلق قبل الذبح.

وايضا قد يستدل على وجوب تاخير الحلق برواية عمار الساباطي التامة سندا على مسلك السيد الخوئي القائل بوثاقة ابن ابي جيد، قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن رجل حلق قبل ان يذبح، قال: «يذبح ويعيد الموسى؛ لان اللهتعالى يقول: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله)((216))» ((217)).

فيستفاد من قوله: «ويعيد الموسى» وجوب تاخير الذبح عن الحلق، الا ان جملة «ويعيد الموسى» محمولة على الاستحباب؛ بقرينة ما مضى من صحيح عبد الله بن سنان الذي قال: «لا باس».

واما خبر موسى بن القاسم عن علي: «لا يحلق راسه ولا يزور حتى يضحي»((218)) فهو غير منته الى المعصوم، ولايبعد ان يكون المقصود بعلي: علي بن ابي حمزة.

وعلى اية حال، فقد اتضح لنا من كل هذا البحث: انه لو امكننا الذبح في وادي محسر في اليوم الاول لم نحتج الى سلوك هذا الطريق الطويل في الحديث، بل نقول: نفس العجز عن الذبح في منى في اليوم الاول يسوغ لناالذبح في نفس اليوم في وادي محسر؛ بدليل موثقة سماعة((219))، ولو لم يمكن ذلك ولكن امكننا الذبح في مكة وما حواليها الى مقدار نحتمل دخوله في عنوان «محله الى البيت العتيق» بمعناه الواسع جاز لنا الذبح في مكة وماحواليها في نفس اليوم الاول؛ بدليل صحيح معاوية بن عمار الوارد بشان الناسي.

اما لو لم يمكن هذا ولا ذاك، فعندئذ تصل النوبة الى التحلل بالحلق في نفس اليوم الاول بالبيان الذي شرحناه في تفسير علاج السيد الخوئي(رحمه الله) للموقف في المقام.

واما الذبح فنؤجله الى يوم الامكان من ايام التشريق، والاحوط اختياراليومين الاولين منه ان امكن، واذا انتهت ايام التشريق فالى آخر ذي الحجة. ولا يبعد اختصاص لزوم التقيد بايام التشريق بخصوص فرض الذبح في منى، اما لوعلمنا ببقاء المنع عن الذبح في منى ووادي محسر الى آخر ايام التشريق، فلا دليل على خصوصية لذلك بعد تلك الايام،فيكفي الذبح في مكة، ولو لم يمكن الذبح في مكة وحواليها ايضا الى آخر ذي الحجة اجل الى السنة المقبلة، ولو فرض سلب الامكان بلحاظ جميع السنين ذبح في اي مكان شاء، فلو تجدد الامكان في سنة مقبلة جدد الذبح في تلك السنة.

الامر الثالث - ينسب الى سماحة الشيخ ناصر مكارم - حفظه الله - القول بسقوط الذبح في تلك المنطقة في ايامنا هذه والتي لا يمكن فيها اطعام الاضاحي لمستحقيها، والاحتياط يقتضي الذبح ايام ذي الحجة في اي مكان آخر ولو كان نفس بلد الحاج، والاولى التفاهم بين الحاج ومتعلقيه على الذبح في نفس اليوم العاشر قبل بقية الاعمال، ولا نوجب ذلك؛ للزوم العسر والحرج على كثير من الحجاج.

والمنقول عنه كدليل على هذه الفتوى - في كتيب باسم «الاضحية في عصرنا» ومؤلفه احمد القدسي، بعنوان تقريرلبحث سماحة الشيخ ناصر مكارم - حفظه الله - وجوه اربعة:

الوجه الاول: ان ظاهر القرآن الكريم هو ان الذبح والاطعام واجبان ارتباطيان؛ اي ان شرط الهدي هو الاطعام، وليس الاطعام واجبا مستقلا لو سقط بالعجز، بقي الواجب الاول وهو الهدي، قال الله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر اللهلكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فاذا وجبت جنوبها فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر)((220)).

