والتبذير على الحرق والدفن والاتلاف وترك الاضاحي الى
ان تجيف وما الى ذلك مما هو اشكال على الحكومة؛ فهذا لا
كلام فيه ولا علاقة له ببحثنا، او المقصود تسجيل الاشكال على
نفس الذبح؛ لاننا نعلم انه ينتهي الى التلف من دون فائدة
فيصبح الذبح اسرافا وتبذيرا؟ والمفروض ان يكون هذا هو
المقصود، فعندئذ نقول: ان النسبة بين دليل وجوب التضحية
ودليل حرمة الاسراف والتبذير ليست هي التعارض ولاالتزاحم -
وكان مقصوده هو التزاحم الملاكي لا التزاحم المعروف عن
مدرسة الشيخ النائيني(رحمه الله) - بل النسبة هي الورود؛ فاننا
لو افترضنا دليلا على وجوب هذا الذبح ارتفع بذلك تكوينا
موضوع الاسراف والتبذير، ولو افترضناعدم تمامية الدليل على
هذا الذبح لبعض الوجوه السابقة لم يكن هذا الوجه الرابع وجها
مستقلا في مقابل تلك الوجوه.
نعم، لو اثبت أولا عدم وجوب الذبح باحد الوجوه الثلاثة الاولى،
فاشتهى احد الذبح هناك رغم عدم الوجوب وعدم الاجزاء، كان
من الصحيح ان يقال له بحرمة هذا العمل بدليل كونه اسرافا
وتبذيرا.
واما ما ذكره من الوجه الثالث؛ وهو ان الذبح في الوقت الحاضر
لا يمكن ان يكون في منى، وعندئذ فلا دليل على خصوصية
لمكان آخر فيجوز له الذبح ولو في بلده، فهذا ليس كلاما
مختصا به ولا راجعا الى الفتوى التي اشتهر بها وهي سقوط
الذبح هناك؛ لعدم امكان الاطعام، وهذا ما يقول به الكل من انه
مع تعذر الذبح هناك في اي دائرة قلنا بها للذبح - من منى او
مكة وما حواليها او غير ذلك - جاز الذبح في كل مكان.
نعم، قد يكون الخلاف معه في دائرة جواز الذبح هناك ولو لدى
الضرورة؛ هل يجزئ مثلا الذبح في مكة او في وادي محسر؛ فلا
تصل النوبة مع امكان ذلك الى التخيير في الذبح في كل مكان،
او لا؟ وقد مضى راينا في ذلك.
اما قوله بان موثقة سماعة التي تقول: «يرتفعون الى وادي
محسر» لا تدل على جواز الاتيان بالاعمال في وادي
محسروانما هي واردة بشان الوقوف - وكان مقصوده بالوقوف
البيتوتة - فهو غير صحيح؛ فان الكون في منى طيلة الايام الثلاثة
او ضرب الخيام هناك او الاقامة بالسكن هناك ليس هو
الواجب، فيكون معنى «يرتفعون الى وادي محسر» انهم يقيمون
رحلهم او يسكنون في وادي محسر؛ كي ياتوا بالاعمال هناك
من بيتوتة او ذبح او حلق.
واما ما ذكره من الوجه الثاني - من عدم وجود هذا الفرد من
الذبح او ندرته في زمن النصوص - فلا اظن ان يخفى عليك ان
الحق المحقق لدى المحققين المتاخرين في بحث الاطلاق
والانصراف عدم قبول الانصراف لمجرد ندرة الفرد اوعدم
وجوده في عصر النص، ودليل الوفاء بالعقد يشمل باطلاقه
العقود المستجدة، ولا نحتاج في اثباتها الى تعدي العرف
بالقطع بعدم الفرق.
واما ما ذكره من الوجه الاول فلا يقبل نقاشا فنيا؛ اذ لم يذكر
نقطة لاستظهاره من الامر وحدة المطلوب عدا فاءالتفريع، ولم
يذكر نقطة لاستظهار كون الفاء فاء التفريع ولا دليلا على ان
التفريع يثبت وحدة المطلوب. ولعل خير مايمكن ان يذكر
لاثبات وحدة المطلوب هو دعوى ان المركوز عرفا: ان الذبح لا
ملاك نفسي فيه وانما ملاكه مقدمي باعتباره مقدمة
للاطعام والصرف، كما اشار هو الى ذلك في مقام ترجيح رفع
اليد عن قيد منى على رفع اليد عن قيدالاطعام. ولئن كان هذا
هو الدليل على وحدة المطلوب فقدتركز الاشكال الذي اورد
على الشيخ من انه بناء على مقدمية الذبح للاطعام فلنقتصر
على شراء اللحوم من القصابين واللحامين بقدر الذبيحة
ونعطيها للفقراء.
ومن الغريب جوابه على ذلك: بان كلا من الذبح والاطعام
واجب كوجوب الوضوء والطواف، الا ان الاول منهما
مقدمة للثاني؛ فالذبح مقدمة للاطعام والوضوء مقدمة للطواف،
وكما انه حينما يسقط الطواف يسقط الوضوء، كذلك
حينما يسقط الاطعام يسقط الذبح.
