وان كانت الاباحة العقدية انشاء للاباحة والماذونية على غرار انشاء النتائج الوضعية الاعتبارية اي ان يكون الطرف الاخر ماذونا في التصرف والمال مباحا له، نظير الالتزام بكونه وكيلا بنحو شرط النتيجة، كانت الاباحة لازمة وضعا وتكليفا، فلا يؤثر منعه او رجوعه في ارتفاع الماذونية والاباحة ما دام المال ملكا له.

فالمسالة مرتبطة بهذا التخريج والتحليل للاباحة العقدية فمن يرى صحته وعقديته كان مقتضى دليل وجوب الوفاء بالعقود والمؤمنون عند شروطهم لزوم هذا العقد وعدم تاثير رجوع المبيح في زوال الاباحة. ولا ينافيه دليل السلطنة لانه كان بارادة المالك وانشائه.

وان شئت قلت: من حيث انه ملك للمبيح وان كان له ان يرجع، الا انه من حيث انه انشاء والتزام من قبله نافذ وضعاوتكليفا. فلا اثر لرجوعه، ودليل السلطنة لا ينفي هذه الحيثية.

ثم انه بناء على التخريج والتفسير الاول للاباحة العقدية اذا رجع المالك عن اباحته كان للطرف الاخر الرجوع بالعوض ايضا لتخلف الشرط؛ لان تمليكه العوض كان مشروطا بالاباحة.

نعم، قد يقال: بان له ان يرجع بالعوض بالنسبة لا بتمامه، فاذا كان قد استوفى المنفعة وتصرف بسكنى الدار مثلا في نصف المدة ثم رجع المالك عن اباحته كان له ان يرجع بنصف العوض لا اكثر؛ لان الشرط المذكور انحلالي.

ثم ان نفس النتائج المترتبة بناء على كون الاباحة المعوضة اباحة عقدية بالتفسيرين المتقدمين تترتب على القول بارجاعها الى عقد الجعالة بان يجعل المبيح لمن يملكه العوض اباحة التصرف في ماله فانه في طول تمليك العوض تكون الاباحة نافذة وحاصلة، فان كانت بالنحو الاول كان رجوع المبيح رافعا لها وضعا ومحرما تكليفا، وان كانت بالنحو الثاني لم يكن نافذا حتى وضعا.

نعم، يختلف فرض الجعالة عن العقد المستقل بين الاباحة والعوض في لزوم الامرين على المتعاملين في العقدالمستقل بمجرد انشاء العقد، بخلافه في الجعالة فانه لا لزوم على المجعول له كما لا لزوم على الجاعل الا في طول تحقق العمل من المجعول له وهو التمليك للعوض في المقام.

2 - وبناء على التخريج الثاني للاباحة المعوضة اي كونها اباحة معلقة على تمليك العوض تكون الاباحة مجانية، ولكنهامترتبة على تحقق عنوان او عمل وهو تمليك الطرف للعوض، فيجوز للمبيح الرجوع كما هو الحال في سائر مواردالاباحة والاذن بتصرف الغير، فلا التزام له بشيء، كما ان تمليك العوض من الطرف الاخر ليس الا هبة مجانية بحاجة الى قبض واقباض، كما ان له الرجوع فيها اذا كان لغير ذي رحم.

3 - وبناء على التخريج الثالث اي كونها اباحة مقيدة بالتزام الاخر بتمليك العوض وانشاء ذلك، فان كان المبيح ايضاملتزما بالاباحة رجع الى التخريج الاول وكان التزاما في مقابل التزام وهو عقد كما اشرنا.
وان لم يكن التزام بالاباحة من قبل المبيح، بل كانت اذنا واباحة فعلية ولكن مشروطة ومعلقة على التزام الاخر بتمليك العوض كما في الشروط ضمن العقود بحيث لو لم يلتزم فلا اذن واباحة، فقد تقدم من بعض الاعلام جعل مثل هذاالالتزام الشرطي مشمولا لعموم «المسلمون عند شروطهم»؛ لانه ليس شرطا والتزاما ابتدائيا، بل قيد وشرط للاباحة، فيكون نظير الشرط ضمن العقد او الايقاع، فتكون الاباحة جائزة، ولكن شرط التمليك للعوض على تقدير الاباحة يكون لازما وواجب الوفاء، فيكون اللزوم من قبل المملك لا المبيح.

وان كان على تقدير عدم الاباحة او الرجوع فيها يجوز للمملك ايضا عدم العمل بالشرط؛ لان الشرط كان على تقديرالاباحة لا مطلقا.

وحينئذ فان كان هذا الاشتراط بنحو شرط النتيجة اي التزام بملكية العوض تحققت الملكية بنفس هذا الشرط واستحقه المبيح وملكه عليه، فلا حاجة الى تمليك آخر كما لا حاجة الى قبض واقباض؛ لان التمليك بالشرط لا بعقد الهبة،فيكون لازما عليه، ولا يصح فيه الرجوع ما لم يرجع المبيح عن اباحته.

وان كان الاشتراط بنحو شرط الفعل وجب عليه التمليك وكان هبة فيملكه المبيح في طول الاقباض.

كما انه يجوز للمملك الرجوع وضعا لا تكليفا اذا كان لغير ذي رحم متى شاء، بخلافه على الاول كما اشرنا، فما تقدم عن بعض الاعلام من التسوية بين النحوين للاشتراط غير دقيق.

وقد يناقش في اصل صحة مثل هذا الاشتراط ولزومه وشمول دليل وجوب الوفاء بالشرط له؛ لانه من الشرط الابتدائي لا ضمن عقد او ايقاع، اذ المراد بالشرط ما يكون قيدا وشرطا لالتزام عقدي او ايقاعي، والاذن او الاباحة بحسب الفرض ليس التزاما من قبل المبيح، وانما مجرد رضا وطيب النفس بتصرف الغير وان كان مقيدا ومشروطا بالالتزام الشرطي المذكور.

ويمكن ان يجاب: بان عموم «المسلمون عند شروطهم» يشمل كل شرط، وانما قيل بخروج الشرط الابتدائي اما من باب الاجماع او من جهة ان عنوان الشرط ظاهر في كون الالتزام شرطا وقيدا لانشاء او التزام آخر. وكلا الامرين غير جاريين في محل الكلام:

اما الاجماع، فلاختصاصه بالشرط الابتدائي المحض الذي هو كالوعد، وليس المقام كذلك بل هو التزام في مقابل الاباحة ومن اجلها.

واما الاستظهار فهو شامل لمحل الكلام؛ اذ الالتزام بتمليك العوض قد وقع قيدا وشرطا لاباحة المبيح ماله لصاحب العوض، فهو التزام وقع شرطا في انشاء الاذن والاباحة، فيكون على غرار الشروط الضمنية في العقود او الايقاعات الاخرى.

