لاحظ معي كيف اختلفت عبارات الفقهاء الذين عاصروا الشيخ
والذين اتوابعده عن عبارات الذين سبقوهم؛ لاحظ مثلا كلام
ابي الصلاح الحلبي الذي نقلناه آنفا، او كلام ابن البراج، ثم
لاحظ كيف قويت المسالة بعد قرن ونيف حتى ادعى السيد ابن
زهرة(قدس سره) (المتوفى سنة 585 ه) الاجماع عليه. أليس هذا دليلا واضحا على تاسيس الشيخ لهذا المذهب واتباع الاخرين له فيه؟! وهنا يحق لنا ان نسال: لماذا لم يتعرض الفقهاء قبل الشيخ لمسالة التقديم مع وجود رواياتها بين ايديهم، وجريان سيرتهم في فتاواهم على ذكر عبارات الروايات، بحسب ما ذكر الشيخ في المبسوط؟!
لعل الجواب على هذا السؤال يتضح مما ذكره ابن ادريس في مقدمة (السرائر)، حيث نقل عن
الشيخ الطوسي في كتاب(العدة) قوله بان نقل الحديث لا يعني اعتقاد ناقله بمضمونه، بل
لعله انما رواه ليعلم انه لم يشذ عنه شيء
من الروايات، لا لانه يعتقد بذلك.
ثم نقل عنه قوله في الكتاب المزبور نفسه: «وقد ذكرت ما ورد
عنهم(ع) من الاحاديث المختلفة التي تختص الفقه - في كتابي
المعروف بالاستبصار وفي كتابي تهذيب الاحكام - ما يزيد على
خمسة آلاف حديث، وذكرت في اكثرها اختلاف الطائفة في
العمل بها، وذلك اشهر من ان يخفى، حتى انك لو تاملت
اختلافهم في هذه الاحكام وجدته يزيد على اختلاف ابي حنيفة
والشافعي ومالك .
ثم قال ابن ادريس(رحمه الله) في مقام تاييد مضمون ما ذكره
الشيخ: «وذكر الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان(رضي
الله عنه) في جواب سائل ساله فقال: كم قدر ما تقعد النفساء
عن الصلاة؟ وكم مبلغ ايام ذلك؟ فقد رايت في كتابك كتاب
احكام النساء احد عشر يوما، وفي الرسالة المقنعة ثمانية عشر
يوما، وفي كتاب الاعلام احد وعشرين يوما، فعلى ايها العمل
دون صاحبته؟ فاجابه بان قال: الواجب على النفساء ان تقعد
عشرة ايام، وانما ذكرت في كتبي ماروي من قعودها ثمانية
عشر يوما، وما روي في النوادر استظهارا باحد وعشرين يوما،
وعملي في ذلك على عشرة ايام .
ثم نقل(رحمه الله) كلام الشيخ في (المبسوط) الذي نقلنا
بعضه في اول هذا البحث، وعلق عليه بقوله: «فانظر - ابقاك الله-
الى كلام الشيخ(رحمه الله) وما قال في نهايته، واعتذاره عما
اودعه فيها، وقوله: قصر فهمهم عنها - يعني: اصحابه -فكيف
يحال على الرجل وينسب الى ان جميع ما اورده حق وصواب لا
يحل رده ولا خلافه؟!»((312)).
وبعد هذا العرض الذي قد يكون مملا ولكنه ضروري، يمكننا ان
ندعي بان الحكم بعدم جواز التقديم الا لضرورة لم يرد له اي
ذكر في الكلمات قبل الشيخ، وانما هو تفريع فقهي فرعه الشيخ
واسس بنيانه اعتمادا على بعض الاخبار التي سوف تاتي، ذكر
الشيخ فهمه لها، وتبعه عليه من اتى بعده من الفقهاء، وادعوا
عليه الاجماع.
فليكن هذا على ذكر منك عندما ناتي للمناقشة في بعض
الادلة الاتية. المقام الثاني - الأدلة
مر معنا في المقام الاول ان هناك قولين في المسالة، قولا بعدم
جواز التقديم اختيارا وجوازه في حال الضرورة، وقولابجواز
التقديم مطلقا؛ وعلينا هنا ان نذكر ادلة كل من القولين
فنقول:
ويمكن تقريب الاستدلال بهذه الايات: بانها في مقام بيان
ترتيب اعمال الحج ومناسكه، فذكرت الامر بالطواف بعد
ان اشارت الى مسالة الذبح او النحر وبعد ان امرت بقضاء التفث
الذي نقل في (مجمع البيان)((314)) عن بعضهم تفسيره بانه
ازالة شعث الاحرام؛ من تقليم ظفر واخذ شعر وغسل
واستعمال طيب، وفي (تفسير القمي)((315)) انه حلق
الرؤوس والاغتسال من الوسخ، وهي الامور التي يقوم بها الحاج
يوم العيد في منى. ومفهوم هذا الطواف عام؛ باعتبار خلو
الاية عن اي تقييد او اشتراط، فيشمل طواف الحج وطواف
النساء على السواء.
وقال المحقق الاردبيلي(قدس سره) بان الظاهر كون المراد
طواف الزيارة - اي طواف الحج - لانه ذكره بعد
التحليل والذبح((316)).
وعلى اي حال تكون الاية دالة على وجوب الاتيان بالطواف بعد
مناسك منى، وهو المطلوب.
واقصى ما تثبته هذه الاية - على فرض تمامية الاستدلال بها - هو
ان الطواف متاخر عن اعمال منى والوقوفين، ولاتثبت جواز
التقديم في حال الضرورة.