وقد فاته - حفظه الله - ان مقدمية الوضوء للطواف شرعية، في حين ان مقدمية الذبح
للاطعام عقلية، ففي الطواف لايمكن تبديل الوضوء بشيء آخر، لكن الذبح - بعد اعتبار مقدميته فرضا
بحتا - يمكن تبديله بشراء اللحم من اللحام، فلعله في زمان النص
لم يكن اللحامون قادرين على تلبية حاجات تمام الحجاج من
اللحم بقدر الذبائح، فكانت الطريقة المعقولة ان يهيئ كل حاج
حيوانا للذبح، اما اليوم فبالامكان تحصيل الهدف بشراء اللحوم
من اللحامين. وايضا لو كان الذبح مقدمة للاطعام بلا ملاك نفسي فيه، فلماذا يذبح في منى لدى القدرة؟! واي عيب في الذبح قبل منى او قبل مكة وتاجيل الاطعام به الى منى؟!
فكل هذا يعني ان هناك ملاكا نفسيا في الذبح، وبعد فرض ثبوت الملاك النفسي في الذبح
لا ادري ما هو الذي يثبت لناوحدة المطلوب؟! الا بمعنى وحدة المطلوب بلحاظ كل اعمال
الحج التي هي مركب واحد ارتباطي.
ولو نظرنا الى هذا الجانب لكان معناه سقوط اصل الحج، ولو
قطعنا النظر عن ذلك فالاصل لدى تعدد الامر هوالانحلال؛
لان الارتباط هو القيد الزائد والمؤونة الزائدة في الكلام.
واما استشهاده لمقومية الاطعام للهدي بخلاف قيد منى
برواية: «انما جعل الله هذا الاضحى لتشبع مساكينكم
من اللحوم»((233))، فقد اعترض هو على نفسه في ذلك
- كما
مضى -: بان المقصود به الاضحية المستحبة لكل احد،واجاب
على ذلك: بان الاطلاق شامل لاضحية الحج.
اقول: ان اضحية الحج مصداق لمطلق الاضحية وداخل في
جعل الاضحى على العموم، وعليه جعل آخر وجوبي وضمني
في الحج، وليكن الملاك في الجعل الاول منحصرا في اشباع
المساكين، ولكن لا يدل ذلك على انحصار ملاك الجعل الثاني
ايضا فيه. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين حكم الاضحية في الحج السيد علي عباس الموسوي
يدور البحث في هذا المقال حول مسالة الذبح او النحر في منى
الذي هو من اعمال عبادة الحج، والذي اصبح مثاراللسؤال
حول جدوى الذبح او النحر في منى مع ما يستلزم ذلك من
تلف الاضاحي وعدم الاستفادة منها باي نحو من الانحاء لا
بالاكل ولا بالاطعام للفقراء ولا بغيرهما.
وهذه المسالة من المسائل التي لم يتعرض لها قدامى الفقهاء
ولامتاخروهم؛ لانها لم تكن محلا للابتلاء حيث كان
عددالحجاج قليلا، فلم تنشا هذه المشكلة بل كانت الاستفادة
من الذبائح تتم بالشكل المطلوب وفي المكان المطلوب،
ولكن ازدياد عدد الحجاج بشكل كبير منع عمليا من امكان
الاستفادة من الذبائح سواء بالاكل او الاطعام او التصدق بقطع
النظرعن وجوب ذلك او استحبابه، وهذا الامر ادى الى محاولة
بعض الاعلام((234)) التخلص من هذه المشكلة عبر رفع
وجوب الذبح في منى الى الوطن او الاقرب من الامكنة مع
الاستفادة من الذبيحة بالشكل الذي لا يستوجب تلف هذا العدد
الضخم من الاضاحي.
ومن هنا لابد وان ينصب البحث فقهيا حول وجود طريق
شرعي يمكن به حل ذلك.
والبحث في هذه المسالة يقع في نقاط:
فقد ارسل قدامى الفقهاء وجوب الذبح او النحر في منى ارسال
المسلمات، واسنده العلامة في التذكرة والمنتهى الى علمائنا
بل قطع به الاصحاب على ما في المدارك((235)). وما يمكن
ان يستدل له امور:
وتقريب الاستدلال بالاية عبر طريقين: فالاستدلال يبتني على ملاحظة التعينية وملاحظة انحصارها بحسب الخارج مع فرض ثبوتها في منى دون غيرها، ولكن هذه المقدمة التي بني عليهاالاستدلال غير تامة؛ اذ من المحتمل خصوصية مكة، وعليه فهذه التعينية غير منحصرة بمنى، بل قد تكون هي مكة او الحرم، وسياتي ان من الروايات ما ورد بان مكة كلها منحر، فنفي احتمال كون المكان غير منى لا شاهد له عليه خصوصا في دائرة الاحتمال.
واما الروايات: فمما استدل به او ادعي دلالته على ذلك عدة
من الروايات: والاستدلال بالاية عبر الاولوية وانه اذا كان الحكم هو عدم الاجزاء في حال الاضطرار ففي حال الاختيار عدم الاجزاء اولى((242)). والرواية ضعيفة بابراهيم الكرخي. على ان الاعلام اخذوا دلالة الرواية اخذ المسلمات، فلم يجهدوا انفسهم في البحث عن دلالتها، مع ذكرهم لها في عدادالادلة على لزوم الذبح في منى((247)).