4 - وبناء على التخريج الرابع للاباحة المعوضة ايضا لا لزوم للاباحة على المبيح، كما لا استحقاق للعوض ابتداء وقبل التصرف والاستيفاء، وانما يستحقه المبيح باستيفاء المباح له، اما على اساس كونه عقدا وتوافقا كذلك بينهما، او على اساس تبدل ضمان الغرامة بالمسمى ابتداء بذلك عند العقلاء، وقد امضاه الشارع ايضا، فيكون بعد الاستيفاء لازما على المستوفي على كل حال. وان كان اللزوم على تقدير كونه عقدا لزوما عقديا معامليا وعلى تقدير كونه حكما عقلائيا لزوماحكميا، ولكل منهما آثاره واحكامه الخاصة يراجع فيه بحث (خيار، لزوم).

ثم انه في كل قسم من هذه الاقسام الاربعة للاباحة المعوضة اذا كانت الاباحة بعوض او تمليك العوض بالخصوص عقدا خاصا كالصلح او الهبة او التجارة او عقدا مستقلا اشترط فيه ما يشترط في العقود او المعاوضات عموما او تلك العقود الخاصة من الشرائط والاحكام كاشتراط التنجيز وعدم الجهالة والترديد والتطابق بين الايجاب والقبول والموالاة والقبض والاقباض وجريان الخيار وغير ذلك من الاحكام والاثار.

كما ان شروط الاهلية من البلوغ وعدم السفه والحجر والجنون ونحو ذلك لازمة في جميع هذه الاقسام وسواء كانت الاباحة عقدية ام لا؛ لانها شرط في مطلق التصرف في الاموال حتى الاذن والاباحة، كما هو مقرر في محله.

اباحة التملك بعوض:

من موارد الاباحة المعوضة المتعارفة ان يبيح المالك تملك ماله للغير بعوض كما في وضع الطعام او المتاع في امكنة عامة لمن يريده بشرط وضع ثمنه المسمى والمعين عنده، نظير وضع الاجهزة المتعارفة اليوم لاخذ بعض الاغذية والاشربة المنصوبة في المحلات العامة بدفع ثمنها في الموضع المعين في الجهاز.

وهذا النحو من المعاملة المتعارفة والمعهودة كثيرا اليوم قد يخرج على اساس انه نحو معاطاة ومبادلة بين المالين بالفعل والوضع المخصوص خارجا، فيكون بيعا، فيشترط فيه شروطه لا محالة.

وقد يخرج على اساس انها من باب اباحة التملك بالعوض - ولعله الاظهر حيث لا يشترط فيه شروط البيع بل لا توجه الى انشاء مضمون البيع عادة - وعندئذ ينفتح بحث عن صحة ذلك وكيفية تخريجه؛ لان الاباحة لا تستلزم الملك،فكيف يحصل التمليك بها، مع وضوح ان انتقال الملك بحاجة الى سبب ناقل والاباحة ليست من اسباب انتقال الملك؟! ويمكن ان يجاب على ذلك: بان السبب الموجب للملك هنا ليس هو الاباحة، بل الاخذ وحيازة المال بقصد التملك في طول اباحة المالك واذنه بذلك.

وتوضيح ذلك: ان الحيازة بقصد التملك في الاموال المباحة لا اشكال في كونها من اسباب الملك عقلائيا، وقد امضاه الشارع، بل ادعى بعض الفقهاء دلالة بعض النصوص عليه، وهي معتبرة السكوني عن ابي عبد الله(ع) «ان اميرالمؤمنين(ع) قال في رجل ابصر طيرا فتبعه حتى وقع على شجرة، فجاء رجل فاخذه، فقال اميرالمؤمنين(ع): للعين مارات، ولليد ما اخذت».((28)) وهذه السببية للحيازة والاخذ عند العقلاء لا تختص بالمباحات الاولية، بل هي اعم من ذلك، فتعم تمام موارد عدم وجود حق للاخرين في المال المحوز، وهذا يكون في موارد ثلاث:
1 - المباحات الاولية.
2 - المال المعرض عنه صاحبه.
3 - المال الذي ياذن صاحبه باخذه على وجه التملك.

فالحاصل: لا قصور في اقتضاء الحيازة والاخذ بقصد التملك للسببية، وانما يمنع عنه حق الاخرين سواء كان حقالشخص حقيقي او حقوقي، فاذا لم يكن المال الماخوذ بقصد التملك متعلقا لحق الاخرين او كان ولكن صاحبه اذن في ذلك ورضي به - والذي هو بمثابة اسقاط حقه او اعراضه عنه - كانت السببية تامة ومؤثرة، وهذا التعميم والتحليل لملاك سببية الحيازة بقصد التملك للملكية لو جزمنا بها عقلائيا او استظهرناه من بعض التطبيقات الفقهية اتجه تخريج المعاملة المعهودة على اساس كونها اباحة واذنا في الاخذ والتملك مجانا او على وجه الضمان للقيمة او للمسمى اومعلقا على تمليكهما.

فهذا التمليك لا يكون على اساس العقد او الشرط، بل على اساس الفعل التكويني، وهو الاخذ والحيازة بقصد التملك بعد اباحة المالك ذلك، فلا يشترط فيه شيء من شروط المعاوضة او العقد، ولا تجري عليه احكامها من اللزوم والجوازوالخيار ونحو ذلك.

وعلى اساس هذا التخريج يمكن ايضا حل الاشكالات المذكورة عندهم في بحث المعاطاة بناء على افادتها للاباحة المطلقة بالنسبة للتصرفات المتوقفة على الملك كالوط ء او البيع والعتق لنفسه، فانها يمكن ان تكون من الاباحة في التملك بالاخذ، فلا حاجة الى التكلفات والتاويلات التي ذكرها الفقهاء في ذلك البحث.

اثر الاباحة المعوضة:

اتضح مما تقدم ان اثر الاباحة المعوضة في موارد اباحة التصرف والانتفاع هو جواز التصرف للمباح له في حدودالاباحة لا اكثر، واستحقاق المبيح للعوض - سواء كان القيمة السوقية في الاباحة على وجه الضمان او المسمى - وفي اباحة التملك للعين جواز تملكها كذلك وحصول الملكية في طول الاخذ والتصرف.

وهل يتحقق حق للمباح له في الانتفاع او المنفعة في اباحة التصرف زائدا على جواز التصرف بحيث يمكن انتقاله الى الغير بسبب ناقل او بارث ونحوه؟ تقدم انه لا يحصل شيء من ذلك لان الاباحة المعوضة حتى العقدية منها لا تتضمن انتقال حق او ملك الى المباح له، بل غايته جواز التصرف واباحته، واما لزوم الاباحة من طرف المبيح او دفع العوض من طرف المباح له فقد تقدم شرحه وتفصيله واختلاف حكمه حسب اختلاف التخريجات العديدة المتصورة للاباحة المعوضة.

