|
الخلاصة: أ - العلاقة بين العمرة والحج:تنقسم العمرة الى: عمرة التمتع التي تعد جزءا من اعمال الحج والعمرة المفردة، ومع كون العمرة المفردة انما يؤتى بهابعد حج القران والافراد الا انها عمل مستقل. ويقع البحث حولها من ناحية كونها واجبا مستقلا على جميع المكلفين ولاعلاقة لها بوجوب حج التمتع، او انها تصبح واجبة عندما يجب حج التمتع؟
وقد اختلفت انظار الفقهاء من هذه الناحية، فقد اختار بعضهم
القول الثاني ولذا افتوا بان من لا يستطيع الحج ولكنه يستطيع
الاتيان بالعمرة المفردة لا يجب عليه الاعتمار.
وفي مقابل هذا القول ذهب فريق من الفقهاء الى الراي الاول
وافتوا بان الذي ليس عنده استطاعة للحج ولكنه
مستطيع بالنسبة الى العمرة المفردة يجب عليه الاتيان بالعمرة
المفردة من دون فرق بين القريب [= الحاضر] اوالبعيد [=
النائي] عن مكة.
وأهم دليل للطائفة الاولى هو الارتباط والتداخل بين العمرة
وحج التمتع، وفي هذه الحالة عندما يجب الحج تكون
العمرة واجبة، ولا تجب لوحدها، ويستثنى من هذه القاعدة
الكلية - وهي ارتباط العمرة بالحج - من كانوا قريبين من
مكة؛فان وظيفتهم الاتيان بحج القران او الافراد، وحينئذ
يجب عليهم العمرة المفردة، ولا تجب العمرة المفردة
على غيرهم.
يقول آية الله الخوئي بهذا الشان: «ولو فرضنا اطلاق الادلة
بالنسبة الى المفردة والمتمتع بها، وفرضنا شمولها
للنائي والقريب، وتمكن النائي من المفردة، فانه يمكن رفع اليد
عن هذا الاطلاق بما دل على ان العمرة مرتبطة بالحج الى
يوم القيامة((398))، ومعنى ذلك ان العمرة بنفسها غير واجبة،
والعمرة الواجبة انما هي المرتبطة بالحج خرج من ذلك
غيرالنائي - اي حاضري مكة - فان العمرة الثابتة في حقهم غير
مرتبطة بالحج، فيبقى النائي تحت اطلاق ما دل على ان العمرة
مرتبطة بالحج»((399)).
وينبغي التنبيه على انه قد سبقه الى هذه الرؤية آخرون، من
جملتهم المحقق النراقي((400)).
النقد والبحث:
ولمزيد التوضيح يراجع الكتب المفصلة كالعروة الوثقى((401))
وجواهر الكلام((402)).
في حين ليس لدينا اي دليل على هذا الارتباط والاشتراط
بالنسبة الى العمرة المفردة سوى روايات دالة على ان
العمرة داخلة في الحج، كصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله(ع)
قال: «دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة»((403)).
وفي مقام الجواب نقول:
نعم، لو كان معنى «دخلت العمرة في الحج» عبارة عن دخول
اشتراط وجوب العمرة في الحج لا اصل الاتيان بها
فيمكن دلالتها على المدعى.
ولكن هذا التفسير للروايات ليس صحيحا، ولا ينسجم مع
اطلاق الايات والروايات الدالة على ان الحج والعمرة
واجبان مستقلان.
يقول آية الله الخوئي: «ثم ان مقتضى الاية والروايات ان كلا من
الحج والعمرة واجب مستقل لا يرتبط احدهما بالاخرخرج من
ذلك خصوص عمرة التمتع فانها مرتبطة بالحج، واما في غيرها
فلا دليل على الارتباط فيمكن الاتيان باحداهمافي سنة
وبالاخرى في سنة اخرى»((408)).
فهذه الرواية تدل على ان العمرة المفردة مستقلة وغير داخلة
في الحج.