وجواب هذا الاستدلال: هو ان هناك شبه اجماع بين فقهاء
الامامية ومفسريهم على ان المقصود من (وليطوفوا) هوطواف
النساء فقط، ومستندهم في ذلك - والذي ذكره اغلب المفسرين
منهم - ثلاث روايات هي:
وعلق عليه العلامة المجلسي في (مرآة العقول) فقال: «لعل
المعنى انه ايضا داخل في الاية، ولعل في صيغة المبالغة اشعارا
بذلك. والظاهر انه اطلق هنا طواف الفريضة على طواف
النساء؛ لاشعار تلك الاية بتعدد الطواف. وقيل: المرادبطواف
الفريضة هنا طواف الزيارة، وحذف العاطف بينه وبين طواف
النساء. ولا يخلو من بعد»((319)).
وقد قوى استاذنا سماحة الشيخ مكارم الشيرازي -دام ظله - كون
المراد طواف النساء؛ اعتمادا على هذه الروايات، واضاف قائلا:
«خاصة اذا عبر بهذا المعنى ايضا في تفسير: ( ثم ليقضوا
تفثهم)، حيث يجب - اضافة الى تطهير البدن من القذارة والشعر
الزائد - تعطيره ايضا، وكما نعلم فانه لا يجوز استعمال العطور في
الحج الا بعد اتمام الطواف والسعي، او عندما لا يكون طواف
بذمة الحاج الا طواف النساء»((320)).
ومن هذا كله يتبين عدم تمامية الاستدلال بهذه الاية على
عدم جواز تقديم الطواف اختيارا. وثانيا: انه من الاجماعات الحاصلة عند الفقهاء المتاخرين عن الشيخ، وهو - باحتمال قوي - من بقايا الفتاوى التي بداهاالشيخ، وتبعه فيها من اتى بعده، حتى جاء ابن ادريس(قدس سره) وكسر هذا الجمود الفقهي نوعا ما؛ حتى انه(قدس سره) كان يطلق على الفقهاء المتاخرين عن الشيخ الموافقين له في فتاواه لقب «المقلدة . وقد بينا في الملاحظة الثالثة من الامر الثاني في المقام الاول هذه المسالة بشيء من التفصيل، فراجع.
1 - وعنه، عن ابيه، عن اسماعيل بن مرار، عن يونس، عن علي
بن ابي حمزة، عن ابي بصير قال: قلت لابي عبدالله(ع): رجل
كان متمتعا فاهل بالحج؟ قال: «لا يطوف بالبيت حتى ياتي
عرفات، فان هو طاف قبل ان ياتي منى من غيرعلة فلا يعتد
بذلك الطواف ((321)).
وهذه الرواية ضعيفة سندا من ناحيتين:
وهذه الرواية هي اصرح رواية تدل على هذا القول، ولكنها
ضعيفة سندا.
ان قلت: ضعفها منجبر بعمل المشهور.
قلنا: هذا المبنى غير تام كبرى وصغرى، اما وجه عدم تمامية
الكبرى فملخصه عدم نهوض دليل يثبت الحجية للخبر الضعيف ويخرجه من تحت اصالة عدم
الحجية المحكمة في كل شيء يشك في حجيته.
واما عدم تمامية الصغرى فلما اشار اليه السيد الخوئي(قدس
سره) في تقريرات بحثه الاصولي قال : «واما الصغرى -وهي
استناد المشهور الى الخبر الضعيف في مقام العمل والفتوى -
فاثباتها اشكل من اثبات الكبرى؛ لان مراد القائلين بالانجبار هو
الانجبار بعمل قدماء الاصحاب باعتبار قرب عهدهم بزمان
المعصوم(ع)، والقدماء لم يتعرضوا للاستدلال في كتبهم ليعلم
استنادهم الى الخبر الضعيف، وانما المذكور في كتبهم مجرد
الفتوى، والمتعرض للاستدلال انما هوالشيخ الطوسي(رحمه
الله) في (المبسوط)، وتبعه من تاخر عنه في ذلك دون من
تقدمه من الاصحاب، فمن اين يستكشف عمل قدماء الاصحاب
بخبر ضعيف واستنادهم اليه؟! غاية الامر انا نجد فتوى منهم
مطابقة لخبر ضعيف، ومجرد المطابقة لا يدل على انهم
استندوا في هذه الفتوى الى هذا الخبر؛ اذ يحتمل كون الدليل
عندهم غيره ((323)).
وكلامه(قدس سره) كلام تحقيقي متين، راجع الامر الثاني
الذي استعرضنا فيه كلمات القدماء مع ملاحظتنا عليها،يتضح
لك وجه متانته.
2 - حسنة علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن ابن ابي عمير، عن
حفص بن البختري، ومعاوية بن عمار، وحماد، عن الحلبي
جميعا، عن ابي عبدالله(ع) قال: «لا باس بتعجيل الطواف
للشيخ الكبير والمراة تخاف الحيض قبل ان تخرج
الى منى ((324)).
والاستدلال بهذه الرواية والرواية الاتية يبتني على مفهوم
الوصف، ولو بنحو الموجبة الجزئية حذرا من اللغوية،
ومعنى الرواية حينئذ ان هناك باسا في تعجيل الطواف لغير من
ذكر.
وهذا وان كنا نسلم به الا انه لا دليل على كونه باسا مطلقا
مساوقا للحرمة ، بل هو بقرينة الروايات التي سوف نستدل بها
على القول الثاني باس بمعنى خلاف الاولى مثلا.
3 - علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن اسماعيل بن مرار، عن يونس،
عن اسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت ابا عبدالله(ع) يقول:
«لا باس ان يعجل الشيخ الكبير والمريض والمراة والمعلول
طواف الحج قبل ان يخرج الى منى ((325)).
4 - سعد بن عبد الله، عن احمد بن محمد، عن محمد بن
عيسى، عن الحسن بن علي، عن ابيه، قال: سمعت اباالحسن
الاول(ع) يقول: «لا باس بتعجيل طواف الحج وطواف النساء
قبل الحج يوم التروية قبل خروجه الى منى. وكذلك لا باس
لمن خاف امرا لا يتهيا له الانصراف الى مكة ان يطوف ويودع
البيت، ثم يمر كما هو من منى اذا كان خائفا»((326)).