كما تقدم ايضا امكان تخريجها على اساس عقد الجعالة او اباحة عقدية مستقلة، وحينئذ يترتب عليها آثار عقد الجعالة او العقود المستقلة ويلحقها شروطها واحكامها.

كما انه على تقدير القول بلزوم الاباحة العقدية يجري فيها التقايل والخيار اذا تحقق سبب من اسبابه.

هذا كله في الاباحة المعوضة المالكية - كما هو مقصودنا منها - واما الاباحة الشرعية المعوضة المزعومة في المعاطاة على قول فهي اباحة تعبدية توقيفية على خلاف القاعدة فلا يمكن تطبيق القواعد عليها، بل لابد فيها من الاقتصار على المتيقن من دليلها موردا واثرا وشرطا.

انتهاء الاباحة المعوضة:

تنتهي الاباحة المعوضة بانتهاء التصرف المباح - كالانتفاع بالحمام مثلا - كما تنتهي بزوال الموضوع وتلف المال المباح وهذا واضح، وتنتهي ايضا بانتقال المال الى مالك آخر، فان الاباحة مالكية ومقيدة بموضوعها وهو ملك المبيح فاذا بيع المال من شخص آخر زال موضوع الاباحة - كما اشار الى ذلك المحقق الاصفهاني في عبارة سابقة - .

لا يقال: فلينقل العين الى الغير بما هو مباح في تلك المدة للمباح له نظير انتقال العين مسلوبة المنفعة الى الغير في بيع العين المستاجرة.

فانه يقال: هذا خلف ما تقدم في حقيقة الاباحة من عدم اقتضائها انتقال شيء الى المباح له بل هو مجرد تحليل واباحة للتصرف من قبل المالك، وهذا حتى على تقدير رجوعه الى انشاء الاباحة العقدية لا يخرج عن كونه اباحة من قبل المالك ما دام مالكا لا اكثر، اذ لا سلطنة للمالك على اكثر من ملكه، فالاباحة المنشاة مقيدة لبا بمالكيته لامحالة.

وكذلك تنتهي الاباحة بموت المبيح او المباح له لانتقال المال الى الورثة في الاول فينتفي موضوع الاباحة - كما ذكرنا -وكون الاباحة للمباح له بالخصوص لا لورثته في الثاني فلا موضوع لجواز تصرفهم. وقد تقدم ان الاباحة حتى العقدية والمعوضة لا توجب انتقال مال او حق الى المباح له لكي ينتقل الى وارثه بموته او يكون خارجا عن تركة المبيح.

واما انتهاء الاباحة برجوع المبيح عن الاباحة فمبني على القول بعدم لزوم الاباحة حتى العقدية وضعا، وقد تقدم البحث عنه مفصلا.

واما جنون المبيح فهل يوجب انتهاء الاباحة - كما في العقود الاذنية - ام لا؟ الصحيح هو التفصيل بين فرض القول بلزوم الاباحة المعوضة وضعا وعدم لزومها.

ففي الفرض الثاني تنتهي الاباحة بجنون المبيح لزوال اهليته فلا يكون بقاء اذنه - لو فرض - مؤثرا في الاباحة.

وفي الفرض الاول يمكن القول ببقاء الاباحة لكونها منشا بعقد لازم في زمان اهلية المالك فلا يضر ارتفاع اهليته بعدذلك لان بقاء الاباحة غير مستند الى اذنه ورضاه حال جنونه بل الى العقد الحاصل في زمان عقله واهليته.

هذا كله في اباحة التصرف والانتفاع، واما اباحة التملك بالعوض فان قيل بصحتها من باب كونه عقدا من عقودالمعاوضة ولو بعد الاخذ والقبض للمال فحاله حال سائر عقود المعاوضة يكون مقتضى القاعدة فيها اللزوم وعدم الانتهاء برجوع احد الطرفين ما لم يكن تقايل او خيار. نعم قد يصح الرجوع قبل القبض وتحقق العقد كما ان انتفاءالاهلية او الملكية قبل ذلك رافع لموضوع العقد.

واما اذا قيل بصحتها من باب التملك بالاخذ والحيازة بعد اذن المالك او اعراضه مشروطا بالعوض فلا يجري فيه التقايل ولا الخيار عندئذ، بل حاله حال سائر ما يملك بالاسباب القهرية غير العقدية.

هذا آخر ما اردنا ايراده في الاباحة المعوضة. والحمد لله اولا وآخرا.

الحكم الوضعي للمعاملة الربوية
(حدود بطلانها)

آية الله السيد محسن الخرازي

المقدمة

لا ريب في حرمة المعاملة الربوية تكليفا، لكن وقع البحث في حكمها الوضعي من ناحية الصحة والبطلان وحدودالبطلان فيها، فهل تكون المعاملة الربوية فاسدة مطلقا حتى بالنسبة الى ما عدا الزيادة، او صحيحة بالنسبة الى ما عداالزيادة سواء كانت الزيادة جزءا او شرطا، او صحيحة فيما اذا كانت الزيادة شرطا دون ما اذا كانت جزءا؟ فهنا وجوه واقوال ثلاثة:

واستدل للقول الاول - وهو بطلان المعاملة مطلقا - بادلة، منها:

1 - الكتاب الكريم: وهو قوله تعالى: (واحل الله البيع وحرم الربا)((29)) بالتقريب الذي افاده المحقق النجفي في الجواهر من ان المراد من الربا - كما في تفسير مجمع البيان - هو البيع الذي فيه الربا حيث قال: معنى (احل الله البيع وحرم الربا): احل الله البيع الذي لا ربا فيه وحرم البيع الذي فيه الربا. وعليه فالنهي عن البيع الربوي كالنهي عن بيع الملامسة والمنابذة يوجب الفساد؛ اذ النهي عن ذات المعاملة ارشاد الى الفساد ((30)).

وفيه: ان الربا في اللغة بمعنى الزيادة؛ لانه من «ربا المال يربو ربوا ورباء» اي زاد ونما، ولا شاهد على تفسير الطبرسي،ولعل مراده من تفسيره بذلك بيان مورد الزيادة المحرمة بعنوان الربا في قبال من ذهب الى حرمة الزيادة في جميع المعاملات، او في قبال من توهم ان الربا هو مطلق الزيادة، مع ان الربا ليس مطلق الزيادة، بل هو الزيادة الخاصة في البيع او مطلق المعاملة والقرض.

وعليه فدعوى: ان الربا في الاية الكريمة هو البيع المشتمل على الربا،لا شاهد لها، بل الاية الكريمة ظاهرة في حرمة الزيادة فقط، كما يشهد له بعض النصوص، كموثقة الوليد بن صبيح قال: سمعت ابا عبد الله(ع) يقول: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة؛ الفضل بينهما هو الربا المنكر» ((31))؛ اذ تخصيص الربا المنكر بالفضل دون البيع المشتمل على الربايدل على ان الربا هو خصوص الزيادة.