مضافا الى هذه الادلة ان الذي يشهد على خطا هذا التفسير
لروايات «دخلت العمرة في الحج» هو فهم الكثير من
كبارالفقهاء ومنهم صاحب الجواهر حيث قال: «وحينئذ فالقول
بان كلا منهما [=
الحج والعمرة] لا يجب الا عند
الاستطاعة للاخر - كما ارسله غير واحد، ولكن لم اعرف القائل به
-واضح الفساد؛ لما عرفته من ظهور الادلة
بخلافه((410))،وكذا القول بان العمرة لا تجب الا مع
الاستطاعة للحج بخلاف الحج كما اختاره في الدروس، وان
احتج له بالاصل المقطوع بما عرفت، وظهور (حج البيت) في
الاية بغير العمرة الممنوع على مدعيه...»((411)).
وقال صاحب الرياض في نفي هذا التفسير للروايات: «انه لا
يشترط في وجوبها [=
العمرة] الاستطاعة للحج معها، بل
لواستطاع لها خاصة وجبت، كما انه لو استطاع للحج خاصة
وجب دون العمرة. وهو اصح الاقوال في المسالة واشهرها؛اذ لم
نجد من الادلة ما يدل على ارتباط احدهما بالاخر في
الوجوب»((412)).
ولمزيد من الاطلاع على هذه المسالة يمكن الرجوع الى
منتهى العلامة((413)) والمدارك((414))
ومستندالشيعة((415)).
والشاهد الاخر على هذه الدعوى - من عدم كون وجوب العمرة
المفردة مشروطا بوجوب حج التمتع - هو تقسيم الفقهاء للعمرة
الى قسمين: عمرة التمتع والتي تكون من احد اجزاء الحج
واعماله وداخلة فيه؛ استنادا الى الروايات الدالة على اشتمال
حج التمتع على ثلاثة طوافات، والعمرة المفردة التي سميت
في الروايات بالمبتولة [: المقطوعة]، وهذاالاسم يشهد على ان
العمرة ليست داخلة في الحج ولا مشروطة به، بل تكون
مستقلة وتجب بنفسها. الاستدلال - او الاشكال - الاخر الذي اورده القائلون بعدم وجوب العمرة المفردة على من كان بعيدا عن مكة: قولهم بعدم تمامية اطلاق الايات والروايات الدالة على وجوب العمرة المفردة؛ وذلك ان العمرة قسمان: الاول: عمرة التمتع،والثاني: العمرة المفردة، ولم يصرح في الايات والروايات بوجوب العمرة المفردة خاصة، وانما يستفاد من ادلة وجوب طبيعي العمرة كالحج، ولاننا نعلم من ادلة اخرى ان عمرة التمتع واجبة على من كان بعيدا عن مكة وان العمرة المفردة واجبة على من كان قريبا منها، وبناء على ذلك لا يصح الاستدلال باطلاق روايات وجوب العمرة المفردة((416)).
التحقيق:
وفي مقام الجواب يمكن القول: وكمثال على ذلك: ان آية (ولله على الناس حج البيت) قد فسرت في صحيحة عمر بن اذينة بالحج والعمرة، ولا غرو في ان العمرة التي في مقابل الحج هي العمرة المفردة الواجبة على جميع المكل فين كالحج. اجل، لو كان لسان روايات تقسيم العمرة هو جعل العمرة المفردة واجبة على الحاضر وعمرة التمتع واجبة على البعيد،كان للاشكال مجال.
اذا فالروايات الدالة على وجوب العمرة نص في وجوب العمرة
المفردة، فلا تصل النوبة الى الشك كي يطرح هذاالاشكال
ويقال بجريان البراءة نظرا للشك في الوجوب.
التحقيق:
ويمكن ان يقال في جواب المقطع الثاني: ان العمرة المفردة
انما تجب على من كان مستطيعا قبل وصوله الى مكة.
ومن ناحية اخرى ان السيرة العملية للحجاج لا تزال قائمة -
سيما لمن يحجون نيابة عن الاخرين - على الاتيان بالعمرة
المفردة لانفسهم بعد الانتهاء من المناسك. وعلى اية حال
فيشكل اثبات هذه الدعوى من عدم اتيان النائب في الحج
العمرة المفردة.
وان يجاب عن المقطع الاول: بانه في الازمنة السابقة لم تكن
وسائل الحمل والنقل السريع موجودة؛ فان الاستطاعة للعمرة
المفردة لا تنفك عن الاستطاعة للحج، فعدم اتيان البعيدين
بالعمرة المفردة من حيث انهم قبل الوصول الى مكة لم يكونوا
مستطيعين، وبعد وصولهم اليها فان النيابة كما تكون مانعة
من تحقق الاستطاعة بالنسبة للحج تكون مانعة كذلك عنها
بالنسبة للعمرة المفردة.