الرابعة: رواية مسمع عن ابي عبد الله(ع): «منى كله منحر،
وافضل المنحر كله المسجد»((249))، ودلالة الرواية من
جهة مفروغية افتراض منى كمذبح، بل ما تريد الرواية الدلالة
عليه هو ان منى كلها منحر، لا خصوص مكان
خاص فيها((250)). والاستدلال بالرواية من جهة قول الامام: «اجزا عنه» فان ذلك يدل على ان وظيفته لم تكن كذلك بل وظيفته هي الذبح في منى، ولكنه حيث نسي اجزاه الذبح في مكة.
والاستدلال بالرواية انما هو من جهة ان الرواية دلت بوضوح
على عدم جواز الذبح في الوطن حتى في صورة عدم التمكن
من الذبح في المكان المحدد، وبضم ما تقدم في الاستدلال
بالاية من انه لا يعلم خصوصية لمكان غير منى؛فلابد وان
يكون هو منى، واما تعبير الامام ب«اهل مكة» فلان مكة اقرب
منطقة سكنية الى منى لا لخصوصية في مكة.
وفي مقابل هذه الروايات توجد روايتان ادعي دلالتهما على
جواز الذبح بمكة وعدم اشتراط كون الذبح في منى،
وهما:
1 - صحيحة معاوية بن عمار، قال: قلت لابي عبد الله(ع): ان اهل
مكة انكروا عليك انك ذبحت هديك في منزلك بمكة،
فقال:
«ان مكة كلها
منحر»((256)).
وحمل الشيخ الطوسي الرواية على التطوع، وكذلك حملها
صاحب الجواهر((257)).
ونوقش حملها على المندوب بامرين((258)):
ولا يخفى ما في هاتين القرينتين من الاشكال لان من ينكر
على الامام ينكر عليه فعلا يراه مخالفا للحق، وقد لا يعلم وجه
حج الامام وانه مندوب فيصدر الانكار منه، واضعف منه
التمسك لذلك بكلمة «هديك» فانها تطلق حتى في المندوب
ولا اختصاص لها بالواجب، والشاهد عليه الرجوع الى اللغة
والعرف.
نعم، حمل الشيخ وصاحب الجواهر له على المندوب لا قرينة
عليه لا من الرواية ولا من غيرها بالخصوص، مع ملاحظة تعبير
الامام(ع) بان مكة كلها منحر، فاطلاق كلام الامام وبيانه
لمنحرية مكة كلها لا معنى لتخصيصه بالمندوب مع
عدم القرينة على ذلك، فهاهنا عموم تعليل كما ذكره بعض
الاعلام.
2 - صحيحة معاوية بن عمار الاخرى المتقدمة عن ابي
عبدالله(ع) في رجل نسي ان يذبح بمنى حتى زار
البيت فاشترى بمكة ثم ذبح، قال:«لا باس، قد اجزا عنه»، وفي
الجواهر حمل الرواية ايضا على التطوع((259))، وهو حمل
لاشاهد له عليه.
ولكن الصحيح عدم دلالة الرواية على عدم لزوم الذبح بمنى،
بل هي تدل عليه كما تقدم.
نعم، الرواية في مقام بيان ان الناسي لا يجب عليه العود الى
منى، بل يمكنه الاكتفاء بالذبح في مكة.
وذكر بعض الاعلام - لاجل حل مشكلة التعارض بين الروايات -
بان الترجيح يكون للروايات التي اشترطت الذبح بمنى لقيام
الشهرة الفتوائية على ذلك، وهي من المرجحات في مقام
التعارض((260))، وهو مبني على كون الشهرة الفتوائية
من المرجحات في باب التعارض، وهو اول الكلام، بل لا يبعد
دعوى كون العمل بصحيحة معاوية بن عمار اولى؛
لمكان عموم التعليل في الرواية.
فهي في حكم ما لو تعذر الذبح في منى كما في عصرنا الحاضر
حيث تقع المذابح كلها خارج منى؛ ولذا لم يتعرض الفقهاء لها،
وفي هذا الفرض توجد صورتان: • اما الصورة الاولى: فقد اتفق الاعلام الذين تعرضوا لهذه المسالة على اجزاء الذبح خارج منى، والوجه في الاجزاءامور:
نعم، احتاط بعض الفقهاء((263)) من جهة الفتوى بالجمع بين
الصوم والذبح خارج منى، والسيد الخوئي(قدس سره)
نفى انتقال الوظيفة الى الصوم؛ لان الصوم هو وظيفة من لم
يتمكن من الهدي، وفي الفرض هو متمكن من الهدي ولكنه
لايمكنه الذبح في المكان المحدد.
ولكن الكلام يقع في هذه الصورة في امر آخر، وهو لزوم مراعاة
الاقرب فالاقرب على ما افتى به عدة من الفقهاء((264)).
والوجه في ذلك:
1 - انه من المحتمل لزوم مراعاة الاقرب فالاقرب، ومع هذا
الاحتمال يدور الامر بين التعيين والتخيير، واصالة
الاحتياط تقتضي التعيين((265)).
ويرد عليه الاشكال من جهتين: الثانية: انه لا محل هنا للتمسك باصالة الاحتياط مع وجود اطلاق دليل وجوب الهدي، ومع تعذر ايقاعه في منى فلاخصوصية لغير منى في ذلك.