ولعله لذلك قال السيد اليزدي(قدس سره) في الملحقات: «ولا شاهد على تفسير الطبرسي، بل يمكن ان يقال: ان الاية ظاهرة في حرمة الزيادة فقط» ((32)). هذا مضافا الى انه لا اقل من الشك في ان الربا يشمل اصل البيع او لا؟ فمقتضى عمومات النفوذ هو نفوذ البيع وصحته دون الزائد، وعليه فالمنع عن الزيادة وحرمتها لا يلازم النهي عن اصل المعاملة وفساد البيع، فلا تغفل.

2 - دعوى دلالة جملة من الروايات على تحريم نفس المعاملة:
منها: موثقة عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي(ع) قال: «لعن رسول الله(ص) الربا وآكله (وموكله خ ل) ((33))، وبائعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه» ((34))؛ بتقريب: ان لعن البائع والمشتري يرجع الى النهي عن البيع والشراء، ومقتضى النهي فيها هو الارشاد الى الفساد.

ولكن يرد عليه - كما في الملحقات - : انه لا دلالة في قوله(ع): «لعن رسول الله... بائعه» على كون المحرم هو نفس البيع؛ لامكان ان يكون النهي من جهة اشتمال البيع على الربا، هذا مضافا الى انه(ص) لم يكن في مقام بيان صحة المعاملة او فسادها بل كان في مقام منع المكلفين عن مادة الربا، ولذا عمم اللعن والحرمة بالنسبة الى كل ما له دخل في تحقق الربا بنحو من الانحاء، وعليه فلا تصلح تلك الاخبار للاستدلال على فساد اصل المعاملة.

ومنها: ما يدل على ثبوت الباس في المعاملة فيما اذا كانت مع الزيادة، كموثقة منصور بن حازم عن ابي عبد الله(ع)، قال:سالته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين؟ قال: «لا باس ما لم يكن كيلا او وزنا» ((35)).

والمستفاد منها ثبوت الباس والعقوبة فيما اذا كان كيلا او وزنا؛ وذلك لان المنطوق ان معاملة الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين ما لم يكن مكيلا او موزونا لا عقوبة فيها، والمفهوم ان المعاملة المذكورة ان كان موردها من المكيلات والموزونات ففيها العقوبة، وهذا اعم من ان تكون العقوبة من جهة نفس المعاملة او اشتمالها على الزيادة التي فيها.

اللهم الا ان يقال: ان السؤال اعم من جهة الحكم الوضعي والتكليفي، فقوله(ع) بعدم الباس بعد ترك الاستفصال يدل على عدم الاشكال في المعاملة من ناحيتين، وعليه فيدل بالمفهوم على وجود الاشكال من ناحيتين في المكيلات والموزونات، وهو المطلوب.

ولكن لقائل ان يقول: انه بعد تسليم كون معنى عدم الباس هو عدم الاشكال من ناحيتين لا العقوبة فالمفهوم هو رفع هذاالمنطوق ولو بوجود الباس في احدى الناحيتين دون الاخرى، وعليه فلا يدل المفهوم على فساد المعاملة، بل هومجمل.

نعم ان قلنا بان نقيض المنطوقات في المفاهيم كلي - قضاء لافادة الجملة الشرطية انحصار العلة؛ والا لزم الخلف في افادة الانحصار كما قرر في محله - فالمفهوم متطابق مع المنطوق؛ فكما ان عدم الاشكال يعم الامرين في المنطوق فكذلك الاشكال يعم الامرين، فيدل باطلاقه على فساد المعاملة ايضا، فتامل.

ومنها: الاخبار الناهية عن التصرف في احد العوضين؛ اذ النهي عن ترتيب الاثر المترتب على المعاملة يساوي الدلالة على فساد اصل المعاملة، الا ترى ان قوله(ع): «ثمن الخمر سحت» يدل على فساد بيع الخمر وان قلنا بان النهي عن نفس المعاملة لا يدل على الفساد؟! وهذه الاخبار كثيرة جدا، ومن جملتها:

صحيحة ابن ابي عمير، عن هشام بن سالم، عن ابي عبد الله(ع) قال: «درهم ربا اشد من سبعين زنية كلها بذات محرم»((36)).

وخبر عبد الله بن عباس عن رسول الله(ص): «من اكل الربا ملا الله بطنه من نار جهنم بقدر ما اكل، وان اكتسب منه مالا لايقبل الله تعالى منه شيئا من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده قيراط واحد» ((37)).

.. الى غير ذلك من الاخبار.

هذا مضافا الى دلالة بعض الايات الكريمة على حرمة مطلق التصرف في الربا، كقوله تعالى: (الذين ياكلون الربا لايقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس...) ((38)).

ويمكن الجواب عنه: بان النهي عن الثمن او المثمن بما هما ثمن ومثمن يدل على فساد المعاملة؛ اذ لا تتقوم المعاملة الا بهما؛ فاذا كانا مسلوبي المنفعة فلا تصح المعاملة؛ لعدم المالية شرعا. وكذلك النهي عن التصرف في مقابل الربايدل على فساد المعاملة كالنهي عن الثمن في سائر المعاملات.

وهذا بخلاف النهي عن نفس الربا؛ فانه لا يدل على فساد اصل المعاملة، غايته انه يدل على عدم انتقال الزائد، وامافساد اصل المعاملة فهو مسكوت عنه وليس في مقام بيانه.

ومما ذكر يظهر ما في الجواهر من «رجوع النهي الى النهي عن نفس العوض والمعوض عنه، وهو لا ريب في اقتضائه الفساد» ((39))؛ وذلك لان قياس المقام بالنهي عن العوضين - كالنهي عن ثمن الخمر - في غير محله؛ لما عرفت من ان النهي عن الزيادة ليس النهي عن العوض او المعو ض عنه؛ لان العوض عند الشارع هو المثل لا الزائد عليه وان جعله المتعاقدان من العوض، ولكن الروايات ناظرة الى حيثية نفس الربا والزيادة لا حيثية العوضية.

3 - ما افاده المحقق النجفي في الجواهر ايضا من انه «يمكن استناد الفساد الى قاعدة تبعية العقود للقصود؛ ضرورة ان البائع او المشتري ان ما بذل المثل في مقابل المثلين فان لم يتم له بطل العقد، وليس هو كبيع الشاة والخنزير التي يبطل من الثمن ما قابلها فيبقى الاخر بما قابله منه؛ لان البطلان في الزيادة هنا بلا مقابل، وهو امر غير مقصودللمتعاملين؛ فلو صح العقد وقع ما لم يقصد وما قصد لم يقع، كما هو واضح»((40)).

