الخلاصة:
المتحصل من مجموع الايات والروايات الواردة في العمرة المفردة: ان العمرة المفردة كالحج تجب على كل من له استطاعة، بلا فرق بين البعيد عن مكة او القريب؛ وذلك لاطلاق الايات والروايات من هذه الجهة.

6 - بحث ادلة القول المخالف:
يوجد في مقابل القول بوجوب العمرة المفردة قول بعدم وجوبها، واصحاب هذا القول ومن اجل اثبات مدعاهم تمسكواببعض الادلة، وبعبارة ادق: انهم اوردوا بعض الاشكالات على الادلة الدالة على وجوب العمرة المفردة؛ لان كل - اوجل  - من ذهب الى هذا الراي قد قبل دلالة الادلة في مقام الثبوت على وجوب العمرة المفردة على جميع المكلفين حتى من كان بعيدا عن مكة، ولكنهم ردوا ذلك اثباتا بالنسبة للبعيدين عن مكة. وفيما يلي سنتناول ادلة هذه النظرية بالبحث والنقد.

أ - العلاقة بين العمرة والحج:
تنقسم العمرة الى: عمرة التمتع التي تعد جزءا من اعمال الحج والعمرة المفردة، ومع كون العمرة المفردة انما يؤتى بهابعد حج القران والافراد الا انها عمل مستقل. ويقع البحث حولها من ناحية كونها واجبا مستقلا على جميع المكلفين ولاعلاقة لها بوجوب حج التمتع، او انها تصبح واجبة عندما يجب حج التمتع؟

وقد اختلفت انظار الفقهاء من هذه الناحية، فقد اختار بعضهم القول الثاني ولذا افتوا بان من لا يستطيع الحج ولكنه يستطيع الاتيان بالعمرة المفردة لا يجب عليه الاعتمار.

وفي مقابل هذا القول ذهب فريق من الفقهاء الى الراي الاول وافتوا بان الذي ليس عنده استطاعة للحج ولكنه مستطيع بالنسبة الى العمرة المفردة يجب عليه الاتيان بالعمرة المفردة من دون فرق بين القريب [= الحاضر] اوالبعيد [= النائي] عن مكة.

وأهم دليل للطائفة الاولى هو الارتباط والتداخل بين العمرة وحج التمتع، وفي هذه الحالة عندما يجب الحج تكون العمرة واجبة، ولا تجب لوحدها، ويستثنى من هذه القاعدة الكلية - وهي ارتباط العمرة بالحج - من كانوا قريبين من مكة؛فان وظيفتهم الاتيان بحج القران او الافراد، وحينئذ يجب عليهم العمرة المفردة، ولا تجب العمرة المفردة على غيرهم.

يقول آية الله الخوئي بهذا الشان: «ولو فرضنا اطلاق الادلة بالنسبة الى المفردة والمتمتع بها، وفرضنا شمولها للنائي والقريب، وتمكن النائي من المفردة، فانه يمكن رفع اليد عن هذا الاطلاق بما دل على ان العمرة مرتبطة بالحج الى يوم القيامة((398))، ومعنى ذلك ان العمرة بنفسها غير واجبة، والعمرة الواجبة انما هي المرتبطة بالحج خرج من ذلك غيرالنائي - اي حاضري مكة - فان العمرة الثابتة في حقهم غير مرتبطة بالحج، فيبقى النائي تحت اطلاق ما دل على ان العمرة مرتبطة بالحج»((399)).

وينبغي التنبيه على انه قد سبقه الى هذه الرؤية آخرون، من جملتهم المحقق النراقي((400)).

النقد والبحث:
لا ريب في ان وجوب عمرة التمتع مرتبط ومشروط بوجوب حج التمتع، وهذا الامر اتفاقي. وبناء على ذلك لا تكون عمرة التمتع واجبة استقلالا بل تجب على من كان مستطيعا للحج؛ لان جميع الفقهاء عند بيانهم الاعمال وكيفيتهاواجزاء حج التمتع ذكروا عمرة التمتع.

ولمزيد التوضيح يراجع الكتب المفصلة كالعروة الوثقى((401)) وجواهر الكلام((402)).

في حين ليس لدينا اي دليل على هذا الارتباط والاشتراط بالنسبة الى العمرة المفردة سوى روايات دالة على ان العمرة داخلة في الحج، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله(ع) قال: «دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة»((403)).

وفي مقام الجواب نقول:

أولا - ان هذه الرواية وشبهها لا دلالة لها على ان وجوب العمرة المفردة مشروط بوجوب الحج؛ لان المراد من العمرة المرتبطة والداخلة في الحج هي عمرة التمتع لا العمرة المفردة؛ فانه طبقا للروايات الدالة على ان حج التمتع يشتمل على ثلاثة طوافات حول الكعبة وطوافين بين الصفا والمروة تكون عمرة التمتع جزءا من اجزاء حج التمتع واعماله. واما العمرة المفردة فلا ارتباط لها بالحج؛ ولذا قد نص عليها الى جانب حج التمتع في روايات عديدة، من جملتها صحيحة عمر بن اذينة((404)) وصحيحة يعقوب بن شعيب((405))ورواية نجية((406)). اذا فالمقصود من دخول العمرة في الحج هو عمرة التمتع لا العمرة المفردة.

ثانيا - اذا فرضنا اننا قبلنا شمول هذه الرواية وامثالها للعمرة المفردة، فيكون معنى «دخلت العمرة في الحج» من ناحية الاجزاء؛ فلو ان شخصا اتى بحج التمتع فيجزيه عن العمرة المفردة.

نعم، لو كان معنى «دخلت العمرة في الحج» عبارة عن دخول اشتراط وجوب العمرة في الحج لا اصل الاتيان بها فيمكن دلالتها على المدعى.

ولكن هذا التفسير للروايات ليس صحيحا، ولا ينسجم مع اطلاق الايات والروايات الدالة على ان الحج والعمرة واجبان مستقلان.

ثالثا - لازم هذا البيان ان وجوب العمرة المفردة على الشخص البعيد عن مكة على نحو الاستقلال ليس مشروعا،وهذا ما لا يتلاءم مع الفتوى احتياطا بالاتيان بالعمرة المفردة الصادرة من قبل انصار عدم الوجوب الاستقلالي للعمرة المفردة، كما في العروة الوثقى((407)) ومناسك الحج.

رابعا - ان الذين استدلوا بروايات «دخلت العمرة في الحج» على عدم وجوب العمرة المفردة على من كان بعيدا عن مكة،صرحوا انفسهم بعدم ارتباط وجوب العمرة المفردة بوجوب الحج.

يقول آية الله الخوئي: «ثم ان مقتضى الاية والروايات ان كلا من الحج والعمرة واجب مستقل لا يرتبط احدهما بالاخرخرج من ذلك خصوص عمرة التمتع فانها مرتبطة بالحج، واما في غيرها فلا دليل على الارتباط فيمكن الاتيان باحداهمافي سنة وبالاخرى في سنة اخرى»((408)).