وقد وردت الرواية بهذا الاسناد في كل من (التهذيب) و
(الاستبصار)، ولكنه في (الوسائل) لم يذكر محمد بن عيسى
من ضمن رجال هذا السند، وهذا اشتباه من الشيخ الحر(قدس
سره)؛ وذلك لتكرر هذا الاسناد من الشيخ في كتابيه في
عدة مواضع مما يبعد احتمال اشتباهه فيه.
وقد عبر في (الجواهر) عن هذه الرواية بصحيحة علي بن
يقطين عن الكاظم(ع)((327)). وهكذا عبر عنها ايضا
السيدالخوئي(قدس سره).
وقد استدل السيد الخوئي(قدس سره) بكلام الامام(ع) فيها
المتضمن للجملة الشرطية، وقال بان مقتضى مفهوم
الشرط عدم جواز التقديم على اطلاقه((328)).
ولكن الظاهر ان الرواية - ان سلمنا انها تتحدث عن المتمتع - هي
على جواز التقديم مطلقا ادل، والوجه في ذلك ان الرواية
تشتمل على فقرتين، وقد اطلق الامام(ع) في الفقرة الاولى
جواز تعجيل طواف الحج وطواف النساء قبل الحج يوم التروية
قبل الخروج الى منى، ولم يقى ده باي من القيود التي مرت
في الروايتين السابقتين، ثم في الفقرة الثانية نفى(ع) الباس
عن تعجيل الخائف لاعماله.
وعلى هذا لا يمكن النظر الى الرواية من خلال فقرتها الثانية
فقط، بل لابد من ملاحظة كلتا الفقرتين. وسوف ياتي - ان شاء
الله - عند بيان وجوه الجمع بين الروايات في آخر البحث امكان
ان تكون هذه الرواية شاهدا على احد وجوه الجمع.
5 - وعن ابي علي الاشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن
صفوان بن يحيى، عن اسحاق بن عمار قال: سالت اباالحسن(ع)
عن المتمتع اذا كان شيخا كبيرا او امراة تخاف الحيض؛ يعجل
طواف الحج قبل ان ياتي منى؟ فقال: «نعم،من كان هكذا
يعجل . قال: وسالته عن الرجل يحرم بالحج من مكة، ثم يرى
البيت خاليا فيطوف به قبل ان يخرج؛ عليه شيء؟ فقال:«لا...»
الحديث((329)).
السند: اما ابو علي الاشعري فهو احمد بن ادريس شيخ الكليني،
وهو من الثقات الفقهاء، كثير الحديث، صحيح الرواية،بحسب ما
ذكر في حقه النجاشي((330)).
واما محمد بن عبد الجبار فهو ابن ابي الصهبان، قمي
ثقة((331))، وصفوان بن يحيى وهكذا اسحاق بن عمار
من الثقات، ولكن الاخير كان فطحيا، فتكون الرواية موثقة.
واما الدلالة: فهي ان لهذه الرواية مفهوما يدل على ان من لم
يكن شيخا كبيرا او امراة تخاف الحيض فعليه الايعجل.
ولكن الانصاف عدم دلالة فيها على النهي عن التعجيل عن غير
من ذكر بدرجة الحرمة، بل انها اضعف في الدلالة على ذلك من
مفهوم نفي الباس المذكور في بعض الروايات السابقة.
6 - موسى بن القاسم، عن صفوان بن يحيى الازرق، عن ابي
الحسن(ع)، قال: سالته عن امراة تمتعت بالعمرة الى الحج
ففرغت من طواف العمرة، وخافت الطمث قبل يوم النحر؛
ايصلح لها ان تعجل طوافها طواف الحج قبل ان تاتي منى؟ قال:
«اذا خافت ان تضطر الى ذلك فعلت ((332)).
ذكر محقق (الوسائل) في تعليقته على هذا الحديث: «في
هامش المخطوط (صفوان عن يحيى) ظاهرا، كما في
المنتهى بخطه .
وقال السيد الخوئي(قدس سره) في معتمده ما نصه: «والظاهر
ان في العبارة سقطا، والصحيح صفوان بن يحيى عن يحيى
الازرق، كما في النسخ الاخرى. ويؤكد ذلك ان صفوان بن
يحيى الازرق لا وجود له في الرواة، ويحيى الازرق اسم لعدة
اشخاص فيهم الثقة والضعيف، فيكون يحيى الازرق المذكور
في السند مرددا بين الثقة والضعيف، ولكنه ينصرف الى الثقة،
وهو يحيى بن عبد الرحمان؛ لاشتهاره ((333)).
اقول: ما هو موجود في النسخ الاخرى كالتي اشار اليها محقق
(الوسائل): «صفوان عن يحيى لا: «صفوان بن يحيى عن يحيى
الازرق ؛ وعلى هذا نحتاج الى قرينة تعين لنا انه ابن يحيى.
والقرينة هي ان صفوان الاخر المذكور في الرجال هو صفوان
بن مهران الجمال، وهو من اصحاب ابي عبد الله(ع)،بينما هذه
الرواية مروية اما عن الامام الكاظم واما عن الامام الرضا(ع)، فلا
يمكن ان يكون صفوان بن مهران هوالمقصود هنا.
فما ذكره السيد الخوئي(قدس سره) من ان صفوان هنا هو ابن
يحيى هو الصحيح، لكن مع هذا التوضيح.
ويمكننا ان نضيف في تاييد كون المقصود من يحيى الازرق
ابن عبدالرحمان ان الشيخ قد روى في التهذيب عنه عن طريق
صفوان، فقال: «سعد ابن عبد الله، عن احمد بن محمد، عن
الحسين بن سعيد، عن صفوان وعلي ابن النعمان، عن يحيى بن
عبد الرحمان الازرق ((334)). اذا الرواية تامة سندا، والله
العالم.
وتقريب الاستدلال بها هو ان لها مفهوما يدل على عدم الجواز
في غير مورد الضرورة. الكلام السابق نفسه ياتي في هذه الرواية،
وهو انه لا دليل فيها على نفي التقديم على نحو الالزام.
