كلمة التحرير

رؤى نهضوية في اروقة المؤسسة الفقهية

رئيس التحرير

عرفت الممارسة الفقهية مدرسيا بانها عملية استنباط الاحكام والمواقف الشرعية الفرعية من ادلتها التفصيلية طبقالاصول وقواعد مسماة عندهم.. وانطلق الفقهاء على هذا الضوء في توسعة دائرة البحوث الفقهية وتعميقها بناء ومبنى..وعكفوا على تحليل النصوص والادلة الشرعية وتمحيصها.. وراحوا يبذلون كل ما في وسعهم مستفرغين اقصى طاقتهم.. وقطعوا اشواطا كبيرة ولايزالون يواصلون رحلتهم الشاقة عبر تضاريس علم اصول الفقه الوعرة يحثون السير في المنعطفات الدليلية والتعرجات الدلالية..

ورغم التعقيد الذي تزخر به عملية استنباط الاحكام الشرعية في كل مرحلة من مراحلها وفي كل خطوة من خطواتهاوفي كل مفصل من مفاصلها الا ان مسؤولية البحث بتمامها تقع على كاهل الفقيه بمفرده.. حيث ينبري بنفسه لتوظيف كل ما اوتي من مهارة وخزين تخصصي وتفعيل كل ما يمتلك من خبرة ذاتية في هذا السبيل حت ى ينتهي في آخ -رالمطاف الى موقف محدد مقنع لوجدانه..

وهذا النمط من السير العلمي وان امكن تبريره شرعا فيما لو توفرت فيه الضوابط المقررة وفيما لو نجا من المزالق الصعبة التي تحيط به.. الا ان ذلك لا يمنع من محاولات التطعيم والترشيد..

وقد طرحت في هذا الاطار عدة رؤى قد تصل في بعض الاحايين الى مستوى الاطروحة التخصصية فيما لا تتجاوز في احايين اخرى دائرة الاثارة.. وكانت هذه الرؤى تتارجح في منطقة الشك بين الرد والقبول وتتجمد على جليد التحفظات ويغلق ملفها بعد ولادتها بقليل.. بيد انه قد ابدي اخيرا اقتراح جاد من شريحة من فضلاء المؤسسة الحوزوية ومن المعنيين بشؤونها للشروع بخطى عملية لاخراج الممارسة العلمية من حالة الانكفاء على الذات الى الانفتاح على الاخر.. وذلك بتاسيس كرسي للمناظرة وفسح المجال امام الافكار والاراء العلمية لكي تلتقي تحت مظلة الموضوعية..وقد بورك هذا الاقتراح من قبل ولي امر المسلمين آية الله السيد علي الخامنئي - دام ظله - معبرا عن ارتياحه الكبيروتشجيعه ومبديا دعمه ومضيفا ارشاداته التوجيهية في رسالته الجوابية التي بعثها ردا على ما تقدم به بعض اساتذة الحوزة الدينية وفضلائها.. وهذه الاطروحة يمكن ان تحقق جملة من الثمرات منها:

أولا - استنباط الطاقات العلمية الكامنة والمختفية وراء الحواجز الوهمية.. اذ لا ريب في ان المؤسسة الفقهية لم تستغل كل ما تكتنز من قدرات بشرية بل ان جملة منها ينتظر الجو المناسب للانطلاق.. وعندما ترتفع الموانع فسيبرز كل ما هومطمور في عالم القو ة الى عالم الفعلية.. وحينئذ يصبح بالامكان توظيف هذه القدرات جميعا دون اغفال او تعطيل للبعض.. وهذا ما سيؤدي الى ارتفاع نسبة المنتوجات العلمية والتسارع في الحركة الفقهية والقضاء على مرض البطالة العلمية واستئصال ظاهرة الخمول الذهني واستحداث انعطاف كبى -ر في مستقب -ل المؤسسة الفقهية..

ثانيا - التكامل الكيفي في الافكار والنظريات الفقهية.. اذ ان خبرة الفرد مهما بلغت من الاقتدار فهي محدودة فاذاضم اليها خبرات اخرى فسوف يتم تنضيج وتكميل وترشيد الخبرة الفردية من خلال تبادل الافكار وتلاقحها وائتلافها وتنافسها المنطقي.. ويترتب على ذلك اختصار عنصر الزمن والتخلص من الاعمال التكرارية والنجاة من حالة الدوران حول الذات في حلقة مفرغة.. وسنحصل بالتالي لا على فائز واحد فحسب بل سيطال الفوز المجموع بل الجميع..

ثالثا - تكريس الموضوعية والعقلانية في تعامل الاوساط العلمية مع الافكار.. اذ ان لحاظ الفكرة عن قرب افضل من لحاظها عن بعد او بوسائط متعددة.. فقد يساء فهم بعض الاطروحات بسبب عدم ادراكها كما هي في واقعها.. وبذلك قدتنفى من الوسط العلمي بعض النظرات المفيدة.. وقد تظلم الافكار والنظريات وتذهب ضحية سوء الظن ونتيجة لخلل في الانعكاس.. ان محاكمة الافكار وتقويمها لا يمكن ان يتم الا في جو هادئ وبعيدا عن الضوضاء..

رابعا - العدالة في توزيع الفرص.. صحيح ان المؤسسة الفقهية هي مؤسسة حرة ولم تبتل - ولله الحمد - بحالات الاستئثار والاستبداد الفكري.. فلا يحظر على اي احد من طلبة العلوم الدينية مهما كانت طبقته الاجتماعية ان يتقدم في المجال العلمي وان يصل الى اعلى المراتب الممكنة وهي مرتبة الاجتهاد والمرجعية.. الا ان هذه الحرية ممنوحة على ضوء الواقع المعاش الذي يعتبر امرا مسلما ومفروغا عنه.. وبالتالي لا يعبر بالضرورة عن الحرية الحقيقية في توزيع فرص الخدمة ومجالات النمو.. وطريق تحقيق الحرية الحقيقية للطاقات العلمية هو خلق واقع جديد متوازن وعادل وذلك باعداد المقدمات والممهدات لهذا الواقع..

ونحن لا نريد ان نسترسل مع هذه الرؤية من دون الالتفات الى السلبيات التي يمكن ان تغير من حركتها في الاتجاه الصحيح وحرفها وبالتالي واد هذه الفكرة في مهدها ومن ثم التراجع عنها..

وهذا امر مهم يقتضي القيام بمحاسبات دقيقة لتشخيص كيفية الاداء وآلية الاجراء قبل القيام باية خطوة وهو امر موكول الى مدى فطنة المتصدين للمؤسسة الفقهية سيما وان هذه تعد تجربة اولى ومن المحتمل ان تواجه شيئا من التعثروالتلكؤ في البداية.. نساله تعالى ان يسدد خطى المخلصين.. والله المستعان وعليه التكلان..

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب
.. ولا حول ولا قوة الا بالله ..