ويمكن ان يقال:

أولا - ان التقابل الضمني يكفي في كون الابعاض ايضا مقصودة؛ لان الجملة ليست الا نفس الابعاض بالاسر، فالتعاقدعليها وقصدها بمثابة التعاقد على الاجزاء وقصدها، فالعقد ينحل حسب اجزاء المركب كالتكليف المتعلق بالمركب الارتباطي.

وعليه فنمنع عدم القصد؛ اذ المعاملة بين المثل والمثلين تكون بالتعاقد بين المثل والمثلين؛ فالمثل من المثلين وقع في مقابل المثل في ضمن التعاقد المذكور، فاذا حكم الشارع ببطلان المثل الزائد لم يخرج المثل الاخر عن تقابله مع المثل والتعاقد بينه وبين المثل؛ لان التقابل الباقي تقابل ضمني في ضمن التقابل المذكور.

اللهم الا ان يقال: ان التقابل الضمني ليس بين احد المثلين ومجموع المثل بل بينه وبين بعض المثل، وعليه فجعل تمام المثل في مقابل المثل خلاف ما قصده المتعاملان، وعليه فالانحلال لا يوجب شيئا.

ومما ذكر يظهر ايضا عدم تمامية ما يقال - بناء على عدم الانحلال - من ان نقل الكل بعقد واحد غير منفك عن نقل الاجزاء، فمع نقل المجموع يحصل النقل بالنسبة الى الاجزاء في الانشاء، فبطلان المجموع والكل بما هو مجموع للدليل لا يلازم بطلان البيع الانشائي بالنسبة الى الاجزاء بعد اختصاص دليل البطلان بالمجموع بما هو مجموع؛ لماعرفت من ان وقوع تمام المثل في مقابل المثل ليس مقصودا في المعاملة.

وثانيا - انه اجتهاد في مقابل النص، ولا مجال للاشكال المذكور بعد تصحيح اصل المعاملة شرعا، ويكفي للتعبد بعض الروايات، كموثقة اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله(ع): الدراهم بالدراهم والرصاص؟ فقال: «الرصاص باطل»((41)). وحمله على بطلان اصل المعاملة بقرينة الارتكاز خلاف الظاهر؛ والا لم يخص الامام(ع) البطلان بالرصاص مع كونه في صدد البيان، فتخصيص البطلان بالزائد دليل على صحة اصل المعاملة.

وكمعتبرة محمد بن سنان، عن علي بن موسى الرضا(ع) - في بيع الدرهم بالدرهمين - : «... لان الانسان اذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما وثمن الاخر باطلا».((42))

فالمتبايعان وان قصدا مقابلة المثل بالمثلين الا ان الشارع حيث منع من الزيادة جعل المثل في مقابل المثل ولم يمض ماقصداه، كما جعل النكاح المنقطع الذي لم يذكر فيه المدة نكاحا دائميا مع ان المتعاقدين لم يقصداه.

ويشهد له ايضا الحكم بوجوب رد الزيادة وحفظ راس المال؛ اذ لو لم يصح اصل المعاملة للزم الحكم برد المجموع ومطالبة مقابل الاصل من طرف المعاملة عند الامكان، مع ان الاية الكريمة: (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) ((43)) تدل على اختصاص الرد بالزيادة وحفظ الباقي بعنوان راس المال.

والقول: بان الاية الكريمة مخصوصة بصورة الجهل ومع ذلك فهو منزل على التقاص بالنسبة الى راس المال حيث ان مقابله عند الطرف الاخر.

غير سديد؛ لما افاده في جامع المدارك من ان ه «بعد استظهار حرمة خصوص الزيادة من الاية الشريفة: (واحل الله البيع وحرم الربا) لا وجه لتخصيص الاية الشريفة: (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم) بخصوص الجهل، بل حلية المجموع -من راس المال والزيادة - مخصوصة بحال الجهل؛ بمقتضى الاية الكريمة: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف).

ويجمع بين هذه الاية والاية السابقة بحمل هذه على حال الجهل والاية السابقة، اي قوله تعالى: (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم)، على حال العلم - الى ان قال: - ولا وجه للتنزيل على التقاص مع ان التقاص مشروط بعدم امكان اخذ الحق من الطرف او تعسره» ((44)).

وبالجملة: مع ورود النصوص بالصحة لا مجال للاشكال فيها من جهة مخالفتها للقاعدة.

4 - ما افاده السيد المحقق اليزدي(قدس سره) من ان «المعاملة باطلة لعدم كون الزيادة متميزة عن الذي يقابل العوض الاخر حتى تكون بالنسبة الى الزيادة باطلة وبالنسبة الى المقابل صحيحة؛ اذ كل جزء من المثل يقابل جزاين من المثلين، فليست بيعا بمثل وزيادة - الى ان قال: - فالاقوى البطلان فيما اذا كانت جزءا؛ لما ذكر من ان الزيادة ليست ممتازة عن راس المال حتى تكون المعاملة صحيحة بالنسبة اليه» ((45)).

وفيه:

أولا - انه منقوض - كما في جامع المدارك - ببيع ما يملك ومالا يملك، كبيع العبد والحر، وبيع الخل والخمر؛ حيث يحكمون بصحة البيع بالنسبة الى ما يملك مع عدم التميز ((46)).
فان كان عدم التميز موجبا للبطلان كان لازم هذا بطلان البيع في مورد النقض ايضا، مع انه لا يمكن الالتزام به.

وثانيا - ان المقصود من اعتبار التميز ان كان لعدم لزوم الجهالة والغرر ففيه: انه لا غرر ولا جهالة مع معلومية المجموع الملحوظ حال المعاملة؛ اذ المعتبر هو عدم الجهالة والغرر حال المعاملة، والمفروض انه لا غرر ولا جهالة مع ملاحظة المجموع، كما لا يكون غرر في بيع ما يملك وما لا يملك.

وثالثا - انه بعد الحكم بصحة الاصل وبطلان الزيادة في المثلين يكون المثل الزائد الموجود فيهما خارجا معلوماومتميزا بنحو الاشاعة كنصفهما، وهو محكوم بالبطلان، كما ان المثل الاخر الذي هو النصف يكون معلوما ومتميزاكذلك، وهو محكوم بالصحة، وتكفي معلوميتهما بنحو الاشاعة لتحقق التمييز.

ورابعا - ان هذه الاشكالات - كاشكال عدم التمييز او عدم القصد - اجتهاد في مقابل النصوص: من الاية الكريمة الدالة على تخصيص الرد بالزيادة وجواز حفظ الباقي بعنوان راس المال: (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم)، مع انه لو لم تكن المعاملة بالنسبة الى الاصل صحيحة لا يكون الباقي عنده راس ماله بل هو مال الغير.. ومن موثقة اسحاق بن عمارالبطلان بالرصاص ورده في مقام الجواب عن سؤال السائل عن حكم بيع الموزون بالزائد.. ومن معتبرة محمد بن سنان،عن علي بن موسى الرضا(ع) انه كتب في جواب مسائله: «... لان الانسان اذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهما وثمن الاخر باطلا» ((47)) الدالة على صحة وقوع الدرهم في مقابل الدرهم لتخصيص البطلان بالدرهم الاخر..وغير ذلك.