7 - محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم،
عن علي ابن ابي حمزة قال: سالت ابا الحسن(ع) عن رجل
يدخل مكة ومعه نساء قدامرهن فتمتعن قبل التروية بيوم او
يومين او ثلاثة، فخشي على بعضهن الحيض؟ فقال:«اذا فرغن
من متعتهن واحللن فلينظر الى التي يخاف عليها الحيض
فيامرها فتغتسل وتهل بالحج من مكانها، ثم تطوف بالبيت وبالصفا والمروة، فان حدث بها
شيء قضت بقية المناسك وهي
طامث...»الحديث((335)).
وهذه الرواية ضعيفة سندا بعلي بن ابي حمزة؛ لانه البطائني لا
ابن ابي حمزة الثمالي؛ لان الشيخ في رجاله عد الثاني من
اصحاب الامام السجاد(ع) بينما هذه الرواية مروية عن الامام
الكاظم(ع) بحسب الظاهر. فتعبير صاحب الجواهر(قدس سره)
عن هذه الرواية بالخبر في محله.
ودلالتها على المدعى ضعيفة ايضا كسندها؛ لان مضمونها
ينسجم ايضا مع ما لو كان التقديم خلاف الاولى، على ماسوف
تاتي الاشارة اليه.
الدليل الثالث: ان الطواف يوجب حل الاحرام؛ لقول الباقر(ع)
في رواية زرارة: «من طاف بالبيت وبالصفا والمروة احل؛احب
او كره ((336)). ومن المعلوم ان الاحرام شرط في اغلب اعمال
الحج الاخرى، اذا لابد من الالتزام بعدم جواز تقديم الطواف
اختيارا فرارا من هذا المحذور. الدليل الوحيد الذي يمكن اقامته على هذا القول هو من الروايات، وهي:
1 - صحيحة ابن بكير وجميل، عن ابي عبد الله(ع) انهما سالاه
عن المتمتع يقدم طوافه وسعيه في الحج؟ فقال: «هماسيان
قدمت او اخرت ((340)).
2 - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سالت ابا ابراهيم(ع)
عن الرجل يتمتع ثم يهل بالحج فيطوف بالبيت ويسعى بين
الصفا والمروة قبل خروجه الى منى؟ فقال: «لا باس ((341)).
3 - صحيحة علي بن يقطين قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن
الرجل المتمتع يهل بالحج ثم يطوف ويسعى بين الصفاوالمروة
قبل خروجه الى منى؟ قال: «لا باس به ((342)).
4 - صحيحة حفص بن البختري، عن ابي الحسن(ع) في تعجيل
الطواف قبل الخروج الى منى، فقال: «هما سواء اخرذلك او قدمه
-يعني للمتمتع -»((343)).
5 و 6 - موثقة ابن بكير، عن زرارة عن ابي جعفر(ع)، وصحيحة
جميل عن ابي عبد الله(ع) انهما سالاهما عن المتمتع يقدم
طوافه وسعيه في الحج؟ فقالا: «هما سيان قدمت او
اخرت ((344)).
7 - موثق اسحاق بن عمار قال: سالت ابا الحسن(ع) عن الرجل
يحرم بالحج من مكة ثم يرى البيت خاليا فيطوف به قبل ان يخرج، عليه شيء؟ فقال: «لا»((345)).
ونضيف نحن بان ظهوره في ذلك لا ريب فيه، وتقييده
بالمندوب يحتاج الى دليل، وهو مفقود. ان قلت: لم لا يكون الدليل على تقييده روايات القول السابق او ما ذهب اليه المشهور من عدم جواز تقديم المتمتع لطوافه اختيارا؟ قلنا - اولا: لم نر شيئا قد تم سندا ودلالة من تلك الروايات.وثالثا: ان تقييده بالمندوب اعتمادا على راي المشهور كانه مصادرة؛ لاننا لم نسلم بعد بصحة ما ذهبوا اليه.
اذا هذه سبع روايات تامة سندا تدل بوضوح وصراحة على جواز
التقديم مطلقا، بينما الروايات السابقة تدل على عدم جواز
التقديم الا لمثل الشيخ الكبير والمريض والخائف والمعلول
والمراة تخاف الحيض؛ فيكون هناك تناف بين الروايات لابد
من بيان وجه لحله. المقام الثالث - وجوه الجمع بين الروايات
ذكر الشيخ الطوسي(قدس سره) ان الجمع الدلالي بين هذه
الروايات يقتضي حمل الروايات المجوزة المطلقة على صورة
الضرورة الممثل لها في الروايات الاخرى بالشيخ الكبير
والمريض والخائف والمراة تخاف الحيض والمعلول.
وهو(قدس سره) اول من ذكر هذا الحمل.
والظاهر ان اول من ناقش فيه هو المقدس الاردبيلي(قدس
سره) حيث قال: «ولا يبعد جواز طواف الزيارة
وتقديمه؛لصحيحة ابن بكير وجميل عن ابي عبد الله(ع)...
وصحيحة حفص بن البختري عن ابي الحسن(ع)... وغيرهما
من الاخبار في الفقيه والتهذيب، مثل رواية عبد الرحمان بن
الحجاج، حملها على الضرورة بغير ضرورة لا يناسب؛
لعدم صحة دليل التقييد، والصراحة، بل تحمل على التخيير
والاولى، فقول الشهيدين بعدم الجواز الا مع الضرورة
محل التامل ((347)).
اذا الحمل الاخر في المقام هو الحمل على التخيير مع اولوية
التاخير.
ولم ير في (المدارك) ضرورة الى ارتكاب الحمل على حالة
الضرورة الذي ذكره الشيخ؛ وذلك لانتفاء ما
يصلح للمعارضة((348)).
وادعى في (الجواهر) امكان حصول القطع باعتبار العذر في
جواز التقديم من الروايات التي استدل بها على
القول الاول((349)).