الاباحة المعوضة
حقيقتها.. مشروعيتها

آية الله السيد محمود الهاشمي

الاباحة المعوضة او الاباحة بعوض هي جعل العوض في مقابل الاباحة، ويقابلها الاباحة المجانية. ولم يذكر الفقهاءللاباحة المعوضة تعريفا محددا، الا انه قد يفهم من خلال كلماتهم ان مرادهم منها مطلق الاباحة بعوض، وهو معنى جامع يمكن ان يندرج تحته اقسام عديدة للاباحة بعوض ياتي شرحها وتوضيح ما ينبغي ان يراد منها.

وقد تعرض الفقهاء لها بمناسبة البحث عن جملة من العقود الرائجة عرفا، والتي يشكل تخريجها على اساس البيع اوالاجارة ونحوهما من العقود المسماة، كبذل مال للحمامي في قبال الاستفادة من الحمام، فحاولوا تخريجها على اساس انها اباحة معوضة.

كما تعرضوا لها ايضا بمناسبة البحث عما نسب الى المشهور في بحث المعاطاة من افادتها للاباحة لا الملك، حيث اختلفوا في كونها اباحة شرعية تعبدية غير مقصودة للمتعاملين او اباحة مالكية يقصدها المتعاملان ولو ضمنا. وبحثواعن احكام كل واحد منهما، الا ان جملة من تلك البحوث تبتني على القول بالاباحة الشرعية لا نتعرض لها هنا، وانمانتحدث فيما يلي عن الاباحة المعوضة التي يقصدها المتعاقدان، فانها التي ينبغي ان تراد من هذا العنوان. وان كان قدتطلق في بحث المعاطاة على الاباحة الشرعية بعوض ايضا بناء على تفسير قول المشهور بافادة المعاطاة للاباحة بذلك.

الا ان هذا مجرد احتمال لم يثبت ارادة المشهور له ولم يقم على صحته دليل، بل مقتضى العمومات عدم صحته، ومن هنا فسر صاحب الجواهر قول المشهور بالاباحة المالكية حيث قال: «فمن اراد اباحة شيء لاخر كان له الاكتفاء في الدلالة عليها بالافعال مثلا، ومن ذلك المعاطاة ويكون المراد هذا مما ذكروه في الاباحة لا انها حكم ما قصد به المتعاطيان الملك على جهة البيع» ((1)).

اقسام الاباحة المعوضة:

قسمت الاباحة المعوضة في كلمات جملة من الفقهاء الى اقسام عديدة:

1 - فمن ناحية العوض ذكروا ان الاباحة قد تكون في قبال اباحة بان يبيح ماله للاخر في قبال ان يبيح الاخر ماله للاول.وقد تكون في مقابل تمليك مال آخر.

ومن ناحية المقابلة تارة يكون المباح في قبال المباح فيكون من المقابلة بين مالين في الاباحة، وقد تكون الاباحة في قبال الاباحة فتكون المقابلة بين فعلين، وقد تكون فعلا من طرف ومالا من طرف آخر.

ومن ناحية نوع الالتزام والانشاء قد يكون العوض ماخوذا بنحو العوضية والمقابلة، وقد يكون بنحو الشرطية.

قال السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) في حاشيته على المكاسب في بحث المعاطاة: «واجمال الاقسام المتصورة انه: اما ان تكون المقابلة بين المالين على وجه الملكية.
واما ان تكون المقابلة على وجه الاباحة، فتكون من الاباحة المعوضة بمعنى جعل المباح في مقابل المباح.
واما ان تكون المقابلة بين الفعلين على وجه التمليك بان يكون تمليك بازاء تمليك.
واما ان يكون بينهما على وجه الاباحة بان يكون الاباحة في مقابلة الاباحة.
واما ان يكون احد المتقابلين مالا والاخر فعلا كان يملكه العين بعوض تمليكه العين الاخرى او اباحتها.
ثم مع كون العوض في الطرف الاخر فعلا سواء كان اباحة او تمليكا قد يكون ذلك بعنوان العوضية والمقابلة، وقد يكون بعنوان الاشتراط نظير الهبة المعوضة» ((2)).

وقسم بعض الفقهاء الاباحة بعوض الى اربعة اقسام:

(1) ان تجعل الاباحة عوضا في المعاملة بان يبيحه كتابه بازاء ان يملكه العوض.
(2) ان تكون الاباحة مشروطة بالتمليك بان يبيح ماله لزيد على ان يملكه العوض، اي يشترط عليه ذلك.
(3) ان تكون الاباحة معلقة على التمليك بان يبيح ماله اذا ملكه العوض.
(4) ان يكون التمليك عنوانا للموضوع بان يقول: ابحت مالي لمن يملكني العوض ((3)).

ولا يخفى ان القسمين الاخيرين يرجعان روحا ولبا الى معنى واحد؛ فان قيود الموضوع قيود للحكم ايضا، فتكون الاباحة معلقة لا محالة على تمليك العوض، فالفرق بينهما في الصياغة.
وهذا التقسيم ناظر الى مرحلة الانشاء وكيفيته.

2 - وهناك تقسيم آخر للاباحة من ناحية اخرى تعرض لها الفقهاء ايضا في ثنايا كلماتهم، وهو تقسيمها من حيث حدودالتصرف المباح ودائرته؛ فانها تنقسم الى: اباحة الانتفاع بدون اتلاف واستهلاك، واباحة الانتفاع حتى بنحو الاتلاف كاباحة الطعام للاكل، واباحة التمليك صريحا او ضمنا بان يبيح له ان ياخذ المال لنفسه او يتصرف فيه التصرف المتوقف على الملك كوط ء الامة او العتق لنفسه.

3 - كما ان العوض المجعول في قبال الاباحة تارة يكون عوضا مسمى، اي امرا معينا يتفقان عليه، واخرى يكون قيمة المثل بان يبيح له اكل الطعام على وجه الضمان لقيمته السوقية، وقد تسمى هذه بالاباحة المضمونة.

وقد وقع البحث عندهم في صحة الاباحة بعوض في هذه الاقسام وكونها عقدا او ايقاعا وكونها لازمة او جائزة وجملة من الاثار المترتبة في كل قسم من هذه الاقسام، على ما سنشير اليها.

هل الاباحة المعوضة عقد او ايقاع؟

1 - لا اشكال في ان مجرد الاباحة من قبل المالك ليس عقدا، بل ايقاع او ابراز لمجرد الرضا وطيب النفس بتصرف الغيرفي ماله، وهو كاف في جواز التصرف فيه بمقتضى ما دل على جوازه بطيب نفس المالك واذنه وما دل على ان الناس مسلطون على اموالهم.
وهذا كما يشمل الاباحة المجانية كذلك يصدق في الاباحة على وجه الضمان لقيمته السوقية - سواء بالنسبة للمنفعة اوالرقبة - لان هذا ليس راجعا الى التعاقد والتوافق بينهما، بل مرجعه الى ان المالك كما له ان ياذن بالتصرف في ماله مجانا
كذلك له ان ياذن بالتصرف فيه على وجه الضمان، والذي يعني انه لا يرضى بفوات مالية ماله، وانما يرضى بفوات عينه مع حفظ ماليته، فيكون الضمان لماليته بقاعدة احترام مال المسلم وعدم جواز هدره على مالكه بلا اذنه، وانه لو هدره كان ضامنا له على القاعدة.