خامسا - يقول الامام(ع) في رواية ينقلها الكليني عن صفوان عن نجية: «انما انزلت العمرة المفردة والمتعة لان المتعة دخلت في الحج، ولم تدخل العمرة المفردة في الحج»((409)).

فهذه الرواية تدل على ان العمرة المفردة مستقلة وغير داخلة في الحج.

مضافا الى هذه الادلة ان الذي يشهد على خطا هذا التفسير لروايات «دخلت العمرة في الحج» هو فهم الكثير من كبارالفقهاء ومنهم صاحب الجواهر حيث قال: «وحينئذ فالقول بان كلا منهما [= الحج والعمرة] لا يجب الا عند الاستطاعة للاخر - كما ارسله غير واحد، ولكن لم اعرف القائل به -واضح الفساد؛ لما عرفته من ظهور الادلة بخلافه((410))،وكذا القول بان العمرة لا تجب الا مع الاستطاعة للحج بخلاف الحج كما اختاره في الدروس، وان احتج له بالاصل المقطوع بما عرفت، وظهور (حج البيت) في الاية بغير العمرة الممنوع على مدعيه...»((411)).

وقال صاحب الرياض في نفي هذا التفسير للروايات: «انه لا يشترط في وجوبها [= العمرة] الاستطاعة للحج معها، بل لواستطاع لها خاصة وجبت، كما انه لو استطاع للحج خاصة وجب دون العمرة. وهو اصح الاقوال في المسالة واشهرها؛اذ لم نجد من الادلة ما يدل على ارتباط احدهما بالاخر في الوجوب»((412)).

ولمزيد من الاطلاع على هذه المسالة يمكن الرجوع الى منتهى العلامة((413)) والمدارك((414)) ومستندالشيعة((415)).

والشاهد الاخر على هذه الدعوى - من عدم كون وجوب العمرة المفردة مشروطا بوجوب حج التمتع - هو تقسيم الفقهاء للعمرة الى قسمين: عمرة التمتع والتي تكون من احد اجزاء الحج واعماله وداخلة فيه؛ استنادا الى الروايات الدالة على اشتمال حج التمتع على ثلاثة طوافات، والعمرة المفردة التي سميت في الروايات بالمبتولة [: المقطوعة]، وهذاالاسم يشهد على ان العمرة ليست داخلة في الحج ولا مشروطة به، بل تكون مستقلة وتجب بنفسها.

ب - نفي الاطلاق:
الاستدلال - او الاشكال - الاخر الذي اورده القائلون بعدم وجوب العمرة المفردة على من كان بعيدا عن مكة: قولهم بعدم تمامية اطلاق الايات والروايات الدالة على وجوب العمرة المفردة؛ وذلك ان العمرة قسمان: الاول: عمرة التمتع،والثاني: العمرة المفردة، ولم يصرح في الايات والروايات بوجوب العمرة المفردة خاصة، وانما يستفاد من ادلة وجوب طبيعي العمرة كالحج، ولاننا نعلم من ادلة اخرى ان عمرة التمتع واجبة على من كان بعيدا عن مكة وان العمرة المفردة واجبة على من كان قريبا منها، وبناء على ذلك لا يصح الاستدلال باطلاق روايات وجوب العمرة المفردة((416)).

التحقيق:
ان صاحب هذا البيان لم يكن غافلا عن ضعف الاستدلال، ولهذا قال اخيرا: «ولو فرضنا اطلاق الادلة» ثم شرع بالجواب.

وفي مقام الجواب يمكن القول:

أولا - ان افتراض كون وظيفة البعيد عن مكة فقط عمرة التمتع اول الكلام وموضوع الاخذ والرد؛ لاننا ان لم نقل بصراحة الادلة سيما الاية: (واتموا الحج والعمرة) فلا اقل من ظهور الادلة في وجوب العمرة المفردة على كل المكلفين البعيدين عن مكة او القريبين منها.
وكمثال على ذلك: ان آية (ولله على الناس حج البيت) قد فسرت في صحيحة عمر بن اذينة بالحج والعمرة، ولا غرو في ان العمرة التي في مقابل الحج هي العمرة المفردة الواجبة على جميع المكل فين كالحج.

ثانيا - ان الروايات التي اوجبت العمرة المفردة على الحاضر كانت بصدد تقسيم الحج الى تمتع وافراد وقران،وتدل على وجوب العمرة المفردة منضم ة الى الافراد والقران، واثبات الشيء لا ينفي ما عداه.
اجل، لو كان لسان روايات تقسيم العمرة هو جعل العمرة المفردة واجبة على الحاضر وعمرة التمتع واجبة على البعيد،كان للاشكال مجال.

ثالثا - ثمة روايات عديدة دالة على ان عمرة التمتع توجب سقوط وجوب العمرة المفردة، حيث ذكر في الوسائل اثنتي عشرة رواية في هذا الباب. وهي تدل على ان العمرة المفردة بعنوان انها عمرة مفردة واجبة على جميع المكلفين بمافيهم البعيد عن مكة، وفي غير هذه الحالة لا معنى لاجزاء عمرة التمتع عن العمرة المفردة؛ اذ ان عمرة التمتع هي وظيفة النائي لا العمرة المفردة، فيعلم ان العمرة المفردة واجبة ايضا، الا انه طبقا لهذه الروايات ان عمرة التمتع تحل محل العمرة المفردة وتكون مجزية عنها.

رابعا - ولعله يمكن دعوى ان عنوان (العمرة) من دون قيد (التمتع) او (المفردة) منصرف الى العمرة المفردة، وان عمرة التمتع تحتاج الى قيد او قرينة. والشاهد على ذلك قوله تعالى: (واتم وا الحج والعمرة لله) والروايات الكثيرة التي منها روايات الباب السادس الوارد فيها عنوان (العمرة) مطلقا، ولكن المراد العمرة المفردة قطعا، نظير الروايات: الاولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والتاسعة والعاشرة والثانية عشرة، فقد جاء فيها: «لكل شهر عمرة»((417)).

اذا فالروايات الدالة على وجوب العمرة نص في وجوب العمرة المفردة، فلا تصل النوبة الى الشك كي يطرح هذاالاشكال ويقال بجريان البراءة نظرا للشك في الوجوب.

ج - السيرة:
من جملة ادلة المخالفين لوجوب العمرة المفردة التمسك بالسيرة القطعية القائمة على عدم الاتيان بالعمرة المفردة من قبل المسلمين، يقول آية الله الخوئي: «هذا، ويضاف الى ذلك كله: استمرار السيرة القطعية على عدم الاتيان بها من النائي ولم يتعارف اتيانها من المسلمين حتى من النائب في سنة النيابة مع استطاعته لها»((418)).