وقال عزوجل: (واذن في الناس بالحج ياتوك رجالا وعلى كل ضامر ياتين من كل فج عميق - ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في ايام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها واطعموا البائس الفقير)((221)).

فان قلت: ما الدليل على ارتباطية الذبح والاطعام ووحدة المطلوب، فلعل كل واحد منهما واجب مستقل؛ اذا سقط الثاني بالعجز لم يسقط الاول؟ قلنا: ان تعدد المطلوب هو الذي يحتاج الى قرينة، فان الظاهر الاولي للامر هو وحدة المطلوب، اضافة الى ان القرينة هناقائمة على وحدة المطلوب؛ وهي فاء التفريع.

فان قلت: ان هذا يؤدي الى سقوط الذبح لا الى جعله في البلد او في اي مكان آخر، فان المشروطيسقط بالعجز عن شرطه.

قلنا: هذا الكلام وارد بحسب صناعة الفقه، ولكن مقتضى الاحتياط هو الالتزام بالذبح في مكان آخر يمكن فيه الاطعام،خصوصا بعد ملاحظة عدم اسقاط الشارع الاقدس الهدي في مورد من الموارد، وحتى بالنسبة الى من لم يجد ثمن الهدي لم يسقط عنه الهدي بلا بدل، بل اوجب عليه الصوم، وبالنسبة الى المصدود اوجب عليه الذبح في محله وليس في منى((222))، وبالنسبة الى من عطب هديه في الطريق في موضع لا يجد من يتصدق به عليه ورد الامر بنحره او ذبحه في مكانه مع ارفاقه بكتاب يجعل عليه يتضمن انه هدي؛ ليعلم من يمر به انه صدقة وياكل من لحمه ان اراد((223)).

فان قلت: دار الامر بين رفع اليد عن قيد الذبح في منى فيذبحه الحاج في بلده مثلا، ورفع اليد عن قيد الاطعام، فما هوالدليل على اولوية رفع اليد عن قيد الذبح في منى؟!

قلنا: ليس القيدان على حد سواء؛ فان قيد الاطعام في نظر العرف واهل الشرع مقوم للهدي، ويستبعد جدا ان تكون لمجرد اراقة الدم موضوعية وانما هي مقدمة الاطعام. ويشهد لذلك ما ورد عن رسول الله(ص): «انما جعل الله هذا الاضحى لتشبع مساكينكم من اللحم، فاطعموهم»((224))، وهذا الحديث وان رواه صاحب الوسائل في باب الا ضحية المستحبة لكل احد، لكن مفاده عام يشمل هدي الحج الواجب.

الوجه الثاني: ان عدم امكانية الاطعام في منى في عصر النصوص يعتبر فردا نادرا او معدوما، فهو غير مشمول للاطلاق، ولهذا نحن نستشكل في اطلاق مثل (اوفوا بالعقود)((225)) للعقود المستحدثة كعقد التامين، ولا نستطيع ان نفتي بصحتها الا من باب التعدي ان ثبت قطع العرف بالغاء الخصوصية، وفيما نحن فيه يكون احتمال الخصوصية لذبح يعقبه الاطعام في مقابل ذبح نعجز عن اطعامه واضحا.

الوجه الثالث: ان مذابح اليوم خارجة عن منى، ولا دليل على وجوب ملاحظة الاقرب فالاقرب او مكة او الحرم او وادي محسر، واما موثقة سماعة: قلت لابي عبد الله(ع): اذا كثر الناس بمنى وضاقت عليهم كيف يصنعون؟ فقال: «يرتفعون الى وادي محسر»((226)) فلا علاقة لها بالذبح، وانما هي واردة بشان الوقوف في منى لا مطلق ما يؤتى به في منى،وقياس الاضحية على الوقوف قياس مع الفارق؛ فان الوقوف قائم بمنى نفسه ولا معنى للوقوف في غيره، فعند التعذريرتفع الحاج - بمقتضى هذه الرواية -الى وادي محسر، واين هذا من الاضحية التي قد عرفت انها قد تتفق في غيرمنى ايضا؟!