2 - واما الاباحة في قبال عوض مسمى يتفقان عليه فهذا يرجع الى التعاقد اما بلحاظ نفس الاباحة - كما اذا جعلها في قبال العوض وهذا ما سنشرحه الان - او بلحاظ التوافق على مقدار الضمان كما اذا اباحه له على وجه الضمان مع التوافق على مقدار الضمان، فيكون من هذه الجهة نحو توافق بينهما مشمولا لعمومات الصحة، او للسيرة العقلائية الممضاة شرعا؛ فان الانسان كما هو مسلط على بيع عين ماله او اجارته بعوض مسمى كذلك هو مسلط على مالية ماله،فله ان يتفق مع الضامن له من اول الامر على مقدار الضمان، وسياتي مزيد توضيح لذلك.

3 - واما الاباحة المعلقة على تمليك مال آخر او اباحته فلا ينبغي ان يتوهم كونها عقدا، وانما هو ايقاع واذن مشروط،بمعنى انه معلق على تقدير وليس مطلقا، وتعليق الاذن والايقاع لا يجعله عقدا وان كان المعلق عليه تمليك مال؛ اذ لايكون فيه اي الزام او التزام من احد الطرفين، ولهذا لا يحتاج الى القبول، وانما تتوقف فعلية الاباحة خارجا على تحقق شرطه المعلق عليه، فمتى تحقق اصبحت الاباحة فعلية كما اذا علق المالك اذنه على اي شرط آخر.

قال السيد الخوئي في كتاب الاجارة - في شرح قول الماتن [=السيد اليزدي] بصحة ايجار الدار كل شهر بدرهم بعنوان الاباحة بعوض-: «فان المالك كما تسوغ له الاباحة المجانية، كذلك يمكنه بمقتضى عموم دليل السلطنة تخصيص الاباحة بمن يبذل له عوضا معينا، فيبيح السكونة في الدار لخصوص من يعطي عن كل شهر درهما مثلا.

ولكن شيخنا الا ستاذ(قدس سره) ناقش فيه في الهامش بما لفظه: (ان عوضية المسمى تتوقف على عقد معاوضة صحيحة، والا كان ما اباحه المالك بعوضه مضمونا بالمثل او القيمة دون المسمى)».

ثم قال: «وفيه: ان هذا انما يتجه لو اريد عوضية المسمى على نحو الملكية بان يكون الطرف المبيح مالكا لهذا العوض ومطالبا اياه الطرف الاخر على حد مطالبة الملاك اموالهم في باب المعاوضات؛ فان هذه المالكية لا تكاد تتحقق الا بعدافتراض وقوع عقد صحيح كما افاده(قدس سره).

الا ان الكلام لم يكن في ذلك، بل في تصحيح هذه المعاملة على وجه يصح للطرف الاخر السكنى منوطا بدفع المسمى، وهذا المقدار لا يتوقف على ما ذكره من فرض العقد الصحيح، بل يكفي فيه ما عرفته في تفسير الاباحة من ان المبيح بمقتضى عموم سلطنة الناس على اموالهم ربما لا يبيح المنفعة لكل احد او لهذا الشخص على سبيل الاطلاق، بل لطائفة خاصة وهم الذين يبذلون هذا العوض الخاص، او لهذا الشخص في تقدير دفع العوض المعين وهوعن كل شهر درهم بحيث لا يرضى بالتصرف في تقدير عدم دفع هذا المبلغ المعين، بل يكون غاصبا وقتئذ وضامن اللقيمة لا محالة»((4)).

4 - واما الاباحة مع اشتراط تمليك العوض على غرار الشروط ضمن العقود - وهو القسم الثاني من الاقسام الاربعة المتقدمة - فقد يقال: ان هذالا يجعل الاباحة عقدا ايضا، وانما هي مجرد اباحة او اذن في التصرف مع اشتراط شرط على المباح له بدفع العوض، وهذا شرط ابتدائي لا اثر له.

هذا ولكن يمكن ارجاع الاشتراط المذكور بحسب الحقيقة الى تقييد الاباحة بالالتزام الشرطي، فالاباحة وان لم تكن في مقابل العوض، الا انها ليست مطلقة، بل مقيدة ومعلقة على الالتزام بالشرط كما هو الحال في سائر الشروط ضمن العقود؛ اذ لا يقصد بالضمنية في العقود مجرد التقارن الزماني او الظرفية، وانما المقصود الارتباط وتقييد الانشاء العقدي بالشرط، ولكن لا بمعنى تقييده بتحقق المشروط ليلزم منه تعليق العقد على تحقق الشرط فيبطل، بل بمعنى تقييده بالالتزام الشرطي الحاصل حين العقد، كما ان الالتزام بالشرط مقيد لبا وثبوتا بالاباحة، فاذا لم تتحقق الاباحة اورجع عنها المالك فلا التزام بدفع البدل من قبل الاخر، فالمقام نظير الشروط ضمن العقود او الايقاعات، فيكون هذاشرطا غير ابتدائي مشمولا لعموم «المسلمون عند شروطهم»، فيكون نافذا، ويجب الوفاء على الطرف الاخر على تقدير الاباحة من الطرف الاول. نعم، لا يكون المبيح ملزما بالاباحة، قال السيد الخوئي(قدس سره): «واما الوجه الثاني،فان كان الشرط فيه من قبيل شرط النتيجة فبقبول المباح له ينتقل ماله الى المبيح، وان كان ذلك من قبيل شرط الفعل فيجب عليه التمليك لوجوب الوفاء بالشرط»، وسياتي مزيد توضيح لذلك لاحقا.((5))

5 - واما الاباحة في مقابل العوض - القسم الاول - فقد تقدم تقسيمها في بعض الكلمات الى اقسام ثلاثة:

1 - مقابلة المباح مع العوض، فيكون من المقابلة بين المالين في الاباحة او في الاباحة من طرف والملك من طرف آخر.
2 - مقابلة الاباحة مع الاباحة او التمليك، فيكون من المقابلة بين الفعلين.
3 - مقابلة المال مع الفعل بان يكون فعل التمليك او الاباحة في قبال المال المباح او المملك فيكون من مقابلة المال مع الفعل.