5 - ما افاده السيد المحقق اليزدي(قدس سره) ايضا من ان «الاخبار الدالة على اعتبار المثلية مفهوما ومنطوقا ظاهرهابيان الحكم الوضعي او الاعم منه ومن التكليفي، فهي دالة على فساد المعاملة وانه يشترط فيها كونها مثلا بمثل» ((48)). والاخبار التي اشار اليها السيد(قدس سره) كثيرة، واليك شطرا منها:

(1) موثقة منصور بن حازم، عن ابي عبد الله(ع) قال: «كل شيء يكال او يوزن فلا يصلح مثلين بمثل اذا كان من جنس واحد...».((49))
(2) موثقة الحلبي عن ابي عبد الله(ع) قال: «لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، ولا يباع الا مثلا بمثل، والتمرمثل ذلك» ((50)).
(3) موثقة ابي بصير عن ابي عبد الله(ع) قال: «الحنطة والشعير راسا براس لا يزاد واحد منهما على الاخر» ((51)).
(4) موثقة زرارة عن ابي جعفر(ع) قال: «الحنطة بالدقيق مثلا بمثل والسويق بالسويق مثلا بمثل والشعير بالحنطة مثلابمثل، لا باس به» ((52)).
(5) خبر ابي بصير قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الحنطة بالشعير والحنطة بالدقيق، فقال: «اذا كانا سواء فلا باس والافلا»((53)).
(6) موثقة ابن ابي عمير عن ابي عبد الله(ع) قال: «الفضة بالفضة مثل بمثل والذهب بالذهب مثل بمثل ليس فيه زيادة ولا نقصان؛ الزائد والمستزيد في النار» ((54)).
(7) خبر الامالي والفقيه بالاسناد المتقدم عن علي بن ابي طالب(ع) عن النبي(ص) في حديث المناهي: «...
ونهى(ص)عن بيع الذهب بالذهب زيادة الا وزنا بوزن» ((55)).
(8) ما رواه العلامة في التذكرة عن عطاء بن يسار ان معاوية باع سقاية من ذهب او ورق باكثر من ورقها، فقال ابو الدرداء:سمعت النبي(ص) ينهى عن مثل هذا الا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما ارى بهذا باسا. قال ابو الدرداء: من يعذرني من هذا اخبره عن النبي(ص) ويخبرني عن رايه، والله لا سكنت بارض انت فيها! ثم قدم ابو الدرداء على عمر فذكر له ذلك،فكتب عمر الى معاوية: ان لا تبع الا وزنا بوزن مثلا بمثل . ((56)) وغير ذلك من الاخبار.

ويمكن ان يقال:

أولا - ان الاخبار المذكورة في مقام بيان مورد الربا من المكيل والموزون او وحدة بعض الاجناس مع بعض آخر كالحنطة مع الشعير او الدقيق.

وثانيا - ان اعتبار المثلية مفهوما ومنطوقا لعله لاجل الا تكون المعاملة ربوية حتى تكون محرمة وفاسدة من ناحية الزيادة، ولم يحرز كونها في مقام بيان فساد اصل المعاملة، ولو سلم ذلك فغايته هو الظهور في ذلك، فاللازم هو رفع اليدعنه وحمله على فساد المجموع بما هو مجموع؛ بقرينة سائر الادلة الدالة على صحة الاصل، ومن جملتها ما دل على اختصاص البطلان بالزائد، كموثقة اسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله(ع): الدراهم بالدراهم والرصاص؟ فقال(ع): «الرصاص باطل».

ومعتبرة محمد بن سنان، عن علي بن موسى الرضا(ع) انه كتب اليه فيما كتب اليه من جواب مسائله: «وعلة تحريم الرباانما نهى الله عزوجل عنه لما فيه من فساد الاموال؛ لان الانسان اذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماوثمن الاخر باطلا، فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال؛ على المشتري وعلى البائع» ((57))؛ لتخصيصه البطلان بالزائد.

وايضا من جملتها ما دل على ان الباقي غير الزائد هو مال الاخذ المرابي بعنوان راس المال:

كالاية الكريمة الدالة على رد الزائد وحفظ راس المال: (وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم)، والاخبار الدالة على ذلك:كصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله(ع)... وقال: «لو ان رجلا ورث من ابيه مالا وقد عرف ان في ذلك المال ربا ولكن قداختلط في التجارة بغيره حلال ((58)) كان حلالا طيبا فلياكله، وان عرف منه شيئا انه ربا فلياخذ راس ماله وليرد الربا»((59)).

وكخبر ابي الربيع الشامي، عن ابي عبد الله(ع)، عن ابي جعفر(ع): «ان كنت تعرف منه شيئا معزولا تعرف اهله وتعرف انه ربا، فخذ راس مالك ودع ما سواه» ((60)).

فمقتضى الجمع بينهما هو حمل الاخبار الدالة على اعتبار المثلية على انها في مقام بيان مورد الربا المحرم وفسادالمجموع بما هو مجموع، لا في مقام بيان فساد اصل المعاملة.

ومع دلالة الاخبار على صحة الاصل، لا وقع لما استشكل فيه من جهة القواعد، مع انه لا يخلو عن الاشكال، فلاتغفل.

6 - دعوى الاجماع على الفساد، قال في مفتاح الكرامة: «وليعلم ان الظاهر ان التحريم عند الاصحاب هو المعاملة ومايحصل بها، فما ياخذه من الغريم من راس المال والزيادة حرام، وكذا ما يعطيه، كما تدل عليه الادلة؛ قال في مجمع البيان: معنى (احل الله البيع وحرم الربا): احل الله البيع الذي لا ربا فيه وحرم البيع الذي فيه الربا» ((61)).

وقال في الجواهر: «لا يخفى ان ظاهر الاصحاب - بل وجملة من النصوص - تحريم نفس المعاملة وما يحصل بها، فماياخذه من الغريم من راس المال والزيادة حرام، وكذا ما يعطيه» ((62)).

وقال السيد في الملحقات فيما اذا كانت الزيادة شرطا فحاله حال الجزء: «وظاهر كلمات العلماء ايضا بطلانها مطلقا»((63)).

ويمكن ان يقال:

أولا - ان الاجماع غير ثابت؛ لقوة احتمال مرادهم من حرمة المعاملة الربوية هو حرمة المجموع لا حرمة الاصل،ويشهد له ما في نهاية الشيخ(قدس سره) حيث قال: «ومتى علم ان ذلك حرام ثم استعمله فكل ما يحصل له من ذلك محرم عليه، ويجب عليه رده على صاحبه»((64))؛ اذ تخصيص الحرمة ووجوب الرد بما يحصل له من المعاملة الربوية دون الاصل يشهد على ان المعاملة بالنسبة اليه ليست بفاسدة؛ والا لزم عليه رده ومطالبة مقابله مما اعطاه».