التحقيق:
ان هذا الاستدلال يتالف من مقطعين: المقطع الاول: دعوى السيرة القطعية على عدم تعارف الاتيان بالعمرة المفردة.والمقطع الثاني: ان النائب في حج التمتع لا ياتي بالعمرة المفردة بالرغم من كونه مستطيعا لها.

ويمكن ان يقال في جواب المقطع الثاني: ان العمرة المفردة انما تجب على من كان مستطيعا قبل وصوله الى مكة.

ومن ناحية اخرى ان السيرة العملية للحجاج لا تزال قائمة - سيما لمن يحجون نيابة عن الاخرين - على الاتيان بالعمرة المفردة لانفسهم بعد الانتهاء من المناسك. وعلى اية حال فيشكل اثبات هذه الدعوى من عدم اتيان النائب في الحج العمرة المفردة.

وان يجاب عن المقطع الاول: بانه في الازمنة السابقة لم تكن وسائل الحمل والنقل السريع موجودة؛ فان الاستطاعة للعمرة المفردة لا تنفك عن الاستطاعة للحج، فعدم اتيان البعيدين بالعمرة المفردة من حيث انهم قبل الوصول الى مكة لم يكونوا مستطيعين، وبعد وصولهم اليها فان النيابة كما تكون مانعة من تحقق الاستطاعة بالنسبة للحج تكون مانعة كذلك عنها بالنسبة للعمرة المفردة.

هذا، مضافا الى اننا اذا اردنا وصل هذه السيرة بزمان الائمة المعصومين(ع) فهذا امر متعذر طالما ان السكوت وعدم بيان وجوب العمرة المفردة من قبل بعض الفقهاء ممن كان مهيمنا علميا وفقهيا كان يتلقى كاحد مسلمات الفقه والى فترات ليست بالقصيرة، ويوجد من الشواهد الكثيرة ما يؤكد هذا المطلب، كما يلاحظ ذلك بالنسبة الى فتاوى الشيخ الطوسي، فقد كانت تتلقى كمسلمات الى ما بعد وفاته بازمنة طويلة، وتحول العمل ببعض ذلك الى سيرة مستحكمة.

د - عدم اخراجها من التركة:
من جملة البراهين التي اقيمت على عدم وجوب العمرة المفردة هو ان كانت العمرة المفردة واجبة ففي حال كون الشخص مستطيعا ولم يتمكن من الاتيان بها فانه يجب اخراج مؤونة السفر من التركة، في حين ان الفقهاء لم يفتوابذلك. يقول آية الله الخنساري: «وانما الاشكال في انه مع استطاعة المكلف للعمرة وعدمها للحج هل تجب بالاستقلال اويكون وجوبها منوطا باستطاعته للحج؟ قد يستظهر من اخبار الباب: الاول بدعوى اطلاق الاخبار والاية، ويستبعد هذا من عدم التعرض لخروج العمرة من اصل المال اذا مات ولم يات بالعمرة مع استطاعته لها»((419)).

وقد سبقه الى ذلك الفاضل الهندي في كشف اللثام حيث بين الاشكال نفسه واضاف: «... ولم يذكر ذلك [: اخراج الاجرة من التركة] في خبر او كتاب»((420)).

التحقيق:
ويمكن الاجابة على هذا الاشكال من عدة جهات:

أولا - يمكن القول بانه كما يحكم في الحج بانه دين ويخرج من التركة يحكم بان العمرة المفردة ايضا دين، وفي حالة كون الشخص مستطيعا لها ولم يات بها فيجب ان يستاجر لذلك احد وتدفع اجرته من التركة. وقد اختار بعض الفقهاءهذا القول ومنهم صاحب الجواهر حيث قال: «... فالمتجه التزام اخراجها من التركة مع الاستطاعة لها والتمكن من ادائها...»((421)).

ثانيا - بالرغم من عد العمرة المفردة في الايات والروايات بمنزلة الحج لكن ربما يمكن القول بان هذا التنزيل من ناحية الوجوب ليس الا؛ لانه لا يلزم في التنزيل لحاظ جميع جهات المنزل عليه، بل يكفي في ذلك لحاظ جهة واحدة او بعض الجهات، وهناك من الفقهاء من اختار هذا القول منهم آية الله الشاهرودي فانه - ضمن جوابه على الاشكال بان وجوب العمرة المفردة ليس له اثر فقهي؛ لان وجوبه فوري ولا يخرج من اصل التركة - قال: «قلت: نفس وجوب العمرة المفردة على من استطاع لها حكم شرعي ولا يحتاج الى ترتب ثمرة اخرى عليه. ويكفي في عدم لزوم اللغوية انه لو استطاع لهافي غير اشهر الحج فاتى بها فقد اتى بواجب فعلي شرعي وحصل الامتثال»((422)).

فانه مع اختياره كون العمرة المفردة واجبا مستقلا على جميع المكلفين لا يرى اخراج الاجرة من التركة.

وبناء على هذا الجواب فان الاشكال في غاية الوضوح، ولا يصير مانعا من دلالة الادلة على وجوب العمرة المفردة.

ه - عدم بيان وجوب العمرة المفردة:
من جملة الادلة التي ذكروها على عدم وجوب العمرة عبارة عن القول بان العمرة المفردة لو كانت واجبة لبين ذلك من قبل الائمة(ع). قال آية الله الفاضل اللنكراني: «انه مع كون العمرة المفردة مبتلى بها، والاستطاعة بالاضافة اليها كثيرة جدا، خصوصا مع عدم تقيدها بوقت خاص، فلو كانت واجبة على النائي المستطيع لها لكان اللازم بلوغه من الوضوح والظهور مثل ظهور وجوب الحج...»((423)).

التحقيق:
ان هذا الاشكال ليس منفصلا عن دليل السيرة، وعليه فيمكن هنا ايراد الاجوبة المذكورة هناك.

هذا، مضافا الى ان وجوب العمرة بنفس البيان والخطاب الذي به وجب الحج وليس ثمة اجمال في دلالة الادلة على الوجوب، واولئك الذين خصصوا هذا الوجوب بالافراد القريبين من مكة قد قبلوا دلالة الادلة على الوجوب، ولكن الاشكال الذي اثاروه في شمول تلك الادلة للاشخاص البعيدين عن مكة، وقد حاولنا في هذه المقالة الاجابة عن هذا الاشكال قدرالمستطاع.

حقيقة الاحرام
دراسة تحليلية فقهية

الشيخ قاسم الابراهيمي

تمهيد

قد يعثر الباحث في مجال الفقه على بعض البحوث التي لا تختص بباب فقهي واحد، بل ترتبط بعدة ابواب فقهية.

وهذا النمط من البحوث له اقتضاءاته والتزاماته في البحث الفقهي طرديا وعكسيا.