وهذا التقسيم ان اريد منه ان المقابلة الماخوذة في انشاء الاباحة بعوض تارة يكون باخذها ولحاظها بين المالين، واخرى بلحاظها بين الاباحتين او الاباحة والملك فهذا صحيح، الا انه مجرد اختلاف في الصياغة والانشاء؛ اذ على كلاالتقديرين يكون المنشا هو الاباحة الفعلية المقيدة، اي لا يكون المنشا هو الاباحة بلا مقابل، بل الاباحة المقابلة بعوض سواء لوحظ التقابل بالنحو الاول الذي هو من تقييد متعلق الاباحة بوجود مقابل وعوض له على غرار قيود المتعلق، اوبالنحو الثاني الذي هو من تقييد نفس الاباحة على غرار قيود الحكم. وهذا جار في التمليك بعوض ايضا فانه تارة تنشاالمبادلة بينهما في الملكية اي تمليك المال المقابل مع مال آخر، واخرى ينشا تمليك كل منهما مقيدا بتمليك الاخر.

وكل هذا من التفنن في الصياغة؛ اذ الاباحة والتمليك على كل تقدير منشا بالفعل بنحو مقيد بمقابله، فلا يحتاج الى انشاء آخر لهما.

وان اريد منه المقابلة بين فعلي الاباحة والتمليك او الاباحة والاباحة بحيث تقع المبادلة بين الفعلين فهذا لا يتصور الابجعل فعل الاباحة او التمليك عوضا وبدلا في المعاملة، نظير تمليك العمل في اجارة الاعمال، وعندئذ يكون لكل منهما على الاخر عمل التمليك او الاباحة، فلا تتحقق اباحة ولا ملك العوض بمجرد وقوع المعاملة منهما.

قال المحقق الخراساني(قدس سره): «لو كان الغرض من المعاملة المقابلة بين التمليكين بان يكون عمل كل منهماوتمليكه جعل بازاء عمل الاخر وتمليكه لم يقع بهذه المعاملة تمليك من احدهما، بل يستحق كل على الاخر بعدوقوعها تمليك الاخر وفاء بها كسائر الاعمال اذا وقعت المعاوضة بينهما، كمالا يخفى»((6)).

بل هذا بحسب الحقيقة من المبادلة بين مالين في الملكية او الحقية، الا ان المالين او احدهما فعل التمليك او الاباحة؛ فان المال اعم من العين والمنفعة والعمل.

ولازمه كما ذكر المحقق الخراساني(قدس سره) عدم تحقق الاباحة ولا ملك العوض بذلك، وهو خارج عن المقصودفي موارد الاباحة المعوضة.

بل ذهب بعض الفقهاء الى عدم معقوليته، قال المحقق الاصفهاني(قدس سره): «اصل المقابلة بين التمليكين فيه غموض وخفاء؛ فان التمليك بالاعطاء حال تعلقه بمتعلقه ملحوظ آلي، وفي جعل نفسه معوضا يحتاج الى لحاظ استقلالي، ولا يعقل اجتماع اللحاظين المتباينين في ملحوظ واحد،فلابد من ان يكون هذه المعاملة في ضمن معاملة اخرى كالصلح على التمليك بازاء التمليك، فيستحق كل منهما التمليك من الاخر بازاء تمليك نفسه»((7)).

وهذا المحذور الذي ذكره راجع الى مقام الاثبات، اي لا يمكن انشاء المبادلة بين الفعلين بالمعاطاة؛ لان الملحوظ فيهاالنظر الى المال المعطى،لا عملية الاعطاء نفسه الذي هو التمليك او الاباحة، ولهذا ذكر امكانه اذا قصد ذلك مستقلا ضمن معاملة اخرى كالصلح على التمليك بازاء تمليك او اباحة بازاء اباحة.

وقال السيد الخوئي(قدس سره) «لا نتصور وجها معقولا للمبادلة بين تمليكين؛ فان المبادلة لابد وان تكون بين مالين موجودين اما خارجا او اعتبارا في الذمة، واما ما كان موجودا في زمان وانعدم فلا معنى لتبديله، والمقام من هذا القبيل،فان التمليك الذي ينعدم بقوله ملكتك لا معنى لتمليكه لشخص آخر ثبوتا.

واما اثباتا فلا يمكن انشاؤه بقوله: ملكتك الدار مثلا، بل لابد في ذلك من وقوع عقد آخر على نفس التمليك بان يقول:آجرتك على ان تملكني دارك بازاء تمليكي البستان.

وبالجملة جعل التمليك بازاء التمليك ممنوع ثبوتا واثباتا».((8))

وهذا المحذور ايضا اثباتي، وكان مقصوده انه لا معنى للمبادلة بين التمليكين بنفس فعل التمليك - كما في المعاطاة -والا فمن المستبعد انه لا يرى امكان تمليك الاعمال مستقلا والتي منها فعل التمليك او الاباحة، كيف! وهو واقع في باب اجارة الاعمال، فان التفسير الفقهي المشهور لها انها تمليك العمل في قبال الاجرة.

وعليه، فيعقل جعل فعل الاباحة او المال المباح في قبال فعل تمليك العوض او اباحته، فيستحق بذلك الطرفان اواحدهما على الاخر فعل التمليك او الاباحة لا المال، فلابد من انشاء تمليكه او اباحته بعد ذلك.

نعم، هذا خلاف المقصود في موارد الاباحة بعوض كما اشرنا، بل لعل تمليك الافعال الاعتبارية والتصرفات القانونية كالتمليك والاباحة ونحوها غير عرفي اساسا؛ لان التمليك او الاباحة للاموال لا يكون مقصودا بالاستقلال كالاعمال الاخرى، من قبيل الخياطة والكتابة، وانما يلحظ آليا وطريقا الى تحصيل نفس المال، فلا تقابل بالمال ولا تقع عوضا اومعوضا في المعاوضات، وانما يعقل ان تقع شرطا ضمن العقد. وعلى هذا الاساس حكم المحقق النائيني(قدس سره) ببطلان مثل هذه المعاملة ((9)).

وعلى كل تقدير لابد وان يقصد بالاباحة في مقابل العوض انشاء الاباحة من طرف المبيح فعلا، ولكن في قبال تملك مال الاخر فعلا او اباحته او تملك عمل على ذمة الاخر، وهو ان يملكه المال الاخر او يبيحه له، بناء على عرفيته وصحته.

وقد اختلف الفقهاء المتعرضون لهذا النحو من الاباحة المعوضة في صحتها وعدم صحتها بعنوان معاملة مستقلة،فذهب جملة منهم الى صحتها، ومنعها آخرون.

ولا شك انه على القول بصحتها بهذا العنوان تكون عقدا من العقود؛ لان فيها تمليك مال او عمل في مقابل اباحة مال آخر، وهو تصرف اعتباري والتزام في الاموال راجع لطرفين، فيحتاج الى التوافق والقبول منهما معا، ولا يمكن ان يستقل به طرف واحد، وهذا هو العقد.

ومن هنا استدل القائلون بصحتها ايضا الى ادلة نفوذ العقد كعموم (اوفوا بالعقود)، او حلية التجارة عن تراض او البيع، اوعموم «المسلمون عند شروطهم» بناء على شمولها للعقود ايضا.