واستبعد المحقق ضياء الدين العراقي(قدس سره) الحمل على
صورة العذر الذي ذكره في الجواهر في النصوص التي تحكم
بالتسوية بين التقديم والتاخير، معللا له بانه مع العذر لا تسوية،
فلا محيص عن حمله على صورة الاختيار.ثم اضاف: «وحينئذ
يصلح هذا شاهدا لحمل البقية على الكراهة عباديا((350))، فما
عن المدارك من تامله في المسالة في غاية المتانة. ولا ينبغي
نسبة الوسوسة اليه في مثل ذلك من النصوص الصحيحة
الصريحة. ولا مجال لتوهين الشهرة على خلافها لسندها ايضا؛
لاحتمال بنائهم على تقديم الجمع بالتقييد على ما ذكرنا من
الجمع، وفي مثله لا نبالي بمخالفة المشهور مع مساعدة الدليل
والله العالم ((351)).
واما السيد الخنساري(قدس سره) فانه بعد ان ترك العمل
بروايات التسوية اعتمادا على عدم اخذ الاصحاب باطلاقها،ذكر
انه لولا ذلك لكان مقتضى الجمع العرفي حمل خبر ابي بصير
على المرجوحية((352)).
اي ان التقديم من غير عذر جائز ولكنه مرجوح. وهو عبارة
اخرى عن حمل المقدس الاردبيلي السابق.
وقال المحقق الداماد(قدس سره) بان حمل الروايات المجوزة
على حال الضرورة اخراج للفرد الشائع، وهي آبية عنه؛ضرورة
ان قوله(ع): «هما سيان قدمت او اخرت آب عن ارادة خصوص
من كان التقديم له لابد منه. وانتهى(قدس سره) الى ان الجمع
بين روايات الباب بجواز التقديم وافضلية التاخير مع حفظ
مراتب الفضل اولى بل المتعين((353)).
وهذا الحمل ايضا عبارة اخرى عما ذكره المقدس الاردبيلي.
واستبعد السيد الخوئي(قدس سره) الجمع عرفا في المقام
برفع اليد عن ظهور النهي في الحرمة وحمله على
الكراهة،وذكر في وجهه: «لان مفهوم قوله: «لا باس بتعجيل
الطواف للشيخ الكبير» ثبوت الباس لغيره، وفي الروايات
المجوزة نفي الباس، والجمع بين «لا باس و «فيه الباس من
الجمع بين المتناقضين، بحيث لو اجتمعا في كلام لكان مما
اجتمع فيه المتناقضان .
ثم حكم باستحكام التعارض بين الروايات، ورجح الروايات
المانعة للتقديم من غير علة، وذكر في وجهه ما نصه: «اناعلمنا
من كثير من الروايات البيانية لكيفية الحج - حتى الروايات
الحاكية لحج آدم(ع) - تاخر الطواف عن الوقوفين واعمال منى.
وكذلك يستفاد التاخر من صحيح سعيد الاعرج الوارد في
افاضة النساء ليلا، قال فيه: «فان لم يكن عليهن ذبح فلياخذن
من شعورهن ، ويقصرن من اظفارهن، ثم يمضين الى مكة في
وجوههن، ويطفن البيت، ويسعين بين الصفا والمروة...»
الحديث((354)). وقد تقدم قريبا اخبار كثيرة ذكر فيها انه
يزور البيت يوم النحر او من غده او يزور البيت الى آخر يوم من
ايام التشريق او الى طول ذي الحجة. وايضا ورد في النصوص
عدم تقديم الطواف على اعمال منى؛ من الرمي والذبح
والحلق، كما ذكرنا كل ذلك في محله. فمن جميع ذلك يعلم
ان المرتكز هو تاخير الطواف عن الوقوفين بل عن اعمال منى،
فيكون الترجيح للاخبار المانعة لكونها موافقة للسنة، فلابد من
طرح الاخبار المجوزة ورد علمها الى اهلها.مضافا الى انه لو
كان التقديم جائزا مع كون المسالة مما يبتلى به كثيرا لظهر
الحكم بالجواز وبان وشاع، مع انه ادعي الاجماع على المنع ولم
يذهب الى الجواز الا بعض متاخري المتاخرين. فالتقديم غير
جائز اختيارا وانما يجوز للعاجز ولذي الاعذار»((355)).
وذهب الفاضل اللنكراني - دام ظله - الى ترجيح الروايات المانعة
عن التقديم الا في حال الضرورة، معللا لذلك بمانصه: «لان اول
المرجحات على ما استفدنا من المقبولة هي الشهرة الفتوائية،
ومن المعلوم ان التفصيل موافق للشهرة ان لم نقل بالاجماع،
وان رفعنا اليد عن هذا المرجح تصل النوبة الى موافقة الكتاب
الذي هو اعم من السنة لا مقابلا لها.ومن الواضح ايضا ان السنة
القولية والعملية قامت على التاخير، سيما صحيحة
سعيدالاعرج...»((356)).
وما ذكره - دام ظله - في ترتيب المرجحات فيه نقاش كثير في
علم الاصول، وقد ذهب بعض الاعلام الى ان اول المرجحات -
على ما هو المستفاد من اخبار العرض - هو موافقة الكتاب، ثم
بعد ذلك تصل النوبة الى المستفاد من المقبولة وغيرها على
فرض تماميته في نفسه وغض النظر عماذكره المحققون في
رده خصوصا الشيخ في(الرسائل)((357)). فما ذكره - دام ظله -
صحيح على مبناه في ذلك اصوليا، ان استحكم التعارض
واحتيج الى وجه للترجيح.