2 - ان الدليل قد قام على لزوم ايقاع الذبح في منى بصورة
الاجتماع؛ لقوله تعالى:(والبدن جعلها لكم من
شعائرالله)((266))، وعنوان الشعيرة ينطبق على الاعمال
العبادية الاجتماعية كصلاة الجماعة، وهذا امر لا يتحقق الا في
المذبح الجديد او مثله من الاماكن المتصلة بمنى، ويؤيد ذلك
الاعتبار؛ فان «اجتماع حجاج المسلمين للذبح بمقدار الف الف
من الانعام الثلاثة يكشف عن شدة اتصالهم بالمسائل الشرعية
واعتقادهم بالامور المعنوية. وهذا يدل على كون الاسلام
محقافي دعواه صادقا في خبره»((267)).
وهذا الوجه لا يزيد عن الاستحسان، فان كونه من الشعائر لا
يعني لزوم مراعاة الاقرب فالاقرب او المذبح الفعلي،
بل الاجتماع يتحقق في اي مكان، ويمكن لذلك ان يحقق
المطلوب الشرعي.
واما الوجه في عدم لزوم مراعاة الاقرب فالاقرب فهو:
نعم، قد يظهر من بعض فتاوى الفقهاء لزوم الذبح في مكة،
ولعله لاجل صحيحة معاوية بن عمار حيث عبر الامام عن مكة
بانها كلها منحر. • واما الصورة الثانية: - اي لو امكنه الذبح في ايام الحج غير يوم العيد - : فهنا ذكر الفقهاء انه يتم سائر الاعمال من الحلق واعمال مكة ويذبح بعد ذلك في منى، والوجه في ذلك: ان سائر الاعمال لم تشترط بالذبح فلا توقف لها عليه، ولادليل على لزوم الذبح يوم العيد سوى ترتب بقية الاعمال عليه، والاعمال انما تترتب على الذبح الصحيح؛ وهو الذبح في منى لا الذبح في غيرها((268)).
فهي في حكم ما لو كان الذبح في منى موجبا لتلف الذبيحة:
لم يتعرض الفقهاء لهذا الفرع، وظاهر فتواهم الحكم بلزوم
الذبح في منى وان اوجب ذلك تلف الذبيحة، ولكن
بعض الاعلام ذهب الى راي آخر في المسالة وانه مع استلزام
الذبح في منى لتلف الذبيحة فلا ينبغي الذبح هناك، بل
تبنى جواز الذبح في الوطن مع تعذر الذبح في منى او مكة مع
الاستفادة من الذبيحة، وساق لذلك عددا من الادلة،
ونتعرض نحن لهذا الراي الذي تفردبه وادلته:
وهذا الوجه لابد وان يعود الى احد امرين: الامر الثاني: التمسك بالتعليل وان علة وجوب الاضحية منحصرة في مسالة الاكل والاطعام لا مجرد الذبح، واستفادة العلية من الاية عبر التمسك بالفاء في قوله (فكلوا...) وهو في غاية الاشكال؛ اذ لا ظهور يساعد عليه في الاية الكريمة،سيما مع ملاحظة اقتصار الفقهاء على العلل المنصوصة في التعميم والتخصيص في الاحكام الشرعية.
وبعبارة بعض الفقهاء: ان احكام الحج تعبدية محضة لا تكاد
عقولنا الناقصة وعلومنا الضعيفة ان تصل الى
مغزاهاوعللها((271)).
ويحاول دعم هذا الوجه بان الذبح مع الاكل والاطعام هو بنحو
وحدة المطلوب لا تعدد المطلوب؛ اذ لا قرينة على
تعددالمطلوب، بل الملاحظ عدم سبق اراقة الدم بدون صرف
اللحوم في عصر المعصومين(ع).
ولكن ابراز القرينة على انه بنحو تعدد المطلوب لا وحدة
المطلوب ممكن من جهة ذهاب الكثير من الفقهاء الى ان
الاكل والاطعام مستحب وليس بواجب، ومن جهة كفاية مجرد
اراقة الدم في ترتب سائر الاعمال دون توقف سائر الاعمال -من
الحلق واعمال مكة - على الاكل والاطعام. ويواجه هذا الاستدلال اشكالا مهما من جهة ان الموجود في عصرنا ليس هو مصداقا آخر من الاضحية؛ اي لم ينتف المصداق الاخر بحسب الامكان، بل الانتفاء بحسب الخارج، فهو كما لو منعه مانع من الاكل من الذبيحة، فهل ان الاطعام منها لعدم وجود المحتاج يعني عدم اطلاق الدليل لهذا الفرد؟ ثم ما معنى عدم اطلاق الدليل سوى الحكم بسقوط وجوب الهدي؟! وعلى اي حال فهذا الدليل في غاية الضعف؛ اذ لو تم لورد في كثير من المصاديق المستحدثة التي لم تكن في عصر الشارع. ولا يخفى ان هذا الوجه مبني على مجموعة من المقدمات الاصولية المبنائية، ولا نروم في هذا المقال الدخول فيها،ولكن من الممكن طرح تساؤل مهم هنا وانه لو امكن الذبح في منى والانتفاع من الذبيحة، ولكن لم يتحقق مصرف الاضحية من الفقراء لا في منى ولا في خارجها، فهل هنا ايضا يلتزم بان ادلة حرمة الاسراف والتبذير توجب رفع اليدعن وجوب الذبح؟!