وقد جعلها بعضهم مصداقا لعقد الصلح بعد الاشكال في كونها معاوضة متعارفة ومعهودة.

قال الشيخ(قدس سره): «واما الكلام في صحة الاباحة بالعوض فمحصله: ان هذا النحو من الاباحة المعوضة ليست معاوضة مالية ليدخل كل من العوضين في ملك مالك العوض الاخر، بل كلاهما ملك للمبيح، الا ان المباح له يستحق التصرف، فيشكل الامر فيه من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة شرعا وعرفا، مع ان التامل في صدق التجارة عليها فضلا عن البيع، الا ان يكون نوعا من الصلح لمناسبة له لغة، لانه في معنى التسالم على امر بناء على انه لا يشترط فيه لفظ (الصلح) كما يستفاد من بعض الاخبار الدالة على صحته بقول المتصالحين «لك ما عندك ولي ما عندي» ونحوه ما ورد في مصالحة الزوجين، ولو كانت معاملة مستقلة كفى فيها عموم: «الناس مسلطون على اموالهم» وعموم «المؤمنون عند شروطهم»»((10)).

وقد ناقش اكثر المحققين والاعلام الاشكال الذي طرحه الشيخ(قدس سره) كما ناقشوا اندراجها تحت عقد الصلح.حيث اعتبروها عقدا ومعاملة مستقلة لا ربط لها بعقد الصلح، ولا يشترط فيها انشاء مفهوم التصالح صريحا او ضمنا كماهو مقتضى عقد الصلح، بل هي عقد براسه ينشا فيه الاباحة في مقابل تمليك العوض او اباحته، فيكون مشمولا لعموم(اوفوا بالعقود) و «المسلمون عند شروطهم» بناء على شموله للعقود ايضا وعدم اختصاصه بالشروط ضمن العقود.

بل توسع بعضهم وجعلها مشمولة لعموم (الا ان تكون تجارة عن تراض)؛ لان التجارة مطلق التكسب و(احل الله البيع) خصوصا اذا كان تمليك مال في قبال الاباحة؛ لان العمل وان لم يكن مبيعا في البيع، ولكن يصح جعله عوضا فيه.

قال المحقق الخراساني: «انما يشكل من هذه الجهة اذا اريد الاستدلال عليه بما دل على صحتها بعناوينها، والا فلااشكال في صحة الاستدلال عليها ب - «المؤمنون عند شروطهم» و ب - (اوفوا بالعقود)، الا ان يدعى ان المراد بالعقودهي المعهودة المتعارفة منها لا مطلقا، وهو كما ترى» ((11)).

وقال المحقق الاصفهاني(قدس سره): «قد عرفت مرارا ان المعاوضة والمبادلة من المعاني غير المستقلة في التحصل،بل لابد من ان يكون بلحاظ امر، والمعاوضة المالية لابد من ان تكون بلحاظ امر يناسب المال بما هو مال، ولا اختصاص للامر الملحوظ في المبادلة بالملكية، بل تصدق المعاوضة بقيام كل منهما مقام الاخر في الملكية والهبة والاباحة ولوباختلاف الاطراف بان يكون احدهما ملكا والاخر حقا او مباحا.

واما عدم صدق البيع فليس من حيث اختلاف الطرفين في الملكية والاباحة، بل من حيث انه تمليك عين بعوض،وهذا اباحة مال بعوض، والا فلو فرضنا تمليك ماله بازاء مال مباح له بالاباحة المطلقة لم يكن وجه لمنع صدق البيع عليه حيث ان حقيقته - كما عرفت - هو التمليك لا مجانا، بل قد عرفت سابقا ان دائرة البيع اوسع من ذلك»((12)).

وقال السيد الطباطبائي اليزدي (قدس سره): «لا يضر ذلك؛ لانه يشمله العمومات من قوله (اوفوا بالعقود) و (تجارة عن تراض) و «الناس مسلطون» و «المؤمنون» ونحوها.

ودعوى انصرافها الى المعهود كما ترى، فهو نوع من العقد، بل من التجارة؛ اذ ليست الا الاكتساب ويصدق في المقام.

ولا يلزم في المعاوضة المالية ان يكون المبادلة بين المالين من حيث الملكية، بل قد يكون من حيث الاباحة من احدالطرفين او كليهما - حسبما عرفت - فلا وقع لهذا الاشكال اصلا.

والتحقيق: انها معاوضة مستقلة، وليست داخلة تحت الصلح؛ لعدم اعتبار معنى التسالم المعتبر فيه فيها» ((13)).

وقال المحقق الايرواني(قدس سره): «ففيه منع خروج هذه المعاملة عن المعاملات المعهودة شرعا، فان الدخول في الحمامات مع اعطاء العوض من المعاملات الشائعة في عصر الشارع الى زماننا هذا، وكذلك الدخول في المطاعم واشباه ذلك، والظاهر ان الكل من قبيل الاباحة بالعوض، ويشبه ان يكون من قبيل العارية بعوض، مع ان عدم المعهودية لا يضر بعد شمول عموم ادلة المعاملات له من مثل (اوفوا بالعقود) و (تجارة عن تراض) و «الناس مسلطون»... ولا تامل في صدق التجارة من جانب المبيح بعوض المتملك للمال باباحته.

بل لا يبعد صدقه من جانب المملك؛ لان استباحة اموال الناس نوع من الاتجار. مع ان غاية ذلك منع التمسك بية(تجارة عن تراض)، كما ان عدم كونه بيعا يمنع التمسك بية (احل الله البيع)، واما آية (اوفوا بالعقود) فلا مانع من التمسك بها، مضافا الى ما تمسك به المصنف من دليل السلطنة وعموم «المؤمنون» بناء على صدق الشرط على الالزام والالتزام الابتدائي» ((14)).

وقال السيد الامام الخميني(قدس سره): «ثم لو فرض عدم صدق البيع عليه، فلا ينبغي الاشكال في صدق التجارة عليه وكذا صدق العقد، بعد ما تقدم صدقه على المعاطاة، فهو تجارة صحيحة وعقد لازم واجب الوفاء»((15)).

وقال السيد الخوئي(قدس سره) «وهذا لا شبهة في صحته ولزومه؛ للعمومات الدالة على صحة العقود ولزومها.

ودعوى: ان الاباحة من قبيل الاعمال والافعال فهي لا تكون عوضا في العقود المعاوضية، دعوى جزافية؛ لانا ذكرنا في اول الكتاب ان عمل الحر وان لم يكن مبيعا في البيع ولكن يصح جعله عوضا فيه، واذن فلا نعرف وجها صحيحا لماذكره المصنف من التامل في صدق التجارة عن تراض على الاباحة المعوضة، واما الاستدلال على صحة ذلك بقوله(ص):

«المؤمنون عند شروطهم» فيرد عليه:
أ
ولا - ان الشرط في اللغة بمعنى الربط بين شيئين، ومن الواضح ان الشروط الابتدائية لا يصدق عليها عنوان الشرط، فتكون خارجة عن حدود الرواية.
وثانيا - انا لو سلمنا شمول الرواية للشروط الابتدائية ولكن ليس المراد من الالتزام هو الالتزام الوضعي بمعنى ان ما التزم به المؤمن لا يزول بفسخه بل المراد من ذلك انما هو الالتزام التكليفي، اي يجب على كل مؤمن الوفاء بشرطه، لانه من علائم ايمانه» ((16)).