ونحوه ما في السرائر حيث قال: «فيجب على الانسان معرفته ليتجنبه ويتنزه عنه، فمن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم ان ذلك محظور فليستغفر الله تعالى في المستقبل ويتوب اليه، وقد تاب الله عليه فيما مضى، ومن علم ان ذلك حرام ثم استعمله؛ فكل ما يحصل له من ذلك محر م عليه ويجب رده على صاحبه» ((65)).

وثانيا - ان الاجماع على تقدير ثبوته لا يفيد مع احتمال ان يكون مستندهم هو ما عرفت من الوجوه السابقة، فلاتغفل.

حكم اشتراط الزيادة:

وينقدح مما مر حكم ما اذا اشترطت الزيادة العينية في المعاملة؛ فان مقتضى ما عرفت هو صحة اصل المعاملة؛ لعدم تمامية ما استدلوا به للبطلان، وعليه فاذا اشترطت الزيادة العينية فستكون محكومة بالحرمة والفساد دون اصل المعاملة، بناء على ما مر من الحاقها بزيادة الجزء.

واما ما في الملحقات من ان «شرط الزيادة في احد العوضين موجب لعدم صدق المماثلة المشترطة في صحة المعاملة،والشرط الفاسد انما لا يفسد اذا لم يكن موجبا لفقد شرط في اصل المعاملة او احداث مانع فيها؛ والا فيكون مفسدا كمافي الشرط الذي يوجب الجهالة او الغرر» ((66))، فقد عرفت ما فيه من ان الاخبار الدالة على اعتبار المماثلة لم تكن في مقام بيان فساد اصل المعاملة بل كانت في صدد تبيين مورد الربا عن غيره او وحدة بعض الاجناس مع البعض. وعليه فالشرط المذكور وان اوجب عدم المماثلة في المعاملة وصار سببا للحرمة وبطلان المجموع بما هو مجموع، ولكن لايلزم من ذلك بطلان اصل المعاملة او احداث مانع فيه حتى يكون مفسدا.

هذا مضافا الى ما في جامع المدارك من ان «الظاهر من دليل اعتبار المماثلة مماثلة مدخول الباء في قول البائع: «بعت هذا بهذا»، والشرط لا يكون مدخول الباء، ومع الشك المرجع عمومات ادلة البيع» ((67))، فتامل.

لا يقال: ان النهي وان كان متوجها الى الزيادة ولكن يسري منها الى اصل المعاملة عرفا، كما اذا قيل: «بعتك هذا بذابشرط ان تشرب الخمر» فانه يفهم منه عرفا حرمة البيع ايضا.

لانا نقول - كما افاد السيد(قدس سره) - : «على فرض تسليم ذلك لا يخفى عليك ان النهي حينئذ ليس متعلقا بذات المعاملة من حيث هي، بل متعلق بها لامر خارج عنها وهو اشتمالها على الشرط، وهو لا يدل على الفساد» ((68)).

هذا غاية ما يمكن ان يقال في تقريب صحة اصل المعاملة، ولكن مقتضى الاحتياط هو عدم العدول عما نسب الى الاصحاب من بطلان المعاملة مطلقا، وان امكن الاشكال في نسبة بطلان اصل المعاملة اليهم؛ لذهابهم الى كفاية ردالزيادة من غير فرق بين البيع ونحوه وبين القرض، ولا بين صورة وجود المال وبين تلفه، بل عن بعضهم نفي الخلاف فيه، وعن المقداد والكركي الاجماع عليه، وهذا لا ينسجم مع القول بالبطلان؛ والا لحكموا بوجوب رد الاصل ايضا،فتامل.

صحة اصل القرض الربوي وبطلانه بالنسبة للزيادة:

ذهب صاحب الجواهر في كتاب القرض الى فساد اصل القرض ايضا، واستدل له باخبار تدل على عدم جواز شرط النفع:

«منها - موثقة اسحاق بن عمار: سالت ابا الحسن(ع) عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا فيعطيه شيئا من ربحه مخافة ان يقطع ذلك عنه، فياخذ ماله من غير ان يكون شرط عليه؟ قال: «لا باس بذلك ما لم يكن شرطا» ((69)).

وصحيحة الحلبي: سالت ابا عبد الله(ع) عن الرجل يستقرض الدراهم البيض عددا ثم يعطي سودا وزنا وقد عرف انهااثقل مما اخذ وتطيب نفسه ان يجعل له فضلها؟ فقال: «لا باس اذا لم يكن فيه شرط...» ((70)).

وصحيحة الحلبي: «اذا اقرضت الدراهم ثم جاءك بخير منها فلا باس اذالم يكن بينكما شرط» ((71)).

وخبر خالد بن الحجاج: سالته عن رجل كانت لي عليه مئة درهم عددا فقضاها مئة وزنا؟ قال: «لا باس ما لم يشترط». - قال: - وقال: «جاء الربا من قبل الشروط، انما يفسده الشروط» ((72))».

ثم استظهر منها فساد القرض بهذا الشرط لا ان الشرطيفسد خاصة، ولعل وجه الاستظهار هو ان مفهوم هذه الروايات هو وجود المنع والباس في نفس القرض عند الشرط، ومقتضاه فساد القرض والشرط.

ثم اردف قائلا: «فيكون الشرط في صحة القرض عدم هذا الشرط، كما هو ظاهر صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع): «من اقرض رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها، فان جوزي اجود منها فليقبل. ولا ياخذ احد منكم ركوب دابة اوعارية متاع يشترطه من اجل قرض ورقه» ((73))؛ ضرورة ظهور النهي فيه في الشرطية كما في نظائره.

مضافا الى النبوي: «كل قرض يجر منفعة فهو حرام» المراد منه - بقرينة غيره - صورة الشرط المنجبر بكلام الاصحاب، بل قيل: انه اجماع، بل في المختلف الاجماع على انه اذا اقرضه وشرط عليه ان يرد خيرا مما اقترض كان حراما وبطل القرض. فحرمة القرض منه حينئذ ظاهرة في فساده وانه لم يفد الملك، فيحرم على المستقرض التصرف فيه، وهومضمون عليه؛ لكونه مقبوضا على ذلك، ولان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».((74))

وحاصله: ان المستفاد من الاخبار هو اشتراط عدم الشرط في صحة القرض والمنع عن صورة الشرط، ومقتضاه هوالفساد. ثم ان المراد من القرينة التي توجب حمل النبوي على صورة الشرط هي الروايات الدالة على ان خير القرض ماجر منفعة كما سياتي.