وها هنا ملاحظة اساسية تعبر عن اشكالية مهمة على اساس
هذا الوجه: وهو ان هذا الوجه مبني على ملاحظة التعارض بين
ادلة وجوب ذبح الاضحية وادلة حرمة الاسراف والتبذير. ولذا
لم يكن لدى صاحب هذا الوجه من طريق لتبني لزوم الذبح في
الوطن سوى التمسك بالاحتياط، ولكن الخطا المنهجي هو في
ملاحظة التعارض بين ادلة حرمة الاسراف والتبذير وادلة
وجوب الاضحية، مع ان الذي ينبغي هو ملاحظة ادلة حرمة
الاسراف والتبذير مع ادلة وجوب الذبح او النحر في منى والتي
تقدم ذكرها في النقطة الاولى من هذا المقال، ويبقى اطلاق
اصل الحكم بوجوب الذبح اوالنحر على الحاج على حاله ولا
يدخل طرفا في المعارضة، وتكون المسالة كصورة تعذر الذبح
او النحر في منى بسبب منع مانع عن ذلك، حيث يبقى اطلاق
تلك الادلة موجبا للذبح او النحر خارج منى، ومن كان المبنى
لديه عدم وجوب مراعاة الاقرب فالاقرب فمكان الذبح يكون
باختياره، وبملاحظة ادلة حرمة الاسراف والتبذير تكون مراعاة
عدم تلف الذبيحة لازمة.
الترتيب بين افعال الحج جهاد عبد الهادي فرحات
قسم فقهاؤنا الحج بحسب ما اثبتته لهم الادلة الى ثلاثة اقسام:
وذكروا فروقا بينها، منها: انه يجوز تقديم الطواف وصلاته وكذا
السعي على الوقوفين في حج الافراد وحج القران دون حج
التمتع، وادعي الاجماع في كلماتهم على ذلك.
ونحن - بحول الله وقوته - نريد في هذه المقالة ان نتعرض لما
ذكروه من عدم جواز التقديم في حج التمتع بالبحث الدقيق
المسهب، فننقل ما امكننا من الاقوال، مع ابداء الملاحظات
عليها؛ ثم نسرد الادلة المختلفة من القرآن الكريم وسنة اهل
البيت(ع) والاجماع، وغير ذلك مما ذكر في كلمات العلماء؛ ثم
نتعرض لوجوه الجمع المختلفة المذكورة بين الروايات.
والكلام يقع في مقامات: المقام الاول - الاقوال
بعد مراجعة كلمات الاعلام في المسالة اتضح انها مطروحة للبحث بينهم منذ بدايات
الغيبة الكبرى والى يومنا هذا،وانهم مختلفون فيها على قولين:
وقد تعرض المتقدمون لهذه المسالة في مكانين: الاول عند
الكلام عن ضروب الحج واقسامه، حيث يجري الحديث
تبعالذلك عن كيفية كل قسم اجمالا؛ الثاني في باب زيارة
البيت من منى يوم النحر.
واما غير المتقدمين فقد تعرض غالبهم لها في باب الطواف، او
عند الكلام عن انه يجوز في حجي القران والافراد
تقديم الطواف على الوقوف بخلاف حج التمتع.
قال المحقق البحراني(قدس سره) في (الحدائق الناضرة):
«قطع الاصحاب من غير خلاف يعرف بانه لا يجوز
للمتمتع تقديم طواف الحج والسعي اختيارا، وربما ادعوا عليه
الاجماع»((273)).
وقال الشيخ النجفي(قدس سره) في كتابه القيم (جواهر
الكلام): «لا يجوز تقديمه في حج التمتع لغير عذر، بلا
خلاف محقق اجده فيه، كما اعترف به غير واحد، بل عن
المعتبر والمنتهى والتذكرة اجماع العلماء كافة عليه»((274)).
وقال المحقق النراقي(قدس سره) في (مستند الشيعة): «قد
سبق وجوب تاخير الطواف عن الحلق او التقصير على المتمتع،
وكذلك يجب عليه تاخير طواف حجه وسعيه عن الوقوفين
عند جمهور الاصحاب، كما في الذخيرة، بل بالاجماع المحكي
عن الغنية والمنتهى والمعتبر والتذكرة وفي
المدارك»((275)).
اذا كان عدم جواز التقديم لغير عذر مجمع عليه بين الاعلام؛
ولكن بعض اعاظم العلماء ومحققيهم خالفوا في ذلك وقالوا
بالجواز مطلقا، وهم:
1 - المقدس الاردبيلي(قدس سره)، حيث قال في (مجمع
الفائدة والبرهان): «واما المتمتع فالاولى عدم تقديم الطواف
له الا مع الضرورة»((276)).
2 - السيد محمد(قدس سره) في (مدارك الاحكام)، حيث انه
بعد ان ذكر بعض الروايات التي تدل على جواز التقديم مطلقا
قال: «واجاب الشيخ عن هذه الروايات بالحمل على حالة
الضرورة. وهو بعيد، مع انه لا ضرورة الى ارتكابه؛لانتفاء ما
يصلح للمعارضة، والمتجه جواز التقديم مطلقا ان لم ينعقد
الاجماع القطعي على خلافه»((278)).