وقال في صدر كلامه: «والتحقيق ان الاباحة بعوض خارجة عن حدود الصلح بداهة انها مغايرة لمفهوم الصلح ومجردانطباق مفهوم التسالم عليها لا يجعلها من مصاديق المصالحة، والا لزم ارجاع جميع العقود حتى النكاح الى الصلح»((17)).

وفي قبال ذلك اصر المحقق النائيني(قدس سره) على بطلانها وعدم صحتها لا بعنوان الصلح - لما ذكر - ولا بعنوان التجارة والمعاوضة المستقلة لانها لابد وان يكون التكسب فيها من الطرفين لا من طرف واحد، والمباح له لم يكتسب مالا، ولا بعنوان العقد، لعدم وجود التزام من طرف المبيح للاخر، وانما مجرد اذن يترتب عليه جواز التصرف شرعا.

قال: «التحقيق فساد هذه المعاملة وعدم صحتها لا صلحا ولا بعنوان المعاملة المستقلة؛ وذلك لما تقدم وجهه من عدم تحقق معنى المعاوضة اصلا، لعدم ورود شيء مكان المال الذي يخرج عن المباح له، وجواز الانتفاع من مال المبيح ليس شيئا يمكن ان يقع في طرف خيطه؛ لانه حكم شرعي مترتب على اباحة المبيح، ولا يكون ملكا كالعين والمنفعة،ومع عدم صدق المعاوضة عليها فلا يشملها شيء من العمومات لا دليل الصلح، ولا دليل التجارة، ولا عموم «المؤمنون»، ولا شيئا من الادلة.

ومنه يظهر سقوط التمسك بالعمومات لاثبات لزومها ايضا.

ثم على تقدير الصحة فالتمسك بالعموم لاثبات اللزوم حتى من طرف المبيح لا يخلو عن الغرابة، والا يصح التمسك لاثبات لزوم كل اباحة. وهذا كما ترى؛ فان المبيح ما التزم بشيء اصلا».((18)) ووافقه عليه تلميذه السيد الخوئي(قدس سره) في احد تقريريه، ولكن مع الحكم بصحتها بعنوان الاباحة المعلقة اوالمشروطة، وهي ليست بعقد كما تقدم.

قال(قدس سره): «وتحقيق ذلك: ان التمليك والاباحة قد يقعان موردا لعقد آخر من صلح او اجارة او بيع كما اذا تصالح المبيح والمملك على الاباحة والتمليك وانشه بعنوان الصلح او آجر كل منهما الاخر على ذلك، او باع احد شيئا وجعل ثمنه الاباحة، اي تمليك عمل الاباحة.

وقد تنشا الاباحة في مقابل التمليك من دون تعلق عقد بهما.

اما الاول، فلا اشكال في صحته ولزومه، فيجب على كل منهما العمل بما التزم به ويملك كل منهما ذلك على الاخر،نعم وجوب الاباحة على المبيح تكليفي لا وضعي، فله الرجوع وضعا متى شاء، بخلاف التمليك على الطرف الاخر، وعليه فان اباح المبيح وكان مورد العقد الاباحة في الجملة لا يجوز للمالك الرجوع؛ لانه من اكل المال بالباطل، واما اذالم يبح او كانت الاباحة مستمرة - كما هو الظاهر - ورجع في الاثناء ثبت الخيار للمالك من باب تخلف الشرط.

واما الثاني فقد عرفت فيما سبق عدم كونه من المعاوضات المالية، وانما هو اباحة مشروطة او معلقة، ولكنه مع ذلك صحيح على القاعدة. ويؤيده قوله(ص) «الناس مسلطون على اموالهم» فان مقتضاه تسلط المالك على اباحة ماله للغيرمشروطا او معلقا كيفما اراد.

فان كانت اباحة مشروطة اي اباحة فعلية مجانية غايته قد شرط في ضمنها على المباح له تمليك ماله فيجب عليه الوفاءبه؛ لقوله(ص) «المؤمنون عند شروطهم» جاز للمبيح الرجوع عن اباحته مهما اراد، ولكن المملك ليس له الرجوع ابتداء؛ لان تمليكه لم يكن هبة مجانية لتكون جائزة وانما كانت في مقابل الاباحة، فهي هبة معوضة لازمة، الا اذا رجع المبيح وحينئذ لا يبعد ان يثبت للمملك ذلك؛ لتخلف الشرط.

واما اذا كانت اباحة معلقة - شخصية او نوعية - بان تكون فعليتها منوطة بتحقق المعلق عليه من دون ان يجب ايجاده على الطرف اصلا لعدم التزامه به فيجوز للمملك ايضا الرجوع ابتداء؛ لان تمليكه كان هبة مجانية جائزة الا اذا كانت الى ذي رحم فتكون لازمة لا يجوز له الرجوع، الا اذا رجع المبيح فيثبت له خيار تخلف الشرط.

ولا ينافيه اطلاق ما دل على لزوم الهبة الى ذي رحم؛ فانه ناظر الى لزومها من حيث كونها هبة، فلا مانع من ثبوت الخيارفيها من جهة اخرى» ((19)).

وحل هذا الاختلاف يتوقف على تحليل مضمون الاباحة بالعوض؛ فانه لو كان مضمونها الاذن والرضا بتصرف الغيربعوض فهذا ليس الا مجرد طيب النفس المبرز مشروطا او معلقا على العوض، فيتم ما ذكر من انه ليس معاوضة؛ لانه لم ينتقل شيء من كيس المبيح للمباح له، ولا عقدا؛ لانه لم يلتزم المبيح بشيء للمباح له، وانما ابرز رضاه وطيب نفسه مشروطا بالعوض الموجب لجواز التصرف شرعا، فيزول كلما زال الرضا وطيب النفس وتدور الاباحة مداره، وهذا ليس معاملة.

واما اذا كان مضمونها انشاء الاباحة في مقابل العوض مع الالتزام بذلك من قبل المبيح في قبال التزام الاخر بالعوض فهذا بحسب الحقيقة قرار معاملي والتزام في مقابل التزام، فيكون معاملة وعقدا يتفق عليه الطرفان، ويكون مشمول العموم (اوفوا بالعقود) سواء كان متعارفا ام لا، فان عدم التعارف لا يمنع العموم. على انه متعارف - كما اشار اليه بعض الفقهاء - بل قد يصدق عليه عنوان التجارة والتكسب ايضا، لما فيه من النفع المالي للطرفين، ويمكن ان نسميه بالاباحة العقدية.