اما اقتضاءاته الطردية فلزوم الاحاطة بجميع اطراف الموضوع، وتغطية جميع مساحات البحث عنه في ابواب الفقه المختلفة، والالمام بكل المرتكزات والاسس والنقاط المثارة في كل واحدة منها، ثم صياغة وجه فقهي فني يتكفل توجيه كل ذلك ضمن اطار منسجم وفي مصب واحد.

واما اقتضاءاته العكسية فترتب الاثار والنتائج المتوصل اليها في البحث وانعكاسها لا على باب فقهي واحد، بل على جميع الابواب الفقهية المرتبطة بالموضوع.

وبحث حقيقة الاحرام - كما سياتي - واحد من هذه البحوث؛ حيث يشترك بين جملة من العبادات مثل الصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة، بل ربما ارتبط ببعض المعاملات ايضا وانعكست آثار البحث ونتائجه على جميع هذه الابواب.

ومن هذه الزاوية فهو يحظ ى بدرجة من الاهمية تستدعي افراده بالبحث والتدقيق في مقالة مستقلة من جهة، كما ينبغي من جهة اخرى ان تتكفل المقالة تصويره بنحو يحقق الانسجام الكامل بين جميع المرتكزات والاسس الثابتة في كل هذه الابواب وهو ما حاولناه في مقالتنا هذه. لكن لما كان اثر البحث وثمرته وعمدة مباحثه واردة في البحث عن حقيقة احرام الحج كان من الطبيعي ان يكون التركيز من قبلنا عليه ايضا.

تعريف الاحرام:

الاحرام في اللغة: صيغة افعال من «احرم». و «احرم» مشتق من مادة «حرم» بمعنى المنع.

قال ابن فارس في المعجم: «الحاء والراء والميم اصل واحد، وهو المنع والتشديد»((424)).

وهو ياتي مضموم عين الفعل فيقال: حرم الشيء وحرمت المراة ونحوهما؛ بمعنى منع وحظر((425))، كما ياتي مفتوحها ايضا فيقال: حرمت الرجل العطية احرمه حرمانا؛ اذا منعته منها((426)).

والفعل في الاول لازم، وفي الثاني متعد.

وزيادة الهمزة في اول الفعل يحتمل فيها احد معنيين:
الاول: ان الهمزة زيدت للتعدية ليكون الفعل بمعنى التحريم اي ايجاد الحرمة مباشرة او تسبيبا. قال الشاعر:

لتنكح في معشر آخرينا

  وانبئتها احرمت قومها

قال ابن الاعرابي في تفسيره: اي حرمتهم على نفسها.

وعن الاصمعي: حرمتهم ان ينكحوها((427)).

وفي المحكم: «احرم الشيء: جعله حراما»((428)).

الثاني: ان الهمزة زيدت لافادة الدخول في الحريم او الحرم او الحرمة((429)). وهذا فعل لازم.

قال الاصمعي: «احرم الرجل: اذا دخل في الاحرام بالاهلال، واحرم: اذا صار في حرمة من عهد او ميثاق هو له حرمة من ان يغار عليه»((430)).

والحريم والحرم: ما منع من تعاطي بعض الافعال فيهما. قال الخليل: «والحريم: الذي حرم مسه فلا يدنى»((431)).

وقد اشار السيد الخوئي(رحمه الله) الى كلا المعنيين حيث قال: «وليعلم ان اهل اللغة ذكروا لكلمة احرم معنيين:
احدهما: ان يحرم الانسان على نفسه شيئا كان حلالا له.
وثانيهما: ان يدخل نفسه في حرمة لا تهتك»((432)).

حقيقة الاحرام:

برز بين فقهائنا حول حقيقة الاحرام خلاف شديد في الراي، وتعددت فيها النظريات المطروحة من قبلهم. ونظرالاقتضاء الامانة العلمية وموازين البحث الفقهي تناول الاراء والنظريات المطروحة بالعرض والتوضيح لكيلا يحصل اغماط واغماض بحق اصحابها بسبب اهمالها، ثم نقدها ومناقشتها على اساس القواعد والمعايير العلمية من جهة، ومراعاة الحدود والمواصفات المعتبرة في المقالة بحيث لا تخرج في الاسهاب والاطناب الى حد الكتاب او الرسالة المستقلة من جهة اخرى - فقد اقتصرنا على ذكر اهم الاراء والنظريات المطروحة في المسالة تاركين التفصيل في ذلك الى بحث اوسع.

النظرية الاولى: ان الاحرام عبارة عن النية.
وهذه النظرية استفادها جملة من الفقهاء من عدم جعل الشيخ الطوسي(رحمه الله) التلبية ركنا في الحج في كتابيه الجمل والمبسوط على ما نسب اليه فيهما، ففي غاية المراد: «وظاهر المبسوط والجمل ان الاحرام بسيط، وهو عبارة عن النية؛ لانه لم يجعل التلبية ركنا، ولو كان لها مدخل في الاحرام لكانت جزءا او شرطا، فيتحقق الاخلال بالاحرام عند الاخلال بها»((433)).

ويمكن ان نستدل لهده النظرية ببعض الوجوه الفنية:

الوجه الاول: النصوص الخاصة الواردة فيما يفعله الحاج عند الميقات حيث عبرت عن النية بالاحرام، وهي كثيرة:

منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع) قال: «صل المكتوبة، ثم احرم بالحج او المتعة، واخرج بغير تلبية حتى تصعد الى اول البيداء الى اول ميل عن يسارك، فاذا استوت بك الارض راكبا كنت او ماشيا فلب»((434)).
فان مراده من الاحرام بالحج او المتعة هو النية؛ لامره بتاخير التلبية حتى زمان صعود البيداء.

ومنها: صحيحته الاخرى عن ابي عبد الله(ع) ايضا قال: «لا يكون الاحرام الا في دبر صلاة مكتوبة او نافلة، فان كانت مكتوبة احرمت في دبرها بعد التسليم، وان كانت نافلة صليت ركعتين واحرمت في دبرهما، فاذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله، واثن عليه، وصل على النبي(ص)، وتقول:...اللهم اني اريد التمتع بالعمرة الى الحج على كتابك وسنة نبيك..احرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب، ابتغي بذلك وجهك والدارالاخرة - قال: - ويجزيك ان تقول هذا مرة واحدة حين تحرم، ثم قم فامش هنيئة، فاذا استوت بك الارض ماشيا او راكبا فلب»((435)).
فانه كرر التعبير فيها عن النية بالاحرام، وبين مراده من الاحرام بما ذكره من الدعاء المعبر عن النية، واخر التلبية الى ما بعد المشي.

ومنها: صحيحته الثالثة عن ابي عبد الله(ع): «اذا كان يوم التروية - ان شاء الله - فاغتسل ثم البس ثوبيك... ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين احرمت من الشجرة فاحرم بالحج.. فاذا انتهيت الى فضاء دون الردم فلب»((436)). فان المراد بالاحرام فيها النية قطعا دون التلبية ولبس الثوبين.

ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله(ع) قال: «ان احرمت من غمرة او من بريد البعث صليت وقلت ما يقول المحرم في دبر صلاتك، وان شئت لبيت من موضعك، والفضل ان تمشي قليلا ثم تلبي»((437)). وروايات اخرى باسانيد اخر((438)).
فانها ايضا واضحة الدلالة على ان المراد بالاحرام هنا النية لا غيرها.

ومنها: الروايات الدالة على ان الاحرام يجب ان يكون من الميقات وانه لا يجوز تجاوز الميقات من دون احرام، مع تصريح اخبار غيرها بجواز تاخير التلبية عن الميقات((439)).

مضافا الى روايات اخرى فصلت بين الاحرام وبين الافعال الاخرى، مثل لبس الثوبين والتلبية وغيرهما.

تقييم الوجه الاول:
ان هذا الوجه قابل للمناقشة بعدة امور، منها:

أولا - ان هذه الروايات معارضة باخرى مثلها تعبر عن التلبية بالاحرام، منها صحيحة معاوية بن وهب قال: سالت اباعبد الله(ع) عن التهيؤ للاحرام، فقال: «في مسجد الشجرة؛ فقد صلى فيه رسول الله(ص)، وقد ترى اناسايحرمون فلاتفعل حتى تنتهي الى البيداء حيث الميل فتحرمون كما انتم في محاملكم؛ تقول: لبيك اللهم لبيك...»((440)). وهي واضحة الدلالة على ان المراد بالاحرام التلبية.
وصحيحة عبيد الله بن علي الحلبي قال: قال ابو عبد الله(ع): «وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة كان يصلي فيه ويفرض الحج، فاذا خرج من المسجد وسار واستوت به البيداء حين يحاذي الميل الاول احرم»((441)). حيث جعل ما يفعل في المسجد هو نية الحج المعبر عنه بفرض الحج، وفي البيداء الاحرام، ومراده التلبية بقرينة سائرالروايات.
وصحيحة ابن ابي نصر عن ابي الحسن(ع) قال: سالته عن رجل متمتع كيف يصنع؟ قال: «ينوي العمرة ويحرم بالحج»((442)).
والمراد بالاحرام هنا التلبية، كما ترشد اليه نفس الرواية المروية بطريق آخر عن احمد بن محمد - وهو ابن ابي نصرنفسه - قال: قلت لابي الحسن علي بن موسى(ع): كيف اصنع اذا اردت ان اتمتع؟ فقال: «لب بالحج وانو المتعة»((443)).
وغيرها من الروايات، مضافا الى الروايات المجوزة لكل فعل قبل التلبية((444))، فلو كان الاحرام قبلها لم يجز فعل شيءمن تروك الاحرام.

وثانيا - ان هذه الروايات لا تمنع من ان يقال ان الاحرام فعل تركيبي تدريجي اوله النية وآخره التلبية، والمراد بالاحرام هنا الدخول فيه لا اتيانه كاملا.

وثالثا - ان هذه الروايات لا تفسر حقيقة الاحرام في غير الحج، مع ان البحث عن حقيقة الاحرام - كما ذكرنا آنفا - لايختص باحرام الحج وحده.

الوجه الثاني: النصوص العامة، كقول النبي(ص): «انما الاعمال بالنيات»((445)). وتقريب الاستدلال بها واضح،فان النبي(ص) جعل قاعدة كلية هي ان مناط العمل بنيته وقصر حقيقته عليها دون غيرها مما يضم اليها، وهذا بنفسه ينطبق على الاحرام فتكون حقيقته بنيته.

تقييم الوجه الثاني:
ولكن الظاهر أولا: ان مقصود النبي(ص) ان الاثار المترتبة على العمل تدور مدار النية؛ فان كان العمل صادرا بقصدالتقرب الى الله ترتب عليه اثره وهو القرب والثواب، وان كان صادرا للحصول على منفعة دنيوية لم تترتب عليه الا تلك المنفعة فقط لا ان المراد ان حقيقة العمل وماهيته نيته.

وثانيا: ان هذه الروايات ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها بحال.

الوجه الثالث: ويتركب من ثلاث مقدمات هي:
الاولى: ان الاحرام يمكن تجريده عما عدا النية في بعض الاحوال، ولا يمكن تجريده منها بحال.
الثانية: وكل ما لا يمكن تجريد الذات عنه بحال فهو مقوم لها.
الثالثة: وحقيقة كل شيء بمقوماته الذاتية.

فثبت ان النية وحدها حقيقة الاحرام.

وقد يستدل للمقدمة الاولى بمرسلة جميل بن دراج عن بعض اصحابنا عن احدهما(ع) - في رجل نسي الاحرام اوجهل وقد شهد المناسك كلها، وطاف، وسعى؟ - قال: «تجزئه نيته اذا كان قد نوى ذلك، وقد تم حجه وان لم يهل»((446)).

والاستدلال بها قد يقرب بعدة تقريبات:

التقريب الاول: ان يقال: ان الامام(ع) اكتفى بالنية عن غيرها من التلبية ولبس الثوبين في الاحرام. وهذا بنفسه يدل على ان الاحرام يمكن تجريده عن غير النية في حال الجهل والنسيان، ولا يمكن تجريده عنها.

تقييم التقريب الاول:
وهذا التقريب واضح الضعف؛ لان اكتفاء الامام بالنية عن غيرها ان دل على امكان تجرده عما عدا النية لا يدل على عدم امكان تجرده عن النية مع وجود غيرها، فان اثبات الشيء لا ينفي ما عداه.

التقريب الثاني: ان يقال: ان الامام(ع) علق الحكم بالاجزاء في كلامه على شرط هو النية، فيكون لكلامه منطوق ومفهوم.
اما المنطوق فهو اجزاء النية عما عداها، ومرده الى امكان تجرد الاحرام عنه في بعض الاحوال. واما المفهوم فهو عدم اجزاء ما عدا النية عنها بحال، ومرده الى عدم امكان تجريد الاحرام عن النية.

تقييم التقريب الثاني:
ان هذا الشرط مسوق لبيان الموضوع؛ لان الشرط علق على ما هو ماخوذ في موضوع الحكم والجزاء الذي هو الاجزاء،فمع انتفاء الشرط لا يبقى موضوع للاجزاء.

التقريب الثالث: ان يعدل التقريب الثاني بالقول: بان النية الماخوذة في الجزاء لم تكن ماخوذة في كلام الامام(ع) على سبيل الذاتية، بل على سبيل العنوان المشير الى كل ما يعمل سواء كان ذلك نية او غيرها، فكانه قال: «يجزئه العمل ان كان هو النية»، فتكون صحة العمل معلقة على وصف العمل، ولازمه الا يجزئه العمل ان لم يكن هو النية، فيشمل ما لواتى بالتلبية ولبس الثوبين من دون نية.