لابد أولا من ملاحظة ان كان يمكن الجمع الدلالي العرفي بين
مضامين هذه الروايات؛ لانه هو المقدم دائما، اذ به يمكن ابراز
مضمون واحد جامع يرفع التنافي. ثم ان لم يمكن هذا الجمع
يستحكم التعارض، ويرجع حينئذ الى قواعد الترجيح المقررة
شرعا، فنقول:
اما حمل الروايات المجوزة المطلقة على صورة الضرورة فانه لا
تساعد عليه مضامينها؛ لان السنتها - كما اشار اليه المحقق
الداماد - آبية عن ان يراد بها خصوص من كان التقديم له لابد
منه؛ بمعنى ان التصريح بالتسوية بين التقديم والتاخير لا
يتقبل العرف انطباقه على خصوص مثل المريض والعاجز
والمراة التي تخاف الحيض. والعرف هو المرجع في الجمع
الدلالي.
واما ما ذكره السيد الخوئي(قدس سره) في وجه عدم امكان
الجمع عرفا بحمل النهي على الكراهة بتقريب:
ان الروايات المجو زة تنفي الباس بينما الروايات المانعة تثبت
الباس، ولا يجتمع «لا باس مع «فيه باس في كلام واحد، فهو
غريب منه(قدس سره)؛ وذلك لانه ليست كل الروايات
المجوزة فيها هذا التعبير، وفي الحقيقة هذا اللسان هو اضعف
السنة الجواز في تلك الروايات، وهناك لسانان آخران اقوى في
الدلالة على الجواز هما:
وحمل النهي على الكراهة لاجل هذين اللسانين يتقبله العرف
بلا اي اشكال. هذا اولا.
وثانيا: ان الروايات المجوزة تنفي الباس بالمنطوق، بينما
الروايات المانعة تثبت الباس بالمفهوم - والذي فيه ما فيه -فلا
يلزم من ذلك الجمع بين المتناقضين عند العرف؛ لان العرف
يقدم الدلالة المنطوقية هنا على المفهومية؛لصراحتها.
وعلى هذا لا مانع من الجمع عرفا بين الروايات، فيحمل النهي
في الروايات المانعة على الكراهة. ويشهد له نوعا ماصحيحة
علي بن يقطين السابقة،وهي الرواية الرابعة من روايات القول
الاول، فراجع. وهذا هو الصحيح،والله العالم.
واما اذا نوقش في ذلك ووصلت النوبة الى المرجحات، فهي
تقتضي تقديم الروايات المجوزة مطلقا؛ لان الروايات المانعة
موافقة للعامة بحسب ما بيناه في الامر الاول من المقام الاول.
واما الشهرة فقد بينا حالها في الامر الثاني هناك ولا نعيد. ان قلت: ماذا تفعل بالروايات الكثيرة التي مرت الاشارة اليها في كلام السيد الخوئي(قدس سره) الحاكية لكيفية الحج،وافاضة النساء ليلا، وزيارة البيت يوم النحر؟
قلنا: نحن قد جوزنا التقديم فقط، ولم نقل بانه واجب وانه لا
يجوزالتاخير، بل هما سيان. فاذا ضممنا ذلك الى المعروف من
مذهب العامة، وكون الحج عبادة يشرف عليها السلطان، امكننا
ان نبرز عدة تبريرات لتلك الروايات.
بقي هنا شيء:
ذكر بعض العلماء بان الاعتبار يقتضي جواز التقديم، فان كثرة
الحجاج تقتضي ذلك لئلا يقعوا في العسر بلزوم طوافهم
وسعيهم كلهم مرة واحدة بعد الحج، خصوصا عند من يرى ان
وقتهما الى ثلاثة ايام بعد العيد((358)). وفيه - أولا: اننا نبحث عن حكم التقديم بعنوانه الاولي، وما ذكرتم يثبت الجواز بالعنوان الثانوي.وثانيا: ان الجواز بملاك رفع العسر او الحرج وامثال ذلك جواز شخصي يثبت في حق من يواجه العسر او الحرج،وليس جوازا نوعيا ثابتا في حق عموم المكلفين.
رؤية جديدة الشيخ محمد الرحماني المقدمة
الحج احد اركان الاسلام((359))، وبما انه واجب فيكون تاخيره
معصية كبيرة. وطبقا للايات والروايات وكلمات الفقهاء فان
انكاره موجب للكفر وصاحبه معدود ضمن الكفار((360)).
والايات والروايات الواردة في بيان اهمية الحج لا يمكن
استيعابها في هذه المقدمة، ولا شك في انه يمكن عد الحج
من اهم الاحكام والواجبات الى حد بحيث يستفاد من بعض
روايات الائمة المعصومين(ع) ان الحج اهم الواجبات
جميعاوابرزها حتى الصلاة((361))؛ من هنا نرى زرارة
يخاطب الامام الصادق(ع): «اني اسالك عن الحج اربعين عاما
ولاتزال تجيبني!»((362)).
ثم ان الاثار الجمة للحج في مختلف الابعاد سيما السياسية
والثقافية والمعنوية لا تكاد تخفى على كل مفكر وذي مسكة.
وفي هذا السياق، يجدر القول بان العمرة المفردة جزء مهم من
اجزاء الحج، وباعتبار امكان الاتيان بها في اغلب ايام السنة
فتكتسب اهمية خاصة.
وبالرغم من ان الفقهاء قد قدموا حول الحج والعمرة بحوثا
عميقة وواسعة واثروا بذلك تراثنا الفقهي النفيس والخالد،
بيدان بعض البحوث حولهما بحاجة الى تحقيق واعادة النظر
برؤية جديدة.
ومن جملة ذلك تاتي مسالة «وجوب العمرة المفردة على
جميع المسلمين حتى من كان بعيدا عن مكة،
وحسب اصطلاح الفقهاء «النائي ((363)).
ومن الواضح ان الاستطاعة للعمرة المفردة لم تكن منفصلة
عن الاستطاعة لحج التمتع؛ لانه في السابق كان يتم
ذلك بالوسائل والامكانات البدائية واليدوية، سيما وان الكثير
كان يبعد عن مكة المكرمة بمسافات كبيرة، فلذا لم تلق
هذه المسالة نصيبها من البحث. ولكن باعتبار الفرق بين
الاستطاعة للعمرة المفردة والاستطاعة للحج، ومن المحتمل
ان يكون بعض الافراد مستطيعين بالنسبة الى العمرة المفردة،
يطرح السؤال التالي:
هل تجب العمرة المفردة على من كان بعيدا عن مكة المكرمة
ولم يكن مستطيعا للحج، او لا؟ وغير ذلك من الاسئلة الكثيرة.