واورد عليه في جامع المدارك بان: «الاخبار السابقة عدا صحيح محمد بن قيس لا يستفاد منها الا ثبوت الباس مع الشرط وتحقق الربا، والربا هو الزيادة على العوض الاعم من المثل والقيمة، ولا يستفاد منها فساد القرض.

واما صحيح محمد بن قيس فيشكل استظهار حرمة القرض منه؛ من جهة الفرق بين هذا الشرط المذكور وسائر الشروط المذكورة في المعاملات كشرط عدم الغرر وغيره؛ حيث ان سائر الشروط لا اثر لها الا صحة المعاملة معها وعدم الصحة مع انتفائها.

واما اشتراط الزيادة فالظاهر حرمته مع قطع النظر عن اشتراط صحة القرض بعدمه، نظير حرمة الكتابة والشهادة في الربا»((75)).

هذا مضافا الى شهادة ذيل صحيحة محمد بن قيس على ان المقصود من اعتبار عدم الشرط الزائد لعدم الابتلاء بالزائدالحرام من ركوب دابة او عارية متاع، لا لاعتباره في صحة اصل القرض، كما ان ثبوت الباس في الاخبار الاخر في القرض مع الشرط لوجود شرط المنفعة والربا لا نفس القرض، فانهما راجعان الى الشرط والزيادة، وهو لا يوجب فساد اصل القرض.

ولعله لذلك قال في الملحقات: «يمكن ان يقال بعدم البطلان... فان النهي فيه متعلق بخصوص الزيادة، ولا ينفع سرايته الى اصل القرض، وعلى فرض تسليمه فلا يدل على بطلان اصل القرض، فيشكل الحكم بفساده وان حكي عن المختلف الاجماع على فساده لكنه غير بات، ولذا اختار صاحب الجواهر عدم البطلان هنا، وان اختار البطلان في باب القرض» ((76)).

نعم، ظاهر النبوي: «كل قرض يجر منفعة فهو حرام» - بعد حمله على صورة الشرط - حرمة اصل القرض، بل ربما يروى «كل قرض يجر منفعة فهو فاسد» لكنه - كما في الحدائق - ليس من طرقنا.

بل يظهر من بعض الاخبار انكاره، كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الرجل يستقرض من الرجل قرضا ويعطيه الرهن اما خادما واما آنية واما ثيابا، فيحتاج الى شيء من منفعته، فيستاذنه فيه فياذن له؟ قال: «اذاطابت نفسه فلا باس». قلت: ان من عندنا يروون ان كل قرض يجر منفعة فهو فاسد!؟ قال: «اوليس خير القرض ماجرمنفعة؟!» ((77)).

وفي خبر بشر بن سلمة عن ابي عبد الله(ع)، قال: قال ابو جعفر(ع): «خير القرض ما جر المنفعة» ((78)).

وفي خبر محمد بن عبده قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن القرض يجر المنفعة؟ قال: «خير القرض الذي يجر المنفعة»((79)).

فالخبر المذكور مورد للانكار، ومعه لا دليل على بطلان اصل القرض.

واما الاستدلال بقوله(ع) في ذيل رواية خالد: «انما يفسده الشروط» بدعوى دلالتها على فساد القرض، ففيه:
اولا: انها ضعيفة.
وثانيا: ان الضمير راجع الى الربا لا القرض.

فالقول بالبطلان اذا مبتن على كون الشرط الفاسد مفسدا، وهو ممنوع كما قرر في محله.

لا يقال: ان النبوي المذكور منجبر بعمل الاصحاب، والمراد منه هو صورة الاشتراط بقرينة الروايات الاخرى الدالة على ان خير القرض ما جر المنفعة، وعليه فيكفي الخبر المزبور لفساد القرض؛ لدلالته على حرمة نفس القرض.

لانا نقول:
اولا: لم يثبت الاجماع.
وثانيا: لم يحرز استنادهم الى النبوي المذكور، فتدبر جيدا.

وليس القرض من المعاوضات الجعلية، وان كان هو تمليك عين بالتغريم، فلا يمكن الاستدلال لفساد القرض بادلة اعتبار المماثلة في المعاوضات بناء على تمامية دلالتها، كما لا تجري فيه الوجوه الاخرى المذكورة في البيع وغيره من المعاملات.

هذا مضافا الى ان القرض اعم موضوعا من البيع والمعاملة؛ لعدم اختصاص حرمة الزيادة في القرض بالمتجانسين،فالدليل على الاخص - على فرض تماميته - لا يكفي للاعم.

وربما يستدل بموثقة محمد بن مسلم على صحة العقد القرضي مع بطلان الشرط للزيادة فقط ، وقد رواهاالصدوق(رحمه الله) باسناده عن ابان، عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر(ع) في الرجل يكون عليه دين الى اجل مسمى فياتيه غريمه فيقول: انقدني من الذي لي كذا وكذا واضع لك بقيته، او يقول: انقدني بعضا وامد لك في الاجل فيما بقي؟ فقال: «لا ارى به باسا ما لم يزد على راس ماله شيئا، يقول الله عزوجل: (فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولاتظلمون)» ((80)). فالامام(ع) يقول: لا ارى به باسا ما لم يزد على راس ماله شيئا، فكانت الزيادة على راس المال هي التي فيها باس، فيكون القرض الذي هو تمليك في مقابل الضمان على حاله.((81)) ولكن لقائل ان يقول: لا فرق بينه وبين سائر الاخبار في عدم الدلالة على الصحة؛ فان غايته وجود الباس مع الزيادة، فيجيء فيه البحث ان الباس مختص بنفس الزيادة او يعم الاصل ايضا؟ فلا دلالة للرواية على الصحة.

فالاظهر ان اصل القرض ليس بفاسد؛ لعدم دليل على فساده بالخصوص، والشرط الفاسد لا يفسد العقد ما لم يوجب خللا فيه، والمفروض ان الربا لا يوجب خللا في نفس القرض.

ومما ذكر يظهر انه يجوز اخذ القرض ممن لا يقرض الا بالربا مع عدم قصد الربا؛ فان اخذ القرض حينئذ ليس بربوي؛لعدم القصد وان قصده المقرض.

لا يقال: انه مع عدم قصد الزيادة لا يكون القرض مقصودا.
فانه يقال: ان المفروض في القرض الربوي وجود التزامين:
احدهما: الالتزام باداء شيء بضمان مثله او قيمته، وثانيهما:الالتزام باداء الزيادة، فمع عدم القصد يختل الالتزام الثاني لا الالتزام الاول.

ثم ان الزيادة ترد الى مالكها، ولا يجب اداؤها لو لم يؤدها، ولا فرق في ذلك بين الاشخاص الحقيقيين او الحقوقيين حتى الزيادة الماخوذة من قبل الدولة في زمان النظام الحاكم قبل انتصار الثورة وقيام الجمهورية الاسلامية؛ فانه يجب على الدولة ارجاعها الى ملاكها.