هذا، مضافا الى اننا اذا اردنا وصل هذه السيرة بزمان الائمة
المعصومين(ع) فهذا امر متعذر طالما ان السكوت وعدم بيان
وجوب العمرة المفردة من قبل بعض الفقهاء ممن كان مهيمنا
علميا وفقهيا كان يتلقى كاحد مسلمات الفقه والى فترات
ليست بالقصيرة، ويوجد من الشواهد الكثيرة ما يؤكد هذا
المطلب، كما يلاحظ ذلك بالنسبة الى فتاوى الشيخ الطوسي،
فقد كانت تتلقى كمسلمات الى ما بعد وفاته بازمنة طويلة،
وتحول العمل ببعض ذلك الى سيرة مستحكمة.
وقد سبقه الى ذلك الفاضل الهندي في كشف اللثام حيث بين
الاشكال نفسه واضاف: «... ولم يذكر ذلك [: اخراج الاجرة من
التركة] في خبر او كتاب»((420)).
التحقيق:
فانه مع اختياره كون العمرة المفردة واجبا مستقلا على جميع
المكلفين لا يرى اخراج الاجرة من التركة.
وبناء على هذا الجواب فان الاشكال في غاية الوضوح، ولا يصير
مانعا من دلالة الادلة على وجوب العمرة المفردة.
التحقيق:
هذا، مضافا الى ان وجوب العمرة بنفس البيان والخطاب الذي
به وجب الحج وليس ثمة اجمال في دلالة الادلة على الوجوب،
واولئك الذين خصصوا هذا الوجوب بالافراد القريبين من مكة
قد قبلوا دلالة الادلة على الوجوب، ولكن الاشكال الذي اثاروه
في شمول تلك الادلة للاشخاص البعيدين عن مكة، وقد حاولنا
في هذه المقالة الاجابة عن هذا الاشكال قدرالمستطاع.
حقيقة الاحرام الشيخ قاسم الابراهيمي تمهيد
قد يعثر الباحث في مجال الفقه على بعض البحوث التي لا
تختص بباب فقهي واحد، بل ترتبط بعدة ابواب فقهية.
وهذا النمط من البحوث له اقتضاءاته والتزاماته في البحث
الفقهي طرديا وعكسيا.
اما اقتضاءاته الطردية فلزوم الاحاطة بجميع اطراف الموضوع،
وتغطية جميع مساحات البحث عنه في ابواب الفقه المختلفة،
والالمام بكل المرتكزات والاسس والنقاط المثارة في كل
واحدة منها، ثم صياغة وجه فقهي فني يتكفل توجيه كل ذلك
ضمن اطار منسجم وفي مصب واحد.
واما اقتضاءاته العكسية فترتب الاثار والنتائج المتوصل اليها في
البحث وانعكاسها لا على باب فقهي واحد، بل على جميع
الابواب الفقهية المرتبطة بالموضوع.
وبحث حقيقة الاحرام - كما سياتي - واحد من هذه البحوث؛
حيث يشترك بين جملة من العبادات مثل الصلاة
والصوم والاعتكاف والحج والعمرة، بل ربما ارتبط ببعض
المعاملات ايضا وانعكست آثار البحث ونتائجه على جميع
هذه الابواب.
ومن هذه الزاوية فهو يحظ ى بدرجة من الاهمية تستدعي
افراده بالبحث والتدقيق في مقالة مستقلة من جهة، كما
ينبغي من جهة اخرى ان تتكفل المقالة تصويره بنحو يحقق
الانسجام الكامل بين جميع المرتكزات والاسس الثابتة في كل
هذه الابواب وهو ما حاولناه في مقالتنا هذه. لكن لما كان اثر
البحث وثمرته وعمدة مباحثه واردة في البحث عن
حقيقة احرام الحج كان من الطبيعي ان يكون التركيز من قبلنا
عليه ايضا.
الاحرام في اللغة: صيغة افعال من «احرم». و «احرم» مشتق من
مادة «حرم» بمعنى المنع.
قال ابن فارس في المعجم: «الحاء والراء والميم اصل واحد، وهو
المنع والتشديد»((424)).
وهو ياتي مضموم عين الفعل فيقال: حرم الشيء وحرمت المراة
ونحوهما؛ بمعنى منع وحظر((425))، كما ياتي مفتوحها ايضا
فيقال: حرمت الرجل العطية احرمه حرمانا؛ اذا منعته
منها((426)).
والفعل في الاول لازم، وفي الثاني متعد.
وزيادة الهمزة في اول الفعل يحتمل فيها احد معنيين:
قال ابن الاعرابي في تفسيره: اي حرمتهم على نفسها.
وعن الاصمعي: حرمتهم ان ينكحوها((427)).
وفي المحكم: «احرم الشيء: جعله حراما»((428)).
قال الاصمعي: «احرم الرجل: اذا دخل في الاحرام بالاهلال،
واحرم: اذا صار في حرمة من عهد او ميثاق هو له حرمة من ان
يغار عليه»((430)).
والحريم والحرم: ما منع من تعاطي بعض الافعال فيهما. قال
الخليل: «والحريم: الذي حرم مسه فلا يدنى»((431)).
وقد اشار السيد الخوئي(رحمه الله) الى كلا المعنيين حيث
قال: «وليعلم ان اهل اللغة ذكروا لكلمة احرم معنيين:
برز بين فقهائنا حول حقيقة الاحرام خلاف شديد في الراي،
وتعددت فيها النظريات المطروحة من قبلهم. ونظرالاقتضاء
الامانة العلمية وموازين البحث الفقهي تناول الاراء والنظريات
المطروحة بالعرض والتوضيح لكيلا يحصل اغماط واغماض بحق
اصحابها بسبب اهمالها، ثم نقدها ومناقشتها على اساس
القواعد والمعايير العلمية من جهة، ومراعاة الحدود
والمواصفات المعتبرة في المقالة بحيث لا تخرج في الاسهاب
والاطناب الى حد الكتاب او الرسالة المستقلة من جهة اخرى -
فقد اقتصرنا على ذكر اهم الاراء والنظريات المطروحة في
المسالة تاركين التفصيل في ذلك الى بحث اوسع.
ويمكن ان نستدل لهده النظرية ببعض الوجوه الفنية:
منها: صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع) قال: «صل
المكتوبة، ثم احرم بالحج او المتعة، واخرج بغير تلبية حتى
تصعد الى اول البيداء الى اول ميل عن يسارك، فاذا استوت بك
الارض راكبا كنت او ماشيا فلب»((434)).
ومنها: صحيحته الاخرى عن ابي عبد الله(ع) ايضا قال: «لا
يكون الاحرام الا في دبر صلاة مكتوبة او نافلة، فان كانت مكتوبة
احرمت في دبرها بعد التسليم، وان كانت نافلة صليت ركعتين
واحرمت في دبرهما، فاذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله، واثن
عليه، وصل على النبي(ص)، وتقول:...اللهم اني اريد التمتع
بالعمرة الى الحج على كتابك وسنة نبيك..احرم لك شعري
وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء
والثياب والطيب، ابتغي بذلك وجهك والدارالاخرة - قال: -
ويجزيك ان تقول هذا مرة واحدة حين تحرم، ثم قم فامش
هنيئة، فاذا استوت بك الارض ماشيا او راكبا فلب»((435)).
ومنها: صحيحته الثالثة عن ابي عبد الله(ع): «اذا كان يوم
التروية - ان شاء الله - فاغتسل ثم البس ثوبيك... ثم اقعد حتى
تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت
حين احرمت من الشجرة فاحرم بالحج.. فاذا انتهيت الى فضاء
دون الردم فلب»((436)). فان المراد بالاحرام فيها النية قطعا
دون التلبية ولبس الثوبين.
ومنها: صحيحة هشام بن الحكم عن ابي عبد الله(ع) قال: «ان
احرمت من غمرة او من بريد البعث صليت وقلت ما
يقول المحرم في دبر صلاتك، وان شئت لبيت من موضعك،
والفضل ان تمشي قليلا ثم تلبي»((437)). وروايات اخرى
باسانيد اخر((438)).
ومنها: الروايات الدالة على ان الاحرام يجب ان يكون من
الميقات وانه لا يجوز تجاوز الميقات من دون احرام، مع تصريح
اخبار غيرها بجواز تاخير التلبية عن الميقات((439)).
مضافا الى روايات اخرى فصلت بين الاحرام وبين الافعال
الاخرى، مثل لبس الثوبين والتلبية وغيرهما. ان هذا الوجه قابل للمناقشة بعدة امور، منها: وصحيحة عبيد الله بن علي الحلبي قال: قال ابو عبد الله(ع): «وقت لاهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشجرة كان يصلي فيه ويفرض الحج، فاذا خرج من المسجد وسار واستوت به البيداء حين يحاذي الميل الاول احرم»((441)). حيث جعل ما يفعل في المسجد هو نية الحج المعبر عنه بفرض الحج، وفي البيداء الاحرام، ومراده التلبية بقرينة سائرالروايات. وثانيا: ان هذه الروايات ضعيفة السند ولا يمكن الاعتماد عليها بحال. الاولى: ان الاحرام يمكن تجريده عما عدا النية في بعض الاحوال، ولا يمكن تجريده منها بحال. الثانية: وكل ما لا يمكن تجريد الذات عنه بحال فهو مقوم لها.
فثبت ان النية وحدها حقيقة الاحرام.
وقد يستدل للمقدمة الاولى بمرسلة جميل بن دراج عن بعض
اصحابنا عن احدهما(ع) - في رجل نسي الاحرام اوجهل وقد
شهد المناسك كلها، وطاف، وسعى؟ - قال: «تجزئه نيته اذا كان
قد نوى ذلك، وقد تم حجه وان لم يهل»((446)).
والاستدلال بها قد يقرب بعدة تقريبات: اما المنطوق فهو اجزاء النية عما عداها، ومرده الى امكان تجرد الاحرام عنه في بعض الاحوال. واما المفهوم فهو عدم اجزاء ما عدا النية عنها بحال، ومرده الى عدم امكان تجريد الاحرام عن النية. ان هذا الشرط مسوق لبيان الموضوع؛ لان الشرط علق على ما هو ماخوذ في موضوع الحكم والجزاء الذي هو الاجزاء،فمع انتفاء الشرط لا يبقى موضوع للاجزاء. وهذا التقريب لا اشكال لنا عليه، لكن قد يناقش اصل الاستدلال بالرواية ببعض المناقشات الاخرى الواردة على التقريبين الاولين ايضا، منها:
ومعنى هذا ان الاحرام لم يفرض باقيا ولم يؤت منه بشيء ليقال
بامكان تجريده عن النية وعدمه، بل فرض الحج خاليامن
الاحرام اصلا، فحكم الامام(ع) بصح ة الحج من دون احرام،
والنية المقصودة هنا نية اتيان الاحرام ضمن مناسك الحج، وان
لم يات المكلف به، ويشهد لهذا تعبير السائل بنسيان الاحرام
واقرار الامام(ع) عليه.
ولذلك قال صاحب المدارك في رد كلام المحقق الكركي:
«وذكر المحقق الشيخ علي ان المنسي ان كان نية الاحرام
لم يجزه، وان كان المنسي التلبيات اجزا، وكان وجهه حمل
النية الواقعة في مرسلة جميل على نية الاحرام، وهو بعيد؛فان
مقتضى الرواية صحة الحج مع ترك الاحرام جهلا او نسيانا.
وقال المحقق العراقي ايضا: «ثم ان الظاهر من النص نسيان
الاحرام راسا مع نيته»((448)).
وعلى هذا الراي تكون مرسلة جميل المتقدمة وصحيحة علي
بن جعفر الاتية متحدتين، فقد روى علي بن جعفر عن اخيه
موسى بن جعفر(ع) قال: سالته عن رجل نسي الاحرام بالحج
فذكر وهو بعرفات؟ قال: «يقول: اللهم على كتابك وسنة
نبيك(ص)، فقد تم احرامه، فان جهل ان يحرم يوم التروية
بالحج حتى رجع الى بلده ان كان قضى مناسكه كلهافقد تم
حجه»((449)).
قد يقال: ان ضعف السند بالارسال الموجود في الرواية قابل
للرفع؛ فان راوي الرواية عن جميل هو ابن ابي عميرالذي صرح
الشيخ الطوسي(رحمه الله) في عدته بانه لا يروي ولا يرسل الا
عن ثقة وان فقهاء الطائفة سووا بين مسنداته
ومرسلاته((451)). وليس مراد الشيخ خصوص الارسال
المباشري اي الارسال الحاصل من ابن ابي عمير فيمايخص من
يروي عنه مباشرة، لسببين: وبعبارة اخرى: ان الارسال الواقع في السند يستوي فيه الارسال غير المباشري مع الارسال المباشري في التصحيح وعدمه ان لم يكن الارسال غير المباشري اولى بالتصحيح. ومن الواضح ان هذا السبب يستوي فيه الارسال المباشري وغيره.
وقد يشكل بان ما ذكره الشيخ الطوسي(رحمه الله) لا يصلح
علة للتسوية؛ فان مجرد حصول ذلك لا يسوغ الاعتمادعلى ما
لم يصح صدوره عن المعصوم(ع) ولا يجعله حجة يمكن الافتاء
بموجبها.
لكن الظاهر ان هذا غفلة عن ان الشيخ الطوسي(رحمه الله) لم
يجعل ذلك لوحده علة لجواز الاعتماد على مرسلاته، بل ضم
اليه وصف ابن ابي عمير بانه لا يروي ولا يرسل الا عن ثقة، فكان
المرتكز في ذهن الشيخ الطوسي(رحمه الله) ان الضعف انما
يتطرق الى مرسلات الثقة من ناحيتين:
وينتفي الاحتمال الاول باحراز كون المرسل لا يروي الا عن
ثقة، والثاني باحراز كونه ثقة، وربما جعلت من علاماته عند
القدماء كثرة الارسال من دون سبب عقلائي.
فذكر الشيخ الطوسي(رحمه الله) لذلك ذكر للسبب العقلائي
لكثرة ارسالات ابن ابي عمير الموجب لنفي احتمال
ضعفه وعدم ضبطه.
والصحيح في الاجابة عن التصحيح المذكور للرواية هو ان
يقال: ان الارسال الموجود في الرواية كما يحتمل ان يكون ناشئا
من ابن ابي عمير كذلك يحتمل ان يكون من جميل، ومع
تطرق مثل هذا الاحتمال لا يصح التصحيح المذكور؛فان فقهاء
الطائفة انما سووا بين مرسلات ابن ابي عمير ومسنداته لا
مرسلات جميل، ولم يعلم كون الارسال حاصلامن ابن ابي
عمير.
واما المقدمتان الثانية والثالثة فقد يقال بوجدانيتهما. لكن
المقدمة الثانية غير تامة؛ فان ما لا ينفك عن الذات لا يكون من
مقوماتها الذاتية دائما، كالتعجب للانسان فانه من لوازم الذات
الانسانية العارضة عليه بسبب النطق، بل قد يكون وجودا
مستقلا عن الذات متسببا عنها كالمعلول بالنسبة الى علته.
ومن المحتمل ان يكون الاحرام امرا هو غير الافعال التي ياتي
بها الانسان عند احرامه كالنية والتلبية ولبس الثوبين في
احرام الحج، بل امرا متسببا عنها.
ولو فرضنا صحة كون ما لا ينفك عن الذات من مقوماتها لم
يتم الا في الامور الحقيقية ذات الوجود الخارجي، واماالامور
الاعتبارية الخاضعة لاعتبار المعتبر فليس لها ذات خارجية
يمكن تجريدها ليقال بان ما يبقى هو من مقومات تلك الذات.
نعم، يمكن ان يقال بان لها حقيقة في افق نفس المعتبر ووعاء
الاعتبار، وان المقصود هو ما تتقوم به تلك الحقيقة هناك.
لكن من الواضح ان الموجود في الامور الاعتبارية في ذلك
الافق هوما يكون داخلا في اعتبار المعتبر وهو ما قد يتغيرمن
حالة لاخرى، فقد يعتبر بعض الاجزاء والشرائط في عبادة في
بعض الحالات ولا يعتبرها في حالات اخرى، فالقيام من واجبات
الصلاة في حال الاختيار وليس كذلك في حال العجز
والاضطرار، والجهر والاخفات واجبان في الصلوات اليومية في
صورة العلم وليسا كذلك في صورة الجهل، والركعتان
الاخيرتان من الصلوات الرباعية واجبتان في حال الحضر وليستا
كذلك في حال السفر.. وهكذا.
ومن هنا امكن القول بان لكل واحد من هذه الاعتبارات حقيقة
مستقلة في وعاء الاعتبار.
نعم، قد تنتزع من مجموع هذه الاعتبارات بعض الامور
المشتركة، فتلحظ ويوضع لها عنوان جامع كعنوان
الصلاة،ثم ترت ب عليه بعض الاحكام. لكن هذا العنوان له
حقيقته ومقوماته الخاصة التي تختلف تماما عن حقائق
ومقومات كل فرد من افراد الصلاة، كصلاة المسافر والحاضر
والعالم والجاهل والقادر والعاجز والمضطر.
والخلاصة ان الامور الاعتبارية قوامها باعتبارها لا باي شيء
آخر، لذا فحقائقها في عالم الاعتبار تختلف كلما اختلف المعتبر
فيها، فلا يوجد فيهاما يقبل التجريد وما لا يقبل ليعد ما لا يقبل
التجريد منها معبرا عن حقيقتها، فاستعمال هذه الطريقة فيما
نحن فيه خلط بين الامور الحقيقية والامور الاعتبارية. وهذه النظرية توافق كلام اكثر المصرحين بعدم انعقاد الاحرام الا بالتلبية، بل ادعي عليها الاجماع مستفيضا.
وقد يستدل لها:
وهذه النظرية هي التي ذهب اليها ابن ادريس الحلي((452))
والعلامة الحلي((453)) والمحدث البحراني((454)) في
احرام الحج.
وربما استدل لها بانها مقتضى الجمع بين الروايات المتقدمة
المعبرة بالاحرام عن النية تارة وعن تكبيرة الاحرام اخرى، كما
انها مقتضى الجمع بين ما دل على جواز فعل تروك الاحرام
بعد النية وقبل التلبية، مثل صحيحة معاوية بن عمار عن ابي
عبد الله(ع) قال: «لا باس ان يصلي الرجل في مسجد الشجرة،
ويقول الذي يريد ان يقوله ولا يلبي،ثم يخرج فيصيب من الصيد وغيره، فليس عليه فيه
شيء»((455)).
وصحيحة عبد الرحمان بن الحج اج، عن ابي عبد الله في الرجل
يقع على اهله بعدما يعقد الاحرام ولم يلب، قال: «ليس عليه شيء»((456)).
وصحيحة حفص بن البختري وعبد الرحمان بن الحجاج عن
ابي عبد الله(ع) انه صلى ركعتين في مسجد الشجرة
وعقدالاحرام، ثم خرج فاتي بخبيص فيه زعفران فاكل
منه((457)).
وبسند آخر: «فاكل - قبل ان يلبي - منه»((458)).
وروايات اخرى كثيرة((459)).
وما دل على وجوب عقد الاحرام عند الميقات وعدم جواز
تجاوزه، كمكاتبة صفوان بن يحيى الى الامام ابي
الحسن الرضا(ع) حيث كتب(ع) فيها: «ان رسول الله(ص) وقت
المواقيت لاهلها ومن اتى عليها من غيراهلها...»((460)).
وصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله(ع) قال: «من تمام
الحج والعمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله(ص)
لا تجاوزها الا وانت محرم...»((461)).
وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله(ع) ايضا قال في حديث: «ولا
تجاوز الجحفة الا محرما»((462)).
وكذا ما دل على وجوب الرجوع على من تجاوز الميقات بدون
احرام اليه، ففي صحيحة الحلبي قال: سالت ابا عبدالله(ع) عن
رجل نسي ان يحرم حتى دخل الحرم؟ قال: «قال ابي: يخرج
الى ميقات اهل ارضه...»((463)).
وصحيحته الثانية قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن رجل ترك
الاحرام حتى دخل الحرم، فقال: يرجع الى ميقات اهل
بلاده الذي يحرمون منه...»((464)).
ومثلها رواية علي بن جعفر الواردة في قرب الاسناد((465)).
وفي صحيحة معاوية بن عمار قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن
امراة كانت مع قوم فطمثت، فارسلت اليهم فسالتهم،فقالوا: ما
ندري اعليك احرام ام لا وانت حائض، فتركوها حتى دخلت
الحرم؟ فقال(ع): «ان كان عليها مهلة فترجع الى الوقت فلتحرم
منه»((466)). وغيرها من الروايات((467)).
وكذلك الروايات المحددة للمواقيت، وهي ايضا كثيرة: منها ما
رواه الحلبي قال: قال ابو عبد الله(ع): «الاحرام من
مواقيت خمسة وقتها رسول الله(ص) لا ينبغي لحاج ولا لمعتمر
ان يحرم قبلها ولا بعدها... ولا ينبغي لاحد ان يرغب عن
مواقيت رسول الله (ص)»((468)). وغيرها من
الروايات((469)). قال السيد الحكيم(رحمه الله) بعد استعراضه للاقوال المتقدمة: «اخذ النية في مفهوم الاحرام غير معقول؛ لانه فعل اختياري يقع عن نية تارة، ولا عنها اخرى، ولذلك اعتبروا في صحته النية، ومن المعلوم ان النية لا تكون موضوعا للنية، فالاقوال الثلاثة الاول على ظاهرها غير معقولة، ولعلها مبنية على المسامحة»((470)).
وهذه النظرية ابتكرها الشهيد الاول(رحمه الله)، واختارها من
بعده المقداد
السيوري
(رحمه الله)((471)) وفقهاء آخرون ايضا
لكن مع اجراء بعض التعديلات عليها((472)).
قال الشهيد: «وقد كنت ذكرت في رسالة ان الاحرام هو توطين
النفس على ترك المنهيات المعهودة الى ان ياتي بالمناسك،
والتلبية هي الرابطة لذلك التوطين نسبتها اليه كنسبة
التحريمة الى الصلاة، والافعال هي المزيلة لذلك
الربط،
ويتحقق زواله بالكلية بخرها؛ اعني التقصير وطواف
النساء بالنسبة الى النسكين، فحينئذ اطلاق الاحرام بالحقيقة
ليس الا على ذلك التوطين. ولكن لما كان موقوفا على التلبية كان لها مدخل تام في
تحققه، فجاز اطلاقه عليها ايضا اماوحدها لانها اظهر ما فيه تسمية للشيء باسم اشهر اجزائه او
شروطه، واما مع ذلك التوطين النفساني الذي ربما عبرعنه
بالنية، وفي التحقيق النية عبارة عنه»((473)).
ويمكن صياغة كلامه صياغة فنية وذلك ضمن بيان الامور
التالية: وثانيا - انه امر اختياري يفعله المكلف عن قصد او لا عن قصد. وثالثا - انه خارج عن افعال الواجب، ولذلك فهو بحاجة الى ما يربطه بها. ورابعا - ان هذا الرابط في الحج هو التلبية، وفي الصلاة تكبيرة الاحرام. وخامسا - ان هذا الاحرام امر متصل تابع في بقائه وزواله لبقاء الافعال وزوالها، ولذلك كانت هي المزيلة للربط، وكان زوالها بالاتيان بخرها.
واول من نسب اليه القول بهذه النظرية الامين
الاسترابادي(قدس سره) حيث نقل عنه صاحب الحدائق
اختياره ذلك.
واختارها غير واحد من بعده((475)).
قال في الحدائق: «وظاهر المحدث الامين الاسترابادي(قدس
سره) في بعض فوائده ان الاحرام عنده عبارة عن
الحالة المترتبة على نية الحج او العمرة والاتيان باول جزء منه
وهو التلبية، قال: (وهو الظاهر عندي من الروايات)قال: (وهو
من الاحكام المترتبة على مجموع النية، والاتيان بجزء من
المنوي نظير حرمة منافيات الصلاة على المصلي بسبب
نية الصلاة وتكبيرة الاحرام)»((476)).
وفي كشف الغطاء: «وهو عبارة عن حالة تمنع عن فعل شيء من
المحرمات المعلومة، ولعل حقيقة الصوم كذلك، فهماعبارة
عن المحبوسية عن الامور المعلومة، فيكونان غير القصد
والترك والكف والتوطين، فلا يدخلان في الافعال والاعدام، بل
هما حالتان متفرعتان عليها»((477)). اللهم الا ان يقال: ان اطلاق لفظ الاحرام على ما يفعل عند الميقات يراد به الشروع في تحصيل الحالة المذكورة((478)) اوتحقيق الجزء المهم في تحصيلها بالضبط، كما يقال لمن انشا بيع العين: انه باعها ولو قبل ان يحصل القبول، لكنه تجوز محض لا يصار اليه الا بعد العجز عن اعطاء تصور مقبول لذلك وتقديم نظرية منسجمة لا يرد عليها شيء. |