الا انه ينبغي البحث عندئذ في مضمون هذه الاباحة العقدية من جهتين:

الاولى - فرقها عن الاجارة التي يصح فيها ايضا للغير التصرف للانتفاع بالعين المستاجرة.

وحاصلها: انه في الاجارة تنتقل المنفعة او حق الانتفاع والتسلط على العين الى المستاجر وتخرج عن حق مالك العين،ومن هنا تكون الاجارة من عقود التمليك ونقل الحق الى الغير، وهذا بخلاف الاباحة العقدية فانها ليست متضمنة لانتقال شيء من المبيح الى المباح له، وانما مجرد الاذن واباحة التصرف ما دام المال مملوكا له مع بقائه رقبة ومنفعة على ملك مالكه.

الثانية - ان الالتزام بالاباحة هل يكون على غرار الالتزام بالافعال، فالمبيح في الاباحة العقدية يبيح ماله للغير ويلتزم بابقاء هذه الاباحة والاذن في المدة المقررة ما دام المال في ملكه، او انه ينشئ عنوان الاباحة والماذونية على غرارانشاء النتائج والاضافات الاعتبارية الوضعية كانشاء الملكية والزوجية والحقوق الوضعية الاخرى؟ ظاهر جملة من القائلين بكون الاباحة المعوضة عقدا مستقلا هو الثاني، وظاهر بعضهم الاول. والظاهر ان نقاش المحقق النائيني(قدس سره) وبعض من تبعه بان الاباحة حكم شرعي وليس طرفا لاضافة اعتبارية الى المالك فلا معنى لانشائه من قبل المبيح يرجع الى هذا المعنى للاباحة العقدية.

وهذا نقاش وجيه ويترتب على كل من التحليلين والتفسيرين للاباحة العقدية اثر مهم فانه على الاول يكون رجوع المبيح مؤثرا في ارتفاع الاباحة وان كان ممنوعا عليه تكليفا ومحرما.

وعلى الثاني يكون رجوعه غير مؤثر، فتكون الاباحة المعوضة على هذا لازمة تكليفا ووضعا. وهذا ما سياتي الحديث عنه عند البحث عن لزوم الاباحة المعوضة.

وقد يحاول تخريج الاباحة بعوض على اساس عقد الجعالة، بان يقول الجاعل: من يملكني درهما ابيح له سكنى داري شهرا مثلا، فتشمله ادلة صحة الجعالة، فلا يكون عقدا مستقلا بل مصداقا من مصاديق عقد الجعالة.

ويمكن ان يلاحظ على هذا التخريج:

أولا - ان الجعالة انما تصح فيما تصح فيه الاجارة، اي في عمل يمكن ان يبذل بازائه المال والاجرة.
وقد تقدم عن بعض الفقهاء كالمحقق النائيني(قدس سره) الاشكال في صحة جعل العوض في قبال عمل لا يكون ملحوظا الا آليا وطريقا الى المال وليس بنفسه المال كفعل التمليك، كما اذا آجره ليملكه ماله، بل المقابلة في مثل هذه الموارد تكون بين المالين، فيرجع في المقام الى الاباحة في مقابل العوض.

وثانيا - ان اللازم في عقد الجعالة التزام الجاعل بالجعل للعامل ليكون عقدا، ومجرد الاذن والاباحة ليس فيه التزام،الااذا كان المقصود التزام المبيح بها لا مجرد الاباحة، فيتوقف على ما ذكرناه في بيان وجه عقدية الاباحة بعوض من كونه التزاما بالاباحة زائدا على الاذن، فيمكن ان يكون عقدا مستقلا والتزاما في قبال التزام بدفع العوض، كما هو كذلك عرفا.

نعم، هذا لا يدفع معقولية الجعالة ايضا، واثرها عندئذ: ان التزام المبيح بالاباحة معلق على تمليك العوض من الاخر، وليس في قبال التزام الاخر، فلا الزام ولا التزام من قبل الاخر بالتمليك، بل الامر بالعكس على تقدير التمليك والهبة للعوض تلزم الاباحة على المبيح؛ لانه ملتزم به بعقد الجعالة بحسب الفرض.

كما يمكن ان تكون الجعالة من طرف صاحب العوض، فهو يجعل لمن يبيح له المال العوض، فيكون ملتزما بدفعه اذااباح له المال.

وهكذا يتضح انه يعقل تصوير الاباحة بالعوض بنحو يرجع الى عقد ومعاملة مستقلة فيها التزام بالاباحة في مقابل العوض على حد العقود والالتزامات الاخرى، كما قد ترجع الى عقد الجعالة بناء على صحتها في كل عمل، نعم لاتنحصر الاباحة بعوض بذلك، بل يمكن ان تكون مجرد اباحة معلقة او مقيدة بالعوض من دون التزام في البين، فلا يكون عقدا حينئذ، كما لا يكون المبيح ملزما بها، كما تقدم شرحها وياتي الحديث عن الفروق والاثار المترتبة عليها.

هل الاباحة المعوضة جائزة ام لازمة؟

اتضح مما تقدم ان الاباحة بعوض تارة تخرج على اساس كونها معاوضة او عقدا مستقلا، واخرى على اساس انها اباحة معلقة على تمليك العوض، وثالثة على اساس انها اباحة مقيدة بالالتزام الشرطي بالعوض، ورابعة على اساس التوافق بين المبيح والمستوفي للمنفعة او العين على تعيين مقدار الضمان في المسمى.

فهذه تخريجات او تصويرات اربعة للاباحة بعوض تختلف في الجواز والل -زوم.

1 - فبناء على التخريج الاول لابد وان يقال بلزومها من كلا الطرفين اي طرف المبيح وطرف المملك للعوض بمقتضى العمومات الدالة على لزوم كل عقد ووجوب الوفاء به المقتضي للزوم العقد ابتداء نظير قوله تعالى: (اوفوا بالعقود) او قوله(ص): «المسلمون عند شروطهم» او بالاطلاق كادلة الصحة والامضاء من قبيل: (احل الله البيع) و (تجارة عن تراض) فان مقتضى اطلاقها الاحوالي بقاء الامضاء وترتب الاثر حتى بعد رجوع المالك. كما ان مقتضى الاصل العملي - وهوالاستصحاب - ذلك ايضا.

قال الشيخ الانصاري(قدس سره): «وعلى تقدير الصحة ففي لزومها مطلقا لعموم «المؤمنون عند شروطهم»، او من طرف المباح له حيث انه يخرج ماله عن ملكه دون المبيح حيث ان ماله باق على ملكه فهو مسلط عليه، او جوازها مطلقا،وجوه: اقواها اولها ثم اوسطها»((20)).

وقد اعترض على هذا الاستدلال من قبل المحققين: بان مقتضى دليل «الناس مسلطون على اموالهم» جواز رجوع المبيح عن اباحته، لانه باق على ملكه بحسب الفرض، فيكون مقتضى السلطنة على ماله جواز الرجوع فيه، كما ان مقتضاه جوازتصر فه فيه بما يوجب انتفاء الاباحة.