3 - المحقق ضياء الدين العراقي في شرحه على تبصرة
العلامة (قدس سرهما)، حيث اعتبر ان تامل صاحب
المدارك في المسالة في غاية المتانة، ونفى ان يكون ما ذكره
معتمدا فيه على نصوص صحيحة صريحة وسوسة((279)).
4 - السيد محمد المحقق الداماد(قدس سره) - بحسب ما نقله
عنه تلميذه الشيخ جوادي آملي، دام ظله - حيث قال:«والحال
ان الجمع بين روايات الباب بجواز التقديم وافضلية التاخير مع
حفظ مراتب الفضل اولى، بل المتعين،لا مااشتهر بين الاصحاب
من الجمع بينهما بجواز التقديم اذا كان عن عذر»((280)).
5 - السيد محمد صادق الروحاني - دام ظله - في (فقه الصادق)،
قال:«وعلى هذا فما افاده صاحب المنتقى وسيدالمدارك
بحسب الروايات اظهر؛ فانه بواسطة نصوص الجواز يحمل خبر
المنع على الكراهة، ولكن لعدم افتاء الاصحاب بذلك لا يترك
الاحتياط»((281)).
وهناك العديد من الفقهاء مالوا الى جواز التقديم مطلقا، لكن
منعهم عن اختياره صريحا الخوف من مخالفة المشهور،منهم:
1 - المحقق الشيخ حسن(قدس سره) في (منتقى الجمان)،
حيث قال: «ولولا مصير جمهور الاصحاب الى منع التقديم مع
الاختيار واقتضاء الاحتياط للدين تركه، لكان الوجه في الجمع
ان احتيج اليه حمل ما تضمن المنع على التقية، لمايحكى من
اطباق العامة عليه، وكثرة الاخبار الواردة بالاذن
مطلقا»((282)).
2 - المحقق السبزواري في (ذخيرة المعاد)، حيث قال(قدس
سره): «ولولا مصير الاصحاب الى منع التقديم في حال الاختيار
واقتضاء الاحتياط تركه كان القول بالجمع بين الاخبار - بحمل
ما دل على المنع على الافضلية او التقية لاطباق العامة عليه -
متعينا»((283)).
3 - الفيض الكاشاني(قدس سره) في (مفاتيح الشرائع)، حيث
قال: «المشهور وجوب تاخير الطواف والسعي عن الوقوفين
ومناسك يوم النحر للمتمتع اختيارا؛ للخبر. وهو مع ضعفه
معارض بالصحاح المستفيضة الدالة على جوازالتقديم له
مطلقا، وانه والتاخير سواء؛ فان تم الاجماع والا فالجواز
والتسوية، الا ان يحمل الصحاح على ذوي الاعذار»((284)).
4 - السيد الخنساري(قدس سره) في (جامع المدارك)، حيث
قال: «فالعمدة عدم اخذ الاصحاب، والا كان مقتضى
الجمع العرفي حمل خبر ابي بصير على المرجوحية»((285)).
وهناك بعض العبائر عند الشيخ الطوسي والعلامة(قدس
سرهما) يمكن ان يستفاد منها القول بجواز التقديم، وهي:
قال الشيخ الطوسي(قدس سره) في (الخلاف): «روى اصحابنا
رخصة في تقديم الطواف والسعي قبل الخروج الى
منى وعرفات، والافضل الا يطوف طواف الحج الى يوم النحر ان
كان متمتعا»((286)).
وعلق عليه في (كشف اللثام) فقال: «هو اصرح في الجواز - اي
من كلام العلامة الاتي - مع احتماله عند الضرورة، كمافهمه ابن
ادريس، اي الافضل مع العذر التاخير»((287)).
اقول: ما فهمه ابن ادريس(قدس سره) مجرد احتمال لا
تساعد عليه عبارة الشيخ لمن اعطاها حقها، مضافا
الى ان المحقق السيد علي(قدس سره) اعترف في
(الرياض)((288)) بان ما في (الخلاف) ظاهر. وان كان قد
حمله(قدس سره)على نفس محمل ابن ادريس من دون ان
يذكر وجهه. نعم، لا ينبغي التشكيك في ان مذهب الشيخ في سائر كتبه هو عدم جواز التقديم الا لضرورة، كيف وقد نسب اليه -والنسبة صحيحة - انه اول من حمل اخبار الجواز على الضرورة؟!
اذا يمكننا ان ندعي ان للشيخ(قدس سره) قولين في المسالة.
وقال العلامة(قدس سره) في (التذكرة): «وردت رخصة في
جواز تقديم الطواف والسعي على الخروج الى منى وعرفات،وبه
قال الشافعي؛ لما رواه العامة عن النبي(ص) قال: «من قدم شيئا قبل شيء فلا حرج». ومن طريق الخاصة رواية صفوان بن
يحيى الازرق انه سال ابا الحسن(ع) عن امراة تمتعت بالعمرة
الى الحج ففرغت من طواف العمرة وخافت الطمث قبل يوم
النحر: يصلح لها ان تعجل طوافها طواف الحج قبل ان تاتي
منى؟ قال: «اذا خافت ان تضطر الى منى فعلت».اذا ثبت هذا،
فالاولى التقييد للجواز بالعذر»((289)).
وعلق عليه في (كشف اللثام) ايضا فقال: «وهو يعطي احتمال
جوازه مطلقا»((290)).
الا انه ناقش فيه في (الرياض) فقال: «والسكوت ليس علامة
على الرضا، وياتي الاولى مرادفا للاقوى كثيرا»((291)).