تقييم التقريب الثالث:
وهذا التقريب لا اشكال لنا عليه، لكن قد يناقش اصل الاستدلال بالرواية ببعض المناقشات الاخرى الواردة على التقريبين الاولين ايضا، منها:

أولا - ان الاجزاء الوارد في الرواية لم يكن عن ذات الاحرام وان المجزئ نيته، بل عن الحج ككل؛ ولذلك رتب الامام(ع) عليه بعد ذلك تمامية حجه.

ومعنى هذا ان الاحرام لم يفرض باقيا ولم يؤت منه بشيء ليقال بامكان تجريده عن النية وعدمه، بل فرض الحج خاليامن الاحرام اصلا، فحكم الامام(ع) بصح ة الحج من دون احرام، والنية المقصودة هنا نية اتيان الاحرام ضمن مناسك الحج، وان لم يات المكلف به، ويشهد لهذا تعبير السائل بنسيان الاحرام واقرار الامام(ع) عليه.

ولذلك قال صاحب المدارك في رد كلام المحقق الكركي: «وذكر المحقق الشيخ علي ان المنسي ان كان نية الاحرام لم يجزه، وان كان المنسي التلبيات اجزا، وكان وجهه حمل النية الواقعة في مرسلة جميل على نية الاحرام، وهو بعيد؛فان مقتضى الرواية صحة الحج مع ترك الاحرام جهلا او نسيانا. والظاهر من حال الجاهل بوجوب الاحرام والناسي له انه لم يات بالنية، ولا بالتلبية، ولا التجرد، ولا لبس الثوبين»((447)).

وقال المحقق العراقي ايضا: «ثم ان الظاهر من النص نسيان الاحرام راسا مع نيته»((448)).

وعلى هذا الراي تكون مرسلة جميل المتقدمة وصحيحة علي بن جعفر الاتية متحدتين، فقد روى علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر(ع) قال: سالته عن رجل نسي الاحرام بالحج فذكر وهو بعرفات؟ قال: «يقول: اللهم على كتابك وسنة نبيك(ص)، فقد تم احرامه، فان جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده ان كان قضى مناسكه كلهافقد تم حجه»((449)).

وثانيا - ان الرواية ضعيفة السند بالارسال، ولا يصححها كون الراوي جميل بن دراج احد اصحاب الاجماع الذين اجمع الفقهاء على صحة ما يصح عنهم((450)).

قد يقال: ان ضعف السند بالارسال الموجود في الرواية قابل للرفع؛ فان راوي الرواية عن جميل هو ابن ابي عميرالذي صرح الشيخ الطوسي(رحمه الله) في عدته بانه لا يروي ولا يرسل الا عن ثقة وان فقهاء الطائفة سووا بين مسنداته ومرسلاته((451)). وليس مراد الشيخ خصوص الارسال المباشري اي الارسال الحاصل من ابن ابي عمير فيمايخص من يروي عنه مباشرة، لسببين:

اولهما: ان الارسال يعني انقطاع سلسلة السند، وهي كما تحتمل سقوط الواسطة الواحدة تحتمل سقوط الوسائط المتعددة، ولا ريب في ان السند الذي ذكر فيه بعض الوسائط بين ابن ابي عمير والامام(ع) اولى بالتصحيح مما لم تذكر فيه واسطة اصلا.
وبعبارة اخرى: ان الارسال الواقع في السند يستوي فيه الارسال غير المباشري مع الارسال المباشري في التصحيح وعدمه ان لم يكن الارسال غير المباشري اولى بالتصحيح.

وثانيهما: ان الشيخ الطوسي(رحمه الله) علل تسوية الفقهاء مرسلات ابن ابي عمير ومسنداته بان ابن ابي عمير اخذوحبس وضرب وعمد بعض اهله او اخته الى كتبه فاتلفها.
ومن الواضح ان هذا السبب يستوي فيه الارسال المباشري وغيره.

وقد يشكل بان ما ذكره الشيخ الطوسي(رحمه الله) لا يصلح علة للتسوية؛ فان مجرد حصول ذلك لا يسوغ الاعتمادعلى ما لم يصح صدوره عن المعصوم(ع) ولا يجعله حجة يمكن الافتاء بموجبها.

لكن الظاهر ان هذا غفلة عن ان الشيخ الطوسي(رحمه الله) لم يجعل ذلك لوحده علة لجواز الاعتماد على مرسلاته، بل ضم اليه وصف ابن ابي عمير بانه لا يروي ولا يرسل الا عن ثقة، فكان المرتكز في ذهن الشيخ الطوسي(رحمه الله) ان الضعف انما يتطرق الى مرسلات الثقة من ناحيتين:
الاولى: احتمال ضعف الواسطة الساقطة في السند او عدم وثاقتها.
الثانية: احتمال عدم ضبط المرسل لما يرويه ومن يروي عنه.

وينتفي الاحتمال الاول باحراز كون المرسل لا يروي الا عن ثقة، والثاني باحراز كونه ثقة، وربما جعلت من علاماته عند القدماء كثرة الارسال من دون سبب عقلائي.

فذكر الشيخ الطوسي(رحمه الله) لذلك ذكر للسبب العقلائي لكثرة ارسالات ابن ابي عمير الموجب لنفي احتمال ضعفه وعدم ضبطه.

والصحيح في الاجابة عن التصحيح المذكور للرواية هو ان يقال: ان الارسال الموجود في الرواية كما يحتمل ان يكون ناشئا من ابن ابي عمير كذلك يحتمل ان يكون من جميل، ومع تطرق مثل هذا الاحتمال لا يصح التصحيح المذكور؛فان فقهاء الطائفة انما سووا بين مرسلات ابن ابي عمير ومسنداته لا مرسلات جميل، ولم يعلم كون الارسال حاصلامن ابن ابي عمير.

وثالثا - ان غاية ما تتكفله الرواية - بناء على تماميتها دلالة وسندا - هو اثبات ان حقيقة الاحرام في الحج هي النية،وقد ذكرنا في مقدمة البحث ان البحث عن حقيقة الاحرام لا يختص بالحج وحده، بل يشمل كثيرا من العبادات الاخرى،فالدليل اخص من المدعى.

واما المقدمتان الثانية والثالثة فقد يقال بوجدانيتهما. لكن المقدمة الثانية غير تامة؛ فان ما لا ينفك عن الذات لا يكون من مقوماتها الذاتية دائما، كالتعجب للانسان فانه من لوازم الذات الانسانية العارضة عليه بسبب النطق، بل قد يكون وجودا مستقلا عن الذات متسببا عنها كالمعلول بالنسبة الى علته. ومن المحتمل ان يكون الاحرام امرا هو غير الافعال التي ياتي بها الانسان عند احرامه كالنية والتلبية ولبس الثوبين في احرام الحج، بل امرا متسببا عنها.