وقد اختلف موقفهم في دفع هذا الاشكال، فذهب بعضهم كالمحقق الاصفهاني(قدس سره) الى اللزوم بمعنى عدم تاثير الرجوع في رفع الاباحة مع جواز التصرف للمبيح في ماله بما يوجب انتفاءها على المباح له، قال: «ينبغي ان يعلم ان اباحة التصرف في المال تارة تستند الى اذن المالك ورضاه فمثلها بقاؤها ببقائهما كحدوثها بحدوثهما، واخرى تستندالى العقد على الاباحة ومثلها قابلة للزوم بمعنى عدم انفكاك الاباحة عن موضوعها فليس للمبيح رد تلك الاضافة كماانه ليس له رد الملكية، وحينئذ فلا يختص اللزوم بطرف الملكية، بل يعم طرف الاباحة.

واما المعارضة في طرف الاباحة بعموم دليل السلطنة لان المفروض بقاء المال على ملكه، فمندفعة بان غاية ما يقتضيه دليل السلطنة ان المالك له التصرف في ماله، الا انه غير السلطنة على عقده ورد الاضافة، فانه محتاج الى سلطنة جديدة متعلقة بالعقد قوليا كان او فعليا، كما مر الكلام سابقا.

نعم، التصرف في نفس المال بما يوجب انتفاء موضوع تلك الاضافة لا مانع منه» ((21)).

وذهب بعض كالمحقق الايرواني(قدس سره) الى اللزوم تكليفا بمعنى حرمة الرجوع او التصرف الرافع للموضوع، لاوضعا بمعنى صحة التصرف وارتفاع الاباحة للمباح له برجوع المبيح قال: «ثم لزوم المعاملة اما ان يراد منه لزومها تكليفا بمعنى انه لا يجوز فسخ المعاوضة ويحرم فسخها، او يراد منه لزومها وضعا بمعنى انه لا اثر لرجوعه في حل المعاملة وحرمة التصرف للمباح له...

اذا عرفت هذا فاعلم انه لا سبيل الى الحكم باللزوم الوضعي؛ فان جواز التصرف من المباح له بعد رجوع المبيح خلاف دليل سلطنة الناس ودليل لا يحل.

واما اللزوم تكليفا فهو مقتضى الادلة التي يستدل بها على صحة هذه المعاملة، اعني عموم (اوفوا) و (المؤمنون عند شروطهم)» ((22)).

ومثله ما ذكره السيد الگلبايگاني(قدس سره) «الاقوى هو الوجه الاول وهو اللزوم، لكن فيما اذا كان اخذ العوض في مقابل الاباحة الابدية، فيجب البقاء على اباحته والالتزام بها تكليفا لا وضعا» ((23)).

وذهب آخرون الى اللزوم تكليفا ووضعا وعدم معارضة دليل السلطنة مع ادلة اللزوم. قال السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره): «مقتضى السلطنة على المال لزوم الاباحة المفروضة لا جوازها؛ لانه اذا كان مسلطا على ماله وقداباحه بعوض، فيلزم ان تكون نافذة»((24)).

وقال السيد الحكيم(قدس سره): «ولا يعارضه عموم السلطنة بالاضافة الى المبيح لكون المفروض صدور التصرف من السلطان، فيكون مقتضى العموم القدرة عليه على ما هو عليه من اللزوم والجواز، فلا يصلح لمعارضة ما دل على لزومه؛لما عرفت من انها لا تصلح للتشريع.

وبالجملة عموم السلطنة انما يقتضي شرطية اذن المالك في صحة التصرف، فاذا وقع التصرف بارادة المالك وكان لازمالم يصلح العموم لرفع لزومه» ((25)).

وقال الامام الخميني(قدس سره): «ان التمسك في ذيل كلامه - اي الشيخ الانصاري(قدس سره) - باصالة التسلط للجواز ليس على ما ينبغي، فان الناس مسلطون على اموالهم لا على الاحكام والاسباب» ((26)).

ويتلخص جواب القائلين باللزوم وضعا وتكليفا في امرين:

أولا - ان دليل السلطنة لا نظر له الى تشريع الاسباب وترتب الاثر عليها او عدمه سواء في طرف الاحداث او الانهاءوالفسخ؛ ومن هنا منع جملة من المحققين من التمسك بدليل السلطنة لاثبات صحة العقود.
ويمكن ان يلاحظ عليه: بان المدعى ليس تحكم دليل السلطنة على الاسباب الشرعية بل على تصرف المالك في ماله بنقله الى الغير او اخذه من المباح له وحرمة تصرفه فيه بدون رضاه، لان موضوع كل ذلك هو الملك وهو محفوظ للمبيح بحسب الفرض، ولازمه عدم اللزوم الوضعي.
نعم، حيث انه قد التزم بالعقد بان يبيح وياذن للمباح له بالتصرف يكون رجوعه عن ذلك مخالفة لذلك الالتزام والشرط فيحرم عليه تكليفا لا وضعا.

وثانيا - لو فرض نظره الى الاسباب فهو يقتضي السلطنة عليها كما هي، فاذا كان مقتضاها اللزوم كان مقتضى السلطنة عليها ذلك ايضا، لا انتقاضها وارتفاعها؛ فانه خلف السلطنة عليها بما هي كذلك.

وهذا الجواب قد ناقش فيه المحقق الاصفهاني(قدس سره) بقوله: «ان نفوذها - الاباحة - لا يلازم لزومها كما في كل معاوضة نافذة، فالاستدلال بالصحة على اللزوم غريب جدا، نعم هذا ان ما يتوهم اذا عقد على الاباحة على وجه لارجعة فيها فان فرض وقوعها نافذة فرض عدم نفوذ الرجوع، لان المنافي لا يقع صحيحا بعد وقوع منافيه صحيحا والالزم صحة المتنافيين، لكنه خارج عن محل البحث اذ الكلام في مجرد العقد على الاباحة كالعقد على الملكية واللزوم والجواز حكمان شرعيان»((27)).

ويمكن توضيح ذلك ببيان آخر: ان البحث في اصل اقتضاء الاباحة بعوض - بناء على كونها عقدا والتزاما بالاباحة في مقابل العوض - للزوم تكليفا ووضعا او تكليفا فقط، يبتني على تحليل حقيقة الاباحة العقدية كما اشرنا اليه فيما تقدم.

فاذا كانت الاباحة العقدية بنحو الالتزام بالاباحة على غرار الالتزام بالافعال فهذا غايته اللزوم تكليفا، اي وجوب الاباحة والاذن للطرف الاخر في المقدار المتفق عليه من الزمان، واما اذا رجع عن اذنه واباحته او اراد منعه عن التصرف كان جائزا وضعا، اي مؤثرا، فترتفع الاباحة، ولكنه محرم عليه تكليفا؛ لانه على خلاف التزامه.