ولكن مناقشته في السكوت في غير محلها؛ باعتبار ان
العلامة(قدس سره) قد صرح في آخر كلامه برايه في
المسالة،حيث قال: «فالاولى».
وكانه(قدس سره) قد التفت الى ذلك، فلذا حاول المناقشة في
مصطلح «الاولى» وانه يستعمل بمعنى «الاقوى»كثيرا.
وهو(قدس سره) ادرى باستعمال مثل هذه المصطلحات، ولن
نطلب منه شاهدا على ما ذكره - وان كان لنا الحق في ذلك - بل
نكتفي في جوابه بما سنذكره من كلام العلامة في (منتهى
المطلب)، حيث قال(قدس سره): «قد بينا انه يجوز للمتمتع
تقديم الطواف والسعي للحج، رواه الشيخ في الصحيح عن
جميل عن ابي عبد الله(ع) انه سئل عن المتمتع يقدم طوافه
وسعيه في الحج؟ فقال: «هما سيان؛ قدمت او اخرت». وفي
الصحيح عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: سالت اباابراهيم(ع)
عن الرجل يتمتع ثم يهل بالحج ويطوف بالبيت ويسعى بين
الصفا والمروة قبل خروجه الى منى؟ قال: «لاباس»»((292)). فهل يمكن تاويل هذا الكلام بدعوى انه هنا ايضا يحتمل ان يكون مقصوده هو الجواز حال الضرورة لا مطلقا، لماصرح به(قدس سره) في باب الطواف من (المنتهى) ايضا من عدم جواز التقديم اختيارا، ونسبه له الى قول العلماء كافة؟
لا اظن ان المنصف يفعل ذلك؛ لان الروايات التي استند(قدس سره) اليها ليست من روايات
الرخصة - بحسب ما عبربه عنها بعض الاعلام - حتى يقال بان ذلك يكشف بدلالة التزامية
عن كون الاصل هو التحريم، وانما هي روايات اخرى غير التي استدل بها في باب الطواف
تؤسس للجواز، ولسانها صريح فيه، على ما سوف ياتي بحثه مفصلا عند البحث في الروايات
ان شاء الله.
هذا مع ان معنى الرخصة اعم من ذلك، والا لكان اشار اليه في
(الرياض) كما اشار الى ان الاولى تاتي مرادفة للاقوى كثيرا،
فتامل.
الا انه ينبغي الاعتراف بان العلامة في كتب اخرى قد قرب من
التصريح بل صرح في بعضها بعدم جواز التقديم
للمتمتع اختيارا، مثل ما ذكره في (القواعد): «ويجب على
المتمتع تاخير طواف الحج وسعيه عن الموقفين ومناسك
منى يوم النحر، ولا يجوز له تقديمه الا لعذر، كالمرض وخوف
الحيض والزحام للشيخ العاجز»((293)).
اذا يمكننا ان ندعي هنا ايضا بان للعلامة(قدس سره) قولين في
المسالة. سوف نحتاج عند استعراض الادلة، وكذا عند معالجة التعارض الواقع بين الروايات التي سوف نذكرها، الى معرفة راي العامة، وراي متقدمي فقهاء الامامية المعول عليهم في حصول الاجماع وعدمه، فلذا كان اللازم ان نعقد البحث في هذين الامرين، فنقول: ذكر المحقق النراقي(قدس سره) في (المستند) بان الاخبار المصرحة بالجوازموافقة للعامة((294)). مما يعني ان العامة قائلون بجواز تقديم الطواف على الوقوفين.
ولكن قال في (الحدائق): «ان العلامة في التذكرة اسند المنع
اختيارا والجواز اضطرارا الى ابن عباس وعطاء ومالك واسحاق
واحمد، ثم نقل عن الشافعي اخيرا الجواز مطلقا»((295)). وهذا
يعني ان العامة قائلون بمثل مقالة المشهورعندنا.
وقال المحقق الداماد(قدس سره): «ان تقديم الطواف والسعي
الواجبين للحج على الوقوفين ممنوع عند العامة وغير
جائزلديهم كما في (المنتهى)»((296)).
وهذا ايضا يدل على ان العامة قائلون بعدم جواز تقديم الطواف.
وهذا ما حكاه ايضا كل من الشيخ حسن في منتقاه، والسبزواري
في ذخيرته في عبارتيهما السابقتين، فراجع.
وما ذكره هؤلاء المحققون هو المعروف من مذهب العامة، بل
المدعى عليه الاجماع في كلماتهم، لا ما ذكره النراقي(قدس
سره).
واليك ما قاله شمس الدين السرخسي في (المبسوط) في هذا
المجال: «ثبت بالاجماع ان الطواف الذي هو ركن في
الحج مؤقت بيوم النحر حتى لا يجوز قبله، فما يؤتى به قبل يوم
النحر لا يكون واجبا»((297)).
اذا ما ذكره النراقي اشتباه منه(قدس سره). اما الفقيهان الاقدمان ابن ابي عقيل وابن الجنيد(قدس سرهما) فلم ينقل عنهما شيءفي المقام.
واما الشيخ الكليني - بناء على كونه يفتي بما يذكره من عناوين
لابواب كتابه - فقد قال(قدس سره): «باب تقديم طواف الحج
للمتمتع قبل الخروج الى منى»((298)). ولم يقيده بالضرورة،
وان كانت بعض الروايات التي ذكرهامقيدة بها.