وهذا المقال يدور حول تحصيل الجواب العلمي والتفصيلي
لهذا السؤال وغيره من الاسئلة، على اننا لسنا في مقام الافتاء
الذي هو اعلى شانا من كاتب هذه السطور. وسنواصل البحث
ضمن ستة محاور:
وربما نستطيع القول بان السيد المرتضى علم الهدى [م : 436]
هو اول فقيه بين الامامية كان قد طرح مسالة وجوب العمرة
المفردة وفتح باب البحث فيها، حيث كتب في (جمل
العلم):«والحج واجب في العمر مرة واحدة، وكذلك العمرة
تجب مرة واحدة ((364)).
وذكر نفسه في (المسائل الناصرية): «والعمرة واجبة من جهة
الاستطاعة كالحج ((365)).
وكتب الشيخ الطوسي [م : 460] في (النهاية): «والمتمتع اذا
تمتع سقط عنه فرض العمرة؛ لان عمرته التي يتمتع بهابالحج
قامت مقام العمرة المبتولة [: المفردة] ولم يلزمه
اعادتها»((366)).
وكتب القاضي ابن البراج [م : 481]: «العمرة واجبة كالحج...
وهي على ضربين: عمرة متمتع بها الى الحج، والاخر
عمرة مفردة منه ((367)).
وقال ابن حمزة [م : 580]: «والعمرة: فرض وندب.
والفرض: مفرد وغير مفرد. والمفرد اربعة اضرب: لازم بالنذر او
العهد او بعد حجة القران او الافراد»((368)).
وكتب ابن ادريس [م : 598]: «العمرة [: المفردة] فريضة مثل
الحج لا يجوز تركها. ومن تمتع بالعمرة الى الحج سقط عنه
فرضها»((369)).
وكتب المحقق الحلي [م : 676]: «فالاولى [: عمرة التمتع]
تجب على من ليس من حاضري المسجد الحرام. ولا تصح
الافي اشهر الحج وتسقط المفردة معها»((370)).
وذكر نفسه في (المختصر النافع): «وهي [: العمرة] واجبة في
العمر مرة على كل مكلف بالشرائط المعتبرة في الحج ((371)).
1 - ان مسالة وجوب العمرة المفردة وعدم وجوبها لم تكن
مطروحة في كلمات الفقهاء المتقدمين على السيدالمرتضى،
ولذا لم نعثر على موقف تجاه ذلك.
2 - بالرغم من ان الفقهاء قد استعملوا كلمة (عمرة) مطلقة من
دون تقييد لكن لا شك في كون المراد العمرة المفردة؛لان
حكم (عمرة التمتع) تابع لحكم (حج التمتع) وليس له حكم
مستقل، وكمثال على ذلك ان المحقق الحلي في
المختصرالنافع يقول: بان العمرة واجبة، الا انه يبين احكام
العمرة المفردة، مضافا الى انه لو تتبعنا الروايات فلا يبعد دعوى
ان العمرة المطلقة في الروايات المراد بها العمرة المفردة ،
ولكي يتضح ذلك يراجع روايات ابواب العمرة، خصوصا
الباب الاول والثالث والسادس.
3 - ان بعض الفقهاء صرح بوجوب العمرة، والبعض الاخر -
كالشيخ الطوسي والمحقق الحلي في الشرائع - بان عمرة التمتع
تجزي عن وجوب العمرة المفردة.
فالمستفاد من هذه العبارة ان العمرة المفردة واجبة على
الجميع حتى من كان نائيا عن مكة ولكن تجزي عنها
عمرة التمتع، والا فلا معنى لاجزاء عمرة التمتع التي هي
وظيفة البعيدين عن مكة.
وبناء على ذلك، فان الفقهاء قد بينوا وجوب العمرة المفردة
تصريحا او تلويحا، وبعضهم لم يعنون هذه المسالة في كتابه.
الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والاباحة، باعتبار ان
العمرة كالحج تقع موضوعا لاحكام مختلفة:
1 - فالعمرة تكون واجبة وجوبا اصليا بناء على قول من يذهب الى
وجوب العمرة المفردة مستقلة، نظير من كان مستطيعا بالنسبة للعمرة دون الحج، او نظير
وجوب العمرة على من كان قريبا [= حاضرا] من مكة.
2 - وتكون العمرة واجبة وجوبا عرضيا، نظير من يستؤجر للاتيان
بالعمرة او وجوب العمرة بالنذر((372)).
3 - وتكون العمرة مستحبة كالعمرة المفردة بعد الاتيان بالحج
الواجب.
4 - العمرة التي ليست واجبة ولا مستحبة بل تكون غير مشروعة
او مكروهة((373))، كايقاع العمرة المفردة بين عمرة التمتع
وحج التمتع، وكالعمرة المفردة مع عدم الفاصلة الزمانية
اللازمة بين عمرتين، وعليه فهذه الفاصلة لازمة ولابد
من مراعاتها((374)). تعددت الاقوال في ان العمرة المفردة هل هي واجبة على من كان بعيدا[= نائيا] عن مكة، او لا؟ ومن تلك الاقوال:
1 - ان العمرة المفردة واجبة على من كان قريبا من مكة [=
حاضرا]. وهذا القول ينطوي على عدة شقوق، فبعض اصحاب
هذا القول يوجبون ذلك في العمر مرة، وبعض يرى وجوبه دائما
بعد حج الافراد والقران.
2 - ان العمرة المفردة واجبة على كل مكلف سواء كان بعيدا من
مكة ام قريبا. واصحاب هذا القول ايضا بعضهم يعتبر وجوب
العمرة فوريا كوجوب الحج؛ فلو ان احدا استطاع ولم يات بها
فيجب اخراج ذلك من اصل تركته، وبعض آخر - كية الله
الشاهرودي - يعتبر ذلك واجبا شرعيا وليس ماليا((375)).