ولو فرضنا صحة كون ما لا ينفك عن الذات من مقوماتها لم يتم الا في الامور الحقيقية ذات الوجود الخارجي، واماالامور الاعتبارية الخاضعة لاعتبار المعتبر فليس لها ذات خارجية يمكن تجريدها ليقال بان ما يبقى هو من مقومات تلك الذات.

نعم، يمكن ان يقال بان لها حقيقة في افق نفس المعتبر ووعاء الاعتبار، وان المقصود هو ما تتقوم به تلك الحقيقة هناك.

لكن من الواضح ان الموجود في الامور الاعتبارية في ذلك الافق هوما يكون داخلا في اعتبار المعتبر وهو ما قد يتغيرمن حالة لاخرى، فقد يعتبر بعض الاجزاء والشرائط في عبادة في بعض الحالات ولا يعتبرها في حالات اخرى، فالقيام من واجبات الصلاة في حال الاختيار وليس كذلك في حال العجز والاضطرار، والجهر والاخفات واجبان في الصلوات اليومية في صورة العلم وليسا كذلك في صورة الجهل، والركعتان الاخيرتان من الصلوات الرباعية واجبتان في حال الحضر وليستا كذلك في حال السفر.. وهكذا.

ومن هنا امكن القول بان لكل واحد من هذه الاعتبارات حقيقة مستقلة في وعاء الاعتبار.

نعم، قد تنتزع من مجموع هذه الاعتبارات بعض الامور المشتركة، فتلحظ ويوضع لها عنوان جامع كعنوان الصلاة،ثم ترت ب عليه بعض الاحكام. لكن هذا العنوان له حقيقته ومقوماته الخاصة التي تختلف تماما عن حقائق ومقومات كل فرد من افراد الصلاة، كصلاة المسافر والحاضر والعالم والجاهل والقادر والعاجز والمضطر.

والخلاصة ان الامور الاعتبارية قوامها باعتبارها لا باي شيء آخر، لذا فحقائقها في عالم الاعتبار تختلف كلما اختلف المعتبر فيها، فلا يوجد فيهاما يقبل التجريد وما لا يقبل ليعد ما لا يقبل التجريد منها معبرا عن حقيقتها، فاستعمال هذه الطريقة فيما نحن فيه خلط بين الامور الحقيقية والامور الاعتبارية.

النظرية الثانية: ان الاحرام عبارة عن التلبية.
وهذه النظرية توافق كلام اكثر المصرحين بعدم انعقاد الاحرام الا بالتلبية، بل ادعي عليها الاجماع مستفيضا.

وقد يستدل لها:
أولا - بالروايات المتقدمة المعبرة عن التلبية بالاحرام.
وثانيا - بما دل على جواز فعل تروك الاحرام قبل التلبية.

نقد النظرية الثانية:
ان هذه النظرية يمكن المناقشة في ادلتها بما نوقشت به الروايات المعبرة عن النية بالاحرام من انها معارضة بمثلها،واحتمال ان يكون الاحرام فعلا تركيبيا آخره التلبية، مضافا الى عدم انعقاد البحث لاحرام الحج وحده.

النظرية الثالثة: انه فعل مركب من الافعال التي ياتي بها المكلف قبل الدخول في العبادة، كالنية وتكبيرة الاحرام في الصلاة، والنية والتلبية او هما مع لبس الثوبين في الحج.

وهذه النظرية هي التي ذهب اليها ابن ادريس الحلي((452)) والعلامة الحلي((453)) والمحدث البحراني((454)) في احرام الحج.

وربما استدل لها بانها مقتضى الجمع بين الروايات المتقدمة المعبرة بالاحرام عن النية تارة وعن تكبيرة الاحرام اخرى، كما انها مقتضى الجمع بين ما دل على جواز فعل تروك الاحرام بعد النية وقبل التلبية، مثل صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع) قال: «لا باس ان يصلي الرجل في مسجد الشجرة، ويقول الذي يريد ان يقوله ولا يلبي،ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره، فليس عليه فيه شيء»((455)).

وصحيحة عبد الرحمان بن الحج اج، عن ابي عبد الله في الرجل يقع على اهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلب، قال: «ليس عليه شيء»((456)).

وصحيحة حفص بن البختري وعبد الرحمان بن الحجاج عن ابي عبد الله(ع) انه صلى ركعتين في مسجد الشجرة وعقدالاحرام، ثم خرج فاتي بخبيص فيه زعفران فاكل منه((457)).

وبسند آخر: «فاكل - قبل ان يلبي - منه»((458)).

وروايات اخرى كثيرة((459)).

وما دل على وجوب عقد الاحرام عند الميقات وعدم جواز تجاوزه، كمكاتبة صفوان بن يحيى الى الامام ابي الحسن الرضا(ع) حيث كتب(ع) فيها: «ان رسول الله(ص) وقت المواقيت لاهلها ومن اتى عليها من غيراهلها...»((460)).

وصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع) قال: «من تمام الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله(ص) لا تجاوزها الا وانت محرم...»((461)).

وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله(ع) ايضا قال في حديث: «ولا تجاوز الجحفة الا محرما»((462)).

وكذا ما دل على وجوب الرجوع على من تجاوز الميقات بدون احرام اليه، ففي صحيحة الحلبي قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن رجل نسي ان يحرم حتى دخل الحرم؟ قال: «قال ابي: يخرج الى ميقات اهل ارضه...»((463)).

وصحيحته الثانية قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن رجل ترك الاحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع الى ميقات اهل بلاده الذي يحرمون منه...»((464)).

ومثلها رواية علي بن جعفر الواردة في قرب الاسناد((465)).

وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن امراة كانت مع قوم فطمثت، فارسلت اليهم فسالتهم،فقالوا: ما ندري اعليك احرام ام لا وانت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم؟ فقال(ع): «ان كان عليها مهلة فترجع الى الوقت فلتحرم منه»((466)). وغيرها من الروايات((467)).

وكذلك الروايات المحددة للمواقيت، وهي ايضا كثيرة: منها ما رواه الحلبي قال: قال ابو عبد الله(ع): «الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله(ص) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر ان يحرم قبلها ولا بعدها... ولا ينبغي لاحد ان يرغب عن مواقيت رسول الله (ص)»((468)). وغيرها من الروايات((469)).