وعلى اية حال، فلا اشكال في ان الذبح في منى شرط في هدي الحج، فان قلنا بانه شرط في ذلك على الاطلاق - اي حتى مع التعذر - فالنتيجة سقوط الهدي نهائيا لدى العجز عن ذلك، وان قلنا بانه شرط مخصوص بحال الاختيار، جازالذبح لدى العجز عن ذلك في اي مكان.

ولو فرض التوسع في مكان الذبح لمطلق مكة، فان هذا ايضا متعذر اليوم، فان امكن ذلك للنادر من الحاج فمن الواضح ان الجهات المسؤولة لا تسمح للعموم بذلك، فلا يمكن حل الاشكال عن طريق التوسع.

الوجه الرابع: حرمة الاسراف والتبذير؛ قال الله تعالى: (ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين)((227)) و (وان المسرفين هم اصحاب النار)((228)) و (ان الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)((229)) و (وأهلكنا المسرفين)((230)) و (والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)((231)) و (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا)((232)).

وبعد فرض تسليم الاطلاق لدليل الاضحية بالنسبة للمصاديق الفعلية ممايدفن او يحرق، يجب ان نرى النسبة بين دليل وجوب الاضحية ودليل حرمة الاسراف والتبذير:

فان قلنا: ان النسبة بينهما نسبة التعارض بالعموم من وجه، قدم دليل حرمة الاسراف والتبذير باقوائية الدلالة؛فان اضحية كهذه المالوفة اليوم من ابرز مصاديق الاسراف والتبذير، في حين ان ها من اخفى مصاديق الاضحية الواجبة؛ لما قلنا من انها كانت فردا نادرا او معدوما في عصر النصوص.

ولو فرض التساوي في القوة والتساقط، رجعنا الى البراءة من تعيين مكان معين للذبح.

وان قلنا: ان النسبة بينهما نسبة التزاحم، فملاك الاضحية موجود في المقام وملاك الاسراف ايضا موجود في المقام،فلابد من تقديم اقوى الملاكين وهو ملاك الاسراف.

والانصاف ان المقام داخل في التعارض لا التزاحم؛ لان ملاك الاضحية غيرمحرز اصلا.

فان قيل: ان ملاك الاسراف ايضا غير محرز، فهذا يعني الشك في وجود احد الملاكين اجمالا، وهذا اعتراف بخروج المقام عن بحث التزاحم ودخوله في مسالة التعارض، فيعود الكلام السابق فيه.

هذه خلاصة بياناته - حفظه الله - المنقولة في تقرير بحثه.

ثم يذكر الجواب عن عدة من الاسئلة وجهت الى سماحته، نختار منها هنا سؤالين:

الاول: اليس فتوى الذبح في غير محل الذبح في منى خلاف اجماع المسلمين؟!
الجواب: ان المسالة من المسائل المستحدثة التي برزت في القرن الاخير، وقد كانت لحوم الاضاحي تصرف في السابق في مواردها، ولهذا السبب لا تجد رواية ولا فتوى واحدة في الكتب السالفة عن حكم اتلاف الاضاحي.

والثاني: لئن كان الذبح واجبا مقدميا والاطعام واجبا نفسيا لم يجب على الحجاج ذبح الهدي اصلا، بل يمكنهم شراء مايعادل الذبيحة من اللحم من اللحام وتوزيعه على المحتاجين.
الجواب: ان كلا من الذبح والصرف واجب، الا ان احدهما مقدمة للاخر كما في الوضوء والطواف، وكما انه لو اصبح الطواف غير ممكن لشخص سقطعنه الوضوء، كذلك في المقام لو اصبح الاطعام مما يذبح هناك غير ممكن سقط وجوب الذبح هناك.

اقول: ان اغرب ما في هذا الحديث دليله الرابع على سقوط الذبح هناك، وهو دليل حرمة الاسراف والتبذير.