على ان ثمة اقوالا اخرى مطروحة بين الفقهاء لسنا بصدد
تحقيقها، وانما نحن بصدد اثبات صحة القول الثاني وصوابه. ان فقهاء اهل السنة كفقهاء الامامية قد اختلفوا في حكم العمرة المفردة، فبعضهم ذهب الى وجوبها وبعض آخر ذهب الى الاستحباب، وسنبين كل واحد منها: وذكر وهبة الزحيلي في كتاب (الفقه الاسلامي وادلته): «وقال الشافعية في الاظهر والحنابلة: العمرة فرض كالحج؛ لقوله تعالى: (واتموا الحج والعمرة لله) اي ائتوا بهما تامين، ومقتضى الامر الوجوب، ولخبر عائشة - رضي الله عنها - قالت:«قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة»((377)). وذكر الدكتور وهبة الزحيلي ايضا استدلالهم ضمن نقله راي المالكية، فقال: «قال الحنفية على المذهب والمالكية على ارجح القولين: العمرة سنة مؤكدة مرة واحدة في العمر؛ لان الاحاديث المشهورة الثابتة الواردة في تعدادفرائض الاسلام لم يذكر منها العمرة، مثل حديث ابن عمر: «بني الاسلام على خمس فانه ذكر الحج مفردا، وروى جابر:ان اعرابيا جاء الى رسول الله(ص) فقال: يا رسول الله، اخبرني عن العمرة، اواجبة هي؟ فقال: لا، وان تعتمر خيرلك»((379)). وقال محم د جواد مغنية ايضا: «قال الحنفية والمالكية: العمرة سنة مؤكدة وليست فرضا»((380)). ونقل الجزيري((381)) ومحمد جواد مغنية((382)) الراي نفسه عن الحنفية. وروي ذلك ايضا عن عطاء؛ لان ركن العمرة ومعظمها بالطواف بالبيت، وهم يفعلونه، فاجزاعنهم ((383)). في حين ان صاحب كتاب (الفقه على المذاهب الاربعة) حكى عن المذهب الحنبلي القول بالاستحباب المؤكد مطلقا، ولم يقبل التفصيل الذي ذكره الزحيلي((384))، ومحمد جواد مغنية في كتاب (الفقه على المذاهب الخمسة) نقل تفصيل الزحيلي عن الجزيري نفسه((385)). سنورد الادلة التي يمكن ان تدل على وجوب العمرة تحت ثلاثة عناوين، وسنتناولها بالبحث والتحقيق: أ - الايات:
اشكال:
التحقيق: وبعبارة اخرى: ان (اتموا) هنا بمعنى وجوب الاداء والاتيان بالعمرة. ومما يشهد على هذا المدعى الايات والروايات الواردة في مقام بيان الوجوب والمشتملة على نظير هذا التعبير.
2 - قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه
سبيلا)((389))، ودلالة الاية على وجوب العمرة تامة؛ لان
الحج في الاية بمعنى الزيارة والقصد الى بيت الله، وبما ان العمرة
تشتمل على الطواف الذي يشتمل على القصد والزيارة؛
اذااطلاق الاية يكون شاملا للعمرة ايضا.
مضافا الى ذلك ان الروايات الواردة عن المعصومين(ع) فسرت
الاية بالحج والعمرة، منها ما جاء في صحيحة عمر بن اذينة:
«سالت ابا عبد الله عن قول الله عزوجل: (ولله على الناس حج
البيت من استطاع اليه سبيلا) يعني به الحج دون العمرة؟! قال:
لا، ولكنه يعني الحج والعمرة جميعا؛ لانهما
مفروضان ((390)). وهي صحيحة سندا، وروايات اخرى
كصحيحة معاوية بن عمار((391))، ولا حاجة لذكرها.
3 - قوله تعالى: (فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان
يطوف بهما)((392)).
اشكال:
واكثر هذه الروايات تامة من ناحية السند والدلالة، وقد اورد
صاحب وسائل الشيعة بابا تحت عنوان (وجوبها [:العمرة] على
المستطيع) يتضمن اثنتي عشرة رواية، وبابا آخر تحت عنوان
(من تمتع بالعمرة الى الحج سقط عنه فرض العمرة) يتضمن
ثماني روايات، منها:
1 - عن ابي عبد الله(ع) قال: «العمرة مفروضة مثل
الحج ((393)).
وهذه الرواية تامة من حيث الدلالة، واما من حيث السند
فطريق الصدوق الى المفضل بن صالح كالتالي: «وما كان
فيه عن ابي جميلة المفضل بن صالح فقد رويته عن ابي(رضي
الله عنه)، عن الحميري، عن احمد بن محمد بن عيسى،
عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي، عن ابي جميلة
المفضل بن صالح . وهذا السند تام. وعليه فجميع رجال
السندثقات، فالرواية صحيحة.
2 - عن الحلبي عن ابي عبد الله(ع) قال: «اذا استمتع الرجل
بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة ((394)).
حيث يستفاد من هذه الرواية ان العمرة المفردة واجبة وبدورها
تسقط عنه الاتيان بعمرة التمتع. والسند المزبورصحيح.
والذي رايناه هو دلالة بعض الروايات على وجوب العمرة
المفردة.
وقال العلامة الحلي في منتهى المطلب: «العمرة واجبة مثل
الحج على كل مكلف حاصل فيه شرائط الحج باصل
الشرع،ذهب اليه علماؤنا اجمع ((396)).
وقد ادعى المحقق النراقي على هذا الامر الاجماع بقسميه
المنقول والمحصل، فكتب: «تجب العمرة على الفور في
العمرمرة باصل الشرع على كل مكلف بالشرائط المعتبرة في
الحج؛ بالكتاب والسنة والاجماع المحقق
والمنقول مستفيضا»((397)).
التحقيق: |