نقد النظرية الثالثة:
ورد على هذه النظرية العديد من النقود، اهمها:

أولا - ان ظاهر هذه النظرية والنظريتين اللتين قبلها اخذ النية في حقيقة الاحرام، فان كان المراد من النية الداعي الى اتيان افعال الحج ومناسكه فهو امر قهري يحصل تبعا لتصور المصلحة والمفسدة الثابتتين فيها، فلا يعقل تعلق الامر به ووقوعه عن ارادة ونية وقصد، والحال ان الاحرام فعل اختياري قد امر بايقاعه عن نية، فهو غير النية الماخوذة فيه، وان كان هو العزم والالتزام وتوطين النفس على ترك المحرمات وتروك الاحرام فسياتي ما فيه.
قال السيد الحكيم(رحمه الله) بعد استعراضه للاقوال المتقدمة: «اخذ النية في مفهوم الاحرام غير معقول؛ لانه فعل اختياري يقع عن نية تارة، ولا عنها اخرى، ولذلك اعتبروا في صحته النية، ومن المعلوم ان النية لا تكون موضوعا للنية، فالاقوال الثلاثة الاول على ظاهرها غير معقولة، ولعلها مبنية على المسامحة»((470)).

وثانيا - ان مقتضى الجمع بين الروايات المذكورة غير متعين في حمل الاحرام على هيئة مركبة من الافعال التي ياتي بها المكلف قبل حرمة تروك الاحرام عليه، بل هناك وجوه اخرى للجمع سياتي التعرض لها من خلال استعراض النظريات الاخرى الاتية.

وثالثا - ان الاحرام لو كان عبارة عن الهيئة البسيطة او المركبة من الافعال الوجودية التي ياتي بها المكلف عندالميقات او بعده حيث محل التلبية في احرام الحج، لم يكن ثمة وجه لاطلاق لفظ المحرم على من فرغ من هذه الافعال الا على نحو المجاز؛ لكونه ممن انقضى عنه التلبس بالمبدا حينئذ، وانما يكون متلبسا بالمبدا حيث هو فاعل لهذه الافعال، كما لا وجه ايضا لفرض التحلل عند التقصير او الحلق في الحج والتسليم في الصلاة.

النظرية الرابعة: ان الاحرام هو العزم وتوطين النفس على ترك المحرمات زمان اتيان المناسك.

وهذه النظرية ابتكرها الشهيد الاول(رحمه الله)، واختارها من بعده المقداد السيوري (رحمه الله)((471)) وفقهاء آخرون ايضا لكن مع اجراء بعض التعديلات عليها((472)).

قال الشهيد: «وقد كنت ذكرت في رسالة ان الاحرام هو توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة الى ان ياتي بالمناسك، والتلبية هي الرابطة لذلك التوطين نسبتها اليه كنسبة التحريمة الى الصلاة، والافعال هي المزيلة لذلك الربط، ويتحقق زواله بالكلية بخرها؛ اعني التقصير وطواف النساء بالنسبة الى النسكين، فحينئذ اطلاق الاحرام بالحقيقة ليس الا على ذلك التوطين. ولكن لما كان موقوفا على التلبية كان لها مدخل تام في تحققه، فجاز اطلاقه عليها ايضا اماوحدها لانها اظهر ما فيه تسمية للشيء باسم اشهر اجزائه او شروطه، واما مع ذلك التوطين النفساني الذي ربما عبرعنه بالنية، وفي التحقيق النية عبارة عنه»((473)).

ويمكن صياغة كلامه صياغة فنية وذلك ضمن بيان الامور التالية:
أولا - ان الاحرام ليس امرا عدميا محضا هو عبارة عن ترك المحرمات المعهودة في الحج او الصلاة او غيرهما، بل امر وجودي هو التوطين والعزم على تركها اثناء القيام بافعال هذه الواجبات.
وثانيا - انه امر اختياري يفعله المكلف عن قصد او لا عن قصد.
وثالثا - انه خارج عن افعال الواجب، ولذلك فهو بحاجة الى ما يربطه بها.
ورابعا - ان هذا الرابط في الحج هو التلبية، وفي الصلاة تكبيرة الاحرام.
وخامسا - ان هذا الاحرام امر متصل تابع في بقائه وزواله لبقاء الافعال وزوالها، ولذلك كانت هي المزيلة للربط، وكان زوالها بالاتيان بخرها.

نقد النظرية الرابعة:
اورد بعض الفقهاء على هذه النظرية ملاحظات، منها:
الاولى: ان التوطين والعزم على ترك المنهيات لا يجب تحصيله في مجموع زمان الافعال ولا بعضها اجماعا، وانما يجب حال النية((474)).
الثانية: ان التوطين والعزم والالتزام بترك المنهيات قد لا يكون هو الاحرام، بل يكون سببا له، والاحرام حالة مسببة عنه.

النظرية الخامسة: ان الاحرام هي الحالة التي يحرم على المكلف ارتكاب بعض الافعال بالدخول فيها، وتكون مسببة عن النية والتلبية وحدهما او مع لبس الثوبين في احرام الحج.

واول من نسب اليه القول بهذه النظرية الامين الاسترابادي(قدس سره) حيث نقل عنه صاحب الحدائق اختياره ذلك.

واختارها غير واحد من بعده((475)).

قال في الحدائق: «وظاهر المحدث الامين الاسترابادي(قدس سره) في بعض فوائده ان الاحرام عنده عبارة عن الحالة المترتبة على نية الحج او العمرة والاتيان باول جزء منه وهو التلبية، قال: (وهو الظاهر عندي من الروايات)قال: (وهو من الاحكام المترتبة على مجموع النية، والاتيان بجزء من المنوي نظير حرمة منافيات الصلاة على المصلي بسبب نية الصلاة وتكبيرة الاحرام)»((476)).

وفي كشف الغطاء: «وهو عبارة عن حالة تمنع عن فعل شيء من المحرمات المعلومة، ولعل حقيقة الصوم كذلك، فهماعبارة عن المحبوسية عن الامور المعلومة، فيكونان غير القصد والترك والكف والتوطين، فلا يدخلان في الافعال والاعدام، بل هما حالتان متفرعتان عليها»((477)).

نقد النظرية الخامسة:
ان الفقهاء مجمعون على ان حرمة المحرمات المعلومة في الحج لا تحصل الا قبل التلبية، كما انهم مجمعون ايضا على جواز تاخير التلبية عن الميقات، فلو كان الاحرام هو الحالة التي تحرم فيها المحرمات المعهودة لم يصدق الا على مايقع بعد التلبية، مع ان الروايات الكثيرة وكلمات الفقهاء صريحة في حرمة التجاوز عن الميقات من دون احرام.

اللهم الا ان يقال: ان اطلاق لفظ الاحرام على ما يفعل عند الميقات يراد به الشروع في تحصيل الحالة المذكورة((478)) اوتحقيق الجزء المهم في تحصيلها بالضبط، كما يقال لمن انشا بيع العين: انه باعها ولو قبل ان يحصل القبول، لكنه تجوز محض لا يصار اليه الا بعد العجز عن اعطاء تصور مقبول لذلك وتقديم نظرية منسجمة لا يرد عليها شيء.