وقال علي بن بابويه في (فقه الرضا): «وزر البيت يوم النحر او
من الغد»((299)).
وعنون الصدوق(قدس سره) الباب الذي نقل فيه هذه الروايات
بهذا العنوان: «تقديم طواف الحج وطواف النساء قبل السعي
وقبل الخروج الى منى»((300)). ولم يقيده ايضا، وذكر فيه
الروايات التي تصرح بالتسوية بين التقديم والتاخير.
وقال(قدس سره) في كتابه (المقنع): «فاذا اتيت البيت يوم
النحر... وطفت بالبيت سبعة اشواط كما وصفت لك ، ثم
صل ركعتين عند مقام ابراهيم(ع)... ثم اخرج الى الصفا... تطوف
بينهما سبعة اشواط تبدا بالصفا وتختم بالمروة، فان فعلت ذلك فقد احللت من كل شيء احرمت منه الا النساء، ثم ارجع الى
البيت فطف به اسبوعا وهو طواف النساء... ثم ارجع الى منى ولا
تبت ليالي التشريق الا بها»((301)).
وذكر مثله في (الهداية)((302)).
وقال الشيخ المفيد(قدس سره) في (المقنعة): «ثم ليتوجه الى
مكة، وليزر البيت يوم النحر، فان شغله شاغل فلا يضره ان يزوره
من الغد. ولا يجوز للمتمتع ان يؤخر الزيارة والطواف عن اليوم
الثاني من النحر، ويوم النحر افضل. ولا باس للمفرد والقارن ان
يؤخرا ذلك»((303)).
وقال السيد المرتضى(قدس سره) في (جمل العلم والعمل):
«ثم ليتوجه الى مكة لزيارة البيت من يومه او غده. ولايجوز للمتمتع ان يؤخر زيارة
البيت عن اليوم الثاني من النحر، ويوم النحر افضل. ولا باس للمفرد والقارن بان
يؤخراذلك... فاذا طاف طواف الزيارة، وسعى بين الصفا والمروة فقد احل من كل شيء احرم منه الا النساء، فاذا رجع الى البيت وطاف سبعا... ثم
يرجع الى منى، ولا يبيت ليالي التشريق الا بمنى»((304)).
وقال ابو الصلاح الحلبي(قدس سره) في (الكافي في الفقه):
«واما طواف الزيارة فركن من اركان الحج، ووقته للمتمتع بعد
الرمي والحلق والذبح من يوم النحر»((305)).
وقال الشيخ الطوسي في (النهاية): «ثم يجيء يوم النحر او من
الغدلا يؤخر ذلك الى مكة، ويطوف بالبيت طواف الحج،ويصلي
ركعتي الطواف...»((306)).
ثم قال(قدس سره) في باب «دخول مكة والطواف بالبيت»:
«والمتمتع اذا اهل بالحج لا يجوز له ان يطوف ويسعى الابعدان
ياتي منى ويقف بالموقفين، الا ان يكون شيخا كبيرا لا يقدر
على الرجوع الى مكة، او مريضا، او امراة تخاف الحيض فيحول
بينها وبين الطواف، فانه لا باس بهم ان يقدموا طواف الحج
والسعي. واما المفرد والقارن فانه لا باس بهما ان يقدما الطواف
قبل ان ياتيا عرفات»((307)).
وقال القاضي ابن البراج(قدس سره) في (المهذب في الفقه):
«ولا يطوف اذا كان متمتعا واهل بالحج حتى يحضر
منى والموقفين، الا ان يكون شيخا كبيرا او امراة تخاف الحيض
فيجوز لها تقديمه على ذلك»((308)).
وقال السيد ابن زهرة(قدس سره) في (الغنية): «ووقته
للمتمتع من حيث يحلق راسه من يوم النحر الى آخر
ايام التشريق، الا ان يكون هناك ضرورة؛ من كبر او مرض او
خوف حيض او عذر، فيجوز تقديمه على ذلك. كل ذلك
بدليل اجماع الطائفة»((309)).
ولابد بعد هذا العرض من تسجيل الملاحظات التالية:
1 - ان عبارات الفقهاء قبل الشيخ الطوسي وان تناولت المسالة
وكانها مسلمة من المسلمات، الا انها لم تتعرض لمسالة تقديم
الطواف لا من قريب ولا من بعيد، مع ان رواياته - الدالة على كلا
المذهبين في المسالة - كانت بين ايديهم، خصوصا مثل الصدوق
الذي كان فقيها ومحدثا في آن.
2 - لاحظ معي الشبه الكبير بين ما نقلناه عن (فقه الرضا)، وعن
الصدوق في (المقنع) و (الهداية)، وعن المفيد، وعن المرتضى،
مع ما ورد في هذه الرواية: 3 - نلاحظ انه من زمان الشيخ الطوسي(قدس سره) والى يومنا هذا وجدت المسالة مكانها في كتبنا الفقهية، واخذت في الغالب اتجاها واحدا؛ حيث ان كل من تعرض لها كان رايه فيها موافقا لما ذكره الشيخ(قدس سره) من انه لا يجوزالتقديم اختيارا، وان جوازه مقيد بما ذكر من حالات الضرورة. |