وقد يلاحظ على النظرية: ان الروايات امرت بالاحرام وصرحت
كلمات الفقهاء بوجوبه وعده من افعال الحج الواجبة، وهذا
يقتضي كون الاحرام فعلا انشائيا اختياريا للمكلف، مع ان القول
بكونه الحالة المذكورة يجعله امرا قهريا لااختياريا، فيحصل
التنافي((479)).
لكن هذه الملاحظة مرفوضة؛ لان ترتب الحالة المذكورة وان
كانت امرا قهريا من حيث ترتبها على سببها الموجب لها، لكنها
اختيارية نتيجة لاختيارية مباديها واسبابها الموجبة لها - اعني
النية والتجرد ولبس الثوبين والتلبية - فجازايجابها والامر بها،
وتكون النية والتجرد ولبس الثوبين والتلبية واجبة من باب
وجوب المقدمة بوجوب ذيها بناء على القول بها بالضبط، كما
يجب الوضوء ولبس الساتر والاستقبال والتكبيرة للصلاة. النظرية السادسة: ان الاحرام له معنيان: احدهما الدخول في الواجب بفعل اول اجزائه، والثاني الدخول في حالة يحرم على المكلف فيها بعض المحرمات الخاصة. ففي الصلاة يتحقق الاحرام بكلا معنييه بفعل واحد هو تكبيرة الاحرام، وامافي الحج فيتحقق الاحرام بالمعنى الاول بالنية بعد التجرد ولبس الثوبين والاحرام بالمعنى الثاني بالتلبية.
وبذلك يتجه أولا اطلاق لفظ الاحرام على ما يفعل عند
الميقات والحكم بحرمة تجاوزه من دون احرام، وثانيا
اطلاقه ايضا على ما يفعل في البيداء من التلبية وتجويز ارتكاب
المحرمات قبلها، وثالثا اطلاق لفظ المحرم على المكلف فيما
بين ذلك وبين آخر عمل ياتي به اعني التقصير او الحلق
وطواف النساء.
وهذه النظرية طرحها الشيخ النراقي(رحمه الله) في المستند. نقد النظرية السادسة:
وفي صحيحة عبد الله بن سنان عنه(ع) ايضا قال: «اذا اردت
الاحرام والتمتع فقل:... احرم لك شعري وبشري من
النساءوالطيب والثياب»((481)). النظرية السابعة: ان الاحرام واحد بمرتبتين، احداهما تحصل بما يفعل عند الميقات، والاخرى تحصل بالتلبية.
وليس المراد ان الاحرام بمرتبتيه ذات الافعال المذكورة، بل ما
يتسبب عنها ويبقى الى حين التحلل والفراغ من الواجب.
وهذه النظرية طرحها المحقق العراقي في شرحه على التبصرة
بعد تعرضه لطائفتي الروايات المطلقة لفظ الاحرام على ما
يفعل في المقامين، حيث قال: «ولكن يمكن الجمع بين هاتين
الطائفتين... بجعل الاحرام ذا مرتبتين، احداهما: ما
يحصل بالعقد القابل للنقض، والاخرى: ما يحصل بعده بالتلبية
غير القابل بعده للنقض...»((482)).
وهذه النظرية افضل ما قيل في بيان حقيقة الاحرام، ولا يرد عليها شيء من الاشكالات المتقدمة، غير انها مجملة تحتاج الى
ايضاح وتوجيه. توضيح حقيقة الاحرام:
ان الانسان كما تدفعه بعض اغراضه الى ان يقيم سورا ويفرض طوقا على بعض الاماكن
متخذا منها حريما له،فيحظر على من دخلها تعاطي بعض الافعال التي لا تتناسب مع غرضه من
تسويرها وتطويقها، كالاستقاء من بعض حافات المياه والانهار
والابار، والرعي والزرع في بعض المراعي والمناطق الصالحة
للزراعة، كذلك الشارع قد تقتضي بعض اغراضه ان يؤطر بعض الافعال ويطوقها بطوق
اعتباري يحظر فيه على من دخله تعاطي بعض الافعال التي لاتتناسب وغرضه من تاطيرها
وتطويقها، فتكون حريما له يوجب ارتكاب تلك الافعال فيه
انتهاكا لحرمته تستدعي التكفير، وربما بطلان العمل.
كما قد يؤطر بعض الاماكن المقدسة لديه فيجعلها حريما له
يمنع الداخل اليها من تعاطي بعض الافعال ويوجب الكفارة عليه
ايضا بارتكابها، كحريم مكة والمدينة.
وهذه الافعال التي يقوم الشارع بتاطيرها وتطويقها وحظر
بعض الممارسات فيها كثيرة، منها الصلاة والصوم والاعتكاف
والحج والعمرة وغيرها.
فالصلاة التي اريد لها ان تكون مذبح الانانية ومظهر العبودية
ومعراض العشق والتوله والاعتراف بالجميل للرب
المنعم الكريم وساحة ادب العبد في حضرة الرب، ينافيها
انشغال العبد بالاكل والشرب والقهقهة والبكاء لامردنيوي
ونحوذلك.
والاعتكاف الذي اريد له ان يكون دارا يخلو بها الانسان مع ربه
ويتفرغ فيها لعبادته، لا يلائمه اهتمام الانسان باشباع بطنه
وارضاء شهوته والتلذذ بالعطور والدخول مع غيره في مراء
وجدال ونحو ذلك.
والحج والعمرة اللذان اريد بهما للانسان ان يرحل من بيت
الذات الى بيت الله ويخرج من حريم النفس الى حرم الرب ويدع
كل ما يرضيه من اطايب العيش ولذائذه الى ما يرضي معبوده
وخالقه، لا يناسبهما انشغال العبد بمجامعة النساء وارتداء الحلل
وتطييب الثياب وغير ذلك، فحر م كل ذلك عليه.
وهكذا اصبح لكل فعل من هذه الافعال حريم، وغدا الدخول فيه
احراما.
لكن الدخول في حريم العبادة ليس على غرار الدخول في
غيرها؛ حيث تقتضي دخولا بالقلب والبدن لا بالبدن وحده.
وعلى هذا صارت للاحرام مرتبتان: احداهما دخول في حريم
العبادة بالقلب، والاخرى دخول فيه بالبدن.
ويناسب الدخول الاول ان يكون الفعل الموجب له والاثر
المترتب عليه قلبيين، كما يناسب الدخول الثاني ان يكون
الفعل الموجب له والاثر المترتب عليه بدنيين.
ولذلك كان حصول الدخول الاول بانشاء العزم وعقد النية على
اتيان الواجب الذي اعتبره الشارع نافذا في حق موقعه كسائر
الانشاءات الايقاعية الاخرى مثل النذر والوقف، وكان اثره حرمة
قطعه والرجوع عنه، وحصول الدخول الثاني بالاتيان باول جزء
منه وهو التكبيرة في الصلاة، والتلبية او الاشعار او التقليد في
الحج، واثره حرمة المحرمات المعهودة في كل منهما.
ولابد من سبق الدخول الاول على الثاني لكيلا يقع بعض
الواجب العبادي فاقدا للنية، غير ان هذا السبق قد يكون بفاصل
زماني كما في الحج حيث يستحب تاخير التلبية عن الميقات
بما يقارب الميل حيث البيداء ومحل الخسف، وقدلا يكون كما
في الحج مع عدم العمل بمقتضى الاستحباب والصلاة حيث
يؤتى بالتكبيرة بعد النية مباشرة. وبما بيناه يتضح:
أولا وجه اطلاق لفظ الاحرام في الروايات وكلمات الفقهاء على
ما يفعل عند الميقات، وما يفعل في البيداء، وبه يجمع بينها.
كما يتضح
ثانيا وجه انشاء الاحرام من الطيب والنساء والثياب
عند الميقات، ووجه حرمتها فعلا بالتلبية او بالاشعاراو التقليد.
كما يمكن
ثالثا معرفة الوجه في ترتب الاثر الاول على مجرد
انشاء الاحرام بالنية وانه ما دل على وجوب اتمام الحج والعمرة
كقوله تعالى (واتموا الحج والعمرة لله)((483)) بعد تحقق
الدخول بعقد النية الذي اعتبره الشارع.
فانه جعل ما يؤتى عند الميقات مجرد انشاء من قبل المكلف
اعتبره الشارع كالنذر، ورتب عليه لزوم المضي في الحج وحرمة
قطعه والرجوع عنه، وجعله جزءا من الاحرام كما يظهر من
تعبيريه: «حتى يتم احرامه» و «ثم اتم بالتلبية».
والظاهر ان سند الرواية لا اشكال فيه؛ فان الرواية رواها الشيخ
الطوسي في كتابي التهذيب والاستبصار بسنده عن موسى بن
القاسم عن صفوان عن جماعة كثيرة من الثقات الاجلاء، مثل
معاوية بن عمار وعبد الرحمان بن الحجاج وحفص بن البختري
عن ابان بن تغلب.
وبما ذكرناه يتضح مدى ما حققناه من التوجيه لكلام المحقق
العراقي(رحمه الله) والتلفيق بينه وبين كلام النراقي(رحمه
الله).
الابعاد الدولية للحج «القسم الاول»
الاستاذ السيد محمد الخامنئي * هذا المقال مستلّ باختصار من كتاب صدر للمؤلف باللغة الفارسية تحت عنوان: «الحج من منظار الحقوق الدولية» لمحة حول الهيكلية العامة للحج:
لم يكن الحج والمناسك المتعلقة بالكعبة وبيت الله قضية
خاصة بالمسلمين، بل لذلك جذور تاريخية
ممتدة((485))،
والقدر المتيقن انها اشتهرت ايام شيخ الانبياء
ابراهيم الخليل(ع).
وقد قام الاسلام - مضافا الى تعديله وتنظيمه وحذفه لبعض
سنن الجاهلية وتطهير الحج والكعبة من آثار عبادة الاوثان -
باعطاء هذه المناسك وهذه المنظومة المسماة بالحج طابعا
حقوقيا وسياسيا ، وقدم ذلك باعتباره تشكيلة سياسية
واجتماعية تمتلك ابعادا عالمية. ومشروع الحج من زاوية
حقوقية له بعدان احدهما مستقل عن الاخر،
وهما: أولا - الحقوق الداخلية:
والخصوصية التي يمتاز بها هذا النمط من الممارسة هو لزوم
الاتيان بها بقصد رضا الله ومن اجله فقط، وهذا مايعبر عنه في
الاصطلاح بالنية وقصد القربة.
وبحسب نظرنا وبالنظر الحقوقي يمكن عد هذه المجموعة من
العبادات الاسلامية من ضمن الوظائف الجماعية؛لان الاساس
الفلسفي والفكري للاسلام قائم على اعتبار الانتماء الى هذا
الدين نوعا من التشكيلة السياسية، وان المسلمين اعضاء في
هذا الكيان، وان الانعزالية والفردانية مرفوضة بالكامل من
وجهة النظر الاسلامية.
ان العبادات - في الحقيقة - مجموعة من التكاليف الجماعية
الشاملة للبناء الذاتي للشخص والتضامن الاجتماعي من خلال
الصلاة والصوم والحج، ودفع حق الاشتراك في هذا الكيان من
خلال الخمس والزكاة،
وايضا الدفاع عن حريم ذلك من خلال
الجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعليه، فان احد ابعاد الحج هو انه من زاوية الحقوق الداخلية
يعتبر تكليفا جمعيا، وكل مسلم - اي كل عضو في المجتمع
الاسلامي الواسع - يجب ان يؤدي هذا الواجب مرة واحدة على
الاقل في العمر وان يمر بهذه الدورة التعليمية والتربوية. ثانيا - البعد الخارجي والدولي:
ومع شديد الاسف، فبالرغم من اهمية هذه الحيثية من ميزة
الحج بنظر الاسلام فقد بقي مغيبا عن انظار
الحقوقيين والفقهاء. ان الحج بحسب المفهوم الدولي يتكفل نوعين من الاثار: النوع الاول: النوع الثاني:
وتعني طريقا للارتباط المتبادل بين العباد وخالقهم تعالى،
وتعني ايضا شكلا من الانسجام والتناسق مع الفطرة والطبيعة.
وهذا البرنامج للتربية وبناء الذات هو مقدمة للنوع الاول، اي
التعاون والانسجام مع المجتمع الاسلامي الكبير، والذي اولاه
الاسلام عناية واهمية فائقتين((486)). نظرة اجمالية حول الهيكل العام للحج:
ان الحج له اقسام، واهمها واشهرها هو حج التمتع الذي يتعلق
بعامة المسلمين والشعوب المختلفة، هذا مضافا الى وجود
اعمال اخرى تسمى بالعمرة، ونحن عندما نطلق لفظ منظومة
الحج نريد به هذين القسمين من المناسك، اي العمرة والحج.
فاما العمرة فتبدا بالاحرام الذي هو مرحلة لها شروط خاصة
لابد وان تنطلق من اماكن مخصوصة تسمى
(الميقات)،وتقارنها التلبية ذلك النشيد الجميل (لبيك اللهم
لبيك) الذي يعبر عن الاستجابة لنداء الحق سبحانه.
ويواصل هؤلاء العشاق سفرهم نحو مكة حتى الوصول الى
الكعبة فيطوفون بها سبعا، ويصلون في مقام ابراهيم(ع)،ثم
يسعون بين جبلي الصفا والمروة سبعا((487))، ثم يقصرون باخذ شيء من شعورهم واظفارهم، ويخرجون بذلك
عن الاحرام ويباح لهم ما كان محظورا عليهم حال الاحرام.
واما الحج فهو ايضا يشرع بالاحرام المقارن مع القربة والتلبية،
وبدايته عادة في اليوم الثامن من ذي الحجة او قبله بليلة.
ويجب على الحجاج النزول في صحراء عرفات في اليوم التاسع،
ثم الذهاب الى المشعر والمبيت فيه، ومن ثم يجمعون الحصى
للرمي فيما بعد؛ حيث يتوجهون الى منى صبيحة العاشر
ويقومون برمي الجمرة ويبدون تنفرهم وبراءتهم من منبع
الفساد في العالم. وفي اليوم نفسه يقدمون قربانا علامة للشكر،
ثم التقصير او الحلق. وفي اليوم التالي يقومون برمي الجمرة
مرة اخرى، ثم العود الى مكة للطواف بالبيت سبعا، ثم الصلاة
في مقام ابراهيم، ثم السعي سبعا بين الصفا والمروة، ثم الطواف
بالبيت سبعا [=
طواف النساء]، وينتهي بذلك الحج.
ان منظومة الحج ترتكز على محورين مهمين: الزمان والمكان. أ - عنصر الزمان: لابد من الاتيان باعمال الحج والشروع فيه بصورة منتظمة ودقيقة ووفق جدول زمني. والمعيار في الزمان الاشهر القمرية.
فالشروع في الحج يجب ان يكون في احد الاشهر الثلاثة الحرم،
والمتعارف الاتيان به في ذي الحجة الحرام.
والتوجه الى عرفات لابد وان يقع في زمان معين، وكما مر
علينا ان اليوم التاسع يختص بالوقوف في عرفات، وفي
ليلة ذلك اليوم يختص بالوقوف في المشعر، واليوم العاشر خاص
بالافعال المتعلقة بمنى.
وينبغي مراعاة هذا النظم والترتيب في الظروف الاعتيادية،
وتتمة هذا البرنامج هو تكرار رمي رمز الشيطان بالحصى في
ثلاثة ايام. ب - عنصر المكان: الجانب الاخر في النظم الذي عليه الحج يتعلق باهمية عنصر المكان، وهذا ما يعطي الحج من الناحية الحقوقية ابعادا جديدة وعلى الصعيد الدولي.
والكعبة هي المحور المكاني الذي تدور عليه اعمال الحج، وهي
عبارة عن بناء بسيط مكعب الشكل((488)) مبني من صخور
عادية سوداء اللون، وحوله صحن المسجد الحرام الذي تحوطه
الاروقة والابواب المتعددة.
ويضم هذا المكان المقدس عددا من الاماكن التاريخية
المقدسة، من جملتها: مقام ابراهيم، وحجر اسماعيل؛
مدفن اسماعيل وامه هاجر، وفي طرف المسجد بئر زمزم الذي
نبع بطريقة اعجازية من تحت ارجل اسماعيل(ع).
ويوجد مرتفعان قريبان من المسجد باسم الصفا والمروة،
ويجب على الحاج ان يطوي تلك المسافة بين الجبلين
محرماساعيا لجلب رضا بارئه.
ان الكعبة واقعة في المسجد الحرام، والمسجد الحرام واقع في
مدينة مكة والتي بدورها تقع ضمن الحرم؛ اي في المنطقة
الامنة، ومن الناحية الحقوقية لها آثار وامتيازات خاصة بها،
وتسمى مكة بالبلد الامين. وفي الجهة الشمالية المحيطة بمكة
ثمة ثلاث مناطق مقدسة ولها دور هام في مناسك الحج:
اولها ناحية تسمى منى؛ وهي منطقة صحراوية في ناحية
الشرق وعلى مسافة ستة كيلومترات تقريبا من مكة،وبعدها
منطقة اخرى باسم المشعر الذي يفصل بين منى وعرفات،
حيث تقع عرفات في جهة الشمال وعلى مسافة 24كيلومترا
من مكة؛ وهي عبارة عن واد مسطح. وهذه المناطق الثلاث
ساحة عبادة وتفكر للحجيج، وعرصة لصراعهم مع الشيطان
والغرائز.
وبعد ان يحرم الحجاج يتوجهون صوب عرفات فيمكثون اليوم
التاسع من ذي الحجة هناك ويقضون الليلة التالية في المشعر،
وفي اليوم العاشر يرحلون الى وادي منى.
وبعد انجاز هذه الاعمال - والتي تؤدى بصعوبة وسط مئات
الالاف من البشر - يقدمون قرابينهم في موضع معين تقربا الى
الله ويوزعون لحومها على الفقراء، ثم يعودون الى خيامهم اثر
ذلك الصراع الداخلي وجهاد النفس.
والمرحلة الاخيرة هي الرجوع الى مكة والطواف حول الكعبة
والسعي بين الصفا والمروة والطواف ثانية، وبذلك تنتهي آخر
اعمال هذا السفر، حيث يخرج الحاج من احرامه بنشوة النصر
ويعود الى ممارسة حياته العادية مرة اخرى.
وفي جميع هذه المراحل يجب على كل حاج ان يعرف بدقة
الحدود المكانية لهذه المناطق (عرفات - المشعر - منى)وان
يراعي ذلك، والا فسيبطل حجه.
ان محل الطواف حول الكعبة محدد بصورة دقيقة، وكل من
يخرج عن هذه الحدود يختل طوافه وعليه الاستئناف.
وكذا المسافة بين الصفا والمروة يجب ان تقطع دون ان ينقص
منها قدما واحدا. ولهذا فان الحجاج من اجل احرازصحة عملهم
يذهبون الى اكثر من تلك المسافة.
وكذلك العمرة، فان الحاج لابد له من الاحرام من مكان يسمى
الميقات. وهذا الموضع المكاني يختلف بحسب الزائرين لبيت
الله، فالذين ياتون من الشمال الشرقي لمكة يجب عليهم
الاحرام من (وادي عقيق) الذي يبعد عن مكة مسافة
مئة كيلومتر تقريبا. والذين يردون مكة من شمالها الغربي من
الطريق البحري من ميناء جدة عليهم الاحرام من
(الجحفة) الذي يبعد عن مكة مسافة مئة وخمسين كيلومترا.
والذين ياتون من الجنوب او الجنوب الشرقي عليهم الاحرام
من(يلملم) الذي يبعد عنها مسافة ثمانين كيلومترا.
وميقات آخر وهو (قرن المنازل) الذي يقع شرق مكة على
مسافة تسعين كيلومترا منها، فكل الطرق تنتهي بمكة والكعبة.
وهذه المواقيت - التي يمكن ان نطلق عليها اسم محطات
الاحرام، ومغتسل الروح، وتطهير الانسان ظاهرا وباطنا
من الواث الحياة الرتيبة - هي حدود المنطقة الامنة والارض
المقدسة.
وتبدا من هذه المناطق مجموعة من الممنوعات والمقررات
الخاصة، والحاكم على الاشخاص هو القانون الخاص في مرحلة
الاحرام وحدودالحرم.
من هنا يمكن الكشف عن جانب من اهمية تاثير المكان والزمان
في اعمال الحج، وكل حاج واع وملتفت في جميع لحظات
تواجده في تلك الحالة والظروف الطارئة يدرك تماما اهمية
تلك المواضع، ويراعي بدقة خصوصيات ذلك. المبادئ الدولية للحج
من نافلة القول ان للحج ابعادا مختلفة واهدافا متنوعة في
الجوانب العقائدية والايديولوجية والعلمية
والاجتماعية والتربوية والاقتصادية، الا ان الغرض الاصلي الذي
نستهدفه هنا هو بيان الابعاد الدولية والحقوقية للحج، واهمها
حسب اعتقادنا هو البعد السياسي والاجتماعي الشامل للعلاقات
الدولية وما يتفرع عن ذلك.
وقد اشتملت هذه الدراسة على بيان اثني عشر مبدا من
المبادئ الدولية للحج: المبدا الاول: ان الحج ظاهرة سياسية واجتماعية:
ان هذه الممارسات نظير لبس ثوبي الاحرام، والطواف بالكعبة،
والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات،والمبيت في
منى، والتضحية بالانعام، كلها تعبر عن افعال هادفة ذات
محتوى، ولها جذور تاريخية في الاديان السابقة على الاسلام،
وليست هي افعال غامضة ولا يمكن تبريرهامنطقيا كما يظن
بعض من يدعي التحضر، بل ان الامر على العكس من ذلك، فانه
يمكن القول بان الحج يمثل مجموعة من «البيانات العملية» او
الممارسات الرمزية التي تعكس عقائدوشعارات واهداف الفرد
المسلم؛ اذ ان البيان على نحوين: اما ان يكون من خلال لسان
المقال، واما ان يكون من خلال السلوك ولسان الحال، وبحسب
نظر البعض ان القسم الثاني ابلغ وافصح من البيان اللفظي.
فان كل فعل وممارسة - خاصة في الحج - يكمن وراءها عالم من
القضايا والغايات التي ليست قادرة على حل مشكلات الشعوب
الاسلامية فحسب، بل ان ها قادرة على انقاذ جميع الشعوب
المستضعفة، بما تمتلك من ابعادسياسية واجتماعية كبرى.
حيث يلاحظ على هذه المناسك ابتداء بالاحرام الذي تنعدم
فيه الفوارق والامتيازات، وتنطلق منه عملية التزكية
الروحية والتطهير القلبي، وتتجلى فيه المساواة والمرحمة
وتبلور العواطف الانسانية؛ ومرورا بالطواف والسعي، حيث نرى
روح التوحيد وعبادة الله تملان اركان كل شيء، واسباغ الحالة
الجماعية للافعال والممارسات الفردية واعطاءها معنى وهدفية،
ووضع الخطوط الحمراء بين الصديق والعدو، والتضحية،
واستهداف العدو وتشخيصه بدقة، والدوران حول هدف واحد
مشخص وثابت؛ واخيرا تمييز خندق عبادة الحق في العالم عن
اعداء البشرية، واعلان الانزجار من عبادالمادة والمستغلين
والشياطين الكبرى والصغرى في العالم البشري، والوقوف صفا
واحدا في مقابلهم.
ان البعد السياسي في الحج من الحيوية بمكان والى درجة من
الواقعية بحيث لا يمكن تجاهله واغفاله، وسيتضح فيماسنذكره
في المبادئ القادمة ان الحج عبارة عن وظيفة اجتماعية
اساسية تقع على كاهل الدول وهي التي تتحمل مسؤولية
ادارتها، وتستلزم وجود منظمات دولية، وتقتضي ان توضع لها
مقررات ومعاهدات واتفاقيات دولية استثنائية حتى تظهر لنا
ثمراتها.
ان ادنى تامل في مبادئ الحج يقود الى اكتشاف حقيقة؛ وهي
ان السلام والامن العالمي او الاقليمي - والذي يعد من اهم
الاهداف والاماني السياسية والدولية للمجتمع البشري وهيئة
الامم - يكمنان في هذه الثمرة السياسية والاجتماعية للحج.
وثمة مسالة اخرى لها اهميتها في الساحة الدولية؛ الا وهي
قضية التقريب والتقارب بين الدول في اطار التعاون والتنسيق
على المدى الطويل، والذي يعتبر عملا صعبا نظرا الى
المعادلات السياسية التي تحكم عالمنا اليوم، والتي لم يستطع
الى الان حفظ الاتفاقيات والقرارات الدولية المتخذة من عدة
جهات دولية لمدة طويلة، بل حتى في دائرة دول المنطقة
الواحدة؛ فكل حلف واتفاق سياسي بين الدول لا يمكث بعد
فترة قصيرة بسبب ضعف الاسس المبنية عليها.
وقد حلت هذه المشكلة على افضل وجه - اي موضوع التعادن او
الاتحاد بين الدول وكذلك شعوبها - في مشروع الحج؛ فان هذه
الاطروحة السياسية والاجتماعية قادرة على التقريب بين
جميع الدول الاسلامية، وتهيئ ارضية التعاون والاتحاد العالمي
الواسع - ولا اقل الاقليمي - بكل سهولة؛ لما يمتلك من منظومة
وطيدة واسس عقائدية محكمة تملاوجدان المسلم.
واحد الادلة الاساسية على الحيثية السياسية للحج هو العلاقة
التي بينها القرآن الكريم والاحاديث الشريفة بين الحج وبين بقاء
وقيام المجتمع الاسلامي، وان بقاء المجتمع المسلم مرهون
باقامة الحج، وان تركه وتعطيله موجب لذلة المسلمين
واضمحلالهم، قال سبحانه: (جعل الله الكعبة البيت الحرام
قياما للناس...)((489))؛ اي ان قوام الناس وحياتهم السياسية
كلها مرهونة بالحج والكعبة والدوران حول محورها، وعليه فان
ترك ذلك يكون سببا لاضمحلال وتلاشي الجانب السياسي
والاجتماعي للمسلمين، بل عموم الانسانية المعبر عنها
ب(الناس).
ومعنى ذلك ان ظاهرة الحج والاجتماع حول الكعبة المشرفة
في مكة يجعل المسلمين - بل الانسانية - في مناى عن الاخطار
السياسية والاجتماعية.
وهذه العلاقة قد سجلتها الاحاديث ايضا بتعابير اخرى، منها: المبدا الثاني: ان الحج ميثاق ووظيفة عالمية:
وكما مر علينا في المبدا الاول ان تعطيل الحج هو علامة خطر
يهدد كيان الاسلام والمسلمين، وينبغي على كل شعب دوما -
من خلال الاتحاد التام - القيام بدوره في المساهمة في مناسك
الحج؛ لكي تبقى انوار هذا السراج تشع على الدنيا بضيائها.
ولا يكاد يخفى التاثير الايجابي والاهمية البالغة للحضور
والاجتماع حول الكعبة واداء مناسك العمرة والحج، فانه بالرغم
من ان الحد الاقل للواجب هو الحضور في العمر مرة الا انه ورد
التاكيد الشديد على تكراره كل سنة، سواء كان حجا في موسم
الحج او عمرة مفردة في غير ذلك، بل قد تتولد شبهة لوجوب
ذلك في بعض الحالات من الناحية الفقهية.
ان ترك الحج ايضا في النصوص الاسلامية وقع موقع الانتقاد
الشديد، وقد اتخذت بهذا الصدد ضمانات تنفيذية
حقوقية وجزائية، ومما يعزز ذلك هو ان الحج ليس عبادة فردية
بل هو عبادة اجتماعية وسياسية، بل له بعد
دولي وعالمي كذلك.
ففي الواقع ان ترك الحج والرغبة عنه هو نوع نقض للعهد مع
الله والامة الاسلامية وان طرح في اطار الحقوق
الاسلامية بعنوان (البغي) و (انكار لضروريات الدين). ففي مثل
هذه الحالات تكون الضمانة التنفيذية هي الضغوط
المختلفة سياسيا واقتصاديا ونحوها من قبل مسلمي الدول
الاخرى، وسيتضح ذلك من خلال بيان صور تعطيل الحج.
ويمكن حصر اسباب ترك الحج فيما يلي: 1 - عدم رغبة الناس:
أ - الامر بالمعروف وممارسة النصح والارشاد من قبل عامة
الناس، وترغيب التاركين للحج للاتيان به، وتحذيرهم من مغبة
تركه.
ب - الارشاد والامر بالمعروف والاعلام الواسع المشوق من قبل
الدولة والاجهزة والمنظمات العامة والحكومية.
ج - المتابعة القضائية، ومعاقبة تارك الحج، واقامة التعزير،
وانزال العقوبة عن طريق جهاز (الحسبة) والقضاءوالمحاكم،
وبما ان ترك الحج يمكن عده من الجرائم المستمرة فمن
المناسب ان يوضع له عقوبة معينة مالية اوغيرها.
د - هذا، مضافا الى العقوبة الالهية والجزاء الاخروي الذي له اثر
عملي للمنع من تعطيل الحج.
وبناء على ذلك، ففي حالة كون ترك الحج ناشئا من ترك
الناس عن قصور او تقصير فلابد من بذل الحكومات
والدول اقصى الجهود للحيلولة دون ذلك. وفي حالة كون عدم
رغبة الناس في الحج حاصلة على اثر الاعلام المعادي
للاسلام وما يلقيه من وساوس وشبهات في اذهان المسلمين
والذي يكون حينئذ مصداقا من مصاديق (الفتنة) و (الصد
عن سبيل الله) فعادة تكون الدول الاسلامية مكلفة برفع ذلك
وازالته. 2 - وجود المانع الدولي:
فلو فرضنا ان المانع كان مانعا سياسيا، فمن الطبيعي ان تكون
ازالته من خلال اعتماد الطرق والاساليب السياسية،وبعبارة
اخرى: من خلال الطرق الدبلوماسية.
ولو فرض ان المانع كان عسكريا فلابد للحكومات الاسلامية ان
تتصرف بحسب مقتضى الحال لرفع ذلك. المبدا الثالث: اقامة الحج وظيفة الدول:
والدليل الاخر لتصدي الدول في برنامج الحج هو وجود
الضمانات التنفيذية - والتي اشير اليها سابقا وسنشير اليهاايضا
لاحقا - سواء كانت تلك الموانع داخلية ناشئة من عدم رغبة
الناس بالحج او ما يتعلق منها بالموانع الدولية؛ لان هذه
الاجراءات لا تكون عملية حينئذ الا اذا طرحت بمستوى الدول
والحكومات.
ونحن نرى على الصعيد العملي ان بعض الدول المتاثرة
بالاعلام المعادي للاسلام والتي تعكس الحج في صورة
عبادة جامدة فردية، تجد نفسها فعلا مضطرة بشكل وآخر الى
التدخل سلبيا في مختلف ابعاد الحج؛ الادارية او
السياسية؛الداخلية او الخارجية، ولا تعتبر نفسها غير معنية
بالامر، ولا تعد الحج - على الصعيد العملي - كغيره من
العبادات كالصوم والصلاة.
ان الحد الادنى من ارتباط وتدخل الدول اداريا وسياسيا في
الحج في مسائل من قبيل ما يرتبط بالعملة الصعبة والتجارة
والرحلات والسفر والرسوم الجمركية وامور الحمل والنقل
الخارجي والصادرات والواردات وغير ذلك من الشؤون المتعلقة
بالحج.
ان هذه الوظائف والتدخلات من قبل الدولة - والتي تمثل
اجراءات وردود فعل الدولة - لا تختص بالدول ذات
الصبغة والطابع الاسلامي، فان كل دولة - ولو لم تكن دينية - لا
محيص لها من التصدي عمليا من خلال الاجهزة العامة
والحكومية للبلد وحماية اتباعها ومواطنيها حتى لو فرض عدم
قبولها نظريا لبرمجة الحج.
ومضافا الى هذه الامور وتدخل الدولة الذي يعبر عن ردة فعل
واجراءات طبيعية، ثمة اجراءات جادة في مرتبة ارقى هي ايضا
تقع في دائرة مسؤولية الدول الاسلامية.
ان الحكومات الاسلامية - سواء كانت ملتزمة بالاسلام عمليا او
تحكم في بلد يعتمد الاسلام مذهبا رسميا ويمثل الاكثرية -
وانطلاقا من النظرة العقائدية والسياسية والدستورية يلزمها
القيام بقسم من الاجراءات المؤثرة مضافا الى تلك الاجراءات
العادية المشار اليها آنفا. ويراد بالاجراءات المؤثرة ما يلي:
2 - نشر التعليم على مستوى واسع لمختلف الطبقات
والمستويات والاعلام المناسب لترغيب الناس.
3 - توفير التسهيلات كافة لاداء الحج وازالة الموانع الداخلية
والخارجية.
4 - اتخاذ الاجراءات اللازمة للحيلولة دون تسامح الاشخاص
ذوي الاستطاعة او تهربهم.
فقد ورد في حديث عن الامام الصادق(ع) انه قال: «لو عطل
الناس الحج لوجب على الامام ان يجبرهم على الحج ان شاؤوا
وان ابوا؛ لان هذا البيت انما وضع للحج»((494)).
ففي الحقيقة ان المساهمة في اداء الحج نظير المساهمة في
الجهاد والخدمة العسكرية وتعد جزءا من الامور العامة
التي تكون ضمن صلاحيات الدولة؛ لان الحج مظهر من مظاهر
الدفاع عن حريم الاسلام، ولا يقل الخطر الناشئ من التسامح
فيه عن خطر الحصار العسكري للدول الاسلامية
وتضعيف كيانها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان عدم تصدي الدول الاسلامية - سواء كان
ناشئا عن قصور او تقصير - لهذه الاخطار الكبيرة التي حذر الله
من وقوعها، يعد احد المصاديق البارزة لعدم كفاءة الحكومة
وافتقادها الصلاحية السياسية، وتحقق هذه الظاهرة في اى
دولة يؤدي الى عزل الدولة بشكل طبيعي او من خلال تدخل
الاجهزة القانونية والفعالة، كالسلطة التشريعية او الجهات
القضائية، وبقاء مثل هذه الدولة على راس الامور يفتقد
الشرعية.
اضف الى ذلك - وكما مرت الاشارة اليه - فقد جعل الحج في
الحديث موازيا للجهاد، حيث جاء فيه ان: «الحج جهادكل
ضعيف»، ولا غرو في ان الجهاد عمل ووظيفة لا تنفذ الا من
خلال الاجهزة الحكومية الواسعة والرصيد والامكانات العامة،
ولا يمكن للدولة ان تقف موقف المتفرج فحسب. المبدا الرابع: المنع من الحج له تبعات شديدة:
مضافا الى ان اطروحة الحج فريضة بديهية ومسلمة اسلاميا،
والحيلولة دون اقامة الفرائض الاسلامية او التحفظ تجاه واجب
شرعي تعتبر جريمة عمومية؛ فانه قد ورد في الحديث التعبير
بان: «الحج تقوية للدين» او: «جعله سبحانه وتعالى للاسلام
علما». وهذا يعني ان التسامح والتقصير في اقامة الحج او الترك
والمنع منه بمثابة تضعيف للدين، وسقوط للعلم الاسلامي،
وكذلك طمس للصورة العالمية والدولية للحج. وهذان الامران
يعدان جريمة كبيرة بحق الاسلام والمسلمين؛ المعاصرين
منهم والاجيال اللاحقة، وقد تصل الى حد الكفر او الارتداد
التي يعاقب عليها باغلظ العقوبات؛من هنا يمكن اثبات ان
المنع من الحج يترتب عليه تبعات شديدة.
وقد ورد في القرآن التعبير عن المنع من الحج بلفظ (الصد)،
واعتبر ذلك (صدا عن سبيل الله) و (صدا عن الحج
والبيت الحرام). والصد لغة ياتي بمعنيين: احدهما ايجاد المانع،
والاخر الاعراض.
ومن سياق الايات يستفاد ان الصد بخلاف السد الذي يمثل
فعلا ماديا وحيلولة عملية، فان الصد يشمل المنع
الروحي والمعنوي والايحاءات والاعلام والاستدراج نحو
المخالفة وتنفيذ السياسات التي تنتهي عمليا الى الممانعة.
ففي بعض المواضع من القرآن الكريم اطلق عنوان (الصد عن
سبيل الله) على عمل الشيطان والتزوير والتظاهروالخديعة
واللهو، كما في قوله تعالى: (وزين لهم الشيطان اعمالهم
فصدهم عن السبيل...)((495)).
وعليه، فان الصد عن الحج او المنع منه باى شكل كان هو صد
عن سبيل الله، وتدخل تحته سائر الاقسام التالية بمافيها المنع
من خلال وسائل الاعلام او خلق العوائق الادارية. وهذه الاقسام
هي:
1 - الحيلولة والمنع المادي والعملي، نظير منع القافلة
المتوجهة صوب الحج عن طريق استعمال القوة والعنف
بحيث تعجز عن مواصلة السفر، اوانزال خسائر واضرار بوسائلها
النقلية وآلياتها، او غلق الطرق البرية او الطرق الاخرى بوجه
الحجاج.
2 - المنع الاداري والتنفيذي في الشؤون التي تقع في دائرة
صلاحيات الدول، من قبيل عدم منح الدول حجاجهاترخيصا
بالسفر والامور الادارية كالجواز وبطاقة السفر والعملة الصعبة
اللازمة ونحوها، بحيث تسلب قدرتهم على السفر وينتفي امكان
تحققه، او على اعلى التقادير يصبح السفر صعبا وليس عمليا.
3 - المنع من خلال الاعلام وبث الافكار المنحرفة او الالحادية
وتعليم او ترويج الاشياء المضرة والمضادة للاسلام.
فان هذا السنخ من الممارسات العدوانية ضد الحج والاسلام
ربما لا يعتبر من المنع لاول وهلة، لكن وقف القرآن تجاه ذلك
موقفا في منتهى الشدة وابدى انزجاره منه.
وسنورد شيئا من هذه الايات لتتضح كيفية تعامل القرآن مع
ذلك:
أ - (ان الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام
الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد
بظلم نذقه من عذاب اليم)((496)).
ثم ان الاجراءات الوقائية المتخذة في الاسلام حقوقيا لجريمة
المنع من الحج يمكن حصرها فيما يلي: أولا: عقوبة التعزير في حالة ترك اي واجب او المنع منه، وهذا اقرب ما يكون الى دائرة الحقوق الجزائية الداخلية.
ثانيا: وكما مر في الايات القرآنية المذكورة آنفا ان (الصد) عن
الحج يعادل (الكفر)؛ فقد جاء في قوله تعالى: (ولله على الناس
حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر فان الله غني عن
العالمين)((499)).
ثالثا: المقارنة بين جريمة (الصد عن سبيل الله) وبين
(الفتنة)كما طرحها القرآن الكريم في قوله تعالى: (والفتنة اشد
من القتل)((500))وقوله: (والفتنة اكبر من القتل)((501))،
وقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)((502)). رابعا: صدق عنواني (الالحاد) و (الظلم) على (الصد)، كما اشير الى ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: (ان الذين كفرواويصدون عن سبيل اللهوالمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب اليم)((503)). ويمكن ان يكون لكل واحد من هذين العنوانين (الالحاد والظلم) عقوبة شديدة في قوانين الجزاء الاسلامي. خامسا: صدق عنوان (الاعتداء) او (التجاوز) على حقوق المسلمين؛ لان الصد عن سبيل الله وعن الحج والمسجد الحرام من ابرز مصاديق (المزاحمة) و (منع الحق)؛ حيث ورد في القرآن الكريم: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)((504)). سادسا: سائر العقوبات، نظير العقوبات الاقتصادية او الدبلوماسية - كقطع العلاقات الدبلوماسية او تجميدها - اوالاعلامية، ونحوها مما هو مرتبط بالظروف الدولية وظروف الطرف الاخر. المبدا الخامس: وحدة الامة الاسلامية: (1) الشعب؛ وهذا ما يعبر عنه بالاتجاه القومي.
ولكن الاسلام لا يرتضي مثل هذه الملاكات في تصنيف
الانسانية؛ اذ ان العقيدة التي يحملها الانسان حول
الخالق والعالم هي التي تحدد هويته وما يترتب على ذلك من
حقوق.
ان مصطلح الامة اطلق في القرآن الكريم على هذه المجموعة،
والامة الاسلامية هي جماعة من الناس يتحدون حول محور
عقيدي واحد وهو الخالق الواحد، والايمان برسله، وحرمة
الانسان وحقوقه، والاخلاق الانسانية.
وبعبارة اخرى: ان الامة الاسلامية مجتمع انساني يمتاز برؤية
خاصة حول الكون، وهي توحيد الله، والاعتقاد
بالرسل ورسالاتهم، وبالامامة - اي القيادة الالهية والسياسية -
وبعالم الاخرة، وبالثواب والعقاب، وبالقوانين الصادرة
عن الوحي، والاعتقاد بان الانسان له منزلة سامية بمستوى
خلافة الله في الارض.
ان الاختلافات الحقوقية والفلسفية واختلاف الناس في العنصر
واللغة والارض ولون البشرة؛ كلها لا يمكنها ان تكون سببا مؤثرا
لاحداث انقسامات وتكتلات في هذه الامة وان تقضي على
وحدتها.
وعلى هذا الاساس، فانه طبقا للايديولوجية الاسلامية ان جميع
المسلمين هم جزء من الامة الاسلامية، وبحسب
المبداالعقيدي في الاسلام ان الامة الاسلامية غير قابلة
للتجزئة والتقسيم، وايجاد اي نوع من التقسيم فيها يعتبر نحو
تفرقة في المجتمع، ويعد جريمة موجبة للعقوبات السياسية،
وهذاما يصطلح عليه ب -(شق عصا المسلمين)، وقد اكد
القرآن الكريم على مبدا وحدة الامة الاسلامية وصرح بذلك في
موارد عدة، منها:
1 - قوله تعالى: (ان هذه امتكم امة واحدة)((505)).
ان هذا النفس وهذه الروح تنسجم حتى مع التفاوت في
الحدود الجغرافية والقوميات واللغات والثقافات المختلفة
وتعددالدول والحكومات.
ان مبدا وحدة الامة الاسلامية هو اصل موضوعي سياسي
وحقوقي، وله مكانة مرموقة وراسخة في العلاقات بين الشعوب
والدول الاسلامية، ولا يستطيع اي بلد ان يختار لنفسه
الانسحاب من هذه الامة والاستقلال عنها.
فكل الاتفاقيات المعقودة والقوانين الداخلية او الدولية وكل
الاجراءات العملية او التعهدات الخارجية وكذلك
السياسات الخارجية والمنافع والاخطار المشتركة للامة
الاسلامية، لابد وان يتم التعامل معها على اساس التعاون
والتنسيق بين القيادات المركزية، بحيث يعتبر كل بلد نفسه
عضوا في اتحاد موحد وفي معسكر واحد.
ان الوظيفة السياسية والاسلامية لهذه الدول والبلدان تقتضي
بلورة هذه الوحدة في صورة مجمع دولي اسلامي
يتصدى لشؤون التعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي والفني
والتكنلوجي وامثال ذلك.
ان حجم الفعالية والمسؤولية لجميع الشعوب والدول على حد
سواء، وبمقتضى الحديث الشريف: «كلكم راع وكلكم مسؤول
عن رعيته» وبمقتضى مبدا (الامر بالمعروف والنهي عن
المنكر) يعتبر الجميع اعضاء ولابد ان ينهض كل بوظيفته من
دون ان يتنص ل عنها ويلقيها على عاتق الغير. اعداد: السيد محمد جواد الجلالي
كتاب تاريخي كتبه يراع الفقيه العلم السيد مهدي بحر
العلوم(قدس سره)، والذي يظهر من تاريخ حياته(قدس
سره)انه قضى اعواما من عمره الشريف في مكة المكرمة مدرسا
للعلوم الاسلامية على مختلف المذاهب. والعجيب في امره انه
لم يتعرف على مذهبه حتى تلامذته خلال السنوات التي
حضروا عليه، والذي يمكن من خلاله التعرف على مدى قدرته
وتفوقه واحاطته بمختلف المذاهب وآراء اصحابها مصرحا
بالنقل بذكر اسماء من ينقل عنهم.
والظاهر ان هذا الكتاب كتب ابان مكوثه في البلد الحرام، وقد
عاش عن قرب تلك المشاهد المقدسة والاماكن الشريفة التي
تعرض لتاريخها وذكر ضبطها نقلا عن الكتب اللغوية. ومن جهة اخرى فقد تمكن من الاستفادة من مصادر كثيرة كانت متوفرة آنذاك في البلد الحرام والتي كتبت بيد علماءعاشوا الظروف التي كتبوا حولها وعاينوها، وغالبا ما ينقل النصوص بالمعنى او يقتطف منها نتفا